fbpx
قلم وميدان

كيف يصير العاملون للإسلام في خندق واحد (10)

القواعد المنظمة لحال الضرورة وآثارها السياسية (4)

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

لا تنتمي هذه القواعد التي سوف نتعرض لها في هذا المقال إلى باب الضرورة، وإنّما أغلبها ينتمي في الأصل إلى باب الضرر؛ تبعا لقاعدة “لا ضرر ولا ضرار”، غير أنّها تتقاطع مع قواعد الضرورة في الضرر الواقع بسبب حال الضرورة؛ لذلك توجهنا إلى تناولها، مع قاعدة كبرى تدخل في كافّة الأبواب وهي قاعدة: “الأمور بمقاصدها”، وتدخل هنا في باب الضرورة؛ لكون من ألمت به ضرورة لابد أن يكون قصده هو دفع الضرورة فقط، ولون النية في هذه الحالة يعول عليها في تبرير الترخص لأجل الضرورة.

القاعدة التاسعة: “الضرر يدفع بقدر الإمكان”[1]:

“هذه القاعدة تعبر عن وجوب دفع الضرر قبل وقوعه بكل الوسائل الكافية الكافلة، وفقا لقاعدة المصالح المرسلة والسياسة الشرعية؛ لأنّ الوقاية خير من العلاج، وذلك بقدر الإمكان؛ لأنّ التكليف الشرعيّ على حسب الاستطاعة” وما لا يستطيعه الإنسان مرفوع عنه، لكنّه مطال بالدفع قدر استطاعته”[2]، ومن تطبيقات هذه القاعدة في ميدان السياسة الشرعية: “نصب الأئمة والولاة وإن لم تكامل الشروط؛ لأنّ عدم نصبهم سيؤدي إلى ترك الناس فوضى”[3].

    ومن ذلك أيضا أنّه عند شغور الزمان من السلطان الشرعي يجب على الناس دفع ما يمكنن دفعه من المضار بقدر الإمكان، بإقامة ما يمكن إقامته من الأعمال والولايات، يقول الإمام الجويني: “فإذا شغر الزمان من كافٍ مستقلٍ بقوة ومنة؛ فكيف تجري قضايا الولايات قد بلغت تعذرها منتهى الغايات، فنقول: أمّا ما يسوغ استقلال الناس فه بأنفسهم؛ كعقد الجمع وجر العساكر إلى الجهاد واستيفاء القصاص في النفس والطرف فيتولاه الناس عند خلو الدهر … فإذا خلا الزمان عن السلطان وجب البدار على حسب الإمكان إلى درء البوائق، عن أهل الإيمان … وإذا لم يصادف الناس قوّاما بأمورهم يلوذون به فيستحي أن يؤمروا بالقعود عمّا يقتدرون عليه من دفع الفساد؛ فإنّهم لو تقاعسوا عن الممكن عمّ الفساد البلاد والعباد … وقد قال العلماء: لو خلا الزمان عن السلطان فحق على قطان كل بلدة وسكان كل قرية أن يقدموا من ذوي الأحلام والنهى وذوي العقول والحجى من يلتزمون امتثال إشارته وأوامره، وينتهون عن مناهيه ومزاجره، فإنّهم لو لم يفعلوا ذلك ترددوا عند إلمام المهمات، وتبلدوا عند إظلال الواقعات”[4].

القاعدة العاشرة: “يُتَحَمَّل الضرر الخاص لدفع الضرر العام”[5]

عدم القدرة على دفع الضرر العام إلا بتحمل ضرر خاص يُعَدُّ حالة من حالات الضرورة؛ لذلك أدخلنا هذه القاعدة هنا، ومن تطبيقاتها في ميدان السياسة الشرعية “أنّ الإمام لو علم أنّه إن خلع نفسه اضطربت الأمور وتزلزلت الثغور، وانجر إلى المسلمين ضرار لا قبل لهم به فلا يجوز أن يخلع نفسه، وهو فيما ذكرنا كالواقف من المسلمين في صفّ القتال مع المشركين، إذا أراد أن ينهزم وعلم بهذا السبب يكاد أن ينثلم وينخرم فيجب عليه المصابرة، وإن لم يكن متعينا عليه الابتدار للجهاد مع قيام الكافّة به”[6].

القاعدة الحادية عشرة: “يدفع الضرر الأشد بالضرر الأخف”[7] “يُختار أهون الشرين”[8]

“إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضررا بارتكاب أخفهما”[9] فعدم القدرة على دفع الضررين الأشد والأخف معاً أو على رفع الشرين المزدحمين معاً أو على رفع نفي المفسدتين المتفاوتتين معا يُعَدُّ من أحوال الضرورة؛ لذلك أوردنا هذه القواعد هنا، وهي متشابهة في معناها وفحواها، ومعنى الازدحام ألا تتوفر القدرة والاستطاعة على دفع الاثنين، ولابد من الوقوع في أحدهما، فعندئذ يتم دفع الضرر الأشد بتحمل الضرر الأخف، ودفع المفسدة الأعظم باحتمال الأدنى، واختيار أهون الشرين لتحمله في سبيل دفع الأشد.

ومن تطبيقاتها في السياسة الشرعية – كما ذكر العز ابن عبد السلام – أنّ “تصحيح ولاية الفاسق مفسدة، لما يغلب عليه من الخيانة في الولاية، لكنها صححناها في حق الإمام الفاسق والحاكم الفاسق؛ لما في إبطال ولايتهما من تفويت المصالح العامة، ونحن لا ننفذ من تصرفاتهم إلا ما ينفذ من تصرف الأئمة المقسطين والحكام العادلين، فلا نبطل تصرفه في المصالح لأجل تصرفه في المفاسد، إذ لا يترك الحق المقدور عليه لأجل الباطل، والذي أراه في ذلك أنا نصحح تصرفهم الموافق للحق مع عدم ولايتهم لضرورة الرعية، كما نصحح تصرفات إمام البغاة مع عدم أمانته؛ لأن ما ثبت للضرورة تقدر بقدرها، والضرورة في خصوص تصرفاته، فلا نحكم بصحة الولاية فيما عدا ذلك، بخلاف الإمام العادل فإن ولايته قائمة في كل ما هو مفوض إلى الأئمة”[10]

القاعدة الثانية عشرة: الأمور بمقاصدها:

ليست هذه القاعدة من القواعد التي تؤخر في الذكر والترتيب؛ لأنّها أم القواعد ورأسها وإمامها، غير أنّنا اضطررنا لذلك لكونها باب غير باب الضرورة، وإنّما سقناها هنا لكونها تتقاطع في بعض اختصاصاتها مع قواعد الضرورة.

    ومعنى هذه القاعدة “أن حكم الأمور بمقاصد فاعليها”[11] أي: “أن الحكم الذي يترتب على أمر يكون على مقتضى ما هو المقصود من ذلك الأمر”[12] ومما لا شك فيه أن الأمور هنا تعنى أعمال المكلف وتصرفاته وأقواله؛ وعليه يمكن أن نوضح أكثر فنقول: إن معنى القاعدة: ” أن أعمال الشخص وتصرفاته من قولية أو فعلية تختلف نتائجها وأحكامها الشرعية التي تترتب عليها باختلاف مقصود الشخص من تلك الأعمال والتصرفات”[13].

ويترتب على هذا أن “الفعل الواحد يختلف حكمه باختلاف نية فاعله وقصده منه”[14] وأن القصد أو النية “تؤثر في الفعل، فيصير بها تارة حراماً وتارة حلالاً، كما يصير بها العقد تارة صحيحاً وتارة فاسداً”.[15]

وعبارة “الأمور بمقاصدها” مستوحاة من قول النبي صلى الله عليه وسلم: “إنما الأعمال بالنيات” والترادف بين العبارتين واضح، غير أن عبارة الحديث أعظم بركة؛ لذلك مال البعض إلى اختيارها للتعبير بها عن القاعدة، مثل الإمام تاج الدين السبكى، الذي قال: “وأرشق وأحسن من هذه العبارة قول من أوتى جوامع الكلم “إنما الأعمال بالنيات”[16].

ومن تطبيقات هذه القاعدة في السياسة الشرعية التفريق في حال الضرورة بين حاكم وآخر، كلاهما لا يطبق شريعة الله ويقيم حكمه على اساس دستور علمانيّ، وكلاهما يقع حكمه في زمان الضرورة؛ حيث لا يسمح النظام الدوليّ بقيام دولة على أساس دينيّ ويحاصرها ويحاربها، غير أنّ أحدهما ينوي بما يصنع التمهيد لإقامة شريعة الله، والثاني ينوي عكس ذلك، فالفعل واحد، بينما فصلت النية بينهما، فصار أحدهما مأجورا معذوراً تجب طاعته ويحرم الخروج عليه، والآخر صار مأزورا ملاماً يجب السعي إلى خلعه واستبداله بغيره، والفرق بينهما فقط هو النية.

  والنية هنا لا تُلتمس بالتنقيب عمّا في القلوب، وإنّما تعرف باستقراء الواقع في الحالين، فهذا يقود الأمة بكتاب الله حسب استطاعته، يُصلي ويحث على الصلاة وعمارة المساجد، ويحترم إرادة شعبه وحرياته وحقوقه، ويؤدي الأمانات إلى أهلها، ويدافع عن الإسلام قدر الإمكان، ولا يطارد رجال الدعوة والعلم الشرعيّ، بل يحتضنهم ويظلل عليهم بعنايته، ويتوسع في كل ما ينفع الإسلام من بناء المساجد والمدارس الإسلامية والتشجيع على حفظ كتاب الله وغير ذلك، وذاك يمكن للفساد ويوطن للاستبداد ويخون شعبه وأمته، ويطارد الدعاة والمصلحين ويضيق عليهم، ويفتح المجال على مصراعية للعلمانيين ودعاة الفتنة، ويوالي أعداء الأمة ويقف معهم في ذات النفق الذي يحاربون منه دين الله وعباد الله؛ فقد أفصح الواقع الشاخص عن نية كل واحد منهما، وفرقت بينهما النّيات والمقاصد في الدنيا والآخرة.

والله تعالى أعلم.

انتهت سلسلة مقالات القواعد المنظمة لحال الضرورة (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (182)) (الصافات: 180-182)


الهامش

[1] مجلة الأحكام العدلدلية م/31

[2] المدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقا 2/981

[3] الوجيز فيي القواعد الفقهية د. عبد العزيز عزام – المكتبة الإسلامية – القاهرة – ط أولى 2005م صـــ 181

[4] غياثث الأمم للجويني صــــ 387

[5] مجلة الأحكام العدلية م/26

[6] غياث الأمم للجويني صـــ 129

[7] مجلة الأحكام العدلية م/27 

[8] مجلة الأحكام العدلية م/29

[9] مجلة الأحكام العدلية م/28

[10] قواعد الأحكام في مصالح الأنام (1/ 107)

[11] موسوعة القواعد والضوابط الفقهية للندوي ص1/40.

[12] المقاصد الشرعية في القواعد الفقهية ص57.

[13] المدخل الفقهي العام 2/965.

[14] القواعد الفقهية الخمس الكبرى ص117.

[15] القواعد الفقهية الخمس الكبرى ص117.

[16] الأشباه والنظائر للسبكى 1/4.

كيف يصير العاملون للإسلام في خندق واحد (2)

كيف يصير العاملون للإسلام في خندق واحد (2)

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close