حقوقي

قضايا حقوق الإنسان: الاختفاء القسري

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

تمهيد:

خلال السنوات القليلة الماضية، برز على سطح الأحداث السياسية المتقلبة والمُتسارعة مصطلح “الاختفاء القسري”، ذاك المصطلح الذي لم يكُن للمصريين أية دراية به، فهو أمرٌ نادرًا ما كان يحدث، حتى في أعتى فترات القمع السياسي المتعاقب على مصر. هذا الانتهاك، الذي يعمل على حرمان الشخص من “حماية القانون له”.

الاختفاء القسري الآن أصبح مفهوماً يُتردد كثيرًا بين المصريين، المؤيدين والمعارضين، المهتمين وغير المهتمين. حيث انتشر هذا الانتهاك بشكلٍ مُخيف خلال السنوات الماضية، وبالأحرى منذ 05 مارس/آذار 2015، بداية تولي اللواء/ مجدي عبد الغفار وزارة الداخلية، والذي استحدث هذ الانتهاك بشكل مُتكرر وممنهج، مع المعارضين السياسيين، حتى باتت مصر في المراتب الأولى (عالميًا) في هذه الجريمة، والتي لم تكن حتى بهذا الشكل (كمًا وكيفًا) أثناء فترة حكم الرئيس المصري الأسبق/ محمد حسني مبارك.

أولاً: مفهوم الاختفاء القسري:

الاختفاء القسري، عُرف بالكثير من التعاريف في المواثيق الدولية المُتعددة، ويُعد أقرب تعريف له: “احتجاز أو اختطاف أو اعتقال، أو أي عمل يحرم الإنسان من حريته، على يد فرد أو مجموعة أو جهة تابعين لسلطة النظام الحاكم أو أشخاص أو جهات يتصرفون بأوامر أو بدعم أو بإذن النظام الحاكم، بغية حرمان الشخصية من حماية القانون، ولا تعترف تلك الجهة بحرمان المختفي أو المختطف من حريته، بل تنكر معرفة مصيره ومكان وجوده”.

وكما ورد في المادة الأولى من إعلان الأمم المتحدة بخصوص حماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري1 لسنة 1992، فإن الاختفاء القسري:

  1. يعتبر كل عمل من أعمال الاختفاء القسري جريمة ضد الكرامة الإنسانية ويدان بوصفه إنكارًا لمقاصد ميثاق الأمم المتحدة، وانتهاكًا خطيرًا وصارخًا لحقوق الإنسان والحريات الأساسية التي وردت في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وأعادت تأكيدها وطورتها الصكوك الدولية الصادرة في هذا الشأن.
  2. ينتهك قواعد القانون الدولي التي تكفل، ضمن جملة أمور، حق الشخص في الاعتراف به كشخص في نظر القانون، وحقه في الحرية والأمن، وحقه في عدم التعرض للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، كما ينتهك الحق في الحياة أو يشكل تهديدًا خطيرًا له.

وعلى ذلك، فقد نصت الاتفاقية الدولية المعنية بحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري2 ، والصادرة من الأمم المتحدة برقم 61/177 ديسمبر 2006م، على: “عدم جواز تعرض أي شخص للاختفاء القسري”.

وانطلاقًا من ذلك، ووصفًا لحالة حقوق الإنسان في مصر، وما وصلت إليه من حالةٍ متردية فيه خلال السنوات السابقة، تم رصد تصاعدًا سريعًا في حالات الاختفاء القسري، تجاوز –طبقًا لآخر الإحصاءات– قرابة (3200 حالة) اختفاء، تمت تحت نظر الجهات الأمنية، حتى أصبحت سلاحًا مُستخدمًا في أيدي السلطة ضد مُعارضيها بلا أدنى مُحاسبة.

ثانياً: الاختفاء القسري والقانون الدولي:

ترقى جريمة الاختفاء القسري، إلى الجرائم ضد الإنسانية، وذلك وفقًا لنظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية3 المُعتمد في 17 يوليو 1998، والذي حدد الجرائم ضد الإنسانية بأنها أي فعل من الأفعال متى ارتكبت في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي ضد أية مجموعة من السكان المدنيين.

وقد عرفت الجنائية الدولية الاختفاء القسري بأنه: “إلقاء القبض على أي شخص/أشخاص، أو احتجازه، أو اختطافه من قبل دولة أو منظمة سياسية، أو بإذن أو دعم منها لهذا الفعل أو بسكوتها عليه، ثم رفضها الإقرار بحرمان هؤلاء الأشخاص من حريتهم أو إعطاء معلومات عن مصيرهم أو عن أماكن وجودهم بهدف حرمانهم من حماية القانون لفترة زمنية طويلة”.

وجاء في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لسنة 1998، أن تورط قوات الشرطة في القبض على الأفراد وتعمدها إنكار ذلك أو حجب حقيقة ما حدث للمقبوض عليهم عند سؤال ذويهم، ممَّا يترتب عليه وضع هؤلاء خارج حماية القانون هو الأمر الذي يرقى إلى تعريف الاختفاء القسري والذي يعد أحد الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي تعتبر من بين الجرائم ضد الإنسانية.

وفي الاتفاقية الأمريكية بشأن الاختفاء القسري للأشخاص4 ، والتي دخلت حيز التنفيذ في 28 مارس 1996، رأت الدول الموقعة أن جريمة الاختفاء القسري هي إهانة للضمير وجريمة بغيضة ضد كرامة الإنسان الملازمة له ورأت أن ممارستها تتعارض مع مبادئ وأهداف ميثاق منظمة الدول الأمريكية.

ورغم أن مصر ليست دولة طرف في هاتين الاتفاقيتين إلا إنها طرف في اتفاقيات أخرى تحمل في طياتها حقوق تحمي الأفراد من الاختفاء القسري، وأهم هذه الاتفاقيات العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية5 لسنة 1966 واتفاقية مناهضة التعذيب6 لسنة 1984 حيث تضع الاتفاقية الأولى ضمانات ضد الاعتقال التعسفي والاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي وهما من العوامل المؤدية للاختفاء القسري وتلزم الاتفاقية الثانية الدولة اتخاذ إجراءات تشريعية أو إدارية أو قضائية فعَّالة وغيرها من الإجراءات لمنع أعمال التعذيب، وقد نصت المادة 9 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، على أنه:

  1. لكل فرد حق في الحرية وفى الأمان على شخصه ولا يجوز توقيف أحد أو اعتقاله تعسفيًا، ولا يجوز حرمان أحد من حريته إلا لأسبابٍ ينص عليها القانون وطبقًا للإجراء المقرر فيه.
  2. يتوجب إبلاغ أي شخص يتم توقيفه بأسباب هذا التوقيف لدى وقوعه، كما يتوجب إبلاغه سريعًا بأية تهمة توجه إليه.
  3. يقدم الموقوف أو المعتقل بتهمة جزائية، سريعًا، إلى أحد القضاة أو أحد الموظفين المخولين قانونًا مباشرة وظائف قضائية، ويكون من حقه أن يُحاكم خلال مهلة معقولة أو أن يُفرج عنه، ولا يجوز أن يكون احتجاز الأشخاص الذين ينتظرون المحاكمة هو القاعدة العامة، ولكن من الجائز تعليق الإفراج عنهم على ضمانات لكفالة حضورهم المحاكمة في أية مرحلة أخرى من مراحل الإجراءات القضائية، ولكفالة تنفيذ الحكم عند الاقتضاء.
  4. لكل شخص حرم من حريته بالتوقيف أو الاعتقال حق الرجوع إلى محكمة، لكي تفصل هذه المحكمة دون إبطاء في قانونية اعتقاله، وتأمر بالإفراج عنه إذا كان الاعتقال غير قانوني.
  5. لكل شخص كان ضحية توقيف أو اعتقال غير قانوني حق في الحصول على تعويض.

وتنتهك جريمة الاختفاء القسري عدة حقوق، أهمها:

الأول: حق الشخص في الحياة، حق الفرد في عدم حرمانه من الحياة، ومن الحماية القانونية.

الثاني: حق الشخص في عدم التعرض للتعذيب، وحقه في المعاملة الإنسانية غير المهينة.

الثالث: حق الشخص في الحرية والأمن: “لكل فرد الحق في الحياة والحريةٌ وفى الأمان على شخصه”.

الرابع: حق في الحياة الأسرية، فضلًا عن الحقوق ذات الطابع الاقتصادي والثقافي والاجتماعي.

كما تنص المادة 9 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 7، على أنه: “لا يجوز اعتقال أي إنسان أو حجزه أو نفيهٌ تعسفًا”.

وقد دخلت الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري حيز التنفيذ في عام 2010،  وتهدف إلى منع الاختفاء القسري وكشف تفاصيل حقيقة ما جرى والحرص على حصول الناجين وعائلات الضحايا على العدالة، وتُعد هذه الاتفاقية واحدة من أقوى معاهدات حقوق الإنسان التي تبنتها الأمم المتحدة إلا أن الواقع في مصر يقول أن السلطات المصرية لا تعبأ بهذه المعاهدة ولا غيرها من المعاهدات الخاصة بحقوق الإنسان فهي لم تُوقع أو تُصدق عليها، ورغم توقعيها على معاهدات أخرى إلا أن الممارسات الصادرة عن السلطات بشأن جريمة الاختفاء القسري تؤكد أن السلطات في مصر تغض الطرف عن كل المعاهدات والمواثيق الدولية التي ذكرناها سابقًا فيما يخص حالات الاختفاء القسري.

ثالثاً: الاختفاء القسري في الدستور والقوانين المصرية:

لم يرد مُصطلح الاختفاء القسري في التشريعات المصرية كمُصطلح يُعبر عن حالات اعتقال الأشخاص وعدم إفصاح السُلطة عن أماكن تواجدهم، فرُغم أنها ظاهرة باتت هي الأصل في التخلص من الخصوم السياسيين للدولة إلا أن المُشرع المصري لم يلتفت إليها، بل إن هذا المصطلح اصطلاحًا دوليًا وَرد في الإعلان المتعلق بحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها 47/133 المؤرخ 18 ديسمبر 1992، ومن ثمَّ صدور الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري التي صدرت في ديسمبر 2006، ولم يتم التوقيع أو التصديق عليها من قبل مصر حتى الآن.

ونصت في المادة الأولى منها، على: لا يجوز تعريض أي شخص للاختفاء القسري. لا يجوز التذرع بأي ظرف استثنائي كان، سواء تعلق الأمر بحالة حرب أو التهديد باندلاع حرب، أو بانعدام الاستقرار السياسي الداخلي، أو بأية حالة استثناء أخرى، لتبرير الاختفاء القسري.

1ـ الاختفاء القسري في الدستور المصري:

لم يضع المُشرع تحديدًا مُحددًا لمصطلح الاختفاء القسري في دستور مصر المعدل لسنة 2014، واكتفى بإيراد استثناءات للتعدي على الحرية الشخصية أفرغ نصوصه المتضمنة الحق في الحرية الشخصية من كونها وثيقة حكم إلى مجرد تنظيم قانوني للقبض والحبس بالكاد تضع الحد الأدنى من الحماية من الاختفاء القسري.

فتنص المادة 54 من الدستور، على: “الحرية الشخصية حق طبيعي، وهي مصونة لا تمس، وفيما عدا حالة التلبس، لا يجوز القبض على أحد، أو تفتيشه، أو حبسه، أو تقييد حريته بأي قيد إلا بأمر قضائي مسبب يستلزمه التحقيق. ويجب أنُ يبلغ فوراً كل من تقيد حريته بأسباب ذلك، ويحاط بحقوقه كتابة، ويمكن من الاتصال بذويه وبمحاميه فوراً، وأن يقدم إلى سلطة التحقيق خلال أربع وعشرين ساعة من وقت تقييد حريته.

ولا يبدأ التحقيق معه إلا في حضور محاميه، فإن لم يكن له محام، ندب له محام، مع توفير المساعدة اللازمة لذوي الإعاقة، وفقاً للإجراءات المقررة في القانون. ولكل من تقيد حريته، ولغيره، حق التظلم أمام القضاء من ذلك الإجراء، والفصل فيه خلال أسبوع من ذلك الإجراء، وإلا وجب الإفراج عنه فوراً. وينظم القانون أحكام الحبس الاحتياطي، ومدته، وأسبابه، وحالات استحقاق التعويض الذي تلتزم الدولة بأدائه عن الحبس الاحتياطي، أو عن تنفيذ عقوبة صدر حكم بات بإلغاء الحكم المنفذة بموجبه. وفي جميع الأحوال لا يجوز محاكمة المتهم في الجرائم التي يجوز الحبس فيها إلا بحضور محام موكل أو ٌمنتدب”.

كما نصت المادة 55 من الدستور، على: “كل من يقبض عليه، أو يحبس، أو تقيد حريته تجب معاملته بما يحفظ عليه كرامته، ولا يجوز تعذيبه، وال ترهيبه، وال إكراهه، وال إيذاؤه بدنياً أو معنوياً، وال يكون حجزه، أو حبسه إلا في أماكن مخصصة لذلك لائقة إنسانياً وصحياً، وتلتزم الدولة بتوفير وسائل الإتاحة للأشخاص ذوي الإعاقة ومخالفة شيء من ذلك جريمة يعاقب مرتكبها وفقاً للقانون وللمتهم حق الصمت، وكل قول يثبت أنه صدر من محتجز تحت وطأة شيء مما تقدم، أو التهديد بشيء منه، يهدر ولا يعول عليه”.

وأوجدت المادة 54 نوعًا من الحماية من الاختفاء القسري بنصها على الحق في الحرية الشخصية، إلا أن نفس المادة أوجدت استثناءين على هذا الحق هما حالة التلبس، واستلزام صدور أمر قضائي في غير حالة التلبس، وان كانت الحالة الثانية تبقى إلى حدا ما على هذه الحماية.

كذلك أوجدت المادة 55 نوعًا من الحماية من الاختفاء القسري بنصها على الحق فى الاحتجاز في مكان احتجاز معترف به، بإلزامها أن يكون الحبس في الأماكن المخصصة لذلك واشتراط معايير لهذه الأماكن قد يعيق الضالعين في الاختفاء القسري.

وإذا كان الدستور المصري لم يعرف أو يجرم صراحة الاختفاء القسري، فبديهي أنه لم يقرر التعويض عن الاختفاء القسري، وبالتالي يفقد المختفي قسريًا حقه في التعويض عن فترة اختفائه في حالة تقديمه للمحاكمة بعدها لأنها تسقط ولا تدخل ضمن مدة الحبس الاحتياطي والتي يعوض عنها الشخص في حالاتٍ وفقًا للمادة 54 من الدستور، التي تنص على إلزام الدولة بالتعويض عن الحبس الاحتياطي أو تنفيذ عقوبة صدر حكم بإلغائها وفقا لأحكام القانون الوطني بنصها: “وينظم القانون أحكام الحبس الاحتياطي، ومدته، وأسبابه، وحالات استحقاق التعويض الذي تلتزم الدولة بأدائه عن الحبس الاحتياطي، أو عن تنفيذ عقوبة صدر حكم بات بإلغاء الحكم المنفذة بموجبه.

إلا أن وضع مبدأ التعويض عن الحبس الاحتياطي أو عن تنفيذ عقوبة صدر حكم بات بإلغاء الحكم المنفذة بموجبه العقوبة في الدستور المصري يعضد ويعزز مبدأ التعويض عن الاختفاء القسري في الحالة الأولى، وهي حالة ثبوت المسئولية الجزائية في حق القائم بالاختفاء وفقًا لمبدأ التعويض في القانون المدني المصري، طبقًا لمبدأ التعويض عن المسئولية الشخصية عن العمل غير المشروع.

2ـ الاختفاء القسري في القانون المصري:

بالرغم من أن القانون المصري لم يُشر صراحةً إلى مصطلح الاختفاء القسري، إلا أنه تطرق إلى الحد من تلك الجريمة بطريقة غير مُباشرة في قانون الإجراءات الجنائية.

فنصت المادة 40 على: “لا يجوز القبض على أي إنسان أو حبسه إلا بأمر من السلطات المختصة بذلك قانونًا، كما تجب معاملته بما يحفظ عليه كرامة الإنسان ولا يجوز إيذاؤه بدنيًا أو معنويًا”.

ونصت المادة 42 على: “لا يجوز حبس أي إنسان إلا في السجون المخصصة لذلك ولا يجوز لمأمور أي سجن قبول أي إنسان فيه إلا بمقتضى أمر موقع عليه من السلطة المختصة، وألا يُبقيه بعد المدة المحددة بهذا الأمر”.

فرغم أن تلك المواد القانونية يُفهم منها “بمفهوم المُخالفة” تجريم الاختفاء القسري وعدم إمكانية حبس أي شخص إلا بأمر قضائي مُسبب وإلى مُدة مُحددة، إلا أن الدولة لا تلتفت إلى تلك المواد القانونية التي شُرعت منذ سنوات طويلة، وفي كل يوم يتم مخالفتها من قبل من هم من المفترض منوط بهم حماية القانون وتطبيقه، والأمر لا يقتصر فقط على رجال الضبط القضائي بل إنه طال أعضاء النيابة العامة الذين كلفهم القانون في هذا الشق الخاص بالاختفاء القسري ضرورة إشرافهم على السجون وأماكن الاحتجاز للتأكد من عدم وجود أي شخص بصفة غير قانونية.

وذلك ما تم النص عليه المادة 42 على: “لكل من أعضاء النيابة العامة ورؤساء ووكلاء المحاكم الابتدائية والاستئنافية زيارة السجون العامة والمركزية الموجودة في دائرة اختصاصهم، والتأكد من عدم وجود محبوسين بصفة غير قانونية، ولهم أن يطلعوا على دفاتر السجن وعلى أوامر القبض والحبس وأن يأخذوا صورة منها…”.

كما ذكرت المادة 43 من ذات القانون أن: “…، ولكل من علم بوجود محبوس بصفة غير قانونية، أو في محل غير مخصص للحبس، أن يُخطر أحد أعضاء النيابة العامة وعليه بمجرد علمه أن ينتقل فورًا إلى المحل الموجود به المحبوس وأن يقوم بإجراء التحقيق، وأن يأمر بالإفراج عن المحبوس بصفة غير قانونية وأن يحرر محضرًا بذلك”.

كما نص قانون العقوبات المصري على جزاء مخالفة السلطات المنوط بها ضبط المواطنين شروط القبض؛ حيث نصت المادة 280 على: “كل من قبض على أي شخص أو حبسه أو حجزه بدون أمر أحد الحكام المختصين بذلك وفي غير الأحوال التي تصرح فيها القوانين واللوائح بالقبض على ذوي الشبهة يعاقب بالحبس أو بغرامة لا تتجاوز مائتي جنيه”.

وإذا اقتفينا أثر المواد القانونية والاتفاقيات الدولية والمُعاهدات التي صدقت عليها مصر والخاصة بحفظ كرامة المواطن وتجريم القبض عليه دون سندٍ قانوني، سنجد من المواد التي لا يضعها رجال الضبط القضائي في اعتبارهم حين القبض على أحد الأشخاص، مثل المادة 9 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي صدقت عليه مصر في يناير 1982. ولا مراء في أن الاختفاء القسري لا ينال من حُرية الضحايا وأمنهم فحسب، بل يطال أيضًا حرية وأمن ذويهم وأقاربهم وأقرانهم، في محاولة اقتفاء أي أثر لمُحاولة إيجاد أبنائهم ومعرفة الاتهامات الموجهة إليهم والذنب الذي اقترفوه حتى يُنكَّل بهم بهذه الطريقة والتوسل لمعرفة أماكن احتجازهم وكونهم على قيد الحياة أم لا؟

رابعاً: الوضع الحالي للاختفاء القسري في مصر:

تصل عشرات الشكاوى يوميًا، إلى المنظمات الحقوقية “المحلية والدولية”، تفيد تعرض مواطنين مصريين للاختفاء القسري على يد رجال الأمن، مع تأكيد ذويهم على عدم توصلهم إلى مكان احتجازهم، حتى أصبحت تلك الظاهرة متكررة بشكلٍ يومي، كما ذكرنا سابقًا منذ 05 مارس/آذار 2015 وتولي اللواء/ مجدي عبد الغفار وزارة الداخلية، لحالاتٍ وصلت لقرابة 3200 حالة اختفاء قسري بمصر، تمت على يد الجهات الأمنية المصرية خلال الفترة السابقة.

فقد تعرض مواطنون كُثر للاختفاء القسري واحتجزوا سرًا دون إقرارٍ رسمي بذلك، وحُرموا من الاتصال بالمحامين وبأسرهم، وتم احتجازهم على زعم أنهم من قادة التظاهرات، ومتهمين بجرائم متعلقة بالإرهاب، لمدد تصل إلى 90 يومًا8 دون إشراف قضائي، وتعرضوا للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة من جانب ضباط المخابرات العسكرية وأفراد الشرطة وجهاز الأمن الوطني لانتزاع “اعترافات” إكراهًا لأعمالٍ لم يرتكبوها ولا تمت لهم بصلة.

اللافت للأمر، أن جميع تقارير المنظمات الحقوقية “المحلية والإقليمية والدولية”، وكذا التقارير الصادرة من الأمم المتحدة والاتحاد والبرلمان الأوربي، حتى التقارير التي تصدر من الأنظمة الغربية الداعمة للنظام الحالي “كالخارجية الأمريكية والخارجية البريطانية”، دائمًا وأبدًا لا تكتفي فقط بإثبات وقوع جريمة الاختفاء القسري بشكل مُخيف في مصر، بل تؤكد دائمًا أن تلك الجرائم المتعلقة بحقوق الإنسان بشكلٍ عام، والجرائم المُتعلقة بالاختفاء القسري والتعذيب بشكلٍ خاص، هي نتاج “منهجية متعمّدة، واسعة الانتشار، ووفق سياسية دولة بسلطاتها الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية”، ممَّا يؤكد أن هذا نهج متصاعد في هذه الجريمة، أصبحت بفعل تلك الممارسات الأمنية القمعية “ظاهرة”، وأنه استمرار للضرب بعرض الحائط بالدستور المصري القوانين المحلية، فضلًا عن الاتفاقيات والمعاهدات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان بمصر من قبل السلطات، وأن هذه السلطات قد اتخذت من الاختفاء القسري وسيلة قمع وتخلص من معارضيها.

الجدير بالذكر، أن بعض الأشخاص بعد ظهورهم لا يعودون لمنازلهم، فيعرضون على نيابات ترفض تسجيل أي تفاصيل عن اختطاف الحالة الماثلة أمامها وإخفاؤها لشهورٍ وتعرضها لضروبٍ من التعذيب، والبعض الآخر قد يُصاب بعلة مستديمة، فقد سجلت بعض الحالات أصابتها شلل كلي، وأخرى بشلل نصفي، وأخرى أصابها عجز في أداء الوظائف الجسدية كالنطق والحركة بسبب ما لاقوه أثناء اختطافهم.

وهناك من الحالات من اختفى قسريًا ثمَّ لُفقت له العديد من القضايا، وبعد حصوله على البراءة يُعاد معه الاختفاء القسري، ولعل حالة الشاب المصري/ أنس البلتاجي، خير مثال على هذه الحالة.

فهذا الشاب الذي نُكِّلَ به نكاية في والده، الأستاذ الدكتور/ محمد البلتاجي، بُغية الانتقام السياسي من قبل النظام الحالي فيمن كان مُشاركًا ومؤثرًا في ثورة 25 يناير 2011. هذا الانتقام السياسي الذي طال الجميع، في غيبةٍ تامةٍ لحقوق الإنسان ومبادئه، فقد اتُهم الشاب باتهاماتٍ وجرائمٍ طوال أربع سنوات مضت، ولُفقت له (أربع) قضايا جنائية، انتهى بهم المطاف جميعًا ببراءة تامةٍ من كل الاتهامات في جميع القضايا، ومع ذلك لم يتوقف النظام عن التنكيل به وبأسرته، فلم يتم إخلاء سبيله، بل وتم إخفاؤه قسريًا بعد آخر حكم بالبراءة له، حيث انقطعت سُبل التواصل معه منذ 12 أبريل/نيسان 2018، حتى تاريخ كتابة هذا التقرير، من قسم شرطة مدينة نصر أول بمحافظة القاهرة. هذه الحالة هي “نموذجٍ مُصغرٍ” لعشرات الحالات التي تتعرض للاختفاء والتعنت والانتقام من قبل النظام.

وهناك من الحالات ربما يلقى المختطف فيها مصير آخر “كالموت”، إما تحت وطأة التعذيب، إذ سُجلت قرابة مائتي حالة لقت حتفها نتيجة التعذيب المستمر في أماكن احتجاز مجهولة تابعة لقوات الأمن، أو لتوريط الضحايا في تهم مُلفقة بعد قتلهم لكي لا يتمكنوا من إنكارها، وما حالة الطالب/ إسلام عطيتو، إلا خير مثال، حيث اختطف من لجنة الامتحان وتم تصفيته بالرصاص الحي ومن ثم إشاعة انتمائه لتنظيم إرهابي، وسبقه عشرات الحالات بنفس السيناريو، أو أن يتم تفجيره كحادث بني سويف الذي أودى بحياة خمسة أشخاص، وسابقه في الشرقية أدت إلى وفاة ثلاثة طلاب جامعيين، وكان المشهد واحدًا رغم اختلاف توقيت ومكان الحادثين، فقد تم اختطافهم من قِبل عناصر الشرطة وقتلهم وتفجير قنبلة بجوار جثثهم واتهامهم بالضلوع في تفجيرات.

إن هذه الجريمة الآن باتت سلاحًا مستخدمًا في أيدي السلطات المصرية بلا أدنى تورع، فبشكل يومي ودوري تُسجل حالات اختفاء قسري لمعارضين مصريين، بعضهم يظهر بعد فترات متفاوتة لحسن طالعه، والآخر يلقى مصير الموت أو المجهول ( 9).


الهامش

1 )  http://hrlibrary.umn.edu/arab/b053.html

2 ) http://www.ohchr.org/AR/HRBodies/CED/Pages/ConventionCED.aspx

3 ) https://www.icrc.org/ara/resources/documents/misc/6e7ec5.htm

4 ) http://hrlibrary.umn.edu/arab/am7.html

5 )  http://hrlibrary.umn.edu/arab/b003.html

6 )  http://www.ohchr.org/AR/ProfessionalInterest/Pages/CAT.aspx

7 ) http://hrlibrary.umn.edu/arab/b001.html

8 ) هناك أكثر من 30 حالة مازالت لأكثر من ثلاث سنوات وأربع سنوات رهن الاختفاء القسري في مصر، ومنهم من هو مختفي قسريًا منذ مذبحة الحرس الجمهوري ومذبحة رابعة العدوية.

(9 ) الآراء الواردة تعبر عن كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المعهد المصري للدراسات

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *