fbpx
تقارير

قضية ريجيني الموقف الإيطالي ـ جدل القانوني والمصلحي

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

في تصريحات خلال المؤتمر الصحفي الذي عُقد في ختام أعمال المجلس الأوروبي في بروكسيل، والتي نشرتها الوكالة الرسمية الإيطالية “ANSA” ونقلتها أيضاً صحيفة إيل فاتو كوتيديانو الإيطالية، قال رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي:

“فيما يتعلق بجوليو ريجيني، هناك حقيقة هامة، وهي المعلومات بالغة الأهمية التي قدمها المدعي العام في روما، والتي أشيد بها وأشكره عليها شخصياً: لقد عملوا كثيراً وأظهروا قدرة لا تصدق على إدارة التحقيقات. ما تمكنا من معرفته أنه لدينا عناصر تدل على وجود إطار من الأدلة أو الإثباتات، لا أريد الدخول في تفاصيل فنية قد تكون لها دلالات معينة، ولكن هذا الإطار القانوني سيسمح لنا على أي حال بإجراء محاكمة إيطالية خالصة، بناء على قواعدنا وضماناتنا التي يقدمها نظامنا القضائي في جميع مراحل القضية، للتأكد من الوصول للحقيقة بشأن وفاة ثبت بالفعل أنها كانت وحشية وقاسية.”

وأضاف رئيس الوزراء كونتي قائلاً: “إنها لحظة مهمة، حيث ستكون محاكمة ذات مصداقية وذات أهمية دولية، مع إمكانية مشاركة مراقبين دوليين فيها. نحن نريد الحقيقة وسنواصل كحكومة تنفيذ كل تلك الخطوات الضرورية والوظيفية للوصول إلى هذه الحقيقة، وسنقيِّم أي مبادرة أخرى قد تظل مفيدة ومكملة لهذا المنطق فيما يتعلق بتحقيق هذا الهدف، مع احترام قواعد العدالة التي ندين بها لابننا هذا ولأسرته”.

وفي ضوء هذا التصريح الذي جاء من رئيس الوزراء الإيطالي فقط دون أي تفاعل يُذكر من وزارة الخارجية أو من وزير الخارجية بصفته المسؤول المباشر عن الشؤون الخارجية في البلاد، يبرز سؤال هام: ما هو الموقف الرسمي الإيطالي تجاه قضية الباحث الإيطالي الشاب جوليو ريجيني الذي تم اختطافه وتعذيبه وقتله على يد أربعة ضباط في جهاز الأمن الوطني كما تتهمهم جهات التحقيق الإيطالية رسمياً، وهم: اللواء صابر طارق؛ والعقيد آسر كامل محمد إبراهيم؛ والعقيد حسام حلمي؛ والرائد إبراهيم مجدي شريف؟

الغريب والمثير للدهشة أنه قبل يوم واحد فقط من المؤتمر الصحفي لرئيس الوزراء الإيطالي في ختام أعمال اجتماع المجلس الأوروبي، وعندما كان الجميع في إيطاليا يتحدثون بالفعل عن تطورات قضية ريجيني بعد البيان الذي أعلنه المدعي العام الإيطالي واتهم فيه أربعة ضباط من الأمن الوطني المصري رسمياً بضلوعهم في الجريمة، التزم الجميع في الحكومة الإيطالية الصمت، حيث لم يصدر أي تعليق على الإطلاق من أي من الوزراء أو بالأحرى من وزارة الخارجية المعنية بالدرجة الأولى بإدارة الشؤون الخارجية والتي يُفترض أن تمثل قضية ريجيني أبرز اهتماماتها. لذا، فقد ترك ذلك انطباعاً أولياً سلبياً، حيث كان موقف الشعب الإيطالي في الواقع، على عكس ذلك تماماً. وقبل تصريح رئيس الوزراء الأخير (الجمعة)، لم يعلق أحد في الحكومة بشكل أساسي على البيان الذي أصدره مكتب النائب العام الإيطالي عن تطورات قضية ريجيني، بما في ذلك رئيس الوزراء نفسه، الذي كان على ما يبدو قد غير موقفه بسرعة ليكون أكثر معارضة للسيسي.

بالطبع، يبقى من الغريب أن يصدر مثل هذا البيان من رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي، وفي نفس الوقت لا يصدر أي تصريح على الإطلاق من وزير الخارجية لويجي دي مايو أو وزارة الخارجية كمؤسسة، مما يشير على ما يبدو إلى انقسام واضح بين رئيس الوزراء الإيطالي ووزير خارجيته ومؤسسة وزارة الخارجية بشكل عام، لأنه، كما يعلم الجميع، فإن دي مايو ليست لديه خبرة كبيرة عن الشؤون الخارجية الإيطالية، ولذلك فهو مجرد موظف تنفيذي للسياسة التي تتبناها وزارة الخارجية؛ حيث يعتبر الدبلوماسيون الإيطاليون، وليس وزير الخارجية، هم صناع السياسة الخارجية الحقيقيون في البلاد.

يشعر العديد من المحللين السياسيين الإيطاليين بالضيق لعدم ورود أي تعليق من الحكومة أو من البرلمان عن بيان مكتب المدعي العام عن قضية ريجيني، بغض النظر عن البيانات التي تنشر في الصحف والمقابلات التي تُجرى وسائل الإعلام المختلفة وما إلى ذلك، والتي يغلب عليها الطابع الفردي وليس المؤسسي، مما يعطي انطباعاً بأن الحكومة تتواطأ مع نظام السيسي الذي برزت وحشيته بشكل واضح في خطف وتعذيب وقتل جوليو ريجيني، وآخرين، فضلاً عن التنكيل بعشرات الآلاف من المعارضين السياسيين المصريين.

من السهل القول إن الموقف الذي عبر عنه رئيس الوزراء الإيطالي في تصريحاته هو  أمر لا علاقة له على الإطلاق بجوليو ريجيني؛ وإنما هو مرتبط بالأساس بأزمة كوفيد-19 وكيف يمكن لهذه الأزمة أن تغير البيئة السياسية في إيطاليا. لاحظ أن رئيس الوزراء الإيطالي الحالي لم يكن يحظَ بشعبية كبيرة عندما تولى منصبه في بداية فترة حكمه، ولكن نجم الرجل بدأ يعلو الآن مع أزمة كوفيد-19، خاصة مع سلطات الطوارئ القوية التي حصل عليها في ظل الأزمة؛ وهناك عامل آخر مهم في هذا الشأن وهو تدفق الأموال التي قدمها الاتحاد الأوروبي لروما كدعم لمواجهة آثار أزمة كورونا. لذا، فإن رئيس الوزراء الحالي، جوزيبي كونتي، الذي كان من المفترض أن يكون مجرد دمية، يقوم الآن بتعزيز موقعه وتقوية قيادته. وهذا أيضاً ما تفعله القوى السياسية الأخرى في كل من الحزب الديمقراطي و حزب الخمس نجوم التي تريد مساحة أكبر وصوتاً أكبر ومزيداً من القوة، وسط كل هذه الأموال القادمة إلى البلاد. إذن، فإن الأمر يتعلق بتوازن القوى الداخلي، سواءً في الحكومة، في البرلمان، في الحزب الديمقراطي، في حركة الخمس نجوم.

ومع تغير الأمور بعد أزمة كورونا، تعد قضية ريجيني، التي تحظى بشعبية كبيرة جداً، عاملاً مهماً لاستجلاب الدعم الشعبي. ولأن الإيطاليين بشكل عام يريدون العدالة، فإن من سيتعامل سياسياً مع قضية ريجيني، ومن سيتحدى السيسي الآن باسم الدفاع عن قضية ريجيني، سيكتسب بالتأكيد شعبية كبيرة. ولهذا السبب تتغير التوجهات سعياً وراء تحقيق التوازنات الداخلية التي لا علاقة لها البتة بالخارج. ففي الداخل الإيطالي، يمكن القول أنه لا أحد يهتم بمصر أو بالمصريين ولا أحد يهتم حتى بجوليو ريجيني؛ لكن قضية ريجيني الآن هي أسهل طريقة للحصول على الدعم الشعبي، وهذا ما يحاول أن يفعله رئيس الوزراء أو آخرون. ومن ناحية أخرى، في حين تمثل هذه القضية أسهل طريقة لرئيس الوزراء لزيادة شعبيته، فإن البعض في الطرف المناوئ يرى أن ضمان تجاهل الموضوع برمته هو أفضل وسيلة لإضعاف رئيس الوزراء. ولكن في نهاية الأمر، هناك مبلغ ضخم من المال سيأتي من بروكسل (الاتحاد الأوروبي)، ولهذا السبب فإنه يمكن للجميع الآن أن يلعبوا دور البطولة من خلال الدفاع عن العدالة، وخاصة في قضية ريجيني.

هل هناك دولة عميقة في إيطاليا؟

السؤال الرئيسي للعديد من المحللين السياسيين، هو أنه على الرغم من عدم وجود دولة عميقة في إيطاليا كتلك الدولة العميقة الموجودة في مصر أو في سوريا أو في العراق، إلا أنها لا تزال هناك دولة عميقة في إيطاليا حتى لو كانت مختلفة عن نظيراتها في العالم العربي. ولسوء الحظ، فإن تلك الدولة الإيطالية العميقة يتم استدعاؤها عندما يتعلق الأمر بالشؤون الخارجية، وهذا ما يجعل وزير الخارجية صامتاً تماماً هذه الأيام، كما قد يلاحظ البعض. ففي النهاية، بغض النظر عما يراه رئيس الوزراء، وبغض النظر عما تقوله الحكومة، فإن البيروقراطية الإيطالية هي التي تدير الدولة والخبراء من الدبلوماسيين هم الذين يديرون وزارة الخارجية. وهؤلاء هم الذين في النهاية هم من يفعلون ويجب على الآخرين أن يصمتوا تماماً. وبالطبع فهذا لا يمنع أن يكون هناك متسع لبعض البيانات التي تصدر من بعض أعضاء الحكومة أو بعض أعضاء البرلمان؛ لكن مع ذلك، لا أحد يعرف من هم الذين يقررون حقاً، أو بالأحرى، من الذين يصنعون السياسات ويتخذون القرارات في البلاد، أو حتى ما الذي قد يفكرون فيه. يدرك الكثيرون أن أهم قوى الدولة العميقة في إيطاليا هي شركة إيني للبترول، المملوكة للدولة الإيطالية بالأساس، ومن المعروف أيضاً علاقات الأعمال والمصالح التي تربطها بالدولة المصرية بما يجعلها تعرقل أي عوامل قد تؤثر على العلاقات الرسمية الإيطالية-المصرية.

أيضا، نشرت صحيفة إيل فاتو كوتيديانو الإيطالية تقريراً إخبارياً على صفحة كاملة عن شيء يبدو بالفعل معقداً من الناحية الفنية نشر مثل هذا التقرير في إحدى الصحف، حيث كان الأمر يتعلق بصفقات الأسلحة التي تم إبرامها في الفترة الأخيرة، في الوقت الذي كان فيه جميع الإيطاليين تقريباً يركزون في الأساس على كوفيد-19. ومع ذلك، في ثنايا التقرير الذي بالتأكيد لم ينتبه له الكثيرون، ذُكر أن صفقات السلاح المبرمة مع مصر مضمونة من قبل الدولة، وهذا يعني أنه إذا لم تدفع مصر ثمن أي من مشترياتها من الأسلحة بما في ذلك السفن الحربية وجميع أنواع الأسلحة وأنظمة الأسلحة الأخرى، فإن خزانة الدولة الإيطالية هي التي ستتولى دفع الفاتورة لشركات صناعة الأسلحة الإيطالية، كفينكانتيري وفينميكانيكا وغيرها؛ حيث يرى كثير من المحللين السياسيين أن هذا الضمان الحكومي لمبيعات الأسلحة للنظام المصري مذهلاً ولا يمكن تفسيره.

لقد جاء هذا التقرير الأسبوع الماضي، وبالتأكيد لم يلاحظه أحد. فبينما يتحدث بعض أعضاء البرلمان علانية عن قضية ريجيني أو حتى عن صفقات السلاح لمصر، فإنه في نفس الوقت، وفي نفس الأيام، وقد يكون أيضاً في نفس الساعات، تتعهد الحكومة الإيطالية بتقديم ضمانات من الدولة لمبيعات السلاح لحكومة السيسي. وبذلك يكون الحديث قد تخطى مناقشة ما إذا كانت إيطاليا ستورد أسلحة لنظام السيسي أم لا، فالأمر يفوق الخيال وهو أكبر من ذلك بكثير، حيث ستقوم الحكومة الإيطالية بدفع ثمن الأسلحة التي تبيعها لمصر إذا عجزت حكومة السيسي عن الدفع!

وهناك أيضاً قضية هامة أشارت لها صحيفة دوماني الإيطالية في عدد 12 ديسمبر 2020، وهي أن رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي يقابل تحدياً آخر قد يكون له تأثير فيما يتعلق بما يمكن أن تتخذه الحكومة الإيطالية من قرارات بشأن قضية جوليو ريجيني، وهي قضية احتجاز مائة صياد إيطالي من قبل الميليشيات التابعة لخليفة حفتر المدعوم من مصر والإمارات والسعودية وفرنسا وروسيا. فهل سعي الحكومة الإيطالية إطلاق سراح صياديها سيتطلب التواصل مع الحكومة المصرية، وبالتالي تقديم تنازلات في قضية الباحث الإيطالي؟

وفي النهاية، فإنه على الرغم من أن تصريح رئيس الوزراء الإيطالي عن ريجيني هو تصريح قوي للغاية، لكننا في الواقع عندما نقرأه بعناية، لن نجد أنه يذكر شيئاً البتة عما ستفعله حكومته مع مصر أو مع السيسي بخصوص هذه القضية المعقدة. إن جوزيبي كونتي يتحدث في تصريحه فقط عما يقوم به القضاء الإيطالي، ولا يتحدث عن مستقبل العلاقات الإيطالية المصرية، ولا يقدم أي التزام من أي نوع نيابة عن الحكومة الإيطالية بخصوص قضية ريجيني.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close