fbpx
فيروس كوروناتقارير

كوفيد-19 وتدوير المساعدات الطبية في الشرق الأوسط

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

هل تأثرت العلاقات داخل إقليم الشرق الأوسط بجائحة «كوفيد-19» من حيث اتجاهات الصراع والتعاون؟ وهل حملت المساعدات التي جرى تدويرها داخل الإقليم أو صدرت عنه للعالم الخارجي أنماطا متشابهة أم حملت هذه الأنماط سمات متباينة؟ وما تأثير العلاقات العربية – العربية على نمط توزيع المساعدات؟

هذه الورقة تطرح تساؤلا حول السمات عملية تدوير المساعدات الطبية داخل الإقليم أو سمات خروجها منه للعالم الخارجي، كما تفحص حالات التطبيع مع الكيان الصهيوني في إطار الجائحة.

المساعدات الطبية الإقليمية للكيان الصهيوني

انقسمت التعاون في الإقليم بخصوص فيروس «كوفيد-19» إلى مسارين أساسيين، المسار الأول تمثل في المساعدات الطبية المرتبطة بالجائحة، والتي سارت في اتجاهين أولهما تدوير المساعدات إقليميا وثانيهما صدور المساعدات عن الإقليم إلى الخارج. ويمكن القول بان هذا المسار اقتصر على عدد من الدول التي توفرت لها فوائض موارد مكنتها من توجيه المسعدات لخارج ترابها الإقليمي. أما المسار الثاني، وهو المسار الأضعف، فيتمثل في التعاون الإقليمي بخصوص الجائحة، وهو الأضعف لأننا لم نشهد في هذا الإطار سوى حالة واحدة تمثلت في جهود التطبيع الإماراتي مع الكيان الصهيوني. وفيما عدا ذلك، فقد غلب التعاون في إطار الجهة على التفاعل مع المنظمات الدولية، وبخاصة منظمة الصحة العالمية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة.

الإمارات أرسلت المساعدات بخصوص الجائحة إلى 110 دولة حول العالم[1]، منها عربيا: سوريا والأردن والسودان والصومال وتونس وفلسطين /الضفة وجزر القمر، وآسيويا: إلى دول مثل الصين وإيران وكوريا الجنوبية وكازاخستان وطاجيكستان وأوزبكستان وباكستان وأفغانستان وقيرغيزيا وماليزيا وتايلند وكمبوديا وميانمار وأوكرانيا وأرمينيا، وأوروبيا: إلى دول مثل إيطاليا واليونان وقبرص وصربيا وبلغاريا، ولاتينيا: لدول مثل البرازيل وكولومبيا وكوستاريكا، وأفريقيا: إلى دول مثل إثيوبيا وموريتانيا وجنوب أفريقيا وسيشل[2]. كما أرسلت الإمارات مساعدات طبية للكيان الصهيوني[3].

كما قدمت قطر مساعدات طبية إلى 78 دولة، بإجمالي 89 مليون دولار[4]، منها عربيا: لبنان (مستشفيان ميدانييان) والعراق (مستشفيان ميدانييان) وتونس والجزائر والمغرب والسودان وفلسطين /القطاع – الضفة والصومال، وأسيويا: إلى الصين وإيران وباكستان وقيرغيزيا وكازاخستان ونيبال ومنغوليا وبيلاروسيا وأوكرانيا وجورجيا، وأوروبيا” إلى إيطاليا (مستشفيان ميدانيان) وكوسوفا، وأفريقيا: إلى ليبريا ورواندا وإثيوبيا، ولاتينيا: إلى بيرو.

فيما قدمت الكويت مساعدات خارجية لعدة دول منها عربيا: مصر وفلسطين / قطاع غزة ولبنان واليمن وتونس، وآسيويا: الصين وإيران وبنجلاديش وأوروبيا: إيطاليا. ولم يتسع دور الكويت في هذا الإطار بسبب ضغوط الجائحة، ما أدى إلى تحولها لمتلقي للمساعدات، وكانت المملكة الأردنية مصدر هذه المساعدات[5].

السعودية: قدمت المملكة السعودية مساعدات لدول العالم قدرها وزير الخارجية السعودي بنحو 500 مليون دولار[6]، منها عربيا: فلسطين /الضفة واليمن والعراق ولبنان، وأوروبيا: المملكة المتحدة، وآسيويا: الصين وبنجلاديش وباكستان.

وفيما مصر، وبرغم أنها جاءت في المركز الرابع ضمن قائمة الدول التي حصلت على مساعدات من صندوق النقد الدولي بسبب الجائحة، حيث حصلت على 9.72 مليار دولار، منها  2.772 مليار دولار في 11 مايو 2020 بموجب أداة التمويل السريع لصالحها، كما وافق على توفير 5.2 مليار وفق ترتيب الاستعداد الائتماني فى 26 يونيو 2020[7]، وبرغم تصريح رأس سلطة 3 يوليو بفقر الدولة في مصر، وبرغم أنها تلقت أكثر من حزمة مساعدات من أكثر من دولة، وعلى رأسها الصين[8]، إلا أن مصر وجهت مساعدات طبية لعدة دول، منها عربيا: العراق والسودان وفلسطين /قطاع غزة، آسيويا: أرسلت مصر معدات طبية للصين، أوروبيا: أرسلت مصر مساعدات لكل من المملكة المتحدة وإيطاليا، وأفريقياً: أرسلت مصر مساعدات إلى 30 دولة أفريقية[9]، من بينها جنوب السودان، وأمريكيا: أرسلت مصر للولايات المتحدة.

تركيا: بحلول منتصف مايو 2020، كانت تركيا قد تلقت 135 طلبا للمساعدة بالتزويد بالمستلزمات الطبية، وبخاصة بعد حصولها على شهادة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) بأنها بلد آمن المنشأ للمستلزمات الطبية، وبحلول هذا التاريخ كانت تركيا قد زودت 81 بلدا بالمساعدات الطبية؛ فيما تنتظر بقية الطلبات ما تنتجه خطوط الإنتاج الخاصة بهذه المستلزمات[10]، وبحلول نهاية أبريل من نفس العام؛ كانت تركيا قد بلغت المرتبة الثالثة عالميا من حيث الدول المانحة للمساعدات الطبية في مواجهة الجائحة، وذلك بعد كل من الصين والولايات المتحدة[11]. واشتهرت شحنات المساعدات التركية بكتابة أشعار جلال الدين الرومي (مولانا): “هناك الكثير من الأمل وراء اليأس، وهناك العديد من الشموس وراء الظلام”[12]. ومن أبرز الأمثلة على الدول التي بلغتها المساعدات التركية، إقليميا: فلسطين / قطاع غزة والكويت ولبنان وتونس والجزائر واليمن والعراق والسودان والصومال وأرض الصومال وسوريا، وأسيويا: باكستان وأفغانستان وأذربيجان وقيرغيزيا وإيران وأوكرانيا ومولدوفا، وأفريقيا: غينيا وإثيوبيا وليسوتو، وأوربيا: شمال قبرص والبوسنة وكوسوفو وجورجيا ومقدونيا والجبل الأسود وصربيا (إقليم سنجق) ورومانيا والمملكة المتحدة وإيطاليا وإسبانيا، ولاتينيا: المكسيك وكولومبيا، وأمريكيا: الولايات المتحدة.

ملامح تدوير مساعدات «كوفيد-19» إقليميا

يمكن القول بأن ثمة 3 ملامح أساسية لتدوير المساعدات داخل الإقليم أو في علاقة الإقليم بالخارج. هذه الملاح تتمثل فيما يلي:

= البنية التحتية للمساعدات: لم تصدر المساعدات في غالبية الإقليم عن قاعدة صناعية قوية بقدر ما صدرت عن استغلال موارد أولية متاحة. فمع منع غالبية الدول تصدير المعدات الطبية، كان تصدير المواد الأولية أحد أبرز الوسائل في مساعدة دول الخليج للعالم، حيث اتبع عدد من دول الخليج استراتيجية توريد المواد الأولية المستخدمة في صنع المستلزمات الطبية للدول التي تستهدفها بتقديم المساعدات، فكانت مساعدات الإمارات للمملكة المتحدة على سبيل المثال تتمثل في توريد مستلزمات صناعة الأقنعة[13]، وإن لم يمنع هذا من المزايدة على أجهزة الكشف عن الفيروس، ما أدى لتمكين الإمارات من تزويد الكيان الصهيوني بمائة ألف جهاز كشف، ثم تمويل عملية إنتاج أجهزة كشف في الكيان الصهيوني.

ولجأت دول أخرى في الإقليم لإعادة تدوير ما يوجه لها من مساعدات إلى الخارج لأجل معالجة مشكلاتها الدبلوماسية، أو دعم القوى السياسية التي سبق أن وفرت لها الدعم. ففي مصر على سبيل المثال، نجد سلطة 3 يوليو قد أعادت تصدير المساعدات التي وجهتها لها الصين لمساعدة دول أكثر تقدما مثل إيطاليا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة، وكان لافتا أن الشحنة التي توجهت للولايات المتحدة قد تمت بعد أيام قليلة من تلقي مصر أربعة أطنان من إمدادات الحماية الطبية من الصين لمساعدتها على محاربة الفيروس التاجي[14]، وذلك بالرغم من أن مصر شهدت مواجهات حادة بين سلطة 3 يوليو والأطباء المصريين بسبب افتقار القوة المكلفة بمواجهة الفيروس لأبسط مستلزمات الأمان الطبي متمثلا في المعقمات والأقنعة الطبية. وقد علق أستاذ العلوم السياسية في جامعة “برمنجهام” البروفيسور “جيراسيموس تسوراباس” لوكالة “فرانس برس” للأنباء على هذه المساعدات ذاكرا أن مصر تميل لإعطاء أولوية للسياسة الخارجية على السياسة الداخلية[15].

وبخلاف هذا التوجه، فإن تركيا تميزت عن سائر الدول التي صدرت المساعدات من داخل الإقليم بأنها التي بدا أن لديها قاعدة صناعية واسعة، وكوادر ذوي قدرة على الابتكار، ما أدى لتطوير أجهزة التنفس الصناعي[16]، هذا فضلا عن دخول اللقاح التركي مرحلة الاختبارات السريرية في مطلع نوفمبر[17] بالتزامن مع دخول اللقاح الذي ينتجه الكيان الصهيوني نفس المرحلة[18].

= أهداف المساعدات: الملمح الثاني يتمثل في وجود رؤية سياسية مرتبطة بحزمة المساعدات التي قدمتها كل دولة من الدول المانحة للمساعدات أو المصدرة لها. فالمساعدات لم تتوجه بصورة أساسية للدول الأكثر حاجة، بل حكمها عمادان أساسيان؛ يتمثل أولهما في العلاقات العامة، وثانيهما تمثل في التواصل الإستراتيجي المستقبلي. فمن جهة، يرى خبراء أن التواصلات من دول الإقليم مع الدول الكبرى، والتي – بلا شك – أقوى اقتصاديا وتقنيا من دول الإقليم، يأتي في إطار العلاقات العامة، وتحسين القدرة على التواصل مع الدول الكبرى، وتقديم سابقات للمساعدة. وفي هذا الإطار، يرى الخبير في الشؤون المصرية يزيد صايغ من مركز كارنيغي الشرق الأوسط ببيروت أن هذه المبادرات تندرج في إطار “حملات العلاقات العامة والدعاية الشكلية” من جانب حكومة السيسي. ووفق أستاذة العلوم السياسية في كلية الدراسات الشرقية والإفريقية بجامعة لندن ريم أبو الفضل، فإن مبادرة السيسي تهدف الى إبهار المصريين[19]. الاعتباران الخاصان بالعلاقات العامة وتحصيل الرضاء الداخلي يمكن تلمس مؤشرات تؤيدها في تلك التقارير التي نشرتها بالتزامن كل من مواقع “سويس إنفو” و “بي بي سي” و”يورونيوز”، والتي اعتمدت على تقرير أعدته وكالة “فرانس برس” الإخبارية الفرنسية وطيدة الصلة بالحكومة الفرنسية، والتي تعتبر مصر حليفا لها في جنوب المتوسط. ولهذا، نجد أن ثمة اتفاق بين دول الإقليم على تقديم المساعدات لكل من الولايات المتحدة والصين والمملكة المتحدة، بالرغم من أن هذه الدول تمثل المصادر الأساسية للمساعدات خلال الجائحة (الصين ثم الولايات المتحدة هما الدولتان الأكثر تقديما للمساعدة خلال الجائحة، تليهما تركيا). وتعتمد كل دولة في المرتبة الثانية من العلاقات العامة على محاولة تحسين العلاقات مع غيرها من الدول، حيث ترغب مصر في أن تتجاوز مع إيطاليا قضية مقتل الباحث الشاب “جوليو ريجيني، فيما ترغب السعودية في تناسي ألمانيا قضية غسيل أموال الجماعات السرية، وترغب الإمارات في تحسين علاقتها بالكيان الصهيوني تحسبا لاحتمالات تطور العلاقات سلبا مع الولايات المتحدة.

وعلى صعيد آخر، يمكن ملاحظة وجود نمط لتركيز دول الإقليم على الجهات التي تلقت المساعدات، وذلك بعيدا عن نمط المساعدات لأجل العلاقات العامة. فمن ناحية، نجد أن ثمة تركيز مصري على توجيه المساعدات للدول الأفريقية، بالرغم من محدودية المساعدات التي وجهتها مصر للخارج، في حين نجد أن ثمة تركيز إماراتي على دول شرق أوروبا ودول وسط آسيا، وفي المقابل نجد ثمة تركيز تركي على 3 مساحات أساسية تتمثل في الدول العربية ودول وسط آسيا ودول شرق ووسط أفريقيا. فيما ركزت قطر على دول وسط آسيا. وبشكل عام، لوحظ تركيز تركيا وقطر على الدول الإسلامية؛ فيما لم تتقيد كل من الإمارات والسعودية بهذا التوجه، وهو ما يدفع للواجهة تقديم الدولتين لمساعدات لدول عرف عنها اضطهاد المسلمين مثل ميانمار وتايلند. ويلاحظ في هذا الإطار أن دعم الصين كان العامل المشترك بين كل دول الإقليم التي نشطت في مجال المساعدات الإنسانية.

جدير في هذا الإطار أن نذكر أن توزيع المساعدات على هذا النحو ارتبط بالتصورات الجيوسياسية لكل دولة من دول الإقليم. فمساعدات الإمارات قدمت لدول شرق أوروبا التي تنشط فيها الإمارات بغرض تجارة وتصنيع السلاح، وبخاصة صربيا، كما توجهت مساعداتها لأرمينيا التي تمثل معقل مواجهة الأتراك في توسعهم شرقا، علاوة على مساعداتهم لدول وسط آسيا وما يرتبط بهذه الدول في إستراتيجية الإمارات بالسيطرة على أعصاب المواصلات في القارة الأسيوية، وبخاصة عمليات شراء حقوق إدارة المطارات. كما اهتمت مصر بأفريقيا لما يرتبط بذلك الاهتمام من معاودة الاتصال بالعمق الأفريقي الذي تراجع بشدة خلال فترة حكم الرئيسين السادات ومبارك، وتهتم تركيا بوسط آسيا باعتبار توجهها الإستراتيجي نحو تعميق التواصل بين أركان الأمة التركية، ويأتي التواصل التركي مع العربي في إطار اتصالها بعمقها الإستراتيجي العثماني وما يحمله من إمكانات الريادة الإقليمية، وبخاصة مع التقدم الاقتصادي والتقني والعسكري التركي.

وفي التعاطي مع النموذج السوري يتضح هذا الأمر، إذ توجهت كل من السعودية والإمارات لتقديم الدعم لسوريا بشار، فيما ذهبت المساعدات القطرية – التركية للمعارضة السورية.

= المساعدات العربية – العربية: الملمح الثالث يتمثل في الضعف النسبي للمساعدات الموجهة من الإقليم لداخله مقارنة بالمساعدات الموجهة لخارجه وبخاصة بين الدول العربية. ويلاحظ في هذا الإطار أن أكثر دول الإقليم تقديما لمساعدات للدول العربية هي تركيا التي قدمت الدعم لطيف واسع من الدول العربية تمثل في ليبيا وتونس والجزائر غربا والعراق والكويت واليمن وعمان شرقا، فضلا عن السودان والصومال جنوبا.

وفي هذا الإطار، كان ثمة إجماع على تقديم المساعدات لفلسطين، حيث تلقت الدعم من كل من الإمارات وقطر وتركيا والسعودية والكويت، وإن اختلفت وجهة المساعدات بين الضفة وقطاع غزة. وقد ناورت تركيا لتوصيل المساعدات للفلسطينيين بالمفاوضة على المساعدات التي طلبها الكيان الصهيوني منها. كما يرجح الباحث أن المساعدات التي أرسلها الأردن للكويت كان الغرض منها إيصال الدعم لقطاع غزة عبر طريق غير مباشر بسبب الضغوط الإماراتية – “الإسرائيلية”. هذا الأمران الأخيران يمكن تفصيل الحديث فيهما في محور مستقل على النحو التالي.

«كوفيد-19» وعملية التطبيع

خلال فترة تفشي الجائحة، شهد الإقليم تسليم دولتين إقليميتين مساعدات طبية للكيان الصهيوني، وهما تركيا والإمارات.

فمن جهة، وبعد إعلانها بلد آمن المنشأ لإنتاج المعدات الطبية، تلقت تركيا طلبا للمساعدة من الكيان الصهيوني، وقامت بتلبية هذا الطلب[20]، برغم أن المساعدات كانت قد شهدت تعليقا مؤقتا، وهو ما استثمرته تركيا في توجيه المساعدات للفلسطينيين المحاصرين في قطاع غزة.

ومن جهة ثانية، وفي مسار مختلف تماما عن المسار التركي، شهدت العلاقات بين الإمارات والكيان الصهيوني عدة خطوات تطبيعية في إطار الجائحة. فعلى أول الأصعدة، قدمت الإمارات مساعدات طبية ضخمة للكيان الصهيوني، كان من بينها 100 ألف جهاز للكشف عن الفيروس[21].

وعلى صعيد ثان، أعلنت الإمارات والكيان الصهيوني إنهما ستتعاونان في مكافحة فيروس «كوفيد-19»، فيما يمكن أن يعزز جهود الكيان الصهيوني لتطبيع العلاقات مع دول الخليج العربية. حيث نشرت وكالة أنباء الإمارات ما يفيد أن شركتين من القطاع الخاص الإماراتي ستتعاونان مع شركتين من الكيان الصهيوني في مشاريع طبية متنوعة، منها ما يتعلق بمكافحة فيروس كورونا المستجد. الشركتان الإماراتيتان تنتميان إلى “مجموعة 42″، وهي شركة تكنولوجيا مقرها في أبو ظبي، والشركات الصهيونية تمثلت في “شركة إسرائيل لصناعات الطيران والفضاء” وشركة “رافائيل أدفانسد سيستمز”، وهي شركة عامة أيضاً رائدة في مجال صناعة الطيران[22].

وبرغم أن الشركات في الكيان الصهيوني قد بعد ذلك بـ “شهر واحد” أنها قد أرسلت “أولى ثمار نتائج التعاون الإماراتي الإسرائيلي في مكافحة الجائحة، من دون ذكر تفاصيل[23]، وهو ما يشي بأن التعاون ربما يكون قد بدأ قبل فترة، فإن المؤشرات أفادت بأن ثمة مشروعان ضمن نتائج التعاون، أولهما يتمثل في إنتاج “جهاز غير مزعج” للكشف عن الفيروس، وهو جهاز مطور بتقنية دفاعية أنتجتها وزارة الدفاع بالكيان الصهيوني[24]، وهو ما تسلمته الإمارات بالفعل في منتصف أغسطس[25]. وهو ما يكشف عن طبيعة التعاون القائم على توفير التمويل من جانب والتقنية من جانب آخر. وهو أمر يرجع – بنظر مراقبين – إلى سعي وراء تحصيل التقنية المتقدمة[26]، في حين تكاد التقنية التركية اليومية تضارع التقنية “الإسرائيلية” وتتفوق عليها، وهو ما كشفت عنه من جهة “حرب أذربيجان” والقدرات الجوية والرادارية التركية التي تفتقت عنها هذه الحرب، والتعاون الفضائي الصيني – التركي، والتعاون التركي – الياباني في مجال تطوير المحركات النفاثة المرتبطة بالطائرة المقاتلة التركية المزمعة.

روح التطبيع في إطار الجائحة تجاوزت التعاون في المشروعات الطبية لصالح القيام بمساع “إنسانية” مشتركة، حيث أعلنت وكالة الأنباء الإماراتية (وام)، أن القنصلية العامة لدولة الإمارات العربية المتحدة في “ساو باولو” البرازيلية وزعت بالاشتراك مع القنصلية العامة لدولة إسرائيل، سلالا غذائية في “مجمع ديا” الواقع في “حي بارايسوبوليس” جنوب مدينة “ساو باولو”، على المتأثرين من جائحة «كوفيد-19»[27].

وفي نفس الصعيد، شهد شهر أغسطس إعلان “مركز أبوظبي للخلايا الجذعية” توقيع مذكرة تفاهم مع شركة “بلوريستيم” ومقرها الكيان الصهيوني، تمهيداً للتعاون في مجال البحوث والتطوير المتعلق بمنتجات الطب التجديدي بما في ذلك مكافحة جائحة «كوفيد-19»[28].

ومن جهة ثالثة، وفي نفس الإطار، أعلنت شركة “أبيكس” الإماراتية للاستثمار، عن توقيع اتفاق تعاون مع “مركز شيبا الطبي” بالكيان الصهيوني، لتعزيز جهود مواجهة عدد من التحديات الصحية؛ ومن بينها «كوفيد-19»[29].

غير أن ثمة اختراق آخر يتعلق بالجائحة، أسهم في دفع العلاقات بين الإمارات والكيان الصهيوني نحو مزيد من الدفء، وهو ما تمثل في كشف وزير الداخلية الإماراتي سيف بن زايد آل نهيان عن إقامة “صلاة مشتركة” في منتصف نوفمبر بين بلاده والكيان الصهيوني بمشاركة عشرات من رجال الدين من مختلف الأديان، ما اعتبره مراقبون أحدث خطوات التطبيع بين البلدين[30].

خاتمة

انقسمت البلدان العربية ما بين منكفئ على ذاته؛ يحاول بإمكاناته الذاتية معالجة تداعيات جائحة «كوفيد-19»، وبين من فاضت موارده المخصصة للحالة الصحية عن حاجته، فاتجه للإفادة منها في علاقاته الخارجية، وبين من آل إلى تلقي المساعدات الطبية. وبين هذه الأنماط الثلاثة شذت بعض الأنماط التي احتاجت لإلقاء نظرة خاصة عليها. وكان من بين الدول التي انكفأت على ذاتها، أو تلقت قدرا يسير من المساعدات الكويت والكيان الصهيوني وسلطنة عمان، وأما الدول التي فاضت مواردها فتمثلت في تركيا والإمارات والسعودية وقطر. ومن أبرز الدول التي مثلت متلق خالصا للمساعدات نجد لبنان والصومال والسودان. وبين هذه الأنماط الثلاثة برزت مصر كبلد تلقى مساعدات مالية تجاوزت المليارات العشرة، ضلا عما تلقته من مساعدات عينية، إلا أنها أعادت تدوير هذه المساعدات باتجاه الخارج وسط ما وصفه خبراء بأنه تفضيل للسياسة الخارجية ومنحها أولوية مقارنة بالسياسة الداخلية.

ارتبطت المساعدات الخارجية برغبة الدول في إقامة دائرة علاقات عامة فعالة، تساندها في المستقبل في مواجهة أزمات محتملة مثل مرحلة ما بعد ترامب بالنسبة لدول مثل السعودية والإمارات ومصر، أو تحسبا لأية تطورات في قضية مقتل الباحث جوليو ريجيني فيما يتعلق بالحالة المصرية. كما ارتبطت المساعدات بالتطلعات الإستراتيجية للدول المانحة، ما يفسر اهتمام الإمارات بوسط آسيا وشرق أوروبا، واهتمام مصر بالعمق الأفريقي، واهتمام تركيا بالعمقين التركي الوسط آسيوي والعربي، حيث تعد تركيا أبرز دول الإقليم تدويرا لمساعداتها في الوسط العربي.

وبرغم اشتراك تركيا والإمارات في توجيه المساعدات للكيان الصهيوني، إلا أن فوارق عدة بين المسارين التركي والإماراتي، حيث كان المسار التركي تلبية لطلب مساعدة تقدم به الكيان الصهيوني كما أنه كان مدخلا لتقديم المساعدة للداخل الفلسطيني المحاصر. أما المسار الإماراتي فتمثل في هرولة باتجاه 3 أنماط للتطبيع، أولها سياسي وثانيها اقتصادي /طبي، وثالثا تطبيع رمزي.


الهامش

[1] المحرر، قرقاش: الإمارات قدمت مساعدات طبية لـ 118 دولة لمواجهة كورونا، موقع الشارقة 24، 10 نوفمبر 2020. https://bit.ly/2JcBTiq

[2] مصطفى خليفة، مساعدات الإمارات لمكافحة كورونا تصل إلى 64 دولة حول العالم، موقع “البيان” الإماراتي، 9 يونيو 2020. https://bit.ly/39okuh9

[3] وكالات، زوّدت تل أبيب بـ 100 ألف جهاز.. الإمارات تعلن عن اتفاق مع إسرائيل للتعاون بمكافحة كورونا، الجزيرة نت، 26 يونيو 2020. https://bit.ly/33ynwMi

[4] مراسلون، قطر: قدمنا 89 مليون دولار إلى 78 دولة لمواجهة كورونا موقع “الخليج أونلاين”، 20 أكتوبر 2020. https://bit.ly/3qnMTKy

[5] وكالات، الأردن يرسل طائرة مساعدات إلى الكويت لمواجهة كورونا… فيديو وصور، وكالة “سبوتنيك” الإخبارية، 26 أبريل 2020. https://bit.ly/3mqvjDm

[6] عمرو نبيل – وكالات، مبلغ ضخم… السعودية تكشف حجم مساعداتها الدولية لمواجهة جائحة كورونا، وكالة “سبوتنيك” الإخبارية، 20 نوفمبر 2020. https://bit.ly/3mnLEbE

[7] سمر السيد، قائمة بأكبر عشر دول حصلت على مساعدات صندوق النقد لمواجهة كورونا، موقع “المال نيوز”، 25 يوليو 2020. https://bit.ly/3fMgdW5

[8] سمير عمر، للمرة الثانية.. مصر تتسلم “هدية طبية” من الصين، موقع “قناة سكاي نيوز عربية”، 11 مايو 2020. https://bit.ly/3qhqXAs

[9] سمر السيد،  مصر ترسل مساعدات طبية لـ 30 دولة أفريقية للمساعدة في احتواء «كورونا»، موقع “المال نيوز”، 5 سبتمبر 2020. https://bit.ly/39uSg4G

[10] المحرر، كورونا.. طلب مساعدات تركية لـ 135 دولة وتزويد يونيسف بكمامات طبية، موقع “قناة تي آر تي”، 19 مايو 2020. https://bit.ly/36nmPqE

[11] مراسلون، تركيا الثالثة عالميا في تقديم مساعدات كورونا الطبية، وكالة الأناضول للأنباء، 29 أبريل 2020. https://bit.ly/33xdgnw

[12] إبراهيم هايل، مساعدات تركيا تجوب العالم لمواجهة “كورونا”.. تعرف على 34 دولة استفادت منها (تقرير)، 19 أبريل 2020. https://bit.ly/2HUYdwg

[13] وكالات، الإمارات تدعم بريطانيا بأطنان من مستلزمات صناعة الكمامات، موقع “ميدل إيست أونلاين”، 5 يونيو 2020. https://bit.ly/36nkGeM

[14] مراسلون، بعد إيطاليا والصين وبريطانيا.. مصر تقدم مساعدات طبية لأمريكا، موقع “عربي 21″، 21 أبريل 2020. https://bit.ly/33xsBEm

[15] وكالات، في زمن كورونا مصر تستخدم “القوة الناعمة” من خلال المساعدات الطبية، موقع “سويس إنفو”، 13 مايو 2020. https://bit.ly/37pPNFI

[16] المحرر، أبرز المواصفات.. هكذا طوّرت تركيا أجهزة تنفس للعناية المركز، موقع “تركيا العثمانية”،  23 أبريل 2020. https://bit.ly/2JpPXom

[17] وكالات، إردوغان يعلن موعد بدء التطعيم الوطني في تركيا ضد كورونا، موقع “قناة روسيا اليوم”، 25 نوفمبر 2020. https://bit.ly/36lbkQO

[18] وكالات، إردوغان يعلن موعد بدء التطعيم الوطني في تركيا ضد كورونا، موقع “قناة روسيا اليوم”، 25 نوفمبر 2020. https://bit.ly/36lbkQO

[19] وكالات، في زمن كورونا مصر تستخدم “القوة الناعمة” من خلال المساعدات الطبية، موقع “سويس إنفو”، 13 مايو 2020. https://bit.ly/37pPNFI

[20] المحرر، وصول مساعدات طبية تركية إلى “سنجق” ذات الأغلبية البوسنية في صربيا، موقع “ترك برس”، 5 يوليو 2020. https://bit.ly/2VkrDH2

[21] وكالات، زوّدت تل أبيب بـ 100 ألف جهاز.. الإمارات تعلن عن اتفاق مع إسرائيل للتعاون بمكافحة كورونا، الجزيرة نت، 26 يونيو 2020. https://bit.ly/33ynwMi

[22] وكالات، جائحة كورونا تزيد التقارب بين إسرائيل والإمارات، موقع “قناة دويتشه فيله”، 26 يونيو 2020. https://bit.ly/3lwta7T

[23] وكالات، الكشف عن أولى نتائج التعاون الإماراتي الإسرائيلي لمكافحة كورونا، وكالة “سبوتنيك الإخبارية الروسية، 26 يوليو 2020. https://bit.ly/33sSqFE

[24] مراسلون + وكالات، تعاون إسرائيلي – إماراتي ضد كورونا.. تقارب عبر بوابة الوباء!، موقع “قناة دويتشه فيله” الألمانية، 3 يوليو 2020. https://bit.ly/3qe3PD5

[25] زين خليل، الإمارات تتسلم الأربعاء جهازا إسرائيليا للكشف عن كورونا، وكالة أنباء الأناضول، 19 أغسطس 2020. https://bit.ly/3qfcOE4

[26] أمين حبلا، صفقة التطبيع.. 12 سببا تشرح هرولة الإمارات لإقامة علاقات كاملة مع إسرائيل، الجزيرة نت، 16 أغسطس 2020. https://bit.ly/3qfzc0c

[27] وكالات، الإمارات بالاشتراك مع إسرائيل توزعان مساعدات للمتأثرين من كورونا في ساو باولو البرازيلية، موقع “مصراوي”، 29 نوفمبر 2020. https://bit.ly/2HTCyEL

[28] وكالات، مركزان بحثيان في الإمارات وإسرائيل يتعاونان لمكافحة كورونا، موقع “قناة سكاي نيوز العربية”، 17 أغسطس 2020. https://bit.ly/2Vj5OYr

[29] وكالات، أبيكس “الإماراتية” تتعاون مع مركز “شيبا” الإسرائيلي لمكافحة كورونا، موقع “العين” الإماراتي الإخباري، 24 سبتمبر 2020. https://bit.ly/3fPD2Iq

[30] وكالات، بمشاركة عدد من رجال الدين.. صلاة إماراتية إسرائيلية مشتركة لمواجهة كورونا، الجزيرة نت، 17 نوفمبر 2020. https://bit.ly/3qefMsu

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close