fbpx
ترجماتقلم وميدان

لا يمكن تحمل فشل دولة أخرى في شمال إفريقيا

نشرت صحيفة “ذا هيل”، الأمريكية يوم الخميس 10 يناير 2019 مقالاً للدكتور عمرو دراج، وزير التخطيط والتعاون الدولي في أول حكومة منتخبة عام 2013 ورئيس المعهد المصري للدراسات حالياً. جاء المقال بعنوان: “لا يمكن تحمل دولة فاشلة أخرى في شمال إفريقيا”؛ وقام المعهد المصري بترجمته كاملاً على النحوالتالي:

في ثنايا المقابلة التي أجراها على شبكة سي بي إس الأمريكية، بدت على وجه الجنرال عبد الفتاح السيسي بشكل واضح علامات عدم الارتياح؛ فتارة كان يكذب، وتارة أخرى كان يتهرب من الأسئلة أو يقلل من شأن الجرائم العديدة التي ارتكبها منذ توليه السلطة في عام 2013 بعد أن قاد انقلاباً عسكرياً ضد د. محمد مرسي، أول رئيس تم انتخابه بشكل ديمقراطي في مصر. ولم يكن مفاجئاً أبداً أن يطلب السيسي من شبكة سي بي إس أن توقف بث المقابلة، وذلك للمرة الأولى في تاريخ برنامج “60 دقيقة”: ولا عجب في ذلك، فقد اعتاد السيسي أن يكون الإعلام في مصر طوع أمره ورهن إشارته.

ولم يكن أيضاً مستغرباً أن يوافق السيسي على إجراء المقابلة من الأساس؛ باعتبار أن الولايات المتحدة “صديق وحليف عظيم” للسيسي، على حد تعبير الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وخلال هذا الأسبوع فقط، توجه وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو إلى القاهرة من أجل طمأنة حلفاء الولايات المتحدة بأن الإدارة الأمريكية تدعمهم بشكل كامل.

وفي كل الأحوال، فإن أقل ما يمكن أن يقال عن حكم السيسي أنه يشكل بلاء كبيراً على الديمقراطية في مصر. فالمجتمع المدني في البلاد يتجه بشكل متسارع نحو التفكك والانهيار التام؛ وأصبحت البلاد بمثابة “سجن كبير مفتوح“؛ وأضحى التعذيب والقتل هما أدوات النظام الرئيسية في قمع معارضيه وتسلطه على رقاب العباد: حيث يقاسي أكثر من 60000 معتقل رأي أشد الويلات في سجون النظام، بما في ذلك رموز بارزة في المجتمع المصري، مثل الكاتب الشاب مصطفى النجار، ومئات من الشباب المصريين الآخرين، الذين تم “إخفاؤهم قسرياً” على أحسن تقدير. ويتم كذلك توقيف النساء اللائي ينتقدن التحرش الجنسي. ويقوم النظام في مصر الآن باحتجاز الصحفيين بتهم “الأخبار الكاذبة” أكثر من أي مكان آخر على وجه البسيطة. ولم يكن الفوز الانتخابي الزائف للجنرال السيسي سوى إهانة أخرى للقيم التي كانت تقف شامخة يوماً في هذا البلد العظيم.

وقد أدرج “مشروع الإنذار المبكر” مصر في المركز الثالث بين الدول الأكثر تعرضا للإبادة والقتل الجماعي هذا العام أو في العام التالي، وفق الدراسة التحليلية التي أجراها مؤخراً مركز “سيمون-سكجودت” في الولايات المتحدة بالاشتراك مع “كلية دارتموث”. حيث تشير تقديرات المشروع الإحصائية إلى أن هناك أخطار بنسبة 24%، أو ما يقارب 1 إلى 4، لفرص حدوث حالات قتل جماعي جديدة في مصر في عام 2018 أو 2019، وهي نسبة تتجاوز نسبة العراق أو سوريا، التي تعاني ويلات حرب أهلية منذ سنوات، وأن هناك فرصة لوقوع أحداث عنف على نطاق واسع في مصر من جديد. وتكمن الخطورة في أن حوادث العنف والقتل الجماعي قد تقوم بها الدولة نفسها أو تنفذها كيانات أخرى بعيداً عن الدولة. مما ينذر بسيناريوهات مرعبة لما يمكن أن يحدث في مصر في ظل انعدام القدرة على استشراف المستقبل. ومما يُؤسف له حقاً أن البلاد تتجه بشكل متسارع نحو الفشل، وقد تصبح في القريب أحدث دولة فاشلة على مستوى العالم.

لا يحتاج المرء كثير جهد لكي يعرف كيف يمكن أن يحدث ذلك؛ يكفيه فقط أن ينظر تجاه الحدود الغربية لمصر ليدرك كل شيئ. ففي أعقاب التدخل الخارجي في ليبيا، لجأ الملايين من الليبيين والأفارقة عبر مغامرات محفوفة بالمخاطر إلى محاولة الهجرة إلى أوروبا. وفي ظل غياب القانون في ليبيا، تنافست الكيانات العنيفة، بما في ذلك تنظيم داعش، من أجل السيطرة على الحكم هناك. ومن تحت ذلك الحطام، برز جيل جديد من الديماجوجيين والديكتاتوريين إلى الواجهة مثل الجنرال المشئوم خليفة حفتر. أما فيما يخص القوى والهيئات الدولية، والتي لم تفلح حتى الآن في تقديم يد العون لإنقاذ الدولة، فقد اختارت فقط أن تقف وتتفرج على الأحداث.

لكن مصر ليست ليبيا. فعندما تسقط دولة يبلغ عدد سكانها حوالي 100 مليون نسمة – يبلغ عدد سكان ليبيا 6 ملايين نسمة – فلابد أن العواقب ستكون بالتأكيد وخيمة بشكل يفوق الوصف والخيال. إن أزمة المهاجرين وحدها كفيلة بأن تزلزل أركان جيرانها والدول الأوروبية على حد سواء. وحتى تصدير الإرهاب ولو على نطاق ضئيل بين جموع اليائسين الفارين من بلادهم كفيلة بأن تشعل فتيل النزعات والتوجهات القومية في القارة الأوربية، وفي الولايات المتحدة، وفي أماكن أخرى.

ولكن مع تخوف دول أوروبية مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا من إمكانية زحف موجة أخرى من المهاجرين غير الشرعيين إلى القارة العجوزعلى المدى القصير – على الرغم من التوتر الذي نتج عن مقتل جوليو ريجيني وإدانة البرلمان الأوروبي لانتهاكات حقوق الإنسان في مصر – فقد اتجهت إلى محاولة توظيف السيسي لكي يلعب دوراً ما لمواجهة هذا الخطر. فهم يعتقدون أنه يستطيع أن يحكم قبضته على البلاد من خلال إشاعة الخوف واستخدام القوة “الغاشمة” ضد الشعب؛ وقد أسهم ذلك في تحفيز السيسي بالفعل، فشدد قبضته الأمنية، وحول موارد  البلاد إلى خزائن جيشه، بدلاً من أن تذهب إلى المدارس أو المستشفيات – في الوقت الذي لايزال الرئيس ترامب يصفه بأنه “رجل رائع”، ولا تزال المساعدات العسكرية تتدفق إلى مصر.

وطوال الوقت، لم يكتفِ السيسي بإبراز ميله إلى العنف فحسب، بل أثبت أيضاً وبشكل واضح عدم جدارته لقيادة البلاد! فأقحم البلاد في مشروعات غير مدروسة لم يكلف نفسه حيالها بتطبيق أبسط قواعد التخطيط من إعداد دراسات الجدوى المطلوبة: فتم إطلاق مشروع ضخم لتطوير منطقة قناة السويس مع التجاهل التام لتوفير الحد الأدنى من الاستشارات المالية له. أما بالنسبة للعائدات المتوقعة للمشروع والتي تُقدر، حسبما يتم الترويج لها إعلامياً، بـ 12.5 مليار دولار سنوياً – فلا تعدو أن تكون مجرد تخمينات لا أساس لها. لقد أنفق السيسي مبالغ طائلة من أجل إنشاء عاصمة جديدة، وتجاهل كل التحذيرات حول عدم إمكانية توفر التمويل اللازم للمشروع. وتبدو الآثار المترتبة على عدم كفاءة السيسي ونظامه جلية في التآكل المتسارع للطبقة الوسطى في مصر. فغالبية المصريين الآن يعيشون إما عند خط الفقر أو تحته.

وبناء على كل ما تقدم، فإنه من المتوقع أن تدخل مصر في دوامة من العنف في أي لحظة. إن استمرار تقديم الدعم للجنرال السيسي يجعل البلاد أكثر عُرضة للفشل الكامل إلى حد كبير. وفي حال تحقق مثل هذا الاحتمال، فلن يكون الوضع في مصر مثل الوضع الحالي في ليبيا، بل سيكون أسوأ بكثير. وسوف تكون العواقب المترتية على هذه التطورات الصادمة وخيمة للغاية. وسوف تجد المنطقة – التي تعاني بالفعل من ويلات العنف والقمع – نفسها على شفا كارثة لم تشهد مثلها من قبل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Close