fbpx
فيروس كوروناتقاريرالسياسات العامة

كورونا ـ النظم العربية وإدارة الأزمة بين الشرعية والتغلغل والتغول

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

تواجه النظم السياسية على تنوعها واختلاف تصنيفاتها بشكل مستمر ما تصفه أدبيات ونظريات التنمية السياسية باعتباره أزمات التنمية السياسية الرئيسية وهي (أزمة التغلغل – أزمة الشرعية – أزمة التكامل والاندماج – أزمة الهوية- أزمة المشاركة)، ولعل نظمنا العربية كانت تعاني من هذه الأزمات بشدة وإن بدرجات متفاوتة قبل أن تضرب العالم وتضربها أزمة كورونا، وبالطبع طورت بعض تلك النظم آليات للتعامل مع هذه الأزمة أثرت وانعكست بشكل أو بآخر على تعاملها مع أزمات التنمية السياسية السابقة على تعقيدها، فيما يرتبط بالجائحة فقد مثلت اختبارا لقدرة الدولة والنظم الحاكمة فيها على التغلغل والانتشار وتوصيل الخدمات الصحية بفاعلية إلى ربوعها، ومثلت استجابتها للأزمة اختبارا لشرعيتها بشكل كبير ومن ثم تركز هذه الورقة على أزمتي التغلغل والشرعية وتأثرهما باستجابات الأنظمة العربية.

وترتبط أزمة كورونا بالقطاع الصحي بالأساس ومن ثم تنقلنا للنظر في االعلاقة بين السياسات العامة والخدمات العامة، إذ تحاول مختلف الدول في العالم تطوير الخدمات العامة، وان اختلفت أسبابها في ذلك، فالبعض يعتبرها طريقاً أساسية لتحقيق شرعية للنظام السياسي أو الحزب الحاكم، وآخرون يسعون إلى ذلك بغرض تطوير ودعم الأسواق المحلية من خلال خلق طبقة لديها القدرة على الدخول في هذه الأسواق، ونرى نظماً أخرى تحاول من خلالها إرساء حالة من الرضا والاستقرار، كما ينظر إليها آخرون باعتبارها حقوقاً أساسية للمواطنين من جانب وعنصراً مهماً من عناصر التنمية من الجانب الآخر.[1]

كما أن هناك اختلاف في زاوية النظر إلى الأوبئة والأزمات والكوارث الطبيعية باعتبارها فرصة أو تهديد للنظم سواء السلطوية أو حتى الديمقراطية على حد السواء وفقا لإدارتها لهذه الأزمات وتطوراتها، ومنذ اللحظات الأولى لتفشي الجائحة روّج العديد من المسئولين في عديد البلدان الديكتاتورية ما يفيد أن الجائحة فرصة لهم، من قبيل أن ” مسألة الصحة أصبحت فوق الحرية” وهي عبارة جاءت على لسان رئيس الوزراء التايواني، كما أن الصين المحكومة بنظام سلطوي تحت قيادة الحزب الشيوعي الصيني استغلت الأزمة للتغلغل أكثر في الشؤون الداخلية لهونج كونج وإنهاء حالة دولة واحدة ونظامين سياسيين،  وفي المجر فإن رئيس الوزراء فيكتور أوربان، والذي يحكم منذ عقد، أصبح بموجب قانون فيروس كورونا الجديد يتحكم أكثر بمصير النظام السياسي وأصبح في الواقع ديكتاتوراً برغم أن المجر عضو في الاتحاد الأوروبي، والذي يقدم باعتباره نموذجاً للديمقراطيات الغنية، ومع ذلك فهي تتصرف مثل توجو أو صربيا، اللتين تولى قادتهما سلطات مماثلة بذريعة واحدة.[2]

وقد جاءت أزمة كورونا والمنطقة العربية ما تزال تحت وطأة أزمة شرعية عبرت عن نفسها عبر موجتين للربيع العربي أولاهما كانت في العام 2011 في بلدان (تونس- مصر- ليبيا- اليمن- سوريا- المغرب- البحرين)، والثانية انطلقت أواخر العام 2018 في بلدان ( السودان- الجزائر- لبنان- العراق) ولم تهدأ بعد، وتشكلت في هذه الدول وفي محيطها الإقليمي محاور لمحاولة الالتفاف على هاتين الموجتين الثوريتين الناجمتين عن تفاقم أزمات التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية وسوء إدارتها لعقود، والفشل الذريع لهذه الأنظمة حتى في إقناع شعوبها في التعايش مع هذه الأزمات بأقل كلفة ممكنة وتحولت الإدارة السياسية في معظم تلك البلدان لمكمن الأزمة ومستقرها.

تحاول هذه الورقة استقصاء كيفية تعامل النظم السياسية مع أزمة كورونا وإدارتها لها في ضوء تشابكها مع الأزمات الأخرى المشار إليها أعلاه، بغية تسليط الضوء على طبيعة العلاقة بين تلك الأزمات وتشابكها في محاولة لتفكيك واقع إدارة هذه الأزمة ومعرفة بعض مكامن الضعف أو القوة في مواجهتها بالتركيز على منطقتنا العربية عبر النقاط التالية:

نظم ما بعد الربيع العربي ومحاولة احتواء الاحتجاج بدلا من الجائحة:

مثّلت الجائحة فرصة للنظم التي قامت الموجة الثانية من الربيع العربي في وجهها في العراق ولبنان والجزائر إلى حد بعيد إذ خفت وتيرة الاحتجاجات في الشارع لظرف موضوعي يفرض التباعد الجسدي والذي لا يمكن مع وضع تظاهرات أو احتجاجات واعتصامات خصوصا مع ضيق المساحات العامة في بعض الحالات، ومع انعدام الثقة في مؤسسات الدولة الصحية وقدرتها على استيعاب أعداد أكبر من المصابين حال انتشار الجائحة في أوساط المحتجين، لذا نجد أن هذه الأنظمة شددت مبكرا على فرض الإجراءات الاحترازية بصرامة وخاصة ما يتعلق منها بمنع التجمعات، ففي الجزائر اعتبر وزير الإعلام الجزائري، المتحدث باسم الحكومة، عمار بلحيمر في تصريح له في 16 مارس 2020 “أن استمرار الاحتجاجات الشعبية، في ظل تفشي فيروس كورونا، سيكون بمثابة “انتحار”.[3]

وفي لبنان رغم انحسار الاحتجاجات في مطلع مارس مع التحذيرات من بداية انتشار الإصابات بالفيروس في البلد الذي يعاني أزمة سياسية واقتصادية خانقة، فإنها تجددت في منتصف أبريل مع الانهيار الشديد لسعر صرف الليرة والزيادة الكبيرة في أسعار السلع، وعاد المحتجون اللبنانيون للشوارع وصبوا غضبهم على المصارف، الأمر الذي تجلى في تحطيم واجهاتها وإحراق العديد من مقراتها في مناطق عدة، وقد تميزت هذه الموجة الاحتجاجية بارتفاع مستويات العنف الذي تمارسه وحدات الجيش والأجهزة الأمنية، والذي شمل الاعتقالات الواسعة والتعذيب، والاستخدام المكثّف للقنابل المسيلة للدموع والرصاص المطاطي والحي، ما أسفر عن عشرات الجرحى، وعن استشهاد الشاب فواز السمّان في طرابلس يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من أبريل 2020، وفي كل هذه المواجهات كانت الحكومة تستخدم جائحة كورونا كسبب للتصدي للاحتجاجات، لكن الإجراءات الاحترازية الشديدة التي اتخذتها الحكومة من إقفال المحال والتزام المواطنين منازلهم لعدة أسابيع متتالية رغم ضعف معدلات الانتشار زاد من صعوبة تأمين لقمة العيش والاحتياجات اليومية الأساسية وكان سببا مباشرا في الاحتجاج.[4]

لا يختلف الوضع كثيرا في العراق والسودان، فانتشار الفيروس في العراق يُضاف إلى ثلاث أزمات كبرى تمر بها البلاد، أولها الأزمة الاقتصادية، إذ توشك الدولة على الإفلاس بسبب انخفاض أسعار النفط، وثانيها وجودها في قلب الصراع بين إيران والولايات المتحدة، وثالثا التحديات الصعبة التي تواجه رئيس الوزراء المكلف مصطفى الكاظمي الذي يسعى لإيجاد شرعية سياسية له وسط احتجاجات ممتدة لم تقطعها سوى أزمة كورونا.[5]

 لكن من ناحية أخرى فإن الأزمة كشفت عن تردي النظم الصحية في العديد من البلدان المستقرة وشبه المستقرة ومن ثم أضافت أسبابا أكبر وأكثر موضوعية وأهمية للاحتجاج كتدهور إدارة النظم السياسية للحصول على الحق في الصحة في ظل جائحة، وسوء التقدير المتعلق بأولوية تسيير عجلة الإنتاج لصالح الفئة التي يدور الاقتصاد لصالحها من أصحاب الأعمال والشركات على صحة العاملين بتلك الشركات، ومست هذه الأسباب قدرة الدول على تحمل أعباء تمويل الاحتياجات الأساسية لمواطنيها في فترات الإغلاق وقدرتها على إشراك القطاع الخاص في علاج الأزمة الصحية أو في تحمل بعضا من مسئوليته تجاه العاملين لديه في فترة الإغلاق.

في مصر على سبيل المثال رأينا واحدة من أسوأ إدارات الأزمات، ففي بداية انتشار العدوى بالفيروس كانت الحكومة تحاول الإنكار إلى حد بعيد حتى أن وزيرة الصحة ووزير الآثار قاما بزيارة إلى الأقصر لتشجيع السياحة بينما كانت الجائحة متفشية بالفعل هناك، ثم بعد انتشار الوباء جراء استمرار فتح المطارات واستمرار الرحلات الجوية من الدول التي مثلت بؤرة للوباء وعلى رأسها الصين بدعاوى أهمية السياحة لمصر والاحتماء بنظرية المؤامرة باعتبار أن أعداء الخارج يثيرون المخاوف[6]، ثم بعد ضغوط شديدة من منظمة الصحة العالمية والدول التي أعلنت عودة حالات مصابة لديها من مصر ومن وسائل التواصل الاجتماعي، بدأت إدارة الأزمة بمحاولات إبراز أن الحكومة تحاول التعامل بشفافية مع الأزمة وصاحب هذه المحاولات إشادات بأداء الحكومة من بعض فئات المجتمع، إذن جاءت بداية التعامل مع الأزمة كرد فعل وليس فعلا استباقيا منظما واكتفت الإدارة بتأكيدها على تعظيم الإجراءات الاحترازية بجميع منافذ الدولة، وتفعيل نظام الحجر الصحي بالمطارات والموانئ لمنع دخول الفيروس إلى مصر، وفي تلك الأثناء توالت الإعلانات الدولية باكتشاف حالات قادمة من مصر وصاحب تلك الإعلانات المتوالية تأكيدات متتالية من وزارة الصحة المصرية بخلو مصر من الفيروس، وهذا ما أدى لتصاعد الضغوط وتوجيه الاتهامات المتتالية لوزارة الصحة المصرية بأنها عاجزة عن اكتشاف الحالات المصابة بفيروس كورونا، وصحب هذه المرحلة تحذيرات دولية من أن تصبح مصر بؤرة لتفشي الوباء.[7]

انتظرت مصر لمدة تقارب الشهرين من بداية تفشي الفيروس عالميا وقرابة الشهر لتفشيه ووصوله إلى 109 إصابة مؤكدة لكي تتخذ بعض التدابير الاحترازية المتمثلة في غلق كافة المدارس لمدة أسبوعين في 14 مارس 2020 ثم انتظرت حتى 21 مارس لتقرر وقف الصلوات في المساجد والكنائس لمدة أسبوعين، بعد ضغوط وجدل ومطالبات من نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي بتعليق الصلوات الجماعية في المساجد والكنائس، كما قرر المجلس الأعلى للجامعات في ذات اليوم تأجيل امتحانات نهاية الفصل الدراسي الثاني، كما أعلن الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار مصطفى وزيري إغلاق جميع المتاحف والمواقع الأثرية بمصر لمدة أسبوع وحتى نهاية مارس، اعتبرت الحكومة هذه الإجراءات إغلاقا جزئيا واستمر تجديد بعضها حتى نهاية شهر يونيو بينما ظلت كافة الأعمال الخاصة ووسائل النقل العام والخاص الجماعي تعمل بشكل مستمر ببعض الإجراءات الاحترازية ما ساعد بشكل كبير على انتشار الجائحة وهو الأمر الذي تم تبريره بأن من لم يموتوا بالجائحة قد يموتون جوعا وهو نفس الطرح الذي طرحه رجال الأعمال المصريين في بداية الأزمة لفرض أجندتهم بعدم إغلاق الأنشطة الاقتصادية الرئيسية.

لكن وحتى شهور من بداية التعامل ببعض الجدية مع الوباء لم يكن يتم إعلان أعداد التحاليل والفحوص التي تم إجرائها بشكل يومي أو حتى أسبوعي كما أن ما كان يتم الإعلان عنه لم يفصل ما إذا كان عبارة عن تحليل الكواشف السريعة أم تحليل المسحة PCR، ولشهور كانت الأرقام المعلنة للتحاليل شبه ثابتة عند 135000 تحليل وبمعدل 1316 تحليل لكل مليون نسمة وفقا لموقع World Meter حتى 15 أغسطس 2020، وهو معدل لا يتلوها فيه سوى خمسة دول في ذات المؤشر بنفس التاريخ[8]، وفي 13 أغسطس 2020 كشف تحقيق استقصائي أجرته بي بي سي عربية عن خطأ اعتماد مصر على اختبار الأجسام المضادة السريع والذي اشترت منه شركات مصرية غير معروفة ما يقارب 250 ألف اختبار واعتمدته السلطات كاختبار للقادمين عبر المطارات وللطواقم الصحية في ظروف غامضة وساهمت عدم دقته بنسبة كبيرة في انتشار الوباء بشكل كبير.[9]

 وظلت معاناة الأطباء ونقابتهم مع التعامل الحكومي السيء مع الأزمة فالاستجابة للمطالبات بتزويد المستشفيات والأطقم الطبية بالمستلزمات الأساسية للوقاية وتخصيص أماكن لعزل وعلاج الأطباء وتعديل بروتوكول وزارة الصحة بما يسمح بالتوسع في عمل المسحات والفحوصات الطبية للأطقم المخالطة للحالات ومساواة شهداء الأطقم الصحية بشهداء الجيش والشرطة وتحسين بدل العدوى والأجور ظلت محل شد وجذب بين الحكومة والنقابات المنظمة للعاملين بالقطاع الصحي[10]، ورغم التعهدات الشفوية بالاستجابة للمطالب في خضم الأزمة وعلى مضض، فإن العديد من هذه المطالب لا تزال عالقة حتى كتابة هذه الورقة، وإدارة الأزمة حائرة بين رئاسة الوزراء ووزارة الصحة ورئاسة الجمهورية ووزارات الدفاع والداخلية والتعليم، والمشهد العام لا يوحي بتنسيق وتكامل في إطار اللجنة العليا المشكلة لإدارة الأزمة.

وأظهرت إدارة الأزمة تغولا للأجهزة الأمنية ومحاولة لسحق أية أصوات معارضة سواء من الأطباء أو المواطنين الذين خرج العشرات منهم في بث مباشر سواء للاستغاثة بالمجتمع لمواجهة الأزمة في ظل فشل الدولة، أو حتى لمناشدة الدولة والمسئولين للتحرك لتوفير المستلزمات واتباع إجراءات أكثر صرامة وعلمية في مواجهة الأزمة وضغوط مجتمع المال والأعمال، لكن السلطات اكتفت بتعزيز تغولها عبر القبض على عشرات الأطباء وعلى ما يزيد على ٢٠٠٠ شخص في احتجاجات ٢٠ سبتمبر ضد تردي الأوضاع المعيشية وقانون البناء والتعامل السئ مع أزمة كورونا.[11]

وفي تعاملها مع أزمة محتملة ناجمة عن أزمة كورونا في الغذاء متمثلة بنقص الحبوب جراء وقف بعض المصدرين الرئيسيين لتصدير الحبوب اعتمدت الحكومة المصرية على عامل الصدفة البحتة متمثلا بأن هذا الوقف المؤقت في دول مثل رومانيا وروسيا وكازاخستان وهم المصدرون الرئيسيون للقمح، جاء متزامنا مع موسم الحصاد بمصر ومع استيفاء مصر جزءا كبيرا من وارداتها من الحبوب وهو ما يضمن تأمين الاحتياجات لثمانية شهور، فلدي مصر إمدادات غذائية وافرة للمساعدة في حماية أسواقها المحلية من مخاطر الإمداد العالمية قصيرة الأجل المرتبطة بالأزمة  حيث استوردت بالفعل كميات ضخمة في أبريل لتغطية احتياجاتها لهذا العام، وبالأخص من القمح، وبرغم أن هذه الإجراءات تساعد في بناء احتياطي من السلع الغذائية الهامة إلا أن نفس الاحتياطي في دول  كالأردن يصل لمدد أكبر حوالي 10 أشهر وفي دول الخليج يصل لعام وهي دول غير زراعية بالضرورة لكنها تحولت إلى مركز لتجارة الأغذية، لأنها بحسب الفاو تستخدم أدوات متنوعة للتأكد من توافر الغذاء وخفض المخاطر المرتبطة بالأسواق العالمية وقت الأزمات.[12]

وبالتالي نحن إزاء نظام رغم توغله أمنيا بطول البلاد وعرضها إلا أنه عاجز صحيا عن التغلغل والوصول بالمؤسسات والخدمات الصحية لكافة الأطراف بدرجة معقولة من العدالة والجودة وتوفير القدرة على النفاذ لهذه الخدمات، بل كان النظام يعرض المئات من مستشفيات التكامل للبيع والخصخصة بدعوى عدم وجود فريق طبي لإدارتها، وهو اخفاق شديد بمعايير السياسات العامة كما أنه يجعل مفهوم الدولة واستمرارية النظام السياسي على المحك جراء ما يفرزه من نقاط سوداء في صندوق النظام السياسي قد تتراكم لتشكل ثقبا أسود يبتلع النظام والدولة والبشر.

نظم الخليج العربي وإدارة الأزمة: تعزيز الشرعية والتغلغل:

كانت ردات فعل دول الخليج العربي على موجات الاحتجاج بالمنطقة مليئة بالشك والريبة والتخوف من أن تطالها تلك الاحتجاجات سواء لعدم صلاحية صيغة الدولة الرعوية في الاستمرار أكثر من دون تعزيز الحقوق والحريات أو للتخوف من نجاح نموذج ثوري عربي يكسر حالة الاستثناء الديمقراطي العربي، ومن ثم كان تآمر معظمها على الربيع العربي لتجنب العدوى أو لمنع قوى الإسلام السياسي من منازعتها في الشرعية الدينية أو السياسية، وبالتالي شيطنت هذه الاحتجاجات وقواها من اليمين إلى اليسار، وتواطأت بتمويل الانقلاب عليها في أكثر من حالة بما في ذلك التدخل العسكري المباشر لسحق انتفاضة البحرين عبر قوات درع الجزيرة، وفي المقابل فقد حاولت تقديم بعض الرِشى الاجتماعية لشعوبها للقفز على أية دعاوى للتغيير، بالتوازي مع التنكيل بكل التيارات الإصلاحية داخلها، وعززت شبكات الرقابة وأنظمة التجسس والملاحقة بأحدث التقنيات.

عند بداية الأزمة المتعلقة بفيروس كورونا شكلت الأنظمة السياسية في دول الخليج العربي لجان إدارة أزمة مبكرا لأزمة كورونا وبدا هذا واضحا في كلا من قطر والبحرين والإمارات وعمان والسعودية ولم تبد حالة ارتباك سوى في الكويت التي بدأت بتحميل الوافدين لأزمة كورونا ومحاولة خوض حروب كلامية ضدهم واستغلال الأزمة لتغيير التركيبة السكانية، ويرى البعض أن إدارة النخب الخليجية لأزمة كورونا والتي كان لديها رؤى متكاملة الجوانب بشكل متواز ابتداءً بالقرارات الاقتصادية التي تم اتخاذها واستهدفت تقديم دعم عاجل للمواطنين ومروراً بالخطابات والكلمات التي حملت في طياتها بث الطمأنينة وفي الوقت ذاته حث الجميع على تحمل مسوؤلياتهم وانتهاء بتوجيه الأجهزة المعنية لبحث استراتيجيات مرحلة ما بعد كورونا، وثالثها: دور الأجهزة الأمنية في مواجهة الأزمة.[13]

أي أن النظم الخليجية استغلت قدراتها على التغلغل والتي وفرتها لها التطورات التكنولوجية في القطاع الصحي لترسيخ رعويتها ومسئوليتها الصحية عن رعاياها، يتضح ذلك في معدلات إجراء التحاليل لكل مليون من السكان وهو مؤشر تميزت فيه هذه البلدان، وحتى وإن اعتمد نظامها الصحي على الأطباء والأطقم الصحية من الوافدين إلا أنها لم تبد مساواة لهؤلاء الوافدين في الحق في الصحة وألقت باللائمة على حكوماتهم وحملتهم نتائج الإغلاق المفاجئ بشكل كبير.

وهو ما اتضح على سبيل المثال في حالة العمالة الوافدة المصرية والتي واجهت تمييزا في أكثر من بلد خليجي وتركت للحكومة المصرية لإجلائها وهو ما تسبب في مأساة أخرى، وفي المثال الإماراتي تحول التغلغل الداخلي لتغول خارجي على القطاع الصحي في مصر إذ لم تكتف دول الخليج بالاستئثار بالنصيب الأكبر من الأطباء المصريين، وإنما قامت الشركات الاستثمارية الإماراتية بالتوسع في الاستثمار في القطاع الصحي الخاص في مصر بل استحوزت على القطاع بنسبة كبيرة، ثم رفض هذا القطاع استقبال حالات كورونا إلا بشروط مالية صعبة وشبه مستحيلة لأغلب المصريين.

رغم أن هذه الأنظمة لا تزال تحمل بعضا من ملامح التسلطية السياسية فإنها تحمل العديد من ملامح التحديث والحوكمة للقطاعات الخدمية، فقد أثبتت النظم السياسية بدول الخليج أيضا قدرا عاليا من القدرة على الضبط والسيطرة وتعبئة الموارد في مواجهة الأزمة حيث إن استراتيجيات دول الخليج في إدارة الأزمات قد عززتها بعض  المقومات التي تمتلكها تلك الدول بدءا بالاستثمارات العامة والخاصة المتراكمة في القطاع الطبي والذي قاد لتميز القطاع الطبي وديناميكية عمله خلال الأزمة، فقد لوحظ تسارع وتيرة الفحص الطبي بالتوازي مع تدريب متطوعين للعمل في مواجهة الوباء وإقامة مستشفيات ميدانية بإمكانها استيعاب المزيد من الحالات المصابة، ومروراً بالحكومة الإلكترونية التي كانت مرتكزاً أساسياً لدول الخليج سواء في تطبيق ومراقبة قرارات فرض الحظر أو حتى الريبوتات التي تم توظيفها داخل المستشفيات وانتهاء بدرجة الوعي المجتمعي الذي كان سمة بارزة في الدول الخليجية، كل هذه السياسات قادت إلى تلك النسب المرتفعة جدا من الفحوص للسكان والمقيمين في مقابل نسب منخفضة جدا للوفيات، حيث ساهم التوسع في الفحص وهو المطلب الرئيسي للعاملين في القطاع الطبي وللعلماء والخبراء ولمنظمة الصحة العالمية في الاكتشاف المبكر للحالات ومن ثم تقليل خطر الوفاة، وبالتوازي مع ذلك فقد بث الثقة لدى المواطنين في قدرات النظم الصحية لتلك الدول على التعامل مع الأزمة وتجاوزها.

وعلى سبيل المثال انتهجت قطر رغم الأزمة الناجمة عن الحصار المفروض عليها منذ سنوات، مجموعة من الإجراءات المهمة، والتي تجسد بمجملها خطة إنقاذ استباقية متميزة، تضمنت إغلاق المدارس والجامعات ومباشرة عملية التعلم عن بعد، وتعليق النقل العام، وإغلاق المساجد، ومنع السفر، وإغلاق المحلات التجارية وكافة الأنشطة غير الضرورية، وتحفيز إجراءات العمل عن بعد وذلك من خلال تقليص نسبة العمل في القطاع العام بنحو 80%، بالإضافة إلى حزمة من الإجراءات الصحية وسياسات التحفيز المالي والنقدي  كاستجابة سريعة من قبل الأجهزة الحكومية لهذه التغيرات غير المتوقعة وذلك وفقاً للمؤشر الموحد الذي تم الإعلان عنه في جامعة أكسفورد، يتكون هذا المؤشر من 11 إجراء  تشمل (إغلاق المدارس والجامعات- إغلاق أماكن العمل- تعليق الأنشطة والمناسبات العامة- إغلاق النقل العام- حملات التوعية العامة- قيود على التنقل المحلي- قيودعلى التنقل الدولي- إجراءات مالية- إجراءات نقدية – إجراءات طارئة في مجال الرعاية الصحية والاستثمار بها- الاستثمار في اللقاح).[14]

وإذا كان تعامل الأنظمة السياسية الخليجية -على انغلاقها السياسي- مع الأزمة سمح بهذا القدر من الاحترافية في مواجهتها، وبالسير على أسس أقرب للعلمية إلا أن النمط الاقتصادي السائد شديد الانفتاح والاندماج في الاقتصاد العالمي لم ينج من تبعات الأزمة بنفس القدر فالاقتصادات الخليجية بدت الأكثر تضررا عالميا من الأزمة حيث لا يزال النفط هو المكون الأكبر من صادرات هذه الدول والمورد الأول لاقتصادها ولا يزال انفتاحها على الاقتصاد العالمي شديدا وهو ما يطرح تساؤلات عدة حول احتمال تعافيها على المدى القصير أو تعرضها لموجات من التقلبات نتيجة هذا الانفتاح رغم اتباعها لكافة الإجراءات الموصى بها من اللجان العلمية العالمية للتعامل مع الأزمة.[15]

مع ذلك فإن هذا التعامل الجدي مع الجائحة كفرصة لتعزيز ثقة المواطن في الدولة الخليجية وأنظمتها الصحية وخدماتها العامة بالتوازي مع الاستخدام المكثف للتكنولوجيا والتطبيقات في مواجهة الأزمة، بقدر ما أتاح للدولة معلومات أكثر عن مواطنيها بقدر ما حقق حالة من الشرعية السياسية لهذه الأنظمة التي احتفظت بمؤشرات نجاح قوية في مواجهة الأزمة بتوظيف قدرتها على التغلغل في القطاع الصحي وفي كافة ربوعها لتوصيل خدمات صحية جيدة وتؤكد ثقة المواطنية في الصيغة الحالية للعقد الاجتماعي بينهم وبين دولهم ولو على حساب الحقوق والحريات، وإن ظهرت بعض محاولات التململ من حملات الاعتقال والكراهية ضد الخصوم عبر مواقع التواصل الاجتماعي إلا أنها لا تزال في الهامش في مقابل تسويق تلك الأنظمة لقدرتها على التصدي للجائحة والخروج منها بأقل الخسائر في مقابل فقدان المعارضة لآلية احتجاج رئيسية هي التظاهر بسبب الخوف من تفشي الجائحة.

مؤشرات النجاح: نظم سياسية مستقرة ونظم صحية ناجحة:

إن النظم السياسية الناجحة في إدارة هذه الأزمة يمكن تصنيفها باعتبارها تلك النظم التي غلبت العلم والمنهجية العلمية على الاجتهادات الشخصية للساسة والمصالح الاقتصادية لمجموعات رجال الأعمال، ويغلب على عملها العمل المؤسسي الفعال والذي يجمع بينها حدود مقبولة من مؤشرات تجمع بين تلاشي أو غياب الرؤية والاجتهاد الشخصي بشكل كامل ووجود مؤسسات وهيئات وكيانات تتكامل مع بعضها البعض وفق منظومة متشابكة ورؤية واضحة المعالم، مع وجود منهجيات وأسس علمية يتم الاعتماد عليها في دراسة الوضع الحالي والسيناريوهات المحتملة وجمع البيانات وتحليلها واتخاذ القرار، والاعتماد على وجود فريق من ذوي الكفاءات العالية في المستويات الثلاثة لإدارة الأزمة (الاستراتيجي- التنفيذي – التشغيلي)، ووجود تنسيق وتكامل عالي المستوي بين كافة الوزارات والمؤسسات ذات العلاقة، وتقوم بالاستغلال الأمثل للموارد ويطبق أفضل الممارسات مع وجود قدرات وممكنات محلية متنوعة يمكن إدارتها وتطويرها وبنائها بسرعة وكفاءة.[16]

مع مرور ثمانية أشهر على الجائحة فإن الباحثين والخبراء لا زالو يحاولون وضع بعضا من المؤشرات لتقييم التعامل مع أزمة فيروس كورونا أهم هذه المعايير هي عدد الإصابات ونسبة الوفيات للإصابات الكلية وأعداد الفحوص التي أجريت لكل مليون من السكان، ويدخل البعض تفاصيل أخرى تتعلق بقدرة النظام الصحي على استيعاب عدد أكبر من الحالات النشطة بالإضافة إلى نسبة وفيات الأطقم الصحية وكذك معايير ترتبط بعدالة تخصيص الموارد المالية والإقتصادية أثناء الأزمة وإذا طبقنا علي دول الخليج العربي بعضا من المعايير البسيطة المتفق عليها كما في الجدول رقم 1

جدول رقم 1 مؤشرات دول الخليج العربي في مواجهة فيروس كورونا[17]

الدولة

عدد الإصابات حتى 15 أغسطس

عدد الوفيات حتى 15 أغسطس

نسبة الوفيات حتى 15 أغسطس

التحاليل لكل مليون من السكان

السعودية

295902

3338

1.13

116,746

البحرين

46,052

168

0.36

558,671

الإمارات

63,819

359

0.56

590,776

قطر

114,532

190

0.17

193,218

عمان

82,743

557

0.67

60,378

الكويت

75,185

494

0.66

129,167

نجد النظم السياسية المستقرة وشبه المستقرة في الخليج، التي عززت نظم صحية ناجحة في إدارة هذه الأزمة مستغلة خبرتها التاريخية في التعامل مع الأوبئة كما هو الحال في السعودية، وقدرتها على جلب الكفاءات الطبية من الخارج كما هو الحال بكل دول الخليج، وإمكاناتها المالية التي مكنتها من مضاعفة أعداد أسرة مستشفياتها، وتحمل إجراءات الإغلاق لفترات طويلة، وملامح الحوكمة واستخدام التكتولوجيا في تعزيز القطاع الطبي وتطويره، هذه الدول تجني نتائج هذه السياسات فقطر والبحرين تحتفظان بواحد من أقل معدلات الوفيات عالميا والإمارات والبحرين تحتفظان بالمعدل الأعلى للفحوص الطبية لكل مليون من السكان بعد لوكسمبورج، مع ذلك فإن التبعات المالية والاقتصادية للأزمة على هذه الدول لم تتضح بعد، إلا أن الملمح الرئيس في هذه البلدان هو حضور الدولة في مجال الرعاية الصحية والخدمات العامة

جدول رقم 2 مؤشرات بعض دول الموجتين الأولى والثانية للربيع العربي في مواجهة كورونا[18]

الدولة

عدد الإصابات حتى 15 أغسطس

عدد الوفيات حتى 15 أغسطس

نسبة الوفيات حتى 15 أغسطس

عدد التحاليل لكل مليون من السكان

تونس

2023

54

2.67

9,424

الأردن

1,339

11

0.82

67,188

لبنان

8,442

97

1.15

59,944

المغرب

41,017

632

1.54

42,833

العراق

172,583

5,785

3.35

31,336

مصر

96,220

5,124

5.33

1,316

وفي المنطقة العربية أيضا ومن الجدول رقم 2 أعلاه يتضح أن هناك دولا عربية خارج منطقة الخليج ورغم أزماتها المتشابكة لا تزال تتمتع بدرجة مقبولة من درجات التعامل بعلمية وجدية مع الأزمة رغم الأزمات الاقتصادية والسياسية الشديدة التي تواجهها أنظمتها، ويجمع بين هذه الأنظمة محاولة اتباع التوصية الرئيسية للعلماء والخبراء ومنظمة الصحة العالمية حول التوسع في الفحص لتخفيض معدلات الوفيات، وهي التوصية التي يتضح أنها سقطت من الحسابات المصرية تماما، كما أن الإصلاحات السياسية التي أقرت في بلدان مثل تونس والأردن والمغرب جعلت من برلماناتها والأجهزة الرقابية لديها أدوات جيدة للضغط على السلطة باتجاه إدارة أكثر كفاة للأزمات ومنها أزمة كورونا، يتبقى أن تجيد هذه الأنظمة التعامل مع الأزمات الاقتصادية والاجتماعية بنفس القدر من الانفتاح على المجتمع وإشراكه في صنع تلك السياسات وإدارة الأزمات بالقدر الذي عولت عليه لمواجهة أزمة كورونا.

ورغم محدودية مواردها ومعاناتها من أزمات سياسية واقتصادية متزامنة كما هو الحال في الأردن وتونس ولبنان والعراق قهي دول كانت الإجراءات الاحترازية الاستباقية المشددة فيها وسرعة التعامل مع الأزمة والخضوع للتوجيهات العلمية المتعلقة بتوسيع دائرة الفحص والاشتباه سببا مباشرا في عزل الحالات المصابة عن بقية المجتمع وتقليل نسب المخالطة وبالتالي الحد من نسب الوفيات، وتجتمع لهذه النظم هوامش حرية ونقد في الإعلام والفضاء الإليكتروني وكذلك بعضا من مؤشرات المؤسسية في كلا من الأردن وتونس مع وجود برلمانات وأجهزة تحاسب وزارات الصحة والوزارات المعنية المختلفة وتشكيلها لجان إدارة أزمة بشكل مبكر، أي أنها تحمل بعضا من مؤشرات الحوكمة وتقترب من الديمقراطية.

يربط بين تلك النظم ذات المؤشرات المتدهورة في إدارة الأزمة في منطقتنا العربية أنها اتبعت برامج إصلاح اقتصادي وهيكلي قاسية قادت لانسحاب الدولة من معظم وظائفها التقليدية لصالح القطاع الخاص سواء تحت بنود الشراكة مع القطاع الخاص التي تفرضها المؤسسات الدولية أو تحت دعاوى فشل القطاع العام الذي تروج له النخب الليبرالية المحلية والإقليمية تمهيدا لسيطرة مؤسساتهم الخاصة على القطاع الصحي باعتباره مجالا أساسيا لتحقيق أرباح مرتفعة حال تسليعه في ظل انعدام المرونة في الطلب على الصحة، وبالتالي نحن أمام أنظمة سياسية تفتقد لشرعية وجودها في المجال الصحي وتخضع كبقية المجتمع لاشتراطات القطاع الخاص سواء من حيث قبول أو رفض استقبال الحالات المصابة أو تسعير الحصول على الخدمات الطبية بما يحقق أعلى قدر من الأرباح لتلك المستشفيات ومالكوها الإقليميون.

خاتمة:

إن مسألة تأثير النظم السياسية على إدارة أزمة كورونا لا تبدو واضحة بما يكفي، وإن كانت هناك بعض مؤشرات تؤيد أن النظم الديمقراطية الراسخة أو حتى النظم غير الديمقراطية البعيدة عن الشعبوية قد تكون ناجحة بالقدر نفسه في مواجهة الأزمة إلا أن تقييم مدى النجاح والفشل في مواجهة أزمة شديدة التعقيد والتشابك من حيث التبعات لا يزال مبكرا إلى حد بعيد، فاحتواء الأزمة صحيا ومحاصرة الوباء والحد من انتشاره أو تقليل الوفيات الناجمة منه لا يعني بالضرورة الانتصار والنجاح في مواجهة الأزمة فلا تزال التبعات الاقتصادية النهائية للأزمة قيد الاحصاء وبعيدة عن السيطرة، وإن كان النجاح في تعزيز النظم الصحية في مواجهة الجائحة مؤشرا على عودة محتملة للثقة في بعض الاقتصادات وتخفيف حدة الآثار الاقتصادية والأمنية الناجمة عن الأزمة.

تشترك النظم الناجحة في إدارة الأزمة على المستوى الصحي حتى الآن بتقدم مؤشرات الشفافية والتعليم والإزدهار الصحي واهتمام الدولة بالقطاع الصحة وبأنظمة رعاية صحية جيدة وببقايا دولة رفاه اجتماعي، ومن ثم فإن السؤال حول الديمقراطية وعلاقتها بإدارة الأزمة يجب أن يعتمد سؤالا آخر حول بنية النظام الاقتصادي وعلاقته بقدرة الدول على إدارة الأزمة ولصالح من تدار تلك الأنظمة السياسية؟ وكيف تتم العملية السياسية باعتبارها عملية التخصيص السلطوي للقيم؟ ومدى كفاءة آليات الديمقراطية التمثيلية في النماذج المختلفة في مواجهة الأزمات؟

رغم انتشار الفيروس بشكل كبير في بعض دول الخليج الصغيرة نسبيا إلا أن الأزمة كشفت عن قدرات حقيقية لقطاع الرعاية الصحية في تلك الدول على اجتذاب أفضل الكفاءات من مختلف البلدان العربية وغير العربية لخدمة شعوبها، وإن كانت هذه القدرات مبنية على حساب نظم صحية عربية أخرى تفقد أطبائها لصالح دول الخليج فإن هذا لا يعفي النظم السياسية التي خلقت سياساتها العامة في قطاع الصحة بيئة طاردة للأطباء والأطقم الصحية بشكل عام وجعلت الرعاية الصحية قطاعا يتذيل أولويات الإنفاق، انعكس هذا على ارتباك تلك النظم الأخيرة في مواجهة الفيروس سواء من حيث انخفاض مؤشرات الشفافية فيما يتعلق بأعداد الإصابات والوفيات الحقيقية أو حتى ارتفاع مؤشرات وفيات الأطباء والأطقم الصحية أو نسبة الوفيات إلى المصابين بشكل عام، بالإضافة لانهيار مؤشرات القطاع الصحي كما هو الحال في مصر التي رغم إنجاز قطاعها الصحي أشواطا هامة في التعليم الطبي إلا أنها بيئة طاردة للعاملين فيه.

في المقابل فإن اهتمام دول الخليج بالمؤشرات الهامة المعلنة حول الجائحة حولها لمتنافس حقيقي على تحقيق أفضل النتائج سواء في معدلات إجراء الفحوص والتحاليل للمواطنين والمقيمين على دولها أو تقديم محفزات وتقدير كافي للأطقم الصحية العاملة في هذه البلدان.

برغم سيطرة النظم المستبدة على عملية صنع القرار ونمط السياسات العامة بجميع مرافق الدولة التعليمية والصحية والثقافية بالكامل بعيدا عن أية مساءلة ومحاسبة، إلا أنه من التضليل القول بأن هذه الأنظمة أكثر نجاعة في مواجهة الأزمة، فالأزمة الصحية أضافت إلى أزمات تلك النظم، فعلى الرغم من توفر كل أدواتها للسيطرة على الأوضاع بدت هشة أمام شبكات مصالح طبقة رجال الأعمال، في المقابل بدت هذه المعادلة محل نقد واسع من قطاع من المجتمع لم يكن يتخيل أن سلطات عسكرية استبدادية كتلك التي في مصر تخضع بهذه الطريقة للوبي رجال الأعمال في رفضه لعملية تسعير الخدمة الصحية بالمستشفيات الخاصة أو برفضه استقبال الحالات من الأساس رغم أن البلد في حالة تمثل قوة قاهرة وهي في حالة طوارئ ويمكن للسلطات فيها أن تتخذ ما تشاء من قرارات دون حسيب أو رقيب.

وإذا أرادت الأنظمة السياسية العربية تعزيز تغلغلها في المجتمعات العربية وتحقيق شرعية ما ومقبولية أكثر للعقود الاجتماعية السائدة، فإن النظام الصحي الجيد وتعزيز أدوار الدولة فيه يبقى مجالا حيويا لا يقل أهمية عن المجال الأمني والعسكري، فالنصر في مواجهة الفيروس قد يعطي شرعية أكثر من الانتصارات العسكرية والأمنية سواء على الخصوم السياسيين أو على عدو خارجي.

يتبقى أن نمط الاستجابات الفردية في العالم العربي للأزمة يثير تساؤلات عدة حول تكامل هذه الدول على مستوى انتشار العمالة من دولها ودول أجنبية فيها وحركة سفر وسياحة فيما بينها، وهجرة كفاءات بينية، بينما التنسيق الرسمي الاقتصادي والمالي والأمني والإداري في مواجهة هذه الأزمات يبدو هو الأضعف مقارنة ببقية أقاليم ومنظماته وتنظيمات العالم السياسية، فالاتحاد الأوروبي أقر خطط مواجهة وإنعاش جماعية كبيرة ودول منظمة شنغهاي للتعاون أقرت العديد من الإجراءات المشتركة بينما تركت الدول العربية للتقديرات الشخصية لحكامها لتواجه هذه الأزمة، بل صدرت بعضها أزمات مرتبطة بالعمالة الوافدة لدول أخرى، وبدلا من إيجاد سياسة للتعاون حول هذه القضية وغيرها من القضايا المرتبطة بالإمدادات الطبية والغذائية أصبحت تداعيات الجائحة تغذي عوامل التصرفات الفردية للدول العربية وتدفع باتجاه انخفاض مستوى العمل الجماعي.


الهامش

[1] محمد العجاتي وآخرون، أزمة فيروس كورونا: هل يحقق نمط السياسات السائد الحماية للجميع، بيروت: منتدى البدائل العربي للدراسات، مايو2020، صـ3، http://bit.ly/2CCmLas

[2] The Economist, Autocrats see opportunity in disaster, 23/4/2020, http://econ.st/3nvInYn

[3]  وكالة الأناضول للأنباء، الحكومة الجزائرية: استمرار الاحتجاجات في ظل كورونا “انتحار”المحتجون يشاركون في مسيرات يومي الثلاثاء والجمعة أسبوعياً، بتاريخ 16/3/2020، https://bit.ly/30YAH8n

[4] عفيف دياب، احتجاجات رغم كورونا.. عدة أسعار لصرف الدولار وارتفاع قياسي للسلع في لبنان، الجزيرة نت، بتاريخ 28/4/2020، https://bit.ly/31SFo2O

[5]  الجزيرة نت، صحيفة إيطالية: 3 أزمات كبرى تطارد العراق.. أبرزها شبح الإفلاس، بتاريخ 17/4/2020، https://bit.ly/34afAlc

[6] محمد عبد العزيز، استجابة مصر لفيروس كورونا: بين الإنكار ونظريات المؤامرة، معهد واشنطن، بتاريخ 27/3/2020، https://bit.ly/2MdXwNf

[7]  أمجد حمدي، هل مصر مرشحة لأن تصبح بؤرة لتوطن فيروس كورونا؟، المعهد المصري للدراسات، بتاريخ 25/3/2020، https://eipss-eg.org/?p=43179

[8]  وورلد ميتر، بتاريخ 15/8/2020 س 9:30 ص بتوقيت القاهرة، https://bit.ly/3aoIkIg

[9]  بي بي سي عربي، فيروس كورونا: مقامرة في مصر، بتاريخ 13/8/2020، https://bbc.in/30YKawv

[10] عمر سمير، أزمة الأطباء في مصر.. أي مستقبل ينتظرنا وأية سياسات؟، موقع فكر أونلاين، بتاريخ 26/5/2020، https://bit.ly/30YXkcx

[11] الجزيرة مباشر، مصر: توقيف ألفي شخص منذ مظاهرات 20 سبتمبر،بتاريح ١٠/١٠/٢٠٢٠،http://bit.ly/3an5kcC

[12]  منظمة الأغذية والزراعة الفاو،  مرض فيروس كورونا (كوفيد -19) وآثاره على الأمن الغذائي في منطقة الشرق الأدنى وشمال أفريقيا: كيف تكون الاستجابة؟، القاهرة، 2020، ص 6، https://doi.org/10.4060/ca8778ar

[13] أشرف محمد كشك، دول الــخـلـــيج وإدارة أزمـــة كــورونا: أي دروس مـسـتفــادة؟، أخبار الخليج، بتاريخ 22/6/2020، https://bit.ly/3iIVvqp

[14] Oxford university, Variation in government responses to COVID-19, BSG-WP-2020/031 March 2020, https://bit.ly/2FmErbb

[15]  مــؤيد قاسم السمارة، عبد الكريم القادري، حزمة طارئة: إجراءات امتصاص صدمة كوفيد 19 الاقتصادية في قطر، مركزالجزيرة للدراسات، بتاريخ 23/4/2020، https://studies.aljazeera.net/ar/article/4652#a3

[16]  نبيل البابلي، إدارة أزمة كورونا ـ أسباب النجاح والفشل، المعهد المصري للدراسات، بتاريخ 16/6/2020، https://bit.ly/3kQE2ht

[17] المصدر حسابات الباحث بناء على بيانات وورلد ميتر بتاريخ 15 أغسطس 2020 الساعة 7 م بتوقيت القاهرة، https://bit.ly/3aoIkIg

[18]  المصدر حسابات الباحث بناء على بيانات وورلد ميتر بتاريخ 15 أغسطس 2020 الساعة 7 م بتوقيت القاهرة، https://bit.ly/3aoIkIg

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
Close
زر الذهاب إلى الأعلى
Close