fbpx
دراساتاوروبا وامريكا

كيف يصنع القرار في الولايات المتحدة؟

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

تتضمن عملية صنع القرار في السياسة الخارجية الأميركية عددًا كبيرًا من الأطراف المشاركة، والمؤسسات الفاعلة 1، مع تنوع في طبيعة هذه الأطراف وتلك المؤسسات في كل حالة، ففي حالات معينة تتكون المؤسسات المشاركة في صنع القرار من الكونجرس والأجهزة التشريعية للولايات والمحاكم، وفى حالات أخرى تتكون من الرئيس ووزارة الخارجية ووزارة الدفاع والهيئات التنفيذية المختصة والكونجرس، بل والدول الأجنبية، وفى حالات ثالثة تقتصر أطراف صنع القرار على التيارات العليا الثلاث للحكومة الكونجرس والمحاكم والرئيس.. الخ  2.

وترتبط سلطات أي من هذه المؤسسات في عملية صنع السياسة الخارجية، في جانب منها، بالمرجعيات الأساسية التي تحكم دور كل منها، والتي تتمثل في: المرجعية الدستورية (التي يخولها الدستور التي تكونت عبر الحقب الزمنية، فضلاً عن المقتضيات القانونية والتقنية والإجرائية، التي تتوفر عليها هذه المؤسسات) والمرجعية التقريرية (التي تستند إلى النفوذ والسلطة الواقعية التي تكتسبها خلال إشرافها على أجهزة أخرى فرعية كما هو الشأن بالنسبة لفروع الجهاز التنفيذي).

وكذلك مرجعية الاختصاص (التي تتمثل في اكتساب إمكانات أو خبرات فنية أو تقنيات نتيجة مضاعفة تلك المؤسسات لاستثمار الصلاحيات القانونية التي تتوفر لها، كحصول الرئيس على معلومات دقيقة بشأن موضوع معين قد يكون من اختصاص فرع تنفيذي أو هيئات سياسية أخرى، بحكم توفره على إمكانات واسعة للحصول على المعلومات. أو وجود أجهزة فرعية متخصصة تحت إشراف هذه المؤسسات)، والمرجعية التحكيمية (تتمثل في إحالة أمر الحسم في نزاع سياسي أو قانوني، إلى إحدى المؤسسات الدستورية، وهي أساس الجهاز القضائي).

وفي إطار هذه المرجعيات تمارس هذه المؤسسات سلطاتها باعتبارها وحدات رئيسية وليست فرعية، ويمنحها وضعها الدستوري أو السلطوي أو التخصصي نوعًا من الاستقلال في تكوينها، وتكون الأدوار السياسية التي تنتظم لتشكيل وصياغة القرار السياسي، نتاجًا وحصيلة لتداخل أداء هذه المؤسسات الدستورية إزاء القضية المطروحة.

ويتوقف تحديد صاحب اليد العليا في اتخاذ قرارات السياسة الخارجية، على العديد من الاعتبارات (من بينها: الحزب المسيطر في الكونجرس ـ فسيطرة الحزب الذي ينتمي إليه الرئيس على الكونجرس تسهل تصديق الكونجرس على قراراته ـ وشخصية الرئيس ـ فعندما تكون شخصية الرئيس ضعيفة من الناحية السياسية، يصعب عليه جذب تأييد الكونجرس ـ والمناخ السياسي العام ـ فعندما يشعر الجميع أن أميركا تواجه تحديات مصيرية، يكون للرئيس الكلمة العليا) 3.

المبحث الأول: الكونجرس

يمثل الكونجرس بمجلسيه (الشيوخ والنواب)  4 الهيئة التشريعية في النظام السياسي الأميركي، والكونجرس هو المؤسسة الدستورية الأولى، من حيث منزلتها في ترتيب مواد الدستور، فقد تناولها في مادته الأولى 5.

حيث نصت الفقرة الثامنة من المادة الأولي علي، “يتمتع الكونجرس بسلطة فرض وتحصيل الضرائب والرسوم والعوائد والمكوس لتسديد الديون، وإقامة الدفاع المشترك، وتحقيق الرفاهية العامة للولايات المتحدة مع مراعاة أن تكون جميع العوائد والرسوم والمكوس موحدة في جميع أنحاء الولايات المتحدة، وللكونجرس سلطة اقتراض الأموال لحساب الولايات المتحدة؛ وتنظيم التجارة مع الدول الأجنبية، وبين الولايات المتحدة، ومع قبائل الهنود؛ ووضع قاعدة موحدة لمنح حقوق الجنسية، قوانين موحدة لموضوع الإفلاس في جميع أنحاء الولايات المتحدة؛ وسك النقود، وتحديد قيمتها بالنسبة للعملات الأجنبية، وتحديد وحدة القياس للموازين والمكاييل؛ وفرض العقوبات على تزييف الأوراق المالية والسندات المعدنية المتداولة في الولايات المتحدة؛ وإنشاء مكاتب للبريد وكذا الطرق المستخدمة في نقل البريد؛ والعمل على تقدم العلوم والفنون النافعة، عن طريق ضمان الحق المطلق لمدة محددة للمؤلفين والمخترعين في كتاباتهم واكتشافاتهم؛ وإنشاء المحاكم ذات الدرجات الأدنى من المحكمة العليا.

وتوصيف ومعاقبة أعمال القرصنة والجرائم الكبرى التي ترتكب في أعالي البحار والاعتداء على القانون الدولي؛ وإعلان الحرب، ومنح التفويضات بالثأر والاستيلاء على الغنائم، ووضع القواعد الخاصة بالغنائم المستولى عليها في البر والبحر؛ وحشد وتدعيم الجيوش، غير أنه لا يجوز أن تمتد أي اعتمادات مالية لهذا الغرض لأكثر من عامين؛ وبناء أسطول بحري وتدعيمه؛ ووضع القواعد المحكومة وتنظيم القوات البرية والبحرية؛ ووضع قواعد استدعاء الميليشيا لتنفيذ قوانين الاتحاد، وقمع أعمال التمرد ومقاومة الغزو؛ والعمل على تنظيم وتسليح وتدريب قوات الميليشيا، والسيطرة على جزء منها لاستخدامه في خدمة الولايات المتحدة، والاحتفاظ للولايات، تبعاً لذلك. بحق تعيين الضباط وسلطة تدريب الميليشيا طبقاً للنظم التي يضعها الكونجرس.

وللكونجرس الحق في ممارسة السلطة التشريعية المطلقة في جميع الحالات أيا كانت في المنطقة (على أن لا تزيد مساحتها عن عشرة أميال مربعة) التي تتحدد كمقر لحكومة الولايات المتحدة عن طريق تنازل ولايات معينة، وممارسة مثل هذه السلطة في جميع الأماكن التي تشتريها بعد موافقة المجلس التشريعي للولاية التي تقع فيها هذه الأماكن لغرض بناء القلاع ومستودعات الأسلحة والترسانات وأحواض السفن، والمباني الأخرى اللازمة، ووضع جميع القوانين التي تكون ضرورية وملائمة للقيام بتنفيذ السلطات المشار إليها، وجميع السلطات الأخرى المخولة بواسطة هذا الدستور لحكومة الولايات المتحدة، أو لأي إدارة أو موظف تابع لها”.

أولاً: سلطات الكونجرس

صدرت عدة تعديلات تناولت اختصاصات الكونجرس في الولايات المتحدة الأمريكية، ووفقاً للدستور وتعديلاته، يتمتع الكونجرس بسلطات تقريرية في المجالات الدستورية والتشريعية والدبلوماسية ومراقبة الإدارة، إضافة لبعض السلطات التحكيمية:

1ـ في المجال الدستوري:

يمكن للكونجرس إدخال تعديل دستوري بأغلبية الثلثين، وهي الطريقة الأكثر استعمالاً في التعديلات 26 التي تمت منذ وضع الدستور الأميركي سنة 1789 مقابل محدودية اللجوء لمسطرة التعديل عن طريق مجالس الولايات، وهي سلطة لا يتوفر عليها الرئيس بخلاف الأنظمة البرلمانية.

2ـ في المجال التشريعي:

يستقل الكونجرس بالاختصاص في هذه الوظيفة، وللمجلسين سلطات واحدة في هذا المجال، إذ يدرس كل مجلس المشاريع على حدة، وتنعقد جلسة المؤتمر العام للكونجرس في حالة عدم التوافق حول رأي، ويمارس الكونجرس وظيفته، بناءً على برنامج تشريعي يتألف من جملة من النصوص القانونية، التي تشكل بمجموعها القواعد العامة لسياسة البلاد، فالكونجرس هو الإطار الذي تجتمع فيه الإرادات والحلول السياسية التي تؤدي في النهاية لخلق القوانين.

وتصدر القوانين الفيدرالية في شكل قرارات من الكونجرس، ويقدم المشروع من قبل أحد أعضاء الكونجرس، كما يمكن أن يقدم بطريقة غبر مباشرة من قبل الناخبين كأفراد أو لجماعات منظمة أو من قبل الهيئات التنفيذية، وتقدم المشاريع للمجلسين رسميًا بواسطة عضو من المجلس المعنى، وهناك استثناءات كمشاريع القرارات المتعلقة بالزيادة في الواردات التي يفترض تقديمها من خلال مجلس النواب فقط.

وبصفة اعتيادية، تحال مشاريع القرارات على إحدى لجان المجلس الدائمة، وتكون اللجان مؤلفة من أعضاء الحزبين الرئيسيين وتكون لأغلبية الأعضاء ورئاسة اللجان الدائمة لحزب الأغلبية في الكونجرس، وأحيانًا تنشأ لجان فرعية من اللجان الدائمة، ويتركز العمل التشريعي في اللجان التي تستدعي خبراء لدراستها أو يطلب لدوائر السلطة التنفيذية تقديم وجهات نظر مكتوبة، وإذا اقتضى الحال فإن جلسة اللجنة تكون علنية لعرض الآراء المتباينة 6.

ثم يتم التصويت على المشروع من قبل أعضاء اللجنة، فتكون إما الموافقة فيرجع تقرير لصالح المشروع دون تعديل، أو مع بعض التعديلات، وما يؤجل النظر فيه وذلك بجدولته، في البرنامج، لكن غالبًا ما يؤدي ذلك إلى موت المشروع، وفى حالة موافقة اللجنة المعنية، فإن المشروع يرفع إلى الكونجرس في صيغة مشروع قرار يتضمن الهدف وتحليلاً تفصيليًا له وتقييم التكاليف الناتجة عنه وملاحظات وتعليقات الهيئات الحكومية المختصة، كما يمكن أن يتضمن آراء الأقلية.

ويقدم المشروع للمجلس الذي ينظر في إمكانية إضافة تعديلات، وإذا حصل المشروع على أغلبية الأصوات، يحول إلى المجلس الآخر، حيث يخضع لإجراءات مماثلة من حيث الإحالة إلى لجنة خاصة لدراسته ومناقشته والتصويت عليه من قبل المجلس في النهاية.

وفى حالة تشابه نص مشروع القرار بين المجلسين، يحال القرار لرئيس الجمهورية من أجل التوقيع، وفى حالة الخلاف بين الصيغتين، يتم اللجوء لفض الخلاف إلى لجنة للتشاور تضم أعضاء من كلا المجلسين وبعدها تتم الموافقة بأغلبية الأصوات على مشروع القرار كما تمت تسويته، وعند إحالة النص إلى رئيس الجمهورية، يمنح 10 أيام كأجل للتوقيع، ويمكنه استخدام حق الفيتو، خلال المدة بإعادة النص إلى الكونجرس لمراجعته، وفى هذه الحالة يقتضي الحصول على ثلثي الأصوات في كل مجلس لتجاوز فيتو الرئيس.

ويعتبر سن القوانين التي يكون موضوعها الضرائب من أهم القرارات التي تصدر ضمن برنامج الكونجرس، نظرًا لارتباطها بمصالح الغالبية العظمى للسكان، وقد شكلت المناقشات داخل مجلس النواب (الذي له حق التقدم بمشاريع قوانين في هذا الصدد) في فترة حكم الرئيس جورج بوش محورًا أساسيًا للقضايا السياسية الداخلية في الولايات المتحدة الأميركية.

كما أن إدخال إصلاحات على دور الكونجرس سنتي 1972 و1974، في مادة الموازنة والرقابة عليها، وإنشاء لجنة تابعة للكونجرس أضفت مزيدًا من القوة في دور المجلس، فرغم أن الرئيس وجهازه التنفيذي (ممثلاً في مكتب إدارة الموازنة) هو الذي يتولى مهمة إعداد مشروع الميزانية القومية، إلا أن للكونجرس سلطة الموافقة عليها.

وإضافة للجنة الموازنة في الكونجرس، فإن الكونجرس يتلقى التقرير السنوي لديوان المحاسبة العام، وله سلطة إجراء الاستقصاءات حول استخدام مبالغ الأموال أو تنفيذ وتسيير أي برنامج.

وأمام تعدد مشروعات القوانين التي تعرض على الكونجرس سنوياً، فإن عضو الكونجرس قد لا يستطيع ـ في الغالب ـ أن يتخذ قرارا واعيا ومدروسا تجاه القضايا المعروضة عليه سوى مرات محدودة جدا، أما بخصوص بقية القرارات التي يتحتم عليه اتخاذها، فيجب عليه البحث عن أسلوب أخر لاتخاذها لا يرتبط بأسلوب التفكير العقلاني، الذي يعتمد على الدراسة الواعية والدقيقة لتفاصيل أي قضية قبل اتخاذ قرار فيها، وهو ما يصفه البعض بأنه أسلوب “سياسي”.

وأهم معالم هذا الأسلوب هو اعتماده على الإشارات أو النصائح السريعة التي تصل إليهم من مصادر موثوق فيها على رأسها زملائهم بالكونجرس، وقيادات أحزابهم وقيادات الناخبين بدوائرهم ومساعديهم وجماعات المصالح والإعلام، حيث يلجأ عضو الكونجرس إلى زملائه خاصة أبناء حزبه والنواب القادمين من ولايته الأقدم منه وأصحاب الخبرة، وذلك لتشابه ظروفهم مع ظروفه مع امتلاكهم الخبرة، كما أنهم معتادين على صنع القرارات التي تأخذ في اعتبارها الاعتبارات السياسية، ويرتبط أعضاء الكونجرس مع بعضهم بعضا من خلال عشرات التجمعات الرسمية وغير الرسمية التي تجمعهم داخل الكونجرس وخارجه، والتي تقوم على أسس عديدة كالتكتلات الحزبية والعرقية والإيديولوجية أو التحالفات حول قضايا معينة.

ويتنقل أعضاء الكونجرس بين هذه التحالفات وغيرها باحثين عن مصادر موثوق فيها للنصيحة، حتى إذا عثروا عليها بين زملائهم الموثوق فيهم استخدموها بشكل مذهل أحيانا، فهناك أعضاء يصوتون على تشريعات قوانين لم يقرؤها أو يسمعوا بها لمجرد معرفتهم أن عدد من زملائهم صوتوا عليها بشكل معين، وخاصة في ظل تكدس أعمالهم بين جلسات الاستماع وجلسات التصويت، حيث ينبغي عليهم التعامل مضطرين مع جدول مليء بالإعمال وبعشرات القضايا المطروحة للتصويت بشكل مستمر.

هذا بجانب الاعتماد على القيادات الحزبية بالكونجرس، وقيادات الناخبين بدوائرهم، وجماعات المصالح، والجرائد الكبرى (لمعرفة ما يحدث بالولايات المتحدة وتوجهات الرأي العام من خلالها)، وفي أحيان كثيرة يستشهد أعضاء الكونجرس بمقالات وتقارير نشرت في هذه الجرائد خلال جلسات الكونجرس معتبرا إياها مصدرا هاما وموثوقا به للمعلومات.

وكذلك الاعتماد على طاقم كبير من المساعدين، م يقدمون مساعدات كبيرة لعضو الكونجرس مثل دراسة القضايا، ورفع تقارير بخصوصها إليه، وتنظيم وقته، واللقاء مع ممثلي جماعات المصالح 7.

3ـ في المجال التنظيمي:

يشارك الكونجرس الرئيس في تعيين كبار الموظفين والقضاة، ويمكنه الاعتراض على التعيينات، كما يخضع تعيين رئيس مكتب الإدارة والموازنة، لإقرار الكونجرس وهو ما يدفع الرئيس إلى محاولة كسب آراء الشيوخ وتعبئة البرلمانيين من حزبه، قبل إقدامه على أي قرار بالتعيين، أما المناصب العليا في الجهاز التنفيذي (كمستشار الأمن القومي والوزراء) فلا يخضع تعيينها لموافقة الكونجرس.

ـ في المجال الدبلوماسي: خول الدستور مجلس الشيوخ مشاركة الرئيس في إفراز المعاهدات وإن كانت المبادرة تبقى بيد الرئيس فهو يفاوض مع الدول الأجنبية، لكنه مجبر على المرور بمجلس الشيوخ لنيل موافقته بأغلبية الثلثين 8.

كما يتدخل الكونجرس، في المجال الدبلوماسي من خلال سلطته في إقرار تعيين السفراء الأميركيين بالخارج واعتماد سفراء الدول الأجنبية بالولايات المتحدة، والاعتراف بالدول، وللكونجرس سلطة تحكيمية لها طابع قضائي، وتتجلى في توليه دستوريًا حق التدخل لحل بعض القضايا التي تحدث في المجال التنفيذي. بواسطة عمل اللجنة القضائية التابعة لمجلس النواب، والتي تتمثل وظيفتها في القيام بالاستقصاء والتحقيقات ذات الطابع القضائي، حيث يمكنها بحث إمكان اتهام الرئيس بالخيانة أو الرشوة أو بعد ثبوت ارتكابه لجريمة أو جنحة، التي تتطلب موافقة أغلبية ثلثي الكونجرس.

وكذلك حق الكونجرس في أن يتخذ قرارات يعرب بها عن رأيه بخصوص الشئون الدبلوماسية ويقوم بعض النواب برحلات تطوعية، أو ردا على دعوات، إلى الدول المختلفة لمراقبة الشئون الخارجية وتجميع المعلومات.

ثانياً: النزاع بين الرئاسة والكونجرس وأنماط التفاعل:

أدت التغيرات الخارجية إلى التوسع في دور الكونجرس في المجال الدبلوماسي، فبعد أن تغير دور أميركا في الساحة الدولية، وأخذت على عاتقها مسئولية إرساء نظام عالمي تلعب فيه دور القطب المهيمن، كان على الحكومة توفير نظام اقتصادي يلبي هذه الاحتياجات، خاصة مع بروز سياسة احتواء الخطر الشيوعي مما أدى إلى زيادة تدخل الكونجرس، ساعد على ذلك الارتباط بين الشئون الداخلية والخارجية، وبروز أهمية الرأي العام وتكثيف جهود جماعات الضغط أدى إلى غياب الإجماع على المصلحة القومية مما تطلب تدخل الكونجرس فزادت سلطاته.

وقد مر النزاع بين الرئاسة والكونجرس ـ على حدود صلاحيات كل منهما ـ بعدة مراحل خلال القرن العشرين كما يلي:

1ـ بعد الحرب العالمية الأولى: مال ميزان القوى لصالح الكونجرس مما أدى إلى سياسة الانعزالية في هذه الفترة، ولكن الانقلاب المضاد في ميزان القوى بدأ منذ الثلاثينات بعد فترة الكساد العالمي الكبير إذ أبرزت الأزمة أهمية الرئيس كقائد للأمة في أوقات الشدة.

2ـ بعد الحرب العالمية الثانية: أمام تغير ميزان القوى على المستوى الدولي، وتبني أميركا لسياسة دولية نشطة، تطلبت وجود رئيس أكثر قوة ومقدرة على قيادة الأمة، أصبح دور الرئيس محوريا في عملية صنع القرار، وهدأ النزاع بين الرئاسة والكونجرس نسبيا لأن أميركا كانت في حاجة لتوحيد الصفوف وكان وصول روزفلت إلى موقع الرئاسة، له أثره على تغيير مفهوم دور الرئيس في عملية صنع القرار، فقد كان روزفلت مؤمنا أنه على الرئيس أني يخرج من النطاق الضيق للسلطة التنفيذية ويكون أكثر تجاوبا لمتطلبات شعبه، أن من حق الرئيس أن يصل إلى أقصى الحدود طالما أنه لا يخالف الدستور.

3ـ بعد حرب فيتنام: أدت حرب فيتنام وفضيحة وترجيت، إلى تحريك النزاع بين الكونجرس والرئاسة، نظراً لأن الحدثين شككا في مصداقية الرئيس مما دعا الكونجرس للسعي نحو المشاركة في إدارة السياسة الخارجية 9.

وخلال هذه الفترة قام الكونجرس بتحرك جاد لاستعادة سلطته، فأصدر نحو سبعين تعديلاً مقيدًا للرئيس في مجال السياسة الخارجية (منها قانون سلطات الحرب، ومنع تمويل بعض الأغراض المحددة للسياسة الخارجية، ورفض المصادقة على أية معاهدة بدون تعديلها، وتأسيس لجان إشراف على الاستخبارات لمراقبة مكاتب المخابرات).

إلا أنه على الرغم من أن الكونجرس لعب منذ السبعينيات دورًا أكبر في صنع السياسة الخارجية، فقد كانت تنقصه المبادرة الحقيقة لانتزاع السيطرة من مؤسسة الرئاسة، ويرجع ذلك لاعتبارات منها احتكار السلطة التنفيذية للمعلومات في مجال الاستخبارات والدبلوماسية والدفاع والتجارة، وكذلك طريقة عمل الشئون الخارجية، فالتجارة العالمية والدبلوماسية والشئون الثقافية والتقنيات العسكرية تتطلب معرفة تخصصية، والسلطة التنفيذية لديها الموارد لتوظيف الخبراء والحصول على البيانات التقنية.

ولكن في المقابل فإن عددًا من اللجان المركزية التابعة لمجلسي الشيوخ والنواب (لجنة العلاقات الخارجية، ولجان القوات المسلحة والاعتمادات واللجنة المختارة للاستخبارات) تمارس نفوذًا كبيرًا على السياسة الخارجية، كما قام الكونجرس بتشكيل لجنة من 12 عضواً “للقيام بمراجعة شاملة لاحتياجات الأمن القومي البعيدة المدى للولايات المتحدة”، كما ظهرت عدة لجان تعامل مع التجارة والمصارف والشئون الاقتصادية الأخرى، لتوسيع صلاحيات الكونجرس، ليشمل المجال الاقتصادي، وهو عامل مؤثر في العلاقات الأميركية الدولية في فترة ما بعد الحرب الباردة.

وهو ما دفع البعض للقول بأنه إذ اختار مجلس الشيوخ استخدام صلاحياته كإدارة مساومة، فإن بإمكانه التدخل في أية قضية سياسية تقريبًا مؤثرًا بذلك في تفكير الفرع التنفيذي وعمله، وقوة المساومة مهمة في السياسات الأميركية، حيث يتم الوصول إلى القرارات الرئيسية عبر المساومة والحل الوسط، ولكن في النهاية تسعى الولايات المتحدة إلى تقديم نفسها في صورة جبهة موحدة أمام العالم الخارجي، لإعطاء الشرعية لأعمالها لاكتساب الاحترام والقبول 10.

وفي إطار هذه التطورات تعددت أنماط التفاعل بين مؤسستي الكونجرس والرئاسة في مجال صنع قرارات السياسة الخارجية، وفي إطار هذه الأنماط، يميز البعض بين:

النمط الأول: التعاون Policy Co-operation : بين المؤسستين في السياسة الخارجية الأميركية والذي يأخذ عدة أشكال منها: المشاركة في صياغة مبادرات معينة (كما حدث في مبادرة مارشال 1947) أو تأييد مبادرات الإدارة، واعتماد الأموال المخصصة لتنفيذها، أو التشاور المستمر بين المؤسستين، فيما يخص قرارات صنع السياسة الخارجية.

النمط الثاني: توجيه الكونجرس للسياسة Policy Direction : أي استخدام الكونجرس لسلطته التشريعية لتوجيه الإدارة لاتخاذ سياسة معينة، ويتم ذلك عن طريق إصدار قوانين ملزمة للإدارة في مجال السياسة الخارجية سواء في صورة قوانين مستقلة بمواضيع معينة، أو عند اعتمادها لميزانيات مثل ميزانية وزارة الخارجية أو الدفاع… وغيرها، (كقانون نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس).

النمط الثالث: الخضوع Acquiescence : من جانب الكونجرس لرغبات الرئيس، وفي هذه الحالة إما أن يقبل الكونجرس عدم القيام بدوره في مجال السياسة الخارجية أو يفوض سلطاته للرئيس. أي أنه يخشى معارضة الرئيس أو الدخول معه في مواجهة، (مثل الكونجرس بالموافقة على العمل العسكري ضد العراق عام 2003).

النمط الرابع: إعلان السياسة Policy Declaration : حيث يقتصر دور الكونجرس على إصدار بيانات وتشريعات غير ملزمة في مجال السياسة الخارجية من أجل إرضاء بعض جماعات المصالح التي تقف ورائها دون أن يكون هناك إلزام قانوني بخصوص سياسة معينة.

النمط الخامس: الرقابة Policy Oversight : أي قيام الكونجرس بالرقابة على سياسة الإدارة في مجال السياسة الخارجية وخاصة ما يتعلق بتطبيق تشريعات الكونجرس في هذا المجال. وتشمل أنشطة الرقابة جلسات الاستماع، والتحقيقات التي يجريها الكونجرس وغيرها من الأدوات الأخرى. (مثل جلسات الاستماع التي عقدها الكونجرس عن حرب فيتنام في الستينات وأوائل السبعينات والتي كان لها تأثير كبير على الرأي العام الأميركي بخصوص الحرب، ومن أمثلة التحقيقات تحقيق الكونجرس في فضيحة إيران ـ كونترا عام 1987) 11.

ثالثاً: مرجعيات سلطات الكونجرس:

إلى جانب المرجعية الدستورية التي يمتلكها الكونجرس لممارسة سلطته في الميادين التشريعية والدبلوماسية والرقابية والتحكيمية، فإن أعضاءه يملكون جملة من الإمكانات والتقنيات تساهم بدورها في تشكيل هذه المرجعية من الناحية الواقعية، ومن ذلك:

1ـ طاقم كبير من الموظفين والخبراء لتسهيل أعمال الشيوخ والنواب، الذين يكون لهم دور هام في إنجاز الأعمال والقرارات التي يتخذها البرلمانيون سواء كأعضاء أو كلجان.

2ـ أن مجلس النواب يرأسه زعيم الأغلبية، ولكل فريق نيابي من الحزبين (الديمقراطي والجمهوري) منسق يتولى الإشراف عليه، ويجد ناطق باسم المجلس، وتضم هيكلة المجلس عدداً من اللجان تختص بجميع ميادين الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الداخلية والخارجية، أما مجلس الشيوخ فيرأسه نائب رئيس الجمهورية، ولكل فريق من الشيوخ، زعيم حزبي، ومنسق، كما أن له العديد من اللجان التي تختص بدورها في جميع المجالات.

3ـ وجود أجهزة أرشيف ومكتبة، تضم ملايين العناوين، وهي في خدمة النواب والشيوخ لتدعيم قراراتهم وآرائهم بالمعطيات والمعلومات، ويتلقى الكونجرس سنويًا ملايين الإرساليات الموجهة لأعضائه من الأفراد والهيئات والجماعات الصغيرة، وتتضمن اقتراحات وأفكار وتساؤلات حول قضايا السياسة العامة للبلاد والمشاكل التي يتعرضون لها.

4ـ قدرة أعضاء الكونجرس سواء بشكل فردي أو جماعي (وفود) على إمكانية إجراء اتصالات وزيارات للبلدان الأجنبية والتباحث مع المسئولين في تلك البلدان حول مجالات التعاون والعلاقات المشتركة. وهو ما يفتح المجال لمجلس الشيوخ في متابعة السياسة الخارجية الأميركية، وتشكيل صورة ومعطيات أدق حول القرارات السياسية التي يمكن اتخاذها.

5ـ أنه يمكن للكونجرس استضافة مسئولين أو سياسيين أجانب للاستماع إلى آرائهم وتعقيباتهم بشأن السياسة الخارجية الأميركية، ويكون لذلك تأثير في تشكيل القرارات بشأن تلك الدول خصوصًا عندما يتعلق الأمر بتقديم مساعدات أو دعم.

وهنا يمكن القول إن دور الكونجرس وصلاحياته، محكوم بالتأثيرات السياسية التي تتجاوز نطاق الاختصاصات الدستورية: فالأحزاب وجماعات اللوبي والزعماء البرلمانيون ونفوذ المؤسسات الاقتصادية العملاقة، وعلاقات التأثر والتأثير التي تجري بين البرلمانيين ومسئولي الجهاز التنفيذي على مستوى لجان الكونجرس والوكالات التنفيذية، والمبادرات التي يقوم بها الرئيس وتدعمها الأجهزة التنفيذية، كلها اعتبارات تساهم في تشكيل قرارات الكونجرس.

كما أن دور الكونجرس لا يزال يشكل نقطة جدل بين الفقهاء لعدة اعتبارات، منها: مدى استقلالية قرارات الكونجرس إزاء التأثيرات المكثفة التي يواجهها من جماعات الضغط التي تمارس نفوذها المباشر على البرلمانيين، ومدى تساوي السلطات التقريرية التي يملكها الكونجرس، مقابل تضخم الـتأثيرات التي يملكها الجهاز التنفيذي، هذا بالإضافة إلى مدى قدرة الأحزاب على الاحتفاظ بدرها التوجيهي للبرلمانيين (المنتمين) الذين يتعرضون لضغوط من مختلف الدوائر، وهو ما يساهم في إضعاف الانضباط الحزبي. والالتزام بالبرامج السياسية التي ينتخبون على أساسها 12.

المبحث الثاني: مؤسسة الرئاسة

يعتبر رئيس الدولة هو المهيمن الفعلي على زمام السلطة التنفيذية، حسب مقتضيات الدستور، وبحكم رئاسته للدولة وللحكومة فهو يرسم السياسة العامة وله سلطة البت والتقرير في مجموع خططها وبرامجها، ونظرًا لبنية النظام الرئاسي، فإنه لا وجود لمجلس وزراء أو لمبدأ التضامن الوزاري عن القرارات والسياسة العامة، ولا يتحمل الرئيس ووزراؤه المسئولية إلا أمام الشعب الذي ينتخبه

أولاً: سلطات الرئيس

تنص المادة الثانية من الدستور الأميركي في فقرتها الأولي، على أنه: “تناط السلطة التنفيذية برئيس الولايات المتحدة الأميركية، ويشغل منصبه مدة أربع سنوات، ويتم انتخابه مع نائب الرئيس الذي يختار لنفس المدة”، ويمنح الدستور الرئيس عددًا من السلطات في المجالات العسكرية والدبلوماسية والتنظيمية، وذلك على النحو التالي 13:

1ـ السلطات العسكرية:

ينص الدستور على أن الرئيس هو القائد الأعلى لجيش وأسطول الولايات المتحدة ويقود الميليشيا عندما تستدعى إلى الخدمة الفعلية للدولة، ورغم أن الكونجرس يتمتع بسلطة إعلان الحرب، فإنه من الناحية العملية لم يعلن الحرب إلا في خمس مناسبات، بينما نفذت القوات الأميركية عشرات العمليات العسكرية بأوامر من السلطة التنفيذية (الرئيس) دون إعلان رسمي عنها من قبل الكونجرس، وهو ما دفع الكونجرس لإصدار “قرار سلطات الحرب” سنة 1974 14.

ولكن القرار بدلاً من تقييد الرئيس، منحه صكًا للتدخل العسكري في أى مكان كان لمدة ستين يومًا، يكون إجباره على تغيير وجهته وسحب القوات العسكرية بعدها، أمرًا متأخرًا أو مرفوضًا شعبيًا، وقد قاوم الرؤساء التقيد بمواد قرار سلطات الحرب باعتبارها غير دستورية، ورفضوا التخلي عن واحدة من أهم سلطات منصبهم، ألا وهي سلطة شن الحرب.

2ـ السلطات التنظيمية:

بمقتضى رئاسته للسلطة التنفيذية، يرأس رئيس الدولة الإدارة الفيدرالية ويعين كبار موظفيها بعد إقرار الكونجرس، الذي يفوض للرئيس أمر تعيين أطقم مسئولي الإدارات الفرعية، كما يتولى تعيين الوزراء، ويعفيهم من مناصبهم، ويعتبر كل وزير رئيسًا إداريًا في وزارته يخضع لأوامر الرئيس وينفذ توجيهاته مادام قد خوله الدستور السلطة التنفيذية (الفقرة الأولى من المادة الثانية).

وقد ترتب على تضخم الجهاز التنفيذي، تضخم كبير في سلطات الرئيس مقابل الكونجرس، حيث يبلغ عدد الموظفين الفيدراليين الذين يعينهم الرئيس ويكونون تحت سلطته المباشرة 2000 موظف من كبار مسئولي الدولة ورؤساء الوكالات والمصالح الإدارية، وللرئيس سلطة إصدار القرارات التنفيذية التي يكون لها طابع ومفعول القانون، إلا أنها محدودة.

3ـ السلطات الدبلوماسية:

يتمتع الرئيس بسلطات واسعة، فهو الذي يحدد برنامج السياسة الخارجية، ويبرم الاتفاقات والمعاهدات الدولية، ويقوم بعملية التفاوض مع الدول. وتعيين السفراء والاعتراف بالدول الأخرى واعتماد السفراء الأجانب بالولايات المتحدة. لكن بشرط موافقة ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ في حالة عقد المعاهدات. وإقرار المجلس فيما يتعلق بقرارات تعيين السفراء الأميركيين بالخارج والاعتراف بالدول الأخرى، إلا أن الرئيس يتغلب على مراقبة مجلس الشيوخ لقراراته باللجوء إلى الاتفاقات التنفيذية 15.

4ـ السلطات التشريعية:

لا يمنح الدستور الأميركي صلاحية التقدم بمشاريع القوانين، لكنه يتمتع بحق الاعتراض (الفيتو) على القوانين التي يقرها الكونجرس ولا يسقط الاعتراف إلا في حالة التصويت مرة ثانية عليه بأغلبية الثلثين بعد قراءة جديدة، كما يمكن للرئيس لفت نظر الكونجرس لقضايا تشريعية معينة يضمها في خطاباته التي يوجهها له، كما يمكنه واقعياً تمرير المشاريع التشريعية التي يرغب في المصادقة عليها، من خلال النواب الذين يمثلون الحزب في المجلسين وخصوصًا مجلس النواب، بحكم الوضع القيادي الذي يتوفر عليه الرئيس داخل الحزب.

وتطرح هذه السلطات ـ وغيرها ـ جدلاً فقهيًا ونظريًا، بين تيارين:

الأول: يري أن سلطة الرئيس مقيدة بضوابط الدستور التي وضعت حداً لنزوعه للهيمنة، كإجراءات المراقبة واستقلال السلطتين التنفيذية والتشريعية، كما أن الأجهزة السياسية الفرعية (التنفيذية) رغم كونها تابعة رئاسيًا لسلطته، فهي تعمل وفق آليات تجعلها مستقلة عن إرادته إلى حد كبير، بسبب تدخل قوي ومجموعات اللوبي، التي تنسج شبكة من العلاقات التحتية والخفية، كالعلاقات بين أعضاء الكونجرس ومسئولي الأجهزة البيروقراطية والتحالفات بين جماعات سياسية واقتصادية كالمؤسسة العسكرية والشركات الكبرى، وأجهزة المخابرات.

الثاني: ويري أن سلطات الرئيس مطلقة، وأن الضوابط المفروضة عليها، لا تؤثر فيها كثيراً، والأمر يتوقف بالدرجة الأولي على شخصية الرئيس وقدراته وخبراته الذاتية.

وفي هذا الإطار يمكن استخلاص عدد من النتائج حول سلطات الرئيس وصلاحياته:

(أ) أن الدستور يمنح الرئيس سلطات واسعة، تجعله محور العملية السياسية، إلا أن هذه السلطات تقيدها جملة من الحدود الدستورية والواقعية، في مقدمتها مركز الكونجرس سواء فيما يتعلق باستقلاله بالقرار التشريعي أو بمشاركته الرئيس، انطلاقًا من دوره الاستشاري والتقريري، كما أن وضع الرئيس من الناحية التاريخية لم يكن دائمًا هو المحور، إذ برزت مؤسسات أخرى تحد من نفوذه وسلطاته، إلا أن ذلك يتوقف على مدى قوة شخصية الرئيس وفعاليته وتكوينه.

(ب) أنه على الرغم من أن الرئيس يمتلك سلطات واسعة، فإن سياسته تخضع لتأثيرات العديد من العوامل والقوى الأخرى، فالقرارات الرئاسية لا تنشأ في فراغ، ولكن ضمن سياق السياسة العالمية والإقليمية، ووفقًا لما تعكسه القوى الداخلية التي تؤثر في صنع السياسات، كما أن عملية صنع السياسات ليست فقط نتيجة للحقائق الموجودة على الأرض، ولكنها تستند أيضًا إلى إدراك الرئيس لتلك الحقائق، وكيفية حصوله عليها.

حيث تلعب المؤثرات الداخلية دورًا كبيراً في صناعة السياسة الخارجية الأميركية لأن السياسة لا تولد في فراغ اجتماعي، كما أن الافتراضات الأساسية التي يتبناها الرئيس، والأفراد والأجهزة التي يستشيرها، والنظام الذي يزوده بالمعلومات هي التي تقرر نطاق السياسة الأميركية في المنطقة، فالرئيس يمتلك سلطة تنظيم عملية الاستماع إلى المجموعات ومختلف وجهات النظر، وهذا ما يجعلها تؤثر في عملية اتخاذ القرار، وبينما يمكن أن يقوم الكونجرس وجماعات الضغط والأجهزة الأخرى بتقييد تحركات الرئيس عمليًا، إلا أنهم غير قادرين على تغيير معتقداته ومفاهيمه، ومن هنا فإن الدور الذي يلعبه الرئيس وفقًا لشخصيته وأولوياته سيؤثر في المناخ الداخلي في الولايات المتحدة ومواقفها العالمية أيضًا.

(ج) أن الولايات المتحدة دولة ضخمة، ويصعب أن يتمكن شخص من الإحاطة بقضاياها الداخلية والخارجية والهيمنة على مقاليد قرارها السياسي، وهو ما يبرز في إشكالية التوفيق بين السياسة الخارجية والقضايا الداخلية، كما أن تطور الأجهزة الفرعية التابعة للسلطة التنفيذية وتعقد الحياة المعاصرة وظهور التخصصات والنخب التي تفرزها، يفسح المجال لهذه الأجهزة للقيام بدور فعال في القرار السياسي 16.

ثانياً: الأجهزة التنفيذية التابعة لمؤسسة الرئاسة

أمام تطور المعطيات السياسية والمعرفية والاقتصادية للسياسة الداخلية والخارجية الأميركية برزت عدة مؤسسات تنفيذية لها أدوار هامة، تشارك الرئيس في صناعة القرار السياسي، وإذا كانت مؤسسة الرئاسة تستمد سلطتها التقريرية الأساسية من مقتضيات الدستور والتحولات التي تتلقاها فإن هذه العملية ترتبط بدرجة كبيرة بدور عدد كبير من الأجهزة التنفيذية، والتي تتعدد في مصادر تأثيرها على عملية صنع القرار حسب طبيعتها واختصاصاتها وظروف نشأتها ومجالات عملها، ومن أهم هذه الأجهزة التي يتكون منها الجهاز التنفيذي:

1ـ الإدارة التنفيذية:

وتضم الوزارات الرئيسية في الدولة: الشئون الخارجية والدفاع والزراعة، والتجارة، والتربية، والطاقة، والصحة، والشئون الإنسانية، والسكن والتنمية الحضرية، الداخلية، والعدل، والعمل، والنقل، والشئون البيطرية، وفي إطار هذه الوزارات يأتي تناول أهم وزارتين في صنع وصياغة السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأميركية، وهما وزارتا الخارجية والدفاع:

(أ) وزارة الخارجية:

تقوم وزارة الخارجية الأميركية بتشكيل عالم حر وفق القيم الغربية والأميركية وأكثر أمنا ورفاهية من خلال صنع وتمثيل وتنفيذ سياسة الرئيس الخارجية، ويعتبر وزير الخارجية مستشار الرئيس لشئون السياسة الخارجية والرئيس المسئول عن تمثيل الولايات المتحدة في الخارج، ومن أجل القيام بالسياسة الخارجية فان وزارة الخارجية تقوم بالاتي: التنسيق بين الوكالات وتقدير عملية تخصيص الموارد وذلك عند ادارتها للعلاقات الخارجية، وتمثيل الولايات المتحدة في الخارج، وتفسير سياساتها للحكومات الاجنبية والمنظمات الدولية وذلك من خلال سفارات وقنصليات الولايات المتحدة في الخارج ومن خلال المهارات والرسائل الدبلوماسية، تنسيق ودعم الانشطة الدولية التي تقوم بها الوكالات الأميركية واستضافة الزيارات الرسمية.

كما تؤدي باقي الوظائف الدبلوماسية، كالتفاوض والتوصل الى اتفاقيات ومعاهدات، حماية ومساعدة المواطنين الأميركيين الذين يعيشون في الخارج أو المسافرين إلى خارج الولايات المتحدة، ومساعدة رجال العمال والأعمال الأميركية في السوق الدولية، وتنسيق ودعم وتأييد الانشطة الدولية التي تقوم بها الولايات المتحدة، وإعلام الجماهير بشأن السياسة الخارجية الأميركية وعلاقاتها مع الدول الاخرى، والقيام بعملية التغذية الاسترجاعية من الجماهير إلى الادارة، كما يقوم موظفي الخدمات الخارجية بتحليل وكتابة تقارير عن التوجهات والاتجاهات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في الدولة المضيفة، كما انهم يستجيبون الى حاجات المواطنين الأميركيين في الخارج.

وتقيم الولايات المتحدة علاقات دبلوماسية قوية مع 180 دوله بالإضافة الى العديد من المؤسسات الدولية بالإضافة الى اكثر من 250 بعثة حول العالم، ويوجد لديها حوالي 5000 موظف متخصص في الخدمات المدنية والتكنولوجية والادارية، وهؤلاء الموظفين يعملون جنبا الى جنب مع موظفي الخدمات الخارجية بترجمة وتحليل التقارير عن جميع انحاء العالم ويقومون بدعم البعثات لوجيستيكيا، كما يقومون باستشارة الكونجرس واعلامه بشأن مبادرات السياسة الخارجية ، ويقومون بالاتصال بالجماهير الأميركية وتشكيل الميزانية وتقييمها واصدار جوازات السفر والتحذيرات بشأن مخاطر السفر.

ويتكون هذا الهيكل من مكتب وزير الخارجية (وزير الخارجية، ونائب وزير الخارجية، وسكرتير وزير الخارجية، والمساعد التنفيذي، ومساعدين خاصين والموظفين المساعدين، بالإضافة الى اثنين من المساعدين الشخصيين)، ومركز العمليات، ومكتب تخطيط السياسة، ومكتب البروتوكول، ومكتب التنسيق لمكافحة الإرهاب، والمكاتب الملحقة (منها: مكتب الحقوق المدنية، ومكتب الحكم بين الهيئات الادارية والجمهور، ومكتب الشكاوى الداخلية)، والمكاتب غير الملحقة (غير مرتبطة بمكتب وزير الخارجية، ولكنها ترسل تقاريرها الى مكتب الوزير بشكل مباشر) 17، هذا بالإضافة إلى المستشارين، ووكلاء الوزارة 18

(ب) وزارة الدفاع:

بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001 أصبحت قضية الإرهاب هي القضية الأولى والشغل الشاغل للإدارة الأميركية، وأصبح التركيز على هذه القضية هو العامل الرئيسي، وهذا التركيز كانت نتيجته تزايد سلطة الرئيس في صناعة القرار في السياسة الخارجية، وارتفعت أهمية المستشارين الموجودين في البيت الأبيض، وأصبحت وزارة الدفاع ذات أهمية محورية في صناعة القرار بشكل كبير، لأن قضية الحرب على الإرهاب أصبحت قضية أمنية، وقضية حرب، من هنا أصبحت تلعب دوراَ هاماً جداً في صناعة القرار في السياسة الخارجية، وأصبحت القرارات وصناعتها مرتبطة بموافقة خبراء وزارة الدفاع 19.

هذا بجانب المسئولية الأساسية للوزارة عن تكوين وتشكيل القوات العسكرية اللازمة لخوض الحروب والذود عن امن الولايات المتحدة الأميركية، وتتكون هذه القوات من عناصر رئيسية (البحرية والجوية والمسلحة)، ويتضمن هيكل الوزارة من: مكتب وزير الدفاع، ورئيس الأركان المشتركة وثلاثة أقسام عسكرية، وتسع قيادات ومحقق عام، و15 وكالة دفاع، و7 أقسام لمجالات النشاط.

ويتكون مكتب وزير الدفاع من مساعد وزير الدفاع للشئون التشريعية، ومساعد وزير الدفاع للشئون العامة، والمستشار العام لوزارة الدفاع، ومساعد وزير الدفاع لشئون القيادة، والرقابة والاتصالات والاستخبارات.

كما يضم هيكل الوزارة، مدير عمليات الاختبارات والتقويمات، ومساعد الوزير للأشراف المخابراتى، ومدير التقديرات الاستراتيجية للتوازن العسكري، ومدير الشؤون الادارية، ومدير إدارة التنسيق والإشراف ومتابعة إدارة البرامج المحددة، ووكيل الوزارة لشئون الأفراد والاستعداد، ووكيل شئون السياسة العامة للوزارة، ومساعد الوزير لشئون الشبكات والمعلومات، ومساعد الوزير لشئون المعلومات، والسكرتير التنفيذي، والمفتش العام 20.

2ـ الديوان التنفيذي للرئيس: ويتألف من: ديوان البيت الأبيض (الرئاسة)، وديوان الإدارة والميزانية، ومجلس المستشارين الاقتصاديين، ومجلس الأمن القومي، وديوان التمثيل التجاري.

3ـ الوكالات التنفيذية والمستقلة: وتضم أكثر من 75 وكالة ومؤسسة ومكتب تابع للحكومة الفيدرالية وأبرزها: وكالة المخابرات المركزية 21، ووكالة حماية البيئة، ووكالة الإعلام والاتصال.

4ـ هيئة مستشاري الرئيس: ينتظم عمل المستشارين في شكل مجالس ومكاتب برئاسة الجمهورية، مثل مجلس المستشارين الاقتصاديين، ومجلس بحوث الطاقة ومستشار الرئيس في شئون الأمن القومي، ويعتبر مجلس الأمن القومي أهم هيئة استشارية في شئون السياسة الخارجية، ويتولى مكتب الرئاسة، إدارة شئون الرئاسة، وله دور ترتيب وتنظيم أنشطة الرئيس وتنسيق عمل الهيئات التنفيذية، وبناءً على قواعد قانونية وإدارية ووظيفية تساهم الأجهزة التنفيذية بأدوار فعالة في صناعة القرار السياسي الأميركي 22.

5ـ مراكز الدراسات الاستراتيجية: تلعب مراكز البحوث والدراسات، دوراً مهماً في عملية صنع القرار في النظام الأميركي، وقد كانت بداية نشأتها في “مجلس العلاقات الخارجية فــي نيويورك” (Council of Foreign Relations ) الذي أنشئ رسميا سنة ،1919 والذي رعته “عائلة روكفلر” وحدد إطار عمله بأنه “متابعة الأوضاع الدولية وإثارة اهتمام الرأي العام الأميركي بها، وتأسيس موقع نفوذ يدعو إلى دور أميركي فاعل في تشكيل القرار الدولي”.

واعتمد مجلس العلاقات الخارجية عند نشأته على عناصر من وزارة الخارجية ومن المخابرات العسكرية ومن رجال الأعمال المهتمين بالسوق العالمية، ثم إن قيامه وعمله كان أشبه بما تقوم به الجمعيات السرية، حيث لم يكن مُنشئيه واثقين من تقبل الحكومة الأميركية لدوره ونشاطه، أو من نظرة الرأي العام داخل أميركا (وخارجها) لصلاته وارتباطاته، وقد استطاع إثبات وجوده وفي البداية كانت وسيلته “مجرد التفكير”، ثم تحول إلى “إمكانية التأثير”، إلى حد أن هذا المجلس أصبح مجمعا لنشاط أبرز العناصر الضاغطة على حتمية دخول أميركا ومشاركتها في الحرب العالمية الثانية لكي تضمن لنفسها كلمة مسموعة عند توزيع مناطق النفوذ، وتؤكد حقها في رسم الخطوط المستجدة على خريطة عالم سوف يُعاد تشكيله بعد الحرب.

ثم نشأت عشرات ومئات المؤسسات والتي تحمل أسماء أصحاب أكبر المصالح (روكفلر ـ فورد ـ راند ـ كارنيجي.. وغيرهم)، وتمكنت حتى أصبحت كل واحدة منها “شبه حكومة” تتمتع بنوع من الاستقلال الذاتي وتمارس نشاطات غير محدودة في مجال التفكير الاستراتيجي، ورسم السياسات، ومتابعة الأزمات، وكتابة الأوراق، واقتراح الحلول، والتفاوض أحيانا.

وفي إطار هذه المراكز ظهر أبرز مفكري الاستراتيجية وصانعي القرار في الولايات المتحدة، مثل: ماك جورج باندي (مستشار الأمن القومي في عهد كنيدي ـ من مؤسسة روكفلر)، وهنري كيسنجر (مستشار الأمن القومي للرئيس نيكسون ـ من مجلس العلاقات الخارجية في نيويورك)، وزبجنيو برجينسكي (مستشار الأمن القومي للرئيس كارتر ـ من مؤسسة بروكينجز)، وكوندوليزا رايس (مستشارة الأمن القومي للرئيس جورج بوش ـ من جماعة المشروع الأميركي) 23.

وبجانب هذه المؤسسات يعتمد الرئيس على نائب، يختاره، ويساعده فيما يوكله إليه من مهام، ويرشح نائب الرئيس وينتخب بنفس الطريقة التي يرشح وينتخب بها الرئيس، وواجبه الدستوري الوحيد أثناء حياة الرئيس ينحصر في رئاسة مجلس الشيوخ والاقتراع في حالة التعادل في الأصوات. وقد عين بعض الرؤساء نائب الرئيس في وزاراتهم أو وكلوا إليه واجبات أخرى، ورغم ذلك فإن المنصب يلزم شاغله إلى حد ما بقدر من العجز وعدم الشهرة، إلا في حالة الطوارئ الهامة التي تبرز وجود المنصب، أما في حالة موت كلا الرئيس ونائب الرئيس أثناء فترة الرئاسة، فإن واجبات الرئيس تسند إلى خلف يتم تعيينه بقانون عادى يصدره الكونجرس، ورئيس مجلس النواب هو التالي في التسلسل إن مات نائب رئيس الجمهورية، يتبعه رئيس مجلس الشيوخ المؤقت، وأعضاء الوزارة بترتيب درجاتهم 24.

المبحث الثالث: المؤسسات القضائية الأميركية

يتألف النظام القضائي الأميركي من عدة طبقات، وأحد الأسباب وراء ذلك التقسيم بين القانون الفيدرالي وقانون الولايات، وقد حدّد الدستور العديد من الحدود بين القانون الفيدرالي وقانون الولايات، وقسّم أيضاً السلطة الفدرالية بين فروع الحكم التنفيذية والتشريعية، والقضائية، بحيث يساهم كل فرع من هذه الفروع بصورة واضحة في النظام القضائي.

ويذهب القانون الأميركي الى أبعد من القوانين النظامية التي يسنّها الكونجرس. ففي بعض الميادين، يسمح الكونجرس للوكالات الإدارية بتبّني قوانين تضيف التفاصيل إلى المتطلبات القانونية. كما أن النظام بكامله يستند إلى المبادئ القانونية التقليدية القائمة في القانون العام الإنجليزي. ورغم أن الدستور والقوانين النظامية لهما الأسبقية على القانون العام، لكن المحاكم تواصل تطبيق مبادئ القانون العام غير المكتوبة لأجل ملء الفراغات التي يكون الدستور صامتاً بصددها ولم يُشرّع لها الكونجرس 25.

أولاً: تكوين النظام القضائي الأميركي

يتألف الجهاز القضائي في الولايات المتحدة الأميركية، من المحكمة العليا باعتبارها تمثل أعلى هرم السلطة القضائية، ومحاكم الولايات، وهي محاكم عادية تتولى النظر في قضايا القانون العام، كما توجد بعض المحاكم الفيدرالية المختصة، مثل محكمة الادعاءات وهي محكمة فيدرالية مختصة بالنظر في الجرائم المرتكبة ضد الدولة، ومحكمة التجارة الدولية، ومحكمة الضريبة.

وحسب نصوص الدستور (مادة 3) 26، فإن المحكمة العليا الفيدرالية، هي السلطة القضائية العليا، وتتألف من 9 قضاة يعينهم رئيس الجمهورية بموافقة مجلس الشيوخ، ولضمان استقلال الهيئة القضائية يكون تعيين القضاة التسعة لمدى الحياة، ويتقاضون تعويضات مادية على عملهم بمقتضى الدستور، ويحصن القضاة أعضاء المحكمة العليا إزاء أي تدخل في ممارسة وظيفتهم. وبروتوكولياً، فإن رئيس المحكمة العليا هو ثاني شخصية رسمية بعد رئيس الدولة.

وتتحكم الاعتبارات والعوامل السياسية في أغلب الأحيان في عملية اختيار رئيس المحكمة العليا وقضاة المحكمة، فبالإضافة إلى معايير الكفاءة والنزاهة تؤخذ في الاعتبار أيضًا وجهة النظر والآراء السياسية والاجتماعية والاقتصادية للقضاة الذين يتم اختيارهم، وهو ما أكد الدور السياسي للمحكمة، التي ساعدت في تشكيل الملامح الأساسية للنظام السياسي في الولايات المتحدة من خلال بعث الحيوية في مبادئ دستورية معينة كما ساعدت في إيجاد مجموعة متجانسة من القواعد التي تحكم جوانب من العلاقات الإنسانية التي تخضع للتنظيم الفيدرالي.

وعندما أقر الدستور الفيدرالي سنة 1789 نص على إنشاء المحكمة العليا، لكنه لم يحدد لها وظيفة مراقبة دستورية القوانين. وظلت القوانين لا تخضع لأية رقابة قضائية حتى عام 1803، عندما عرضت قضية ماربوري وماديسون على رئيس المحكمة (جون مارشال) فاتخذت المحكمة قرارًا أثر على مجريات تطور الحياة الدستورية في الولايات المتحدة الأميركية، حيث بت في النزاع مقررًا سمو الدستور على القوانين واستبعاد القانون العادي من التطبيق، إذا تعارض مع مقتضيات الدستور. ومنذ ذلك الوقت ومؤسسة الرقابة تتسع ويمتد سلطانها عن طريق الاجتهادات والتأويلات، الأمر الذي أضفى على النظام الدستوري الأميركي طابع فصل السلطات فعلاً، وبروز دور السلطة القضائية للسلطتين التشريعية والتنفيذية 27.

وقد منع الدستور الولايات من تبني بعض أنواع القوانين (مثل الدخول في معاهدات مع الدول الأجنبية وسكّ العملة). ومنعت المادة الرابعة، الخاصة ببند السيادة، أيضاً قوانين الولايات التي تُناقض إما الدستور أو القانون الفيدرالي. وعلى الرغم من ذلك، تبقى أجزاء كبيرة من النظام القضائي تحت سيطرة الولايات. وقد حدّد الدستور الميادين التي يستطيع فيها الكونجرس سنّ التشريعات. فالتعديل العاشر في الدستور (1791) يقول إن قوانين الولاية تسيطر في أماكن أخرى: “السلطات التي لم يوكلها الدستور إلى الولايات المتحدة أو التي لا يحظرها الدستور على الولايات، تكون مخصصة للولايات، أو للشعب، على التوالي”.

ونص التعديل الرابع عشر (1868) على أنه “لا يحق لأية ولاية… حرمان أي فرد من الحياة، أو الحرية، أو الملكية، دون أصول المحاكمات المرعية الإجراء؛ ولا حرمان أي فرد ضمن سلطتها القانونية من الحماية المتساوية للقوانين”. هذا التعديل وسّع إلى حد كبير قدرة المحاكم الفدرالية على إبطال قوانين الولايات.

ثانياً: مصادر النظام القضائي الأميركي

أكثر مصادر القانون الأميركي وضوحاً هي القوانين النظامية التي سنّها الكونجرس والتي استكملت بالقوانين التنظيمية الإدارية، وهناك مجموعة من المبادئ والمعايير القانونية الأساسية:

1ـ القانون العام: عندما لا يكون هنالك قانون نظامي أو أحكام دستورية تنطبق على وضع ما، كثيراً ما تعود المحاكم الفدرالية ومحاكم الولايات إلى القانون العام المتشكل من مجموعة من القرارات القضائية، والعادات والمبادئ العامة

2ـ السوابق القضائية: تحكم المحاكم في ادعاءات المخالفات وفي النزاعات الناشئة بموجب القانون، ويتطلب هذا من المحاكم، أحياناً كثيرة، تفسير القانون. عندما تفعل المحاكم ذلك، تعتبر نفسها مُقيّدة بطريقة تفسير المحاكم الأخرى المساوية أو الأعلى درجة، للقانون سابقاً. ويُعرف هذا بمبدأ “ما سبق إقراره” (stare decisis ) 28.

المبحث الرابع: الأحزاب الأميركية ـ تعددية شكلية وهيمنة ثنائية

تشمل صناعة القرار السياسي في الولايات المتحدة إضافة للمؤسسات الدستورية، عناصر وبنيات تستمد وضعها من خصوصيات المجال السياسي، ومن علاقاته بالمجتمع، وبالمحيط الدولي، وتعتبر الأحزاب السياسية من أهم المؤسسات التي تساهم في تشكيل عملية صناعة القرار السياسي. وإن كان ذلك يتم من موقع وبصورة مغايرة للمؤسسات الدستورية، حيث لا يتضمن الدستور الأميركي أى إشارة للتنظيمات الحزبية أو دورها في النظام، رغم أن واقع العملية السياسية في الولايات المتحدة تتأثر بشكل كبير بوضع الأحزاب وأدائها، وإذا كانت بداية الحكم الفيدرالي، قد تميزت بغياب الظاهرة الحزبية، ونزوع الشعب الأميركي نحو التركيز على عامل الوحدة والالتفاف حول قيادة جورج واشنطن، فإن الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي شهدتها بداية القرن التاسع عشر، حملت معها مظاهر تكون الأحزاب.

أولاً: تطور دور الأحزاب في النظام الأميركي

عندما وضع مؤسسو الجمهورية الأميركية دستور 1787، لم يتصوروا دوراً للأحزاب السياسية في النظام الحكومي، حيث سعوا من خلال ترتيبات دستورية متنوعة، (فصل السلطات، والضوابط والتوازنات، والنظام الفدرالي، والانتخاب غير المباشر لرئيس الجمهورية من قبل هيئة انتخابية) إلى عزل الجمهورية الجديدة عن الأحزاب والفئات السياسية، إلا أنه مع بداية عام 1800، أصبحت الولايات المتحدة أول دولة تطور أحزاباً منظمة على الصعيد القومي وتنقل السلطة التنفيذية من حزب إلى آخر عن طريق الانتخابات.

وجاء تطور الأحزاب مرتبطا باتساع حق الاقتراع عندما أُلغيت اعتبارات الملكية باعتبارها مؤهلا للتصويت خلال أوائل القرن التاسع عشر. ومع اتساع جمهور الناخبين على نطاق واسع، تطلب الأمر وسيلة لتعبئة جموع الناخبين. وأصبحت الأحزاب ذات صفة مؤسساتية لإنجاز هذه المهمة الأساسية، وبرزت كجزء من هذا التوسع نحو الديمقراطية، ومع حلول ثلاثينات القرن التاسع عشر أصبحت الأحزاب جزءاً راسخاً من الحياة السياسية.

وتتسم الأحزاب في النظام الأميركي، بعدة خصائص أساسية منها: غياب المركزية، وتشتت الفروع إلى لجان ومؤتمرات ومجموعات محلية، وضعف الانضباط الحزبي، خصوصًا مع بروز ظاهرة الجماعات الضاغطة ووسائل الاتصال والإعلام الجماهيري، والتباعد بين برامج الأحزاب في أهم القضايا الداخلية، وانحصار دور الأحزاب في المناسبات الانتخابية، وخصوصًا الانتخابات الرئاسية التي تشكل قاعدة عرفية تنبثق منها الرئاسة الأميركية.

وفي إطار هذه الخصائص تقوم الأحزاب السياسية بأدوار وظيفية مهمة داخل النظام الأميركي، كالمشاركة السياسية وإدماج الفئات والأفراد القيادات السياسية وتحويل مشاكل الأفراد والجماعات إلى مطالب سياسية والضغط بهدف تحويلها إلى قرارات، ويعتبر الحزب بنية سياسية رئيسية في النظام الأميركي، تستمد وضعها وشرعيتها من خلال أدائها الوظيفي، ونسيج العلاقات الذي تقيمه بين المجتمع والنظام السياسي، وانطلاقًا من هذا الوضع، يتحدد وضع الأحزاب الأميركية إزاء عملية صناعة القرار السياسي، انطلاقًا من وظيفة التأثير، التي تتم في مستوى الكونجرس والجهاز التنفيذي 29.

كما تشكل الأحزاب قناة أساسية لتلقى مطالب الأفراد والجماعات كالنقابات والجمعيات المهنية والمنظمات المحلية، ويعتبر البرنامج الانتخابي الوسيلة الرئيسية التي تستخدمها الأحزاب لاستيعاب تلك المطالب أو الاحتجاجات والاقتراحات وبلورتها في شكل أهداف سياسية ومقترحات عملية وتفصيلية ووسائل عمل، تمثل البرنامج السياسي الذي يقترح الحزب تنفيذه في حالة وصوله إلى السلطة.

ويرشح الحزب عددًا من الشخصيات للانتخابات البرلمانية والرئاسية بهدف كسب الأصوات الشعبية لهم خلال الحملات الانتخابية، للحصول على مناصب السلطة التنفيذية والتشريعية، وتشكل الانتخابات مناسبة توظفها الأحزاب لاستقطاب التأييدات والمساندة من أجل الوصول إلى السلطة.

ونظرًا لأهمية المكاسب التي يجنيها الحزب الفائز، تتضافر في العملية الانتخابية معطيات معقدة من الانتماءات المتداخلة والمتناقضة أحيانًا، هيئات مهنية وجماعات أتنية وثقافية، واللوبي وجماعات المصالح الاقتصادية، كما تفرز العملية الانتخابية تحالفات وجماعات سياسية تساند الرئيس، ويكون لها فيما بعد مكانة متقدمة في خريطة المناصب الحكومية.

والأدوار التي يلعبها الحزب في عملية صنع القرار السياسي، تظهر بأشكال ومضامين مختلفة عن الأدوار التي يقوم بها على المستوى الانتخابي والشعبي، حيث يقوم بتحويل المطالب إلى مشاكل سياسية تتركز حولها اهتمامات الرأي العام، ومكونات المجتمع السياسي؛ وتستخدم وسائل الإعلام والمقابلات التليفزيونية والجلسات البرلمانية لتوجيه الاهتمام حولها.

وفى الكونجرس يسعى زعماء الأحزاب، لتجديد ودعم روح الانضباط الحزبي، من أجل تجميع الإرادة الجماعية حول النواب والشيوخ الحزبيين لدى مشروع قانون أو معارضة قرار ما، كما يمارس رؤساء اللجان واللجان الفرعية وأعضاء بعض الهيئات المحلية، وجماعات المصالح الخاصة والجمهورية، ولجان المساندة والذين تربطهم بالشيوخ أو النواب علاقات خاصة، ضغوطًا من خلال نصائحها وخبراتها التي تقدمها للبرلماني من أجل توجيه موقفه وصوته 30.

ثانياً: الأحزاب بين الثنائية والتعدد

يتغلغل الحزبان، الجمهوري والديمقراطي، في جميع أجزاء العملية السياسية، ويعتبر حوالي ثلثي الأميريكيين تقريباً أنفسهم إما جمهوريين أو ديمقراطيين، كما أن الحزبين الرئيسيين يسيطران على رئاسة الجمهورية، والكونجرس، ومناصب حكام الولايات، والمجالس التشريعية التابعة للولايات. وقد كان كل رئيس جمهورية منذ 1856 حتى الآن إما جمهورياً أو ديمقراطياً.

ففي أعقاب انتخابات 2002 المحلية لاختيار أعضاء الكونجرس، كان هناك سناتور مستقل واحد بين (100) سناتور يشكلون مجلس الشيوخ، ونائبان مستقلان فقط من بين (435) نائباً في مجلس النواب الأميركي. أما على صعيد الولايات، فقد كان جميع الحكام الخمسين إما جمهوريين أو ديمقراطيين، ولم يُنتخب سوى واحد وعشرين عضوا في مجالس الولايات التشريعية (أي 0،003%) من بين الأكثر من 7300 مشرع ممن لم يكونوا منتمين إلى الحزبين الجمهوري والديمقراطي، هذا بالإضافة إلى أن الحزبين هما اللذان ينظمان الحكومة ويهيمنان عليها على الصعيد القومي وصعيد الولايات أيضا.

وقد تعددت الاعتبارات التي أدت لترسيخ نظام الحزبين في الولايات المتحدة، وسيطرة الجمهوريون والديمقراطيون على السياسات الانتخابية منذ منتصف القرن التاسع عشر، منها:

1ـ النظام المتبع لانتخاب المشرّعين على المستوى القومي ومستوى الولايات، والمتمثل في نظام “العضو الواحد” للدائرة الانتخابية، أي أن من يحصل على أكبر عدد من الأصوات في أي دائرة انتخابية يفوز في الانتخابات، وهذا النظام يتيح لحزب واحد فقط أن يفوز في أي دائرة محددة، وبالتالي يخلق حوافز لتشكيل حزبين كبيرين بقاعدة عريضة لكل منهما.

2ـ ما ينص عليه نظام الهيئة الانتخابية الخاصة باختيار رؤساء الجمهورية، حيث لا يُدلي الأميركيون عملياً بأصواتهم لصالح لائحة من المرشحين للرئاسة، بل يقترعون في كل ولاية لانتخاب لائحة من “الناخبين” الذين تعتبر أصواتهم مضمونة لمرشح أو آخر، ويتطلب انتخاب رئيس الجمهورية أكثرية مطلقة من مجموع الأصوات الانتخابية الـ 538، ويجعل هذا الشرط من الصعب على أي حزب ثالث الوصول إلى رئاسة الجمهورية لأن الأصوات الانتخابية لكل من الولايات توزع على أساس ترتيب يكسب فيه الفائز جميع أصوات الولاية في الهيئة الانتخابية. وهذا يعني أن أي مرشح يحصل على أغلبية الأصوات في الانتخابات الشعبية في تلك الولاية، حتى ولو كانت أغلبية ضئيلة، يفوز بجميع أصوات تلك الولاية في الهيئة الانتخابية.

3ـ سيطرة الحزبين الجمهوري والديمقراطي على الجهاز الحكومي، فوضعا قوانين انتخابية تعمل لصالحهما، بحيث أصبح مجرد وضع اسم حزب جديد على اللوائح الانتخابية في بعض الولايات عملية صعبة ومكلفة.

4ـ أن قانون الحملة الانتخابية الفدرالي يمنح فوائد خاصة للأحزاب الرئيسية، بما في ذلك تمويل حكومي للحملات الرئاسية على مستوى أعلى بكثير مما هو متوفر للأحزاب الثانوية، حتى تلك التي حصلت على نسبة 5% من الأصوات في الانتخابات العامة السابقة التي تؤهلها للحصول على ذلك التمويل.

5ـ أن عملية اختيار المرشحين في أميركا تشكل حاجزا بنيويا إضافيا أمام الأحزاب الثالثة، من حيث الاعتماد على الانتخابات التمهيدية لاختيار مرشحين حزبيين لمناصب في الولايات وفي الكونجرس، وفي استخدام الانتخابات التمهيدية للرئاسة على مستوى الولاية في عملية اختيار مرشحي الرئاسة، وهو ما يعني أن الناخبين هم الذين يتخذون القرار النهائي بشأن من سيرشح في نهاية الأمر الفائز من أحد الحزبين الرئيسيين 31.

ثالثاً: ظاهرة الأحزاب الثالثة

ظهرت عدة أحزاب في الحياة السياسية الأميركية، فيما عرف بظاهرة “الأحزاب الثالثة”، وظل مرشحو الأحزاب الثالثة والمرشحون المستقلون، ظاهرة تتكرر في فترات منتظمة في النظام السياسي الأميركي، وكانت هذه الأحزاب تنتعش في انتخابات واحدة ثم تختفي، أو تتلاشى تدريجياً، أو يتم استيعابها من قبل أحد الحزبين الرئيسيين.

وإذا كانت الخبرة الأميركية تشير إلى عدم قدرة الأحزاب الثالثة على البقاء والاستمرار فترة طويلة، فهناك حالات كان لها فيها تأثير رئيسي على نتائج الانتخابات، فقد قسَم ترشيح ثيودور روزفلت من قبل حزب ثالث عام 1912 أصوات الناخبين الذين يصوّتون عادة للجمهوريين ومكّن الديمقراطي وودرو ويلسون من الفوز في الانتخابات دون أن يكون قد حصل على أكثرية مجمل أصوات الناخبين، وفي عام 1992، اجتذب ترشيح روس بيرو ناخبين كانوا في معظمهم يصوّتون كجمهوريين في انتخابات الثمانينات من القرن العشرين فساهم في هزيمة الرئيس الجمهوري جورج بوش. وفي الانتخابات الرئاسية 2000، ساهم رالف نادر في هزيمة المرشح الديمقراطي آل جور.

وفي مقابل هذه الاعتبارات وعلى الرغم من الأدلة القوية على سيطرة الأحزاب على الحياة السياسية الأميركية، فإن عدم الثقة في الأحزاب يعتبر من المكوّنات الأساسية المتأصلة في الثقافة المدنية الأميركية، فالأميركيون لا يشعرون بالارتياح تجاه ممارسة زعماء الأحزاب سلطة كبيرة على حكومتهم، وتكشف استطلاعات الرأي العام أن نسبة كبيرة من جمهور الناخبين تعتقد أن الأحزاب تساهم في تشويش القضايا أكثر من توضيحها، وأنه من الأفضل لو أنه لم يكن هناك ما يدل على الصفة الحزبية في بطاقات الاقتراع.

كما أن الأحزاب الأميركية تواجه أيضا مشكلة ضعف الشعور النسبي بالالتزام الحزبي لدى الكثير من الأميريكيين، ووجود شريحة لا بأس بها من الناخبين الذين يعتبرون أنفسهم مستقلين، والاتجاه السائد بين نسبة مهمة من المواطنين لممارسة تقسيم البطاقة الانتخابية، وهو ما ترتب عليه أن أصبح تقاسم سيطرة الحزبين على الفرعين التنفيذي والتشريعي للحكومة أمراً شائعاً في الحكومة القومية وحكومات الولايات 32.

خاتمة

يقول المفكر الأميركي، صمويل هنتنجتون، أحد أهم منظري العلوم السياسية في القرن العشرين: “في عالم القرن الحادي والعشرين، متعدد القطبية، سوف تقوم القوى الرئيسية بالتنافس والصدام والائتلاف مع بعضها البعض، بأشكال مختلفة، وهنا لن نشهد توترات ونزاعات بين القوى العظمى والقوى الإقليمية الرئيسية، تلك التوترات والنزاعات التي تشكل الصفة المميزة للعالم “أحادي/متعدد القطبية”، لهذا فإنه بإمكان الولايات المتحدة العيش كقوة رئيسية، في عالم متعدد القطبية بمتطلبات وخلافات أقل، ومردود أكثر، مما كان عليه الحال عندما كانت القوة العظمى الوحيدة في العالم”.

ويقول بول كيندي (1998): “إن الاحتمال الأكبر أن الولايات المتحدة ستدخل القرن الحادي والعشرين كقوة عالمية من الدرجة الأولى، بما يدفع للقول بأن القرن التالي يمكن أن يكون أميركياً أيضاً. ومع ذلك فمن الحكمة أن نتذكر سؤال فولتير: “إذا سقطت روما وقرطاجة فأية قوة هي الخالدة؟” وكان جوابه “ولا واحدة”.

وفي إطار هذه المقولات يمكن القول إنه في إطار الصلاحيات والأدوار التي تضطلع بها المؤسسات الرئيسية في عملية صنع القرار في السياسي الأميركي، نجد:

1ـ أن شخصية الرئيس وطاقمه وتوجهاتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية تنعكس بصورة كبيرة على مجمل سياسات الإدارة، مع مراعاة أن السياسة الخارجية محكومة بالمصالح الجوهرية للولايات المتحدة، وأي تغيير في هذه السياسات محكوم في إطار ثبات المصالح الأميركية في العالم، ومقيد أيضاً بالاعتبارات الداخلية في المجتمع الأميركي وتأثير جماعات الضغط فيها.

ويتميز الرئيس الأميركي في عدد من الجوانب في مواجهة الكونجرس من بينها: أن يحصل على معلومات متخصصة وسريعة من خلال أجهزة جمع المعلومات التي تحت إدارة البيت الأبيض، وهذا يعطيه القدرة على اتخاذ قرارات صائبة، ويمكنه من استخدام هذه المعلومات بطرق مختلفة ليحصل على موافقة الكونجرس على سياساته، وسلطة الرئيس كمشرع تدعم قوته في مواجهة الكونجرس فمن خلال خطابه السنوي، يتقدم الرئيس للكونجرس بالميزانية وببرامجه التشريعية، ويؤثر هذا الخطاب بدرجة كبيرة في خطة الكونجرس السنوية، وقدرة الرئيس على جذب الرأي العام لصالحه من خلال وسائل الإعلام، والتي تفوق قدرة الكونجرس وتشكل نوعا من أنواع الضغط للتأثير على قراراته وبصفاته القيادية، يستطيع الرئيس أن يوجه جهود الأمة لتحقيق هدف معين.

وكذلك دور الرئيس كقائد سياسي للحزب الذي ينتمي له، وهذا الدور يوفر له التأييد من أعضاء الحزب ومن الأفراد الذين تم تعيينهم من قبل الرئيس، كما يستمد الرئيس العون والتـأييد من مستشاريه الذين يعملون في مكتبه التنفيذي.

2ـ تنبع قوة الكونجرس في عملية صنع القرار من هيمنته على الشئون الداخلية للبلاد، إلا أنه يعاني من العديد من القيود التي تؤثر على فاعلية دوره في صنع السياسة الخارجية، ومن بين هذه القيود، معاناته من تشتت القوى وضعف الولاء الحزبي، بالإضافة إلى ضعف الأحزاب بشكل عام، وازدياد عدد اللجان واللجان الفرعية بما يعوق القدرة على التوصل لقرارات سريعة، والتداخل بين القضايا الداخلية والخارجية وازدياد المشاركة السياسية، وما ترتب على ذلك من صعوبة الإجماع على قضية أو قرار، رضوخ الكونجرس لجماعات الضغط أدى إلى إضعافه.

3ـ أن الفاعلية في إدارة وصنع قرارات السياسة الخارجية من جانب مؤسسة الرئاسة أو من جانب الكونجرس تتوقف بدرجة كبيرة على عدد من الاعتبارات من بينها: الحزب المسيطر في الكونجرس، وشخصية الرئيس، والمناخ السياسي العام، فسيطرة الحزب الذي ينتمي إليه الرئيس على الكونجرس تسهل تصديق الكونجرس على قراراته، وعندما تكون شخصية الرئيس قوية، تزيد من قدرته في السيطرة على الكونجرس، كذلك فإنه عندما يشعر الجميع أن المجتمع الأميركي يواجه تحديات مصيرية، يكون للرئيس الكلمة العليا، حيث تتوحد الصفوف خلفه باعتباره رمزاً للأمة، ومدافعاً عن مبادئها وقيمها 33.

1 يقول برنارد لويس ونيوت جينجريتش، “بدون مؤسسات سياسية واقتصادية قوية لم يكن للمغول والمقدونيين أن يحافظوا على إمبراطوريات مترامية الأطراف، وما جعل الإمبراطورية الرومانية عظمى لم يكن مجرد قوتها العسكرية، وإنما امتيازها كإمبراطورية، وما جعل الإمبراطورية الصينية عظمى لم يكن مجرد قوتها العسكرية وإنما القوة والقدرة الهائلة لثقافتها، وأنه إذا كان لنا أن نستخلص أي درس من التاريخ، فهو أنه من أجل أن تعزز الولايات المتحدة هيمنتها يجب أن تبقى مهيمنة عسكرياً، ولكن عليها أيضاً، أن تحافظ على تفوقها عبر الأعمدة الأخرى للسلطة” (أنظر، مورين دود، رامسفيلد المقدوني في ثياب الإمبراطورية، خدمة نيويورك تايمز، خاص بالشرق الأوسط، لندن، عدد 9/3/2003).

2  Karl W. Deutsch, Politics and Government ، How People Decide Their Fate, (US. Houghton Mifflin Company, 1980, pp.290 – 291.

3 نانيس مصطفي خليل، الرئاسة كمؤسسة لصنع السياسة الخارجية الأميركية، السياسة الدولية، مؤسسة الأهرام، القاهرة، عدد 127، يناير 1997، ص 82 ـ 83.

4 تأخذ الولايات المتحدة بنظام المجلسين، (الشيوخ والنواب)، والأخذ بنظام المجلسين يجد تبريره في محاولة إيجاد التوازن بين النزعات المحلية من ناحية، والنزعة المركزية من ناحية أخرى، فمجلس الشيوخ يعتمد على قوة المسافة بين الولايات المتحدة كبيرها وصغيرها، حيث تكون كل ولاية ممثلة بنائبين في مجلس الشيوخ، ويضمن ذلك لكل ولاية أن تدافع عن حقوقها ومطالبها، وأن تحمى مصالحها المحلية أو الإقليمية، أما مجلس النواب فيعتمد على فكرة الدوائر الانتخابية، وعلى ذلك فالولاية الكبيرة يمثلها في مجلس النواب عدد من الأعضاء أكبر من الولاية الصغيرة، ويضفى ذلك فكرة الوحدة على الدولة والنظام، ومدة العضوية في مجلس الشيوخ ستة أعوام ويجدد ثلث أعضاء المجلس كل عامين، أما مدة العضوية في مجلس النواب فهي عامين، ويبلغ عدد أعضاء مجلس النواب 435 عضوًا.

5 أنظر، ماكس فاراند، قصة دستور الولايات المتحدة، ترجمة د. وايت إبراهيم، القاهرة، مكتبة وهبة، د. ت.، ص 168 ـ 169).

6 تلعب اللجان المشكلة داخل الكونجرس دورًا هامًا في الحياة السياسية والتشريعية، حيث تقوم هذه اللجان بالوظيفية الأساسية لعملية صنع القرار على المستوى التشريعي، ويبلغ عدد لجان مجلس النواب 21 لجنة، ويبلغ متوسط عدد أعضاء اللجنة 30 عضوًا، أما مجلس الشيوخ فيبلغ عدد لجانه 17 لجنة، ويتراوح عدد الأعضاء في هذه اللجان من 7 ـ 26 عضوًا في كل لجنة، وبعض هذه اللجان تكون كبيرة في الحجم والاختصاصات، بحيث تقسم اللجنة الواحدة إلى عدة لجان فرعية متخصصة، وبعض هذه اللجان الفرعية يمكن أن تكون لها قوتها الذاتية.

ونمو وتعدد لجان الكونجرس واختلاف تخصصاتها يتسق مع نمو الجهاز البيروقراطي ككل، وكلما كانت لجان الكونجرس تتشكل لتعبر عن مصالح وأنشطة جماعات معينة في المجتمع كلما تزايدت أهميتها السياسية، ويمكن أن يشكل الكونجرس لجانًا خاصة كلما دعت الحاجة أو الظروف لكي تباشر مهام شبه قضائية، مثل اللجان التى تتشكل لتقصى الحقائق في أمر معين.

7 علاء بيومي، قراءة في أسلوب اتخاذ أعضاء الكونجرس الأميركي للقرارات وتبعاته على مواقفهم من قضايا المسلمين والعرب، الشعب 11/7/2003.

8 من الحالات التي أجبر فيها الرئيس عن التخلي عن إبرام اتفاقية بسبب رفض الكونجرس، طلب الرئيس كارتر سنة 1981 بيع أسلحة للسعودية، والمغرب؛ بينما استجاب للطلبين في فترة حكم الرئيس رونالـد ريجان سـنة 1987، وكذلك رفض مجلس الشيوخ مبادرة للرئيس بوش بتقديم مساعدات عسكرية للسعودية ومساعدات لمصر قبل حرب الخليج الثانية، لكن المجلس تراجع عن رفضه سنة 1991، إثر أحداث الخليج وبروز التحالف الدولي ضد العراق الذي شاركت فيه مصر بفعالية، كما أقر بيع صفقة أسلحة طائرات وصواريخ مضادة للطائرات للسعودية.

9 نانيس مصطفي خليل، مصدر سابق، ص 82 ـ 83.

10 د. فواز جرجس، السياسة الأميركية تجاه العرب كيف تصنع ومن يصنعها، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1998، ص 71 ـ 75.

11 د. محمد كمال، مصدر سابق، ص 3ـ 6.

12 منصف السليمي، مصدر سابق، ص 176 ـ 183.

13 تنص المادة الثانية علي أنه، “تُـناط السلطة التنفيذية برئيس الولايات المتحدة الأميركية، ويشغل الرئيس منصبه مدة أربع سنوات، ويتم انتخابه مع نائب الرئيس الذي يختار لنفس المدة” (الفقرة الأولي/1)، وأن “يكون رئيس الجمهورية قائداً أعلى لجيش وبحرية الولايات المتحدة، ولمليشيات مختلف الولايات عندما تُدعى إلي الخدمة الفعلية لدي الولايات المتحدة، وله أن يطلب الرأي الخطي للموظف الرئيس في كل من الوزارات التنفيذية حول أي موضوع يتعلق بمهام وزارة كل منهم، كما تكون له سلطة إرجاء تنفيذ الأحكام، و منح العفو عن جرائم ترتكب ضد الولايات المتحدة، ما عدا حالات الاتهام النيابي”( الفقرة الثانية/1)،وأن “تكون له السلطة، بمشورة مجلس الشيوخ وموافقته، لعقد معاهدات، شرط أن يوافق عليها ثلثا عدد أعضاء المجلس الحاضرين، كما له أن يرشح ـ وبمشورة مجلس الشيوخ وموافقته ـ ويعين، سفراء ووزراء مفوضين آخرين وقناصل وقضاة المحكمة العليا وسائر موظفي الولايات المتحدة الآخرين، الذين لا ينص هنا علي أحكام تعييناتهم والتي سيتم إحداثها بقانون، ولكن يمكن للكونجرس أن ينيط بواسطة قانون، حسبما يرتأى، تعيين مثل هؤلاء الموظفين الأدنى رتبة، بالرئيس وحده، أو بالمحاكم أو بالوزارات” (الفقرة الثانية/2) (أنظر، وزارة الخارجية الأميركية، دستور الولايات المتحدة الأميركية مع ملاحظات توضيحية، 2000، ص 32 ـ 34).

14 يدور محتوى هذا القرار حول الفقرة التي تنص على أن على الرئيس أن ينهى استخدام القوات المسلحة خلال فترة 60 يومًا، إذا لم يعلن الكونجرس نفسه حالة الحرب خلال تلك الفترة، أو لم يوافق على “تمديد” مدة استخدام القوات المسلحة في الخارج لمدة 30 يومًا، ويمكن للكونجرس، في أي وقت، إصدار قرار بمجلسه يأمر الرئيس بسحب القوات الأميركية من إحدى مناطق النزاع الفعلي أو المحتمل”.

15 الاتفاق التنفيذي اتفاق بين الرئيس ودولة أجنبية له قوة القانون، وتشكل هذه الاتفاقات النسبة الغالبة من الاتفاقيات التى تبرمها الولايات المتحدة مع الدول الأجنبية، كما في عدد كبير من الحالات المتعلقة بمساعدات عسكرية ومالية لدول تربطها بالولايات المتحدة علاقات” (أنظر، د. فواز جرجس، السياسة الأميركية تجاه العرب، مصدر سابق، ص 27 ـ 29).

16 منصف السليمي، مصدر سابق، ص 166 ـ 176.

17 منها، مكتب الممثل الدائم لدى الأمم المتحدة، ومكتب الشئون التشريعية، ومكتب البحوث والاستخبارات، ومكتب المحقق العام، ومكتب المستشار القانوني، ووكالة الولايات المتحدة للتنمية الدولية.

18 د . جهاد عوده، الهياكل التنفيذية لوزارتي الخارجية والدفاع  في إدارة جورج بوش الجمهورية، مقطع أولى، دراسة مقدمة إلي مؤتمر صنع القرار في السياسة الخارجية الأميركية، مركز الدراسات الأميركية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 28 ـ 29 فبراير 2004).

19 د. شبلي التلحمي، السياسة الخارجية للولايات المتحدة قبل وبعد أحداث الحادي عشر من أيلول، موقع مستقبليات، 6 نوفمبر 2002.

20 د . جهاد عوده، الهياكل التنفيذية لوزارتى الخارجية والدفاع، مصدر سابق.

21 يتكون جهاز المخابرات الأميركي من ‏13‏ وكالة وهيئة حكومية تعمل في مجال أنشطة المخابرات المتنوعة‏.‏ ويرأس تلك المجموعة رئيس وكالة المخابرات المركزية ويعاونه هيئة إدارة مجتمع المخابرات ومجلس المخابرات القومي‏.‏ وتتكون المجموعة من، وكالة المخابرات المركزية وكالة مخابرات الدفاع، ووكالة الأمن القومي، ووكالة التصوير والخرائط القومية، ومكتب الاستطلاع القومي ومخابرات القوات الجوية ومخابرات الجيش، ومكتب مخابرات البحرية، ومخابرات فيلق المارينز، ومخابرات وزارة الخارجية، ومخابرات وزارة الطاقة ومخابرات وزارة الخزانة، ومكتب التحقيقات الفيدرالي‏ (د‏.‏ محمود خلف، أجهزة المخابرات الأميركية ـ الهياكل التنظيمية والمهام الرئيسية).

22 منصف السليمي، مصدر سابق، ص 186 ـ 188.

23 محمد حسنين هيكل، صناعة القرار الأميركي، الخليج، الإمارات، 7/7/2003

24 أرنست س. جريفيت، نظام الحكم في الولايات المتحدة الأميركية، ترجمة، د. محمد عبد المعز نصر، القاهرة، مكتبة مصر، 1953، ص 67 ـ 79.

25 مايكل دجاي فريدمان، النظام القضائي الأميركي، موقع وزارة الخارجية الأميركية، 1 سبتمبر 2008.

26 نصت المادة الثالثة، “الفقرة الأولي، تُناط السلطة القضائية للولايات المتحدة بمحكمة واحدة، هي المحكمة الدستورية العليا، وبعدد من المحاكم دونها درجة وفقاً لما يقرره ويحدده الكونجرس من وقت لآخر. ويتولى القضاة العاملين في المحكمة الدستورية العليا وفي المحاكم دونها درجة مناصبهم ويحتفظون بها ما داموا يتحلون بسلوك جيد، ويتلقون مقابل خدماتهم مكافآت مالية في تواريخ معينة لا تُخفض ما داموا في مناصبهم.

الفقرة الثانية/1، تشمل السلطة القضائية جميع القضايا المتعلقة بالقانون والعدل التي تنشأ في ظل أحكام الدستور الأميركي وقوانين الولايات المتحدة والمعاهدات المعقودة أو التي ستعقد بموجب سلطتها، كما تشمل جميع القضايا التي تتناول السفراء والوزراء المفوضين الآخرين، والقناصل وجميع القضايا االداخلة في اختصاص الأميرالية والملاحة البحرية؛ والمنازعات التي تكون الولايات المتحدة طرفاً فيها؛ والمنازعات التي تنشأ بين اثنتين أو أكثر من الولايات؛ (وبين إحدى الولايات ومواطني ولاية أخرى) وبين مواطني ولايات مختلفة؛ وبين مواطني نفس الولاية ممن يدعون ملكية أراضٍ بموجب منح من ولايات مختلفة، وبين ولاية أو مواطنيها ودول أجنبية (أو مواطني دول أجنبية أو رعايا أجانب).

الفقرة الثانية/2، للمحكمة الدستورية العليا الولاية القضائية الابتدائية على جميع القضايا التي تتعلق بالسفراء والوزراء والمندوبين الحكوميين الآخرين والقناصل، وعلى القضايا التي تكون إحدى الولايات طرفاً فيها. ولها ولاية قضائية استئنافية على جميع القضايا الأخرى المذكورة أعلاه، فيما يتعلق بالقانون والوقائع، مع مراعاة ما يحدده الكونجرس من استثناءات وما يضعه من لوائح تنظيمية.

الفقرة الثانية/3، فيما عدا المحاكمات الجنائية لكبار الموظفين العموميين، تُجري جميع المحاكمات أمام هيئة محلفين، وتُجرى هذه المحاكمات في الولاية التي ارتُكبت فيها الجرائم المعنية، ولكن عندما لا تكون الجريمة قد ارتُكبت في أية ولاية، تُعقد المحاكمة في المكان أو الأماكن التي يحددها الكونجرس في قانون يصدر عنه. (أنظر، وزارة الخارجية الأميركية، دستور الولايات المتحدة الأميركية مع ملاحظات توضيحية، 2000، ص 36 ـ 37).

27 منصف السليمي، القرار السياسي الأميركي، مصدر سابق، ص 183 ـ 184.

28 مايكل دجاي فريدمان، النظام القضائي الأميركي، موقع وزارة الخارجية الأميركية، 1 سبتمبر 2008.

29 منصف السليمي، مصدر سابق، ص 232 ـ 235.

30 منصف السليمي، مصدر سابق، ص 238 ـ 240.

31 د. جون بيبي، الأحزاب السياسية في الولايات المتحدة، مجلة انتخابات، إصدار خاص بمناسبة الانتخابات الرئاسية الأميركية 2004، موقع وزارة الخارجية الأميركية علي شبكة الإنترنت.

32 د. جون بيبي، مصدر سابق.

33 الآراء الواردة تعبر عن كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المعهد المصري للدراسات.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. دراسه مفتاحيه تصلح كمرجع فى الموضوع موضع البحث لباحث متفرد ومتخصص فى العلاقات الدوليه ويستحسن أن تصدر فى كتاب كمرجع وافى فى سلطات القرار فى امريكا تحتاج لقراءه متعمقه ونظرا لطولها وتعمقها فإن صدورها فى كتاب مكون من فصول ستجعل قراءتها أكثر يسرا – تحياتى وتقديرى البالغين للدكتور عصام عبد الشافى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Close