تحليلاتقلم وميدان

قراءة في مشروع النظام الرئاسي في تركيا

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

يناقش البرلمان التركي منذ يوم الإثنين (9 يناير 2017) مشروع التعديل الدستوري لتغيير النظام السياسي في البلاد من برلماني إلى رئاسي، وهو المشروع الذي قدمه حزب العدالة والتنمية بعد التباحث والتوافق مع حزب الحركة القومية المعارض.

وقبل العدالة والتنمية، نادى بالنظام الرئاسي كل من تورغوت أوزال ونجم الدين أربكان دون أن يستطيعا طرحه عملياً. حتى العدالة والتنمية الذي يتبنى هذه الفكرة لم يطرحها للنقاش العام بشكل جدي إلا في السنتين الأخيرتين، قبل أن يتبلور في مشروع مقدم للبرلمان خلال الأسابيع الأخيرة فقط.

 

مشاكل بنيوية:

ثمة سببان نظريان مباشران خلف هذه الفكرة، فضلاً عن خلفية عملية لا تقل أهمية عنهما. فالدستور المطبق حتى الآن في تركيا هو دستور عام 1982 الذي صاغه انقلابيو 1980، وهو يتضمن إشكالات بنيوية عديدة في مقدمتها تعارض صلاحيات المؤسسات المختلفة وبطء آلية اتخاذ القرار. منح ذلك الدستورُ الرئيسَ (قائد الانقلاب كنعان افريم في ذلك الوقت) صلاحيات واسعة لـ “ضبط” وفرملة عمل الحكومة والبرلمان في حين يفترض أنه منصب فخري في النظام البرلماني.

ولم يكن 18 تعديلاً دستورياً طرأ على هذا الدستور منها تسعة في عهد العدالة والتنمية، عدلت 108 بنود فيه، كافية لعلاج تلك التعارضات والإشكالات البنيوية، بل لعل تعديل عام 2007 الذي أتاح انتخاب الرئيس مباشرة من الشعب قد عمّق منها، إذ منح المنصب شرعية شعبية إضافة للانتخابية وحوَّلَ ذلك النظامَ إلى ما يشبه “الهجين” بين الرئاسي والبرلماني، وهي وصفة فشل في ظل أي خلاف حقيقي بين الرئيس ورئيس الوزراء.

وفي تاريخ تركيا الحديث، تحظى الائتلافات الحكومية بسمعة غير طيبة، سيما في سبعينيات وتسعينيات القرن الماضي، حيث أدى الفشل ثم الانهيار المتكرر لها إلى حالة انسداد سياسي وأزمات اقتصادية خانقة، مما أضاف إلى أهمية ومحورية الخروج من الوضع الحالي الذي يشبه نظاماً برأسين (الرئيس ورئيس الحكومة) إما إلى نظام برلماني خالص أو إلى رئاسي محض.

 

أهم المواد التعديلات:

اختار العدالة والتنمية النظام الرئاسي بطبيعة الحال، ولأنه لا يملك العدد الكافي من النواب لإقراره عبر البرلمان فقد سعى إلى التوافق مع حزب الحركة القومية على المشروع، وبعد مداولات استمرت لأسابيع قدم الحزب مشروعه للجنة الدستورية في البرلمان، والتي أقرته ونقلته للجمعية العمومية في البرلمان.

ثمة مجموعة من التعديلات المتعلقة بإصلاح القضاء كان قد توافق عليها الحزب الحاكم مع كل من الشعب الجمهوري والحركة الديمقراطية، لكن الجزء الرئيس في الحزمة المقدمة منه للبرلمان تتعلق بالتحول نحو النظام الرئاسي.

ولأن منصب الرئيس في الدستور الحالي واسع الصلاحيات في مقابل حصانة كاملة ضد الرقابة والمحاسبة إلا بتهمة الخيانة العظمى، فقد شملت مواد المشروع تعديلات على صلاحيات الرئيس من جهة وكيفية محاسبته من جهة أخرى، فضلاً عن منحه صفة “رئيس الدولة” إلى جانب اسمه الاصطلاحي في الدستور وهو “رئيس الشعب”، والسماح له بالحفاظ على العلاقة التنظيمية بحزبه بعكس الدستور الحالي.

ويقرر المشروع أن الرئيس يجب أن يكون مواطناً تركياً قد بلغ الأربعين وحاصلاً على تعليم جامعي ومتمتعاً بالمواصفات الأساسية المطلوبة للترشح للبرلمان، على أن ينتخب من الشعب مباشرة لمدة 5 سنوات ولمرتين فقط كحد أقصى.

إضافة إلى ذلك، فقد أزيل منصب رئاسة الحكومة من مشروع الدستور فالرئيس هو الذي سيعين الوزراء فضلاً عن نوابه ومساعديه، كما رُفع عدد أعضاء البرلمان من 550 إلى 600، وخفِّضَ سن الترشح للبرلمان من 25 إلى 18.

 

مقاربة العدالة والتنمية

لطالما رغب حزب العدالة والتنمية بصياغة دستور جديد للبلاد يمثل خلاصاً نهائياً من الوصاية العسكرية والقانونية وترسيخاً وتثبيتاً لكل ما قام به من إنجازات وتعديلات دستورية على مدى السنوات الماضية، لكنه لم يستطع رغم توافق كل الأحزاب الأخرى على ضرورة إنجاز دستور مدني للبلاد. والحال كذلك، ركز الحزب على جزئية التحول للنظام الرئاسي مبدئياً، فضلاً عن حوالي 60 مادة أخرى تتعلق بالحريات العامة، وحزمة ثالثة لتطوير السلك القضائي تم التوافق عليها مع أحزاب المعارضة.

ويرى الحزب في النظام الرئاسي حاجة ماسة لتركيا اليوم وعلى المدى البعيد، لإزالة التعارض في الصلاحيات وتسريع آلية اتخاذ القرار وإعطاء زخم للإصلاحات الاقتصادية تحديداً. فمن المعروف أن النظام الرئاسي يهدف في الأساس للاستقرار السياسي إذ يسمح بتشكيل حكومات قوية ومتجانسة ومحصنة من إسقاط و/أو انهيار الائتلافات الحكومية بسبب برامج الأحزاب المتناقضة، فضلاً عن تقويتها في مواجهة الضغوط الخارجية التي ستكون أكثر تأثيراً في الحكومات الائتلافية. كما أنه يساهم في تفعيل رقابة البرلمان إذ يفصل بينه وبين الحكومة، بينما يضعِف النظام البرلماني عمله التشريعي هذا بسبب التداخل والتقاطع بينه وبين الحكومة باعتبار أن الوزراء وعدداً غير يسير من مستشاريهم هم أيضاَ أعضاء في البرلمان.

 

تحفظات المعارضة

من جهتها، هاجمت المعارضة -سيما حزب الشعب الجمهوري -المشروع من زاوية شخص أردوغان، وهو ما أوحى أن دوافعها شخصية كيدية و/أو تتعلق بضعف فرصها في تصعيد رئيس منها في ظل الاستقطاب المتصاعد في صفوف الشعب بين حوالي 65% من المحافظين واليمينيين في مقابل حوالي 35% من اليساريين والعلمانيين.

مؤخراً أعد الحزب دراسة (رأياً) كتعقيب على المشروع ونشره في وسائل الإعلام بعد طرحه في اللجنة الدستورية للبرلمان. رأى فيه أكبر أحزاب المعارضة أن مشكلة تركيا ليست في النظام البرلماني بل في إجراءات الحكومة، وأن المشروع الذي تقدم به الحزب الحاكم يهدف إلى تغيير نظام الحكم في البلاد أي يستهدف النظام الجمهوري برمته وليس مجرد نظام الإدارة البرلماني، ليؤسس لـ “دستور دكتاتوري” بسبب غياب آليات الضوابط والتوازنات (checks and balances) وعدم الفصل الواضح فيه بين السلطات الثلاث.

 

تحت هذا العنوان العريض، يمكن تلخيص أبرز اعتراضات حزب الشعب الجمهوري بما يلي:

1ـ عدم استيفاء شرط التوافق المجتمعي والسياسي، باعتبار أن المشروع جاء بتفاهمات بين العدالة والتنمية والحركة القومية، وقدم سريعاً للبرلمان قبل أن يحظى بالفرصة الكافية من النقاش والتداول، فضلاً عن طرحه على البرلمان في ظل حالة الطوارئ مما يقدح بسلامة النقاشات والتصويت من وجهة نظره.

2ـ الصلاحيات التشريعية الواسعة للرئيس، حيث من حقه إصدار مراسيم وتعميمات لها قوة القانون وتصبح نافذة ما لم تصادم تشريعاً برلمانياً، فضلاً عن أن المشروع يعطيه حق حل البرلمان والدعوة لانتخابات مبكرة دون تحديد الشروط والظروف اللازمة لذلك، وهو ما اعتبره الحزب تغولاً على البرلمان ووظيفته التشريعية. (كما أن البرلمان أيضاً يملك من الناحية النظرية الدعوة لانتخابات رئاسية في المقابل).

3ـ تحكم الرئيس بالسلطة القضائية إلى حد بعيد، حيث يعين هو حوالي نصف أعضاء المحكمة الدستورية، ونصف أعضاء محكمة النقض (العليا)، ونصف أعضاء مجلس الدولة، ونصف أعضاء الهيئة العليا للقضاة والمدعين العامين، فضلاً عن مساهمة حزبه في اختيار جزء منهم عبر البرلمان.

4ـ صعوبة محاسبة الرئيس. لقد حدد النص الأولي للمشروع نسبة ثلثي أعضاء البرلمان لفتح تحقيق مع الرئيس ونسبة ثلاثة أرباع لإحالته على المحكمة الدستورية لمحاكمته، لكن المداولات مع الحركة القومية ثم في اللجنة الدستورية خفضتهما إلى النصف والثلثين على التوالي. فإذا ما وضعنا في الاعتبار نسبة حزب الرئيس في البرلمان (يفترض أنه الحزب الأول باعتبار أن انتخابات الرئاسة والبرلمان متزامنتان) ومساهمة الرئيس في اختيار حوالي نصف الهيئة العليا للقضاة والمدعين العامين ونصف المحكمة الدستورية، تصبح فكرة محاكمة الرئيس شبه مستحيلة عملياً من وجهة نظر المعارضة.

5ـ ضعف رقابة البرلمان على الحكومة، فرغم أن النظام الرئاسي يزيد نظرياً من إمكانات البرلمان لمتابعة الحكومة ومراقبتها، إلا أن المشروع لم يُعط البرلمان حق التصويت على منح الثقة للحكومة ولا على سحبها، ولا حتى حق مساءلة أو استجواب الوزراء، بل غاية ما مُنح للبرلمان هو توجيه سؤال خطي لهم. إذ يعتبر المشروع أن الحكومة من اختيار الرئيس وتنفذ برنامجه الذي انتخب على أساسه، أي أنها تحظى بثقة الشعب بشكل غير مباشر، بينما يكون التقييم والحساب في الانتخابات الرئاسية سلباً أو إيجاباً.

 

خلاصة

بعيداً عن تحفظات جزء من المعارضة، باعتبار أن الحركة القومية وهو ثاني أحزاب المعارضة مؤيد للمشروع، فإن إعطاء صلاحيات كبيرة لمنصب الرئاسة في ظل عدم الفصل الكامل بين السلطات وعدم انتظام آليات الضبط والتوازن في النظام الرئاسي (سيما وأن تركيا رافضة حالياً لتقوية الإدارات المحلية بسبب تأزم القضية الكردية)، له محاذير جدية ومخاطر كبيرة على المدى البعيد بغض النظر عن اسم الرئيس وخلفيته.

لقد أقر البرلمان حتى كتابة هذه السطور ثماني مواد بتأييد ما معدله 340 نائباً، في حين يكفي 330 منهم لتمرير المشروع عبر البرلمان إلى استفتاء شعبي، وهو ما يعني أن الحزب القومي ملتزم حتى الآن بدعمه للمشروع فضلاً عن إجماع العدالةوالتنمية خلفه. ويُفترض أن يبدأ البرلمان (اليوم أو غداً نقاش المواد الجدلية المتعلقة بصلاحيات الرئيس والبرلمان، وهو ما يعني أن الحدة التي رأيناها في جلسات الأيام الماضية (وصلت لحد “عض” أحد النواب رجل زميله) مرشحة للتصاعد، بينما تراهن بعض الأطراف على حدوث مفاجآت في نسب التصويت والتأييد لهذه المواد الجدلية إما ضغطاً على الحزب الحاكم لتغيير بعض التفاصيل، أو إفشالاً للمشروع برمته، وهو سيناريو ضعيف الفرص برأينا وإن كان وارداً بطبيعة الحال.

أما إذا أقِرَّتْ جميع المواد ثم المشروع ككل بالنسب ذاتها، خلال أسبوعين كما هو متوقع، فسيكون المشروع موضوع استفتاء دستوري يريده العدالة والتنمية في الربيع القادم، بينما يمكن أن يؤخره أكثر لجوء الشعب الجمهوري للمحكمة الدستورية للطعن في دستوريته وهو تطور متوقع، أو إطالة أمد حالة الطوارئ مدة أخرى بعد نهايتها في نيسان/أبريل القادم.

إن فرص المشروع في الاستفتاء، واحتمالات النجاح والفشل، والسيناريوهات البديلة أو المتوقعة بما فيها سيناريو الانتخابات المبكرة للبرلمان التي ألمح إليها دولت بهجلي رئيس حزب الحركة القومية قبل يومين، كلها سياقات وتفاصيل مهمة بطبيعة الحال لكنها خارج سياق هذا المقال (1).

———————————–

الهامش

(1) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية”.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *