fbpx
ترجمات

لماذا تنجح المقاومة المدنية؟ النص الكامل

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

 

دراسة موسعة، بعنوان: المنطق الاستراتيجي للكفاح السلمي، إعداد: ماريا ج. ستيفان وإريكا تشينويث، قام المعهد المصري للدراسات بترجمتها حصرياً، ونشرها في حلقات، وهذا الملف الكامل لكل الحلقات

المقدمة:

برز مؤخراً اعتقاد بأن العنف يعد من أكثر الوسائل فاعلية في النضال السياسي، وذلك أثناء مناقشات علمية عديدة دارت حول مدى فاعلية أساليب الحرب. وساد بين علماء السياسة أنه يمكن لحركات المعارضة السياسية أن تتخير من بين أساليب العنف ما يساعدها على تحقيق أهدافها، حيث تعد هذه الوسائل أكثر فاعلية من الاستراتيجيات اللاعنفية. وعلى الرغم من انتشارهذه التصورات، فقد نجحت تنظيمات مدنية في الفترة من عام (2000 إلى 2006) في تفعيل أساليب للمقاومة غير العنيفة شملت المقاطعة والإضرابات والاحتجاجات، وعدم التعاون المنظم، وذلك أثناء مواجهتها لأنظمة الحكم، واستطاعت من خلالها الحصول على تنازالت سياسية، وذلك في صربيا (2000)، ومدغشقر (2002)، وجورجيا (2003)، وأوکرانیا (2004 -2005)، ولبنان (2005)، ونيبال (2006). وتتطلب منا هذه النجاحات الذي حققتها تلك المقاومة السلمية – وخاصة في ظل المواجهات العنیفة المستمرة التي تحدث في بعض البلدان نفسھا – تتطلب إجراء تحقيقات منهجية لتفسيرها.

وبينما تتوافر أبحاث كثيرة تقدم لنا تفسيرات حول أسباب اعتبار النضال اللاعنفي وسيلة فعالة من وسائل المقاومة، إلا أن هناك القليل من تلك الكتابات التي تقوم بعمل تحليلات شاملة لجميع المشاهدات المعلومة عن كل من النضال السلمي والنضال العنفي باعتبارهما نوعين من أنواع المقاومة. وتهدف هذه الدراسة إلى سد تلك الفجوة عن طريق استكشاف منهجي للفاعلية الاستراتيجية لأنشطة المقاومة العنيفة وكذلك السلمية في الصراعات بين الجهات الفاعلة غير الحكومية والدولة، وذلك من خلال البيانات المجمعة عن الأنشطة الرئيسية لكلا النوعين من المقاومة في الفترة بين عامي (1900 -2006). ومن أجل الوصول إلى فهم أفضل للآليات االمؤدية إلى تلك النتائج، سوف نقوم أيضا بمقارنة نتائجنا الإحصائية مع الحالات التاريخية التي ظهرت أثناء فترات التزام كل من المقاومة العنيفة والمقاومة السلمية بانتهاج الأساليب اللاعنفية كي تعزز من شرعيتها المحلية والدولية وكذلك لكي تشجع على مشاركة أوسع نطاقا في المقاومة، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة الضغوط على الطرف الآخر، وهو النظام؛ حيث إن الاعتراف بالمظالم التي تتعرض لها مجموعات المقاومة يمكن أن يُترجم إلى دعم أكبر لتلك المجموعات داخلياً وخارجياً، في الوقت الذي يتم فيه وضع النظام الحاكم المستهدف فيما يشبه العزلة، مما يقوض المصادر الرئيسية للقوة لديه سياسياً واقتصادياً وحتى عسكرياً.

وتُظهر نتائجنا أن أنشطة المقاومة اللاعنفية الرئيسية قد حققت نجاحا بنسبة 53 في المائة، مقابل 26 في المائة لفعاليات المقاومة العنيفة.

 

وهناك سببان لهذا النجاح:

أولا: أن التزام مجموعات المقاومة بالطرق اللاعنفية يعزز من شرعيتها محلياً ودولياً ويشجع على مشاركة أوسع نطاقا في المقاومة، الأمر الذي يترجم إلى زيادة في الضغط على الهدف (الأنظمة الحاكمة). إن الاعتراف بالمظالمالتي تتعرض لها المجموعات المقاومة يمكن أن يُترجم إلى دعم داخلي وخارجي أكبر لتلك المجموعات وإبعاد النظام المستهدف تماماً؛ مما يؤدي إلى تقويض مصادر القوة الرئيسية عند الأنظمة الحاكمة سواء كانت سياسيةً أواقتصاديةً أوعسكريةً.

ثانيا: في الوقت الذي تستطيع فيه الحكومات أن تبرر بسهولة بالغة الهجمات المضادة العنيفة التي تقوم بها ضد المقاومة المسلحة، فإن العنف الذي تمارسه تلك الأنظمة ضد حركات المقاومة السلمية غالباَ ما يؤدي إلى نتائج عكسية ضد هذه الحكومات. وتنظر الجماهير المتعاطفة مع نشاط المقاومة إلى الجماعات المسلحة العنيفة على أن لها أهدافاً متطرفة تتجاوز امكانية تطبيقها على أرض الواقع، في حين أنهم يرون أن جماعات المقاومة السلمية تكون أقل تطرفا، مما يعزز من فرص تقبلها ويسهل امكانية حصولها على تنازلات من خلال التفاوض والمساومة مع الأنظمة.

تتحدى النتائج التي حصلنا عليها الحكمة المشهورة القائلة بأن “ما أُخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة” والتي تعني أن المقاومة المسلحة ضد الخصوم المتفوقين في ميزان القوة هي الطريقة الأكثر فاعلية التي تُمكن مجموعات المقاومة من تحقيق أهدافهم. وعلاوة على ذلك، فإننا نؤكد على أن المقاومة السلمية هي البديل القوي للعنف السياسي، وأنها يمكن أن تشكل تحديات فعالة ً للمعارضين الديمقراطيين أوغير الديمقراطيين على حد سواء؛ بل إنها قد تكون في بعض الأحيان أكثر فاعلية من المقاومة المسلحة.

 

مسار البحث:

سيكون مسار بحثنا على النحو التالي:

1-القسم الأول: ويعرض فيه موضوعنا الرئيسي.

2-القسم الثاني: ويقدم مجموعة البيانات ويعرض نتائجنا التجريبية الأولية.

3-القسم الثالث: ونقوم فيه بتقييم ثلاث دراسات حالة لأنشطة المقاومة اللاعنفية والعنفية في جنوب شرق آسيا.

4-وفي الختام: سوف نورد بعض التوصيات النظرية وتوصيات أخرى مرتبطة بالسياسات، استُمدت جميعها من النتائج التي توصلت إليها الدراسة.

 

المنطق الاستراتيجي للمقاومة اللاعنفية

المقاومة اللاعنفية هي طريقة مدنية تستخدم في إدارة الصراع مع الأنظمة من خلال وسائل اجتماعية ونفسية واقتصادية وسياسية دون التهديد باستخدام العنف أو استخدامه. ويشمل ذلك القيام بأنشطة مقاومة معينة، والامتناع عن المشاركة في أنشطة سياسية أخرى، أو الجمع بين الأمرين في ذات الوقت أحياناً. وقد ذكر الباحثون مئات من وسائل المقاومة اللاعنفية، بما في ذلك الاحتجاجات الرمزية، والمقاطعة الاقتصادية، والإضراب عن العمل، والامتناع عن التعاون مع الأنظمة سياسياً واجتماعياً، والتدخل اللاعنفي – وفيه تقوم قوى المقاومة بحشد الرأي العام لمعارضة أو دعم سياسات معينة، أو نزع الشرعية عن الخصوم، أو إزالة مصادر القوة عنهم أو الحد منها. وتتم ممارسة النضال اللاعنفي خارج القنوات السياسية التقليدية، مما يجعله متميزا عن العمليات السياسية اللاعنفية الأخرى مثل العمل من خلال جماعات الضغط، والمشاركة في العملية الانتخابية، وعضوية المجالس التشريعية.

ويمكن التمييز بين المقاومة اللاعنفية الاستراتيجية وبين اللاعنف القائم على المبادئ، وهو الذي يستند إلى أوامر دينية وأخلاقية تحض على تجنب العنف. وعلى الرغم من أن العديد ممن يلتزمون باللاعنف القائم على المبادئ قد مارسوا المقاومة غير العنيفة (مثل غاندي ومارتن لوثر كينغ جونيور)، فإن الغالبية العظمى من المشاركين في النضال اللاعنفي لم يعتنقوا فكرة اللاعنف القائم على المبادئ. وقد ساهم الخلط بين النضال اللاعنفي من جهة، واللاعنف القائم على المبادئ، أو السلمية، أو السلبية، أو الضعف، أو الاحتجاجات في شوارع معزولة من جهة أخرى -ساهم في تقديم تصورات خاطئة حول هذه الظاهرة. وعلى الرغم من أن من يتبنون المقاومة اللاعنفية يتجنبون التهديد باستخدام العنف أو استخدامه فعلياً، فإن إطلاق تسمية “السلمية” على الحركات اللاعنفية غالبا ما يعطي توصيفاً ناقصاً للطبيعة الإبداعية للمقاومة اللاعنفية المنظمة، حيث يؤدي هذا النوع من المقاومة إلى إرغام الخصم على تحقيق مطاالب المقاومين وذلك لسيطرتهم على الصراع من خلال عصيان وتحدي الأنظمة. ويكون الإكراه العنيف للخصم في هذه الحالة بمثابة تهديد باستخدام العنف البدني ضده.

كثيرا ما يفترض العلماء أن أساليب المقاومة العنيفة هي الأكثر نجاعة في قهر وإجبار الأنظمة على الاستجابة لمطالبهم، مما يؤدي إلى إحداث التغييرات المطلوبة في السياسات المتبعة. وعلى سبيل المثال، فإن بعضهم يرى في الإرهاب استراتيجية فعالة، وذلك من زاوية إرغامه للنظم الديمقراطية على تقديم تنازلات على الأرض. وعلى النقيض من ذلك، فقد أوضح ماكس أبراهامز أن معدلات نجاح الإرهابيين منخفضة للغاية، ويبلغ معدل تحقيق أهدافهم إلى حوالي 7 في المائة فقط. ومع ذلك يخلص أبراهامز إلى أن بعض الناشطين لا زال يجنح إلى اختيار طريق الإرهاب لاعتقاده بأنه أكثر فعالية من المقاومة اللاعنفية.

 

ونحن نؤكد هنا أن المقاومة اللاعنفية تمتلك ميزة استراتيجية مقارنة بالمقاومة العنيفة وذلك لسببين:

أولا: قمع المقاومة اللاعنفية قد يؤدي إلى نتائج عكسية. فيرتد العنف في كثير من الأحيان إلى من أنشأه ابتداءً، وغالبا ما يؤدي ذلك إلى انهيار الطاعة وسط أنصار النظام، وتعبئة الجماهير ضده، وإدانته على المستوى الدولي. لذلك فالكُلفة الداخلية والخارجية لقمع المقاومة السلمية تفوق بكثير كُلفة قمع المقاومة العنيفة. وتؤدي النتائج العكسية لعنف السلطة إلى تحول في ميزان القوة يتمثل في زيادة التضامن الداخلي مع حركات المقاومة اللاعنفية، وخلق المعارضة والصراعات بين مؤيدي النظام، وكذلك زيادة الدعم الخارجي للمقاومة، وتقليل الدعم الخارجي للخصوم. ويرجح أن تحدث ھذه الدینامیکیات عندما لا یُقابل العنف الذي يقوم به النظام بأعمال عنف من قبل المقاومة المدنية، وأن یتم إعلام المهتمين بالأمر داخلياً وخارجياً. إن التداعیات المحلية والدولية لإجراءات القمع العنیف ضد المقاومة السلمية -التي تعلن للجميع التزامها بالعمل اللاعنفي -أشد من قمع أولئك الذين يمكن وصفهم -عن حق -بأنهم “إرهابيون” أو “مقاومة عنيفة”.

على الصعيد الداخلي، يرجح أن يُحول أعضاء النظام -بما في ذلك موظفو الخدمة المدنية وقوات الأمن وأعضاء السلطة القضائية -ولاءاتهم إلى جماعات المعارضة اللاعنفية وليس إلى جماعات المعارضة المسلحة. وتتعزز القوة الجبرية لأي حركة مقاومة من خلال توجهها إلى دفع قوات الأمن النظام إلى العصيان والانشقاق، حيث يرجح أنهم سيفكرون في العواقب السياسية والشخصية السلبية لاستخدام العنف القمعي ضد المتظاهرين العزل؛ وهذا على النقيض تماماً مما إذا كان الأمر يتعلق بالعنف الذي تمارسه السلطة ضد أفراد المقاومة المسلحة. ومن المرجح أن يؤدي ذلك إلى انقسامات بين صفوف سدنة النظام الذين لا يمكنهم التعامل مع المقاومة المدنية الجماهيرية كما يتعاملون مع المقاومة المسلحة. وقد يؤدي أيضاً قمع النظام للمقاومة اللاعنفية إلى نتائج عكسية من خلال زيادة التعبئة العامة ضده. إن إشراك عدد أكبر من الجماهير في المقاومة اللاعنفية يؤدي بطبيعة الأمر إلى ممارسة ضغط أكبر وأكثر استدامة لتحقيق الأهداف، في حين تميل الجماهير إلى تجنب الحركات العنفية لأسباب مادية وأخلاقية.

وعلى الصعيد الخارجي، فإنه من المرجح أن يقوم المجتمع الدولي بالتنديد بقمع المقاومة اللاعنفية، وليس المقومة المسلحة، بل ويعاقب الدول التي تقوم بهذا القمع كذلك. وعندما تتعاطف المنظمات غیر الحكومية مع القضیة، فإن فرص المقاومة اللاعنفية في تلقي المساعدات الخارجية تكون أكبر. وتکون التکالیف الخارجیة لقمع التحركات اللاعنفیة مرتفعة جداً، خاصة عندما یتم توثيق ذلك من قِبل وسائل الإعلام. وقد تقوم جهات فاعلة خارجية بفرض عقوبات ضد الأنظمة القمعية التي تتكرر فيها حالات التعدي على المتظاهرين العزل. وعلى الرغم من إمكانية فرض عقوبات في حالة المقاومة المسلحة أيضا، إلا أن احتمالية حدوث ذلك ضعيفة للغاية. بل إن بعض الدول الأجنبية في الواقع قد تساعد نظاما معيناً في سحق المقاومة المسلحة عنده. وقد تقوم دول أجنبية أخرى بتقديم دعم مادي لأنشطة المقاومة العنيفة في بلد ما في محاولة للاستفادة منها ضد خصومها. والواقع أن رعاية الدول لحركات التمرد العنيفة والجماعات الإرهابية ظلت معضلة سياسية يعاني منها العالم منذ عقود. إلا أن مدى تحقيق الجماعات العنفية -التي ترعاها بعض هذه الدول أهدافها الاستراتيجية -يبدو غير واضح تماماً.

ثانيا: يبدو أن حملات المقاومة اللاعنفية أكثر انفتاحاً على التفاوض والمساومة مع الأنظمة لأنها لا تهدد حياة أفراد النظام المستهدف أو رفاههم. ومن المؤكد أن مؤيدي النظام أكثر تقبلاً للتفاوض مع جماعات المقاومة التي لا تقتل أو تشوه رفاقهم.

وتشير نظرية الاستدلال بالمراسلات إلى أن الحركات اللاعنفية قد تكون أكثر جاذبية للجماهير وأكثر إقناعا لمناصري النظام. وتفترض النظریة أن الشخص يستطيع أن يقرر كيفية الرد على الخصم استنادا إلى أفعال الخصم نفسه، وهذا ما يميز المقاومة اللاعنفیة، وذلك بطريقتين:

1-يعتبر الدعم الشعبي أمراً حاسماً لأي مقاومة؛ حيث ترى الجماھير أن المقاومة اللاعنفیة لا تشكل أي تھديد جسدي، على عكس ما عليه المقاومة المسلحة. وتبدو الحركات اللاعنفية أكثر قدرة على التفاوض من الحركات العنيفة، بغض النظر عن مدى إبداعها (المقاومة اللاعنفية). وفي مواجهة قمع النظام، هناك احتمال ضعيف في أن تقوم الجماهير بتأييد مقاومة عنيفة تمارس نفس درجة القمع الذي يمارسه النظام، أو في أحسن الأحوال أنها لا تلقي بالاً للإصابات التي يتعرض لها المدنيون.

وبالنظر إلى محاولة البحث عن بديل موثوق به، فإنه من المرجح أن تدعم الجماهير المقاومة غير العنفية.

2-عندما يهدد المتمردون المسلحون أرواح أعضاء في النظام الحاكم وقوات الأمن، فإن ذلك يقلل إلى حد كبير من إمكانية تغيير ولاءات هذه الجهات. ويرى إبراهامز أن الجماعات الإرهابية التي تستهدف المدنيين تفقد الدعم الجماهيري مقارنة بالمجموعات التي تُقصرأهدافها على الجيش أو الشرطة. ويمكن أن يؤدي الاستسلام لمجموعة مقاومة مسلحة أو الانضمام لها إلى مخاطر كبيرة، لأن المجموعة المسلحة قد تقوم بقتل أو تعذيب أعضاء من النظام الحاكم ويقوم النظام بمعاقبة الفارين من معسكره بعنف. ولأن الأساليب اللاعنفية في مقاومة الأنظمة لا تهدد أفراد قوات الأمن أو موظفي الخدمة المدنية جسدياً، فإنه من المرجح أن ينقل أفراد من مؤيدي النظام ولاءاتهم تجاه الحركات اللاعنفية وليس إلى الحركات العنيفة. أما عندما يصل الأمر إلى عدم تمكن النظام الحاكم من الاعتماد على التعاون الدائم مع قواته الأمنية أو غيرها من المجموعات التي لها أهمية حاسمة في بسط سيطرته على البلاد، مما يؤدي إلى تقويض قبضته على السلطة.

وبطبيعة الحال، فإن قمع النظام لحركات المقاومة العنيفة قد ينتج عنه كذلك أثرعكسي على النظام. وقد كان التعامل القاسي للقوات العسكرية البريطانية في أيرلندا الشمالية سبباً في زيادة عدد مؤيدي الجيش الجمهوري الأيرلندي، وبذلك قدمت له خدمة استراتيجية طويلة الأجل. ومع ذلك، فإننا نؤكد أن ردود الأفعال العكسية على النظام عند ممارسته العنف ضد المسلحين يكون أکثر ندرة. وعلی الرغم من النکسات المؤقتة التي قد تتعرض لها المقاومة المدنية، فإنه من المرجح أن تحصل على مكاسب إضافية طويلة الأجل جرَاء قمع النظام لها أکثر مما هو الأمر مع المقاومة العنیفة.

وقد تُجبر حصيلة الكُلفة الداخلية والخارجية العالية الناتجة عن استمرار قمع النظام لحركات المقاومة -قد تجبر النظام على محاولة التفاوض مع المقاومة اللاعنفية واستيعابها أكثر مما يمكن أن يفعله مع المقاومة المسلحة…

 

اختبارالنظرية

توصل رونالد فرانسيسكو وآخرون إلى أن عمليات القمع التي يقوم بها النظام تؤدي إلى نتائج عكسية وتزيد من الحشد ضده، في حين وجد باحثون آخرون تباينا في آثار القمع على حشد الجماهير. وقد يتوقف التسامح مع القمع الحكومي على نوع المقاومة التي يمارس العنف ضدها: هل هي مقاومة مسلحة أم مقاومة لاعنفية. وهذه الديناميكية تنعكس في الفرضية 1.

الفرضية 1: استعداد النظام لاستخدام العنف يزيد من احتمالية النجاح للمقاومة اللاعنفية، ولكنه يضر بالمقاومة العنيفة.

يعتبرعصيان الأوامر سلوكاً غير طبيعي لأفراد قوات الأمن. وتوفرالشواهد على وجود انشقاقات داخل صفوف الجيش سوف يوحي بأن النظام لم يعد يملك زمام الأمورولا يجد التعاون والطاعة من أهم دعامة له يستمد منها الدعم. وعادة ما تكون المقاومة اللاعنفية أكثر قدرة على تحويل الولاءات بين قوات أمن النظام، في حين يرجح أن تتسبب المقاومة المسلحة في تحفيز هذه القوات على التئام صفوفها والوقوف صفاً واحداً ضد جماعات العنف. الفرضية 2 تنطوي على هذا التنبؤ.

الفرضية 2: للمقاومة اللاعنفية ميزة نسبية على المقاومة العنيفة في التسبب في تحولات الولاء داخل قوات الأمن.

وبالإضافة إلى كسب التعاطف وإمكانية تكريس شرعيتها، فإن المقاومة اللاعنفية التي تتعرض للقمع العنيف قد تتلقى كذلك دعماً من جهات خارجية. وفي حين أنه يتجاوز نطاق هذه الدراسة أن نقوم بتصنيف جميع أشكال المساعدة الخارجية التي يمكن أن تُقدم للمقاومة اللاعنفية، فإن الحكمة المأثورة تشير إلى أن العقوبات الدولية التي تستهدف نظاما قمعيا ينبغي أن تقدم الدعم للمقاومة اللاعنفية. وتتوقع الفرضية 3 أن تستفيد المقاومة المدنية من الدعم الخارجي.

الفرضية 3: إن العقوبات الدولية ضد الأنظمة القمعية والدعم العلني للمقاومة يفيد المقاومة اللاعنفية وليس المقاومة العنيفة.

وأخيرا، فمن المرجح أن يكون هناك دعم خارجي للأنظمة ضد المقاومة المسلحة، حيث أن العالم يعتبرها منافسا غير شرعي للنظام القائم. وقد تتلقی الأنظمة القمعية أیضا مساعدات من حلفائها ضد أنشطة المقاومة اللاعنفیة. ويُتوقع أن تؤدي ھذه الدینامیکیات إلی تقلیل احتمال فرص النجاح هذه الأنشطة بسبب الموارد غیر المتناسبة بالنظر إلى ما تحصل عليه الدولة من أموال. وتقرر الفرضیة 4 ھذا العامل.

الفرضية 4: الدعم الخارجي للنظام المستهدف يضر بالمقاومة العنيفة والمقاومة اللاعنفية على حد سواء.

 

تصميم ومنهجية البحث

هناك ثلاثة أهداف للبحث:

أولاً: تحديد أي من نوعي المقاومة -المقاومة اللاعنفية أم المقاومة العنيفة -له سجل أفضل في تحقيق أهدافه المعلنة؟

ثانياً: استكشاف المتغيرات ذات الأهمية في المساهمة في النتائج التي يحققها كل نوع من أنواع المقاومة.

ثالثا: تحديد ما إذا كانت العوامل الهيكلية تؤثر على فشل المقاومة اللاعنفية أو نجاحها.

ولتحقيق هذه الغاية، قمنا ببناء مجموعة بيانات لنتائج صراع المقاومة اللاعنفية والعنفية (نافكو)، والتي تتضمن بيانات مجمعة عن 323 حملة من حملات المقاومة العنيفة وغير العنيفة من عام 1900 حتى عام 2006.

ونُعرف حملة المقاومة بأنها سلسلة من التكتيكات الملحوظة والمستمرة التي تقوم بها عناصر المقاومة سعيا إلى تحقيق هدف سياسي. ويمكن أن تستمر الحملة في أي مكان وتتراوح مدتها من بضعة أيام إلى أن تصل إلى سنوات. وللحملات قيادة واضحة، وغالبا ما تحمل أسماء تميزها عن أعمال الشغب العشوائية أو الأعمال الجماعية العفوية. وعادة ما تكون للحملات نقاط بداية ونهاية معروفة، فضلا عن أحداث متميزة على مدار تاريخها. ويستند اختيارنا للحملات وتاريخ البداية والانتهاء إلى عينة توافقية يتم التوصل إليها عبر مصادر متعددة.

إن وصف واحدة من الحملات بأنها “غير عنيفة” وأخرى بأنها “عنيفة” هو أمر في غاية الصعوبة. وفي كثير من الحالات، هناك حملات يمكن اعتبارها “لاعنفية” و”عنيفة” في آن واحد، وذلك بين مختلف المجموعات المتنافسة. وعلاوة على ذلك، تستخدم بعض الجماعات أساليب كل من المقاومة اللاعنفية والمقاومة العنفية على مدار وجودها، كما هو الحال مع المؤتمر الوطني الأفريقي في جنوب أفريقيا. إن توصيف أي حملة تقوم بها المقاومة على أنها عنيفة أو غيرعنيفة هو بمثابة تسطيح لمجموعة معقدة من أساليب المقاومة.

ولمعالجة هذه الصعوبات، وضعنا بعض معايير الإدراج لكل فئة من هذه الفئات. وقد تم في البداية جمع قائمة المعايير الخاصة بالحملات اللاعنفیة من خلال مراجعة موسعة للكتابات المتوفرة حول الحركات اللاعنفیة والحرکات الاجتماعیة. ثم قمنا بتأکید ھذه البیانات باستخدام مصادر متعددة، بما في ذلك الموسوعات ودراسات الحالة والفهارس الشاملة حول المقاومة المدنیة اللاعنفیة لأبریل كارتر وھوارد کلارك ومایکل راندل. وأخیرا، تم توزیع الحالات على الخبراء في النزاع اللاعنفي وطُلب منھم تقييم ما إذا كانت الحالات قد تم توصيفها على النحو الملائم بأنها صراعات لا عنفية كبرى، وكذلك أي من هذه النزاعات قد تم حذفها تماماً. وقد تم استخدام نفس الطريقة عندما كان يقترح الخبراء حالات إضافية. وتشمل مجموعة البيانات الناتجة عن ذلك حملات مقاومة رئيسية تم تصنيفها بشكل مبدئي أو بشكل نهائي على أنها مقاومة لاعنفية. وصُنفت الحملات التي اُرتكب فيها قدر كبير من العنف بأنها مقاومة عنيفة. وتستمد البيانات المتعلقة بالحملات العنيفة في المقام الأول من تحديثات كريستيان جليديتش في عام 2004 لقاعدة بيانات الارتباطات الحربية بشأن الحروب الداخلية، وكذلك من قائمة كاليف سيب للعمليات الرئيسية لمكافحة التمرد من أجل الحصول على معلومات عن النزاعات بعد عام 2002.

أما وحدة التحليل فهي السنة القُطرية التي وصلت فيها الحملة ذروتها. وتُعَد ملاحظة الحملة هي السنة القطرية التي تشتمل على “ذروة” الحملة. وفي العديد من الحالات، استمرت الحملة لمدة عام واحد فقط، ولذلك فإن سنة الذروة هنا واضحة. وفي حالات أخرى، استمرت بعض الحملات سنوات عديدة، وفي هذه الحالة يتم تحديد ذروة الحملة بمعيار 1:

(1) السنة التي شارك فيها معظم الأعضاء في الحملة؛

أو معيار2:

(2) في حالة عدم وجود معلومات العضوية، يتم تحديد الذروة على أنها السنة التي انتهت فيها الحملة بسبب قمعها، أو تشتيتها، أو نجاحها.

ويتم تحديد نتائج هذه الحملات على أنها “نجاح” أو “نجاح محدود” أو “فشل”. ويجب أن تكون الحملة قد استوفت معيارين لكي يتم تصنيف الحالة “نجاحا”:

(1) أن هدفه المعلن قد وقع في غضون فترة معقولة (سنتين) من نهاية الحملة؛

(2) أن يكون للحملة أثر ملموس على النتيجة.

ويحدث “نجاح محدود” عندما تحصل الحملة على تنازلات كبيرة (مثل الاستقلال الذاتي المحدود أو تقاسم السلطة المحلية أو تغيير في القيادة دون عقد انتخابات، وذلك في حالة الدكتاتورية على الرغم من أن الأهداف المعلنة لم تتحقق بالكامل (أي حدوث استقلال أو تغيير للنظام من خلال انتخابات حرة ونزيهة.  ويتم تصنيف الحملة على أنها حالة “فشل” إذا لم تحقق أهدافها أو لم تحصل على تنازالت كبيرة.

ولاختبار الفرضيات الأربعة السابقة، قمنا بجمع بيانات عن متغيرات مستقلة متعددة. وأنشأنا متغيرا وهمياً لعنف النظام، وهو متغير ثنائي يحدد ما إذا كان النظام يستخدم العنف للقضاء على الحملة. ونحن ندَعي بأنه من المرجح أن تحدث نتائج عكسية عندما يقوم النظام بقمع عنيف لحملة للمقاومة اللاعنفية، كنتيجة للغضب المحلي والدولي الذي ينجم عن هذا النشاط. ولذلك، يكون لقمع النظام أثر إيجابي على احتمالات النجاح لحملات المقاومة اللاعنفية ويقلل من فرص النجاح بالنسبة الحملات المقاومة العنيفة.

وقد أنشأنا متغيرا مزدوجا آخر يحدد الانشقاقات بين قوات الأمن في النظام. ولا يشمل هذا المقياس لا يحدد الانشقاقات الفردية الروتينية، بل يُعنى بالحالات المنهجية واسعة النطاق من الامتناع عن تنفيذ أوامر النظام. وتُعتبر انشقاقات الأمن مقياساً صارما لتحول الولاء داخل النظام، ولا تُحتسب تحولات الولاء عند موظفي الخدمة المدنية أو البيروقراطيين. ويشمل هذا المعيار الصارم عمليات الانقسام التي تحدث حتى نهاية الحملة، ونتوقع أن يكون لها تأثير إيجابي على احتمال نجاح الحملة.

المتغيرات المستقلة التالية هي درجة الدعم الخارجي لحملة المقاومة وللنظام الخصم. ويمكن حساب الحصول على الدعم الخارجي لحملة المقاومة من خلال متغيرين منفصلين: رعاية دولة أجنبية للحملة، والعقوبات الدولية المفروضة على النظام. لذلك، أدرجنا متغيرا يشير إلى ما إذا كانت الحملة قد تلقت مساعدات مادية علنية (عسكرية أو اقتصادية) من دول أخرى لمحاربة النظام؛ ومتغير آخر يشير إلى ما إذا كان النظام هدفا للجزاءات الدولية، وعلى وجه التحديد فيما يتعلق بسلوكه تجاه حركة المقاومة. بالإضافة إلى ذلك، أنشأنا متغيرا مزدوجا يشير إلى ما إذا كان النظام قد تلقى مساعدة عسكرية علنية من دولة خارجية لمحاربة الحملة.

وأخيرا، قمنا بتضمين عدة متغيرات تحَكم. وقد جادل بعض الباحثين بأن الأنظمة الديمقراطية ينبغي أن يكون لها قدر أكبر من التسامح مع المعارضة، وكذلك الابتعاد بشكل أكبرعن استخدام العنف من أجل القضاء على المعارضة المحلية. وبالتالي، يكون كلا النوعين من المقاومة العنفية واللاعنفية أكثر فاعلية ضد أهداف في الدول الديمقراطية عنها ضد أهداف في الدول الاستبدادية. ولتقييم هذه التأثيرات، استخدمنا نتائج تم تسجيلها قبل عام واحد من نهاية الحملة. وبعد ذلك، تم حساب فترة النزاع المسجلة في أيام، لأن المدة قد تؤثر على نتائج الحملة. كما تم تضمين متغيرات وهمية (دمى) للحرب الباردة (1949-1991) وما بعد الحرب الباردة (1992-2006).

 

النتائج التجريبية

ولتقييم آثار كل متغير مستقل على احتمالية نجاح الحملة، استخدمنا نموذج “الانحدار اللوجستي متعدد الحدود”، والذي يقارن النتائج المحتملة التي تؤدي إليها المتغيرات المستقلة المختلفة وتشمل: “النجاح” أو “النجاح المحدود” أو “الفشل”. وتُنَظِر الفرضيات المذكورة آنفاً لآثار نوع المقاومة الأساسي الذي صنفت عليه الحملة، والعنف الموجه نحو الحملة، والعقوبات الدولية للنظام، والدعم الدولي للحملة، ودعم الدول الأجنبية للنظام المستهدف في حال احتمالية نجاح الحملة.

ويبين الجدول رقم1 آثار نوع المقاومة على نتائج الحملات في الحالات التي كان رد فعل النظام المستهدف يتصف بالعنف. وتعطينا النتائج في الجدول 1 عدة ملاحظات مثيرة للاهتمام:

أولا، في مواجهة عمليات القمع التي تشنها النظام، فإن احتمالية تفوق الحملات اللاعنفية في تحقيق النجاح الكامل على الحملات العنيفة، والتي تعرضت أيضاً لقمع النظام، تبلغ ستة أضعافها. كما أن احتمالية تقديم الأنظمة القمعية تنازلات محدودة للحملات اللاعنفية تتفوق بحوالي اثني عشر ضعفا عنها في الحملات العنيفة. وتدعم هذه النتائج الفرضية 1.

ثانيا، الانشقاقات تمثل أكثر من أربعة أضعاف فرص نجاح الحملة، مما يعطي مبررا لمزيد من الدراسة للفرضية 2.

ثالثا، على الرغم من أن الحملات التي تتلقى دعما من دول أجنبية تزيد من احتمالية نجاحها ضد خصمها القمعي بأكثر من ثلاثة أضعاف، إلا أن العقوبات الدولية ليس لها تأثير يذكر على نتائج هذه الحملات. ولذلك فإن الفرضية 3 تتلقى دعما جزئيا في هذا السياق. ولأن الدعم الخارجي للنظام المستهدف لا أهمية له، فليس هناك ما يدعم الفرضية 4. وكما هو متوقع، فإن للدولة المستهدفة تأثير إيجابي على احتمالية نجاح الحملة. ولا تؤثر مدة الحملة على فرص النجاح الكامل، إلا أن الحملات الأطول زادت من فرص النجاح المحدود. فالحملات التي وقعت منذ الحرب الباردة كانت أكثر نجاحا من الحملات التي وقعت قبل الحرب الباردة -ربما بسبب تأثيرات التعلم بين المقاومين.

لاختبار الفرضية 2 بعناية أكبر، استخدمنا نموذج الانحدار اللوجستي المتعدد الحدود لتقدير تأثيرات أساليب المقاومة اللاعنفية على احتمالية وقوع الانشقاقات بين قوات الأمن. ويدل الجدول الثاني على أن أساليب المقاومة اللاعنفية تؤثر تأثيراً ضعيفاً على انشقاقات قوات الأمن، على عكس توقعاتنا. ولا يمكن أن تُشكل الإجراءات الصارمة لتحولات ولاء قوات الأمن آليات بديلة للتغيير، مثل تحولات الولاء لموظفي الخدمة المدنية أو البيروقراطيين. وقد تحدث هذه التحولات في الولاء عندما لا يحدث انشقاق في قوات الأمن، كما هو الحال في العديد من ثورات 1989 في أوروبا. ومع ذلك، حدثت حالات انشقاق في الحملات العنيفة الناجحة بلغت نحو 32 في المائة، وفي الحملات الناجحة للمقاومة غير العنيفة بلغت النسبة 52 في المائة.

وأخيرا، لتحديد المتغيرات الأكثر أهمية بالنسبة للمقاومة اللاعنفية والعنفية، قمنا بتصنيف آثارها حسب نوع الحملة. ويبين الجدول 3 النتائج.

أولاً، تؤيد النتائج للفرضية 1 إلا إن العنف الذي تمارسه الأنظمة ضد حملات المقاومة ليس له أثر إحصائي على نتائجها. وعلى الرغم من أن الحملات اللاعنفية أو العنيفة لا تستفيد من القمع، فإن الجدول 1 يشير إلى أن هناك احتمالية أكبر أن تحقق الحملات اللاعنفية النجاح في مواجهة عنف النظام عن الحملات العنيفة.

ثانيا، الأرقام تؤيد الفرضية الثانية، حيث إن انشقاقات قوات الأمن تجعل احتمالية نجاح الحملات اللاعنفية تتفوق بستة أضعاف عن الحملات العنفية التي لا تحدث فيها حالات انشقاق. أما بالنسبة للحملات العنيفة، فإن مدى تأثير انشقاقات قوات الأمن على نتائج الحملة يكاد لا يذكر.

ثالثا، تدعم الأرقام بنسبة ضعيفة القليل من الدعم الفرضية 3. إن دعم الدولة الخارجي العلني لحملة ما ليس له تأثير على نجاح الحملات اللاعنفية. أما بالنسبة للحملات العنيفة، فهي تضاعف تقريبا فرص نجاحها (53). ونتائجنا متشابهة فيما يتعلق بالجزاءات الدولية، التي لا تؤثر على احتمال نجاح الحملة اللاعنفية. إنهم يزيدون أكثر من ضعف احتمال أن يحقق الصراع العنيف أهدافه. رابعا، الفرضية 4 لا تتلقى أي دعم. فالمساعدات المباشرة لنظام مستهدف لا تضر بالحملات اللاعنفية أو العنيفة

وهناك تفسير محتمل لهذه الاختلافات هو أن الدعم الخارجي للحملة اللاعنفية -سواء بشكل علني من خلال الدعم المادي من دولة ما أو من خلال العقوبات الدولية على النظام -يمكن أن يقوض الجهود المبذولة لتعبئة الدعم الشعبي المحلي، حيث يعتمد نشطاء الحملة بشكل كبير جدا على الدعم الخارجي بدلا من الدعم المحلي وبالتالي تفقد قاعدتها الشعبية. كما أن تلقي المساعدة الأجنبية المباشرة قد يساهم أيضا في نزع الشرعية عن الحركة المحلية غير العنيفة. وهناك تفسير آخر محتمل هو أن العقوبات الدولية على الأنظمة يمكن أن تقلل من الموارد المتاحة للناشطين في الحملة -والتي يمكن أن تشمل أعدادا هائلة من السكان المدنيين -مما يجبرهم على إعادة توجيه تكتيكاتهم للتعويض. وقد تكون الحملات العنيفة أقل تأثرا بالعقوبات الدولية، حيث تستطيع استخراج مواردها بالقوة من الأراضي الخاضعة لها. وعلاوة على ذلك، فإن الحملات المسلحة لا تعتمد مثل الحملات اللاعنفية على المشاركة النشطة للسكان على نطاق واسع. وهكذا، فإن الدعم الخارجي للحركات اللاعنفية قد يؤثر عليها سلباً ويؤدي إلى نزع شرعيتها أكثر مما يفعل مع حركات المقاومة المسلحة. .

يكشف تحليل متغيرات التحكم عن بعض النتائج المثيرة للاهتمام أيضا، ويتمثل ذلك في:

أولاً: تؤثر الدولة المستهدفة تأثيرا متغيرا على نتائج الحملة. فزيادة وحدة واحدة في نتائج النظام يزيد من فرص نجاح حملة غير عنيفة بنسبة 23 في المائة وحملة عنيفة بنسبة 7 في المائة تقريبا. وتتفق هذه النتيجة مع الكتابات حول التكاليف المحلية للحرب، التي تقول بأن لدى الأنظمة الديمقراطية حساسية كبيرة تجاه المطالب الأساسية.

ثانياً: كلما استمرت الحملة لفترة أطول، كلما قل احتمال أن تحقق المقاومة نجاحا كاملا. وينطبق ذلك بوجه خاص على الحملات اللاعنفية، على الرغم من أن الآثار الموضوعية لذلك ليست كبيرة. وتزيد احتمالات أن تحقق الحملات العنيفة نجاحا جزئيا كلما استمر الصراع، ولكن إطالة المدة لا يؤثر سلباًعلى فرص تحقيقها للنجاح.

ثالثاً: كانت فرص نجاح حملات المقاومة اللاعنفية التي وقعت خلال الحرب الباردة أقل من تلك التي وقعت قبل أو بعد الحرب الباردة. وعلى العكس من ذلك، ازدادت فاعلية الحملات العنيفة ضد خصومها خلال الحرب الباردة وبعدها.

وباختصار، فإن فرص نجاح حملات المقاومة اللاعنفية في مواجهة قمع الأنظمة من حملات المقاومة العنيفة. ويبدو أن الحملات اللاعنفية تستفيد أكثر من الضغوط المحلية (أي الانشقاقات)، في حين أن الحملات العنيفة تستفيد أكثر من الضغوط الخارجية (أي العقوبات على الأنظمة وتلقي المساعدات المقدمة من جهات أجنبية). وفي حين أن متغير الانشقاقات يرتبط دائما إيجابيا باحتمال نجاح الحملة، فإن من الضروري إجراء مزيد من التحليل لتحديد ما إذا كانت أساليب المقاومة اللاعنفية أكثر احتمالا من الطرق العنيفة لإحداث عصيان مدني واسع النطاق، على أنه بالتأكيد يختلف عن الانشقاقات التي تحدث وسط قوات الأمن. غير أن هذه النتائج مقيدة بتصميم البحث، مما يمنع من تأسيس نطاق للسببية بسبب عدم مراعاة البعد الزمني. وكذلك فإن متغيراتنا هي في معظمها فئوية، مع التغاضي عن الحساسية تجاه درجات مختلفة من القمع، والانشقاقات، والدعم الشامل. ولذلك سوف نستكشف هذه القضايا بشكل أكبر من خلال التحليل النوعي عن طريق دراسات الحالة.

 

دراسات الحالة

ولإزالة العلاقة السببية بين نوع المقاومة ومستوى الفاعلية، درسنا ثلاث حالات استُخدمت فيها كل من المقاومة اللاعنفية والمقاومة العنفية في جنوب شرق آسيا، وهي الفلبين وبورما وتيمور الشرقية، وقد اُختيرت هذه الحالات الثلاث لعدة أسباب:

أولا: اخترنا حالتين مناهضتين للنظام (الفلبين وبورما) وحملة ضد الاحتلال الأجنبي (تيمور الشرقية) لإبراز التباين في أهداف الحملات.

ثانيا: تمثل هذه الحالات الحملات اللاعنفية الناجحة والفاشلة.

ثالثا: تم اختيار الحالة بناءً على التصميم الأكثر تشابها لدراسة الحالة، حيث تقارن في كل حالة الحملات في نفس المنطقة وخلال الفترة نفسها.

رابعاً: لم تتلق أي من الحملات التي تم فحصها مساعدات مادية خارجية مقدمة من دولة راعية. وقد سمح لنا ذلك أن نعتبر هذا العامل ثابتاً ودراسة المتغيرات الأخرى كل على حدة.

ويخدم هذا الأسلوب المقارن عدة أغراض:

أولا، يوفر طريقة صارمة لاختيار الحالات من أجل اختبار النظرية وذلك لتجنب الانتقادات بالتحيز في الانتقاء، لأن كلا من حالات التوقع (نجاح الحملة) والانحراف (فشل الحملة) يتم مقارننتها.

ثانيا، يساعد أسلوب المقارنة على تحسين النماذج النظرية، بالنظر إلى أن ملاحظات الانحراف (الفشل) تتطلب بشدة مزيدا من التوضيح. ويشمل التحليل المتداخل اختيار حالات النجاح للمقاومة اللاعنفية (الفلبين وتيمور الشرقية) والحالات المنحرفة لفشل الحملات اللاعنفية (بورما). ويمكن للتحليل المتعمق لحالات الانحراف (الفشل) أن يكشف عما إذا كانت المتغيرات في مجموعة البيانات تتطلب مزيداً من الحساسية، وعما إذا كانت هناك حاجة للمتغيرات المستبعدة لتفسير مزيد من الاختلاف في النتائج.

 

1-تيمور الشرقية (1988-1999)

كان طريق تيمورالشرقية -الواقعة في الأرخبيل الإندونيسي -للوصول إلى استقلال الدولة بعد مرور ثلاثين عاما على غزو إندونيسيا وضمها لها في عام 1975 -كان طريقها قاس ودموي للغاية. فقد كانت المستعمرة البرتغالية السابقة الغنية بالأخشاب والغاز الطبيعي في مياهها الاقليمية قد فشلت في إنهاء حقبة الاستعمار بنجاح، قبل أن يأمر الرئيس الإندونيسي سوهارتو بقصف جوي واسع النطاق وغزو بري لتيمور الشرقية في نوفمبر 1975. وبرر سوهارتو الغزو بزعم أن المجموعة القومية اليسارية التي أعلنت استقلال تيمور الشرقية قبل شهر واحد من ذلك، وهي الجبهة الثورية لاستقلال تيمور الشرقية (المعروفة اختصارا باسمها البرتغالي فريتيلين) تمثل تهديدا شيوعيا للمنطقة. واستغلت المخابرات الإندونيسية الانقسامات في تيمور الشرقية وساعدت على إثارة حرب أهلية بين الفصائل التيمورية. ووقع زعماء من الاتحاد الديمقراطى التيمورى والرابطة الديمقراطية الشعبية التيمورية، المناوئين لجبهة فريتيلين التى لم تكن تحظى بتأييد شعبي كبير، اتفاقا مع الحكومة الاندونيسية يطالب بضم تيمور الشرقية إلى اندونيسيا. وقد أعلن نظام سوهارتو إعلان “باليبو” لإضفاء الشرعية على غزو تيمور الشرقية وضمها لإندونيسيا، مما أسفر عن مقتل ما يقرب من ثلث السكان الأصليين.

وعلى الرغم من قرارات مجلس الأمن الدولي التي أدانت الإجراءات الإندونيسية، إلا أنها افتقدت إلى عامل التنفيذ، وتعاملت الحكومات الغربية مع ضم تيمور الشرقية كأمر واقع. وفي الوقت نفسه، أقامت إندونيسيا حكومة’ دمية‘في ديلي يسيطر عليها الجيش الإندونيسي والفصائل التيمورية الشرقية التي عارضت جبهة فريتيلين. وقُدمت لأكثر من 000 100 مسلم إندونيسي حوافز مالية لاستيطان تيمور الشرقية، التي كان يشكل الكاثوليك الأغلبية الساحقة من سكانها، وتعرضت الجزيرة لسيطرة احتلال عسكري أجنبي وحشي. وكانت التغطية الصحفية الدولية للحالة في تيمور الشرقية تقوم على رواية الدولة.

وقد اتخذت المقاومة المبكرة للاحتلال الإندونيسي شكل حرب تقليدية وحرب عصابات بقيادة الجناح المسلح لجبهة فريتيلين، وهي القوات المسلحة للتحرير الوطني لتيمور الشرقية (المعروفة بالاسم البرتغالي فالانتيل). وباستخدام الأسلحة التي خلفتها القوات البرتغالية، شنت قوات فالانتيل كفاحا مسلحا من منطقة الغابة الجبلية في تيمور الشرقية. وعلى الرغم من بعض النجاحات المبكرة، فبحلول عام 1980، كانت حملة إندونيسيا الوحشية لمكافحة التمرد قد دمرت المقاومة المسلحة مع ما يقرب من ثلث سكان تيمور الشرقية.. ثم حدث تحول كبير بعد ذلك للمقاومة في تيمور الشرقية.

وكان زعيم التحول آنذاك هو كاي زانانا غوسماو وهو أحد قادة جبهة فالانتيل الذين بقوا على قيد الحياة. جاب غوسماو أنحاء الجزيرة سيرا على الأقدام للقاء العديد من المجموعات وتقييم إمكانات المقاومة للسكان. أقنع أسقف كاثوليكي يحظى باحترام كبير’ غوسماو‘بالتخلي عن الميول الشيوعية الماركسية لحركة التحرر الوطني من أجل تأمين دعم الكنيسة والحكومات الغربية لها. وبالفعل تنحى غوسماو عن رئاسة جبهة فريتيلين وأسس جبهة مقاومة غير حزبية جديدة، عرفت باسم المجلس الوطني لمقاومة موبير. كان المجلس الوطني يتألف من ثلاث ركائز: جبهة مسلحة، وجبهة دبلوماسية، وجبهة سرية. وكان القصد من الطابع غير الحزبي لمنظمة المقاومة الجديدة هو جعلها تستوعب الجميع قدر المستطاع.

وعلى الرغم من أن الجبهة السرية كان من المتوخى أصلا أن تكون شبكة دعم للحركة المسلحة، إلا أن أدوارهما في على أرض الواقع تبدلت وأصبحت الجبهة السرية هي القوة الدافعة وراء المقاومة الساعية للاستقلال. وكانت الجبهة السرية -والتي تعد ثمرة لحركة طلاب فريتيلين التي شُكلت خلال السبعينات – قد خططت وقادت سلسلة من الحملات اللاعنفية داخل تيمور الشرقية، وإندونيسيا، والعواصم الأجنبية ابتداء من عام 1988. وكان للجبهة السرية فروع داخل تيمور الشرقية وإندونيسيا – فقد كانت أعداد كبيرة من شباب تيمور الشرقية قد التحقت بالجامعات الإندونيسية –مما مكنها من تطوير شبكة لامركزية كبيرة من النشطاء الذين اعتمدوا على حملات تثقيفية واحتجاجات غير عنيفة لزيادة الوعي بالوضع في تيمور.

وحدث أول احتجاج كبير في نوفمبر 1988، عندما تمت دعوة البابا يوحنا بولس الثاني من الرئيس سوهارتو لزيارة ديلي -وهو عمل يهدف إلى إعطاء مزيد من الشرعية للضم القسري للجزيرة. وخلال التجمع الذي حضره البابا والآلاف، هرعت مجموعة من الشباب التيموريون وصعدت إلى المذبح، ثم بدأوا يرددون شعارات مؤيدة للاستقلال وأطلقوا لافتات تدعو إلى مغادرة القوات الإندونيسية. وتسببت المظاهرة التي غطتها وسائط الإعلام في إحراج إندونيسيا وأظهرت وجه المعارضة التيمورية الشرقية للعالم الخارجي، وساعدت في تخفيض مستويات الخوف بين التيموريين الشرقيين. وتم تنظيم المزيد من الاحتجاجات اللاعنفية بالتزامن مع زيارات المسؤولين الأجانب البارزين، بما في ذلك مظاهرة كبيرة خلال زيارة السفير الأمريكي لديلي في عام 1990، وتهريب صحفي أسترالي لمقابلة غوسماو في أدغال تيمور الشرقية.

بيد أن نقطة التحول الرئيسية لحركة استقلال تيمور الشرقية كانت عبارة عن مذبحة! ففي 12 نوفمبر 1991، فتحت القوات الإندونيسية النار على حشد من التيموريين الشرقيين الذين كانوا يسيرون في مسيرة جنازة سلمية، مما أسفر عن مقتل أكثر من 200 شخص. وقام مصور بريطاني بتصوير المذبحة، وقدم الصحفيون الغربيون الحاضرين شهاداتهم كشهود عيان بالإضافة إلى الصور التي التقطوها. وذاعت أخبارالمذبحة بسرعة في جميع أنحاء العالم، مما أثار غضبا دوليا ودفع التيموريين الشرقيين إلى إعادة التفكير في استراتيجيتهم. ووفقا لما ذكره أحد قادة تيمور الشرقية، “بعد مذبحة ديلي، توصلنا إلى فهم مفاده أن للتيموريين الشرقيين والإندونيسيين نفس العدو، وهو الجيش الإندونيسي ودكتاتورية سوهارتو. كنا بحاجة إلى كسب الإندونيسيين إلى جانب نضالنا لأنه كان نضالهم أيضا.”

وفي عام 1996، مُنحت جائزة نوبل للسلام لزعيم الكنيسة الكاثوليكية في تيمور الشرقية، المطران كارلوس بيلو، وزعيم الجبهة الدبلوماسية للمجلس الوطني للمقاومة، خوسيه راموس -هورتا، لجهودهما الرامية إلى التوصل إلى نهاية سلمية للاحتلال الإندونيسي. وبعد استلام الجائزة، دعا بيلو وراموس -هورتا المجتمع الدولي إلى دعم إجراء استفتاء بشأن مستقبل تيمور الشرقية السياسي.

وبعد سقوط سوهارتو في عام 1998 بعد نضال غير عنيف إلى حد كبير، سرعان ما قدم الزعيم الإندونيسي الجديد ب. ج. حبيبي سلسلة من الإصلاحات السياسية والاقتصادية الرامية إلى استعادة الاستقرار والمصداقية الدولية لإندونيسيا. وكانت هناك ضغوط دولية هائلة على’ حبيبي‘لحل قضية تيمور الشرقية، التي أصبحت تمثل حرجا دبلوماسيا وضغطا على اقتصاد إندونيسيا. وفي يونية 1998، عرض حبيبي الحكم الذاتي الخاص لتيمور الشرقية مقابل الاعتراف بسيادة إندونيسيا على تيمور الشرقية. ولكن عقب المظاهرات الضخمة التي قام بها التيموريون الشرقيون والمزيد من الضغوط الدولية، أعلن حبيبي أن الاستقلال خيار مطروح إذا رفض سكان تيمور الشرقية الحكم الذاتي. وفى 5 مايو 1999 وقَعت اندونيسيا والبرتغال والامم المتحدة اتفاقية ثلاثية تدعو الى اجراء استفتاء تحت اشراف الامم المتحدة حول الوضع النهائى لتيمور الشرقية. وخلال الاستفتاء، صوت ما يقرب من 80 فى المائة من التيموريين الشرقيين لصالح الاستقلال. ثم شنت الميليشيات المدعومة من الحكومة الإندونيسية حملة أرض محروقة في البلاد أدت إلى دمار شامل بالجزيرة وتشريد للسكان. وخلال هذا العنف بعد الاستفتاء، دعا جوسماو متمردى فالانتيل الى البقاء داخل مخيماتهم وعدم استخدام القوة العسكرية. وقد دافع غوسماو في وقت لاحق عن هذا القرار قائلا: “لم نكن نريد أن ننتقل إلى لعبتهم لتحويل أعمال العنف إلى حرب أهلية…” وفي 14 سبتمبر 2000، صوت مجلس الأمن بالإجماع على تفويض قوة دولية بقيادة أستراليا للذهاب إلى تيمور الشرقية. وبعد شهر واحد، أُنشئت إدارة الأمم المتحدة الانتقالية في تيمور الشرقية. وبعد فترة انتقالية مدتها سنتان، أصبحت تيمور الشرقية أحدث دولة مستقلة في العالم في مايو 2002.

 

تيمور الشرقية: العوامل الدولية

بعد مذبحة ديلي، اعتمدت الحركة المؤيدة للاستقلال استراتيجية مزدوجة من “النزعة الإندونيسية” و “التدويل”. وبتبني كلتا الاستراتيجيتين كان الاعتماد منصباً على المقاومة اللاعنفية. وكان الهدف من’ النزعة الإندونيسية‘هو تحريك النضال بشكل أقرب إلى قلب أرض الخصم من خلال التواصل مع المفكرين الإندونيسيين وقادة المعارضة السياسية والناشطين في مجال حقوق الإنسان. تعلم ناشطون من تيمور الشرقية اللغة الإندونيسية، واستخدموا النظام القانوني في إندونيسيا، ودرسوا في مدارسها وجامعاتها، واستشهدوا بنصوص من دستورها وفكرها، وتلقوا دعما ماليا من المنظمات غير الحكومية الإندونيسية، واحتجُوا كذلك في شوارعها. وتم تأسيس منظمات جديدة لتعزيز التعاون بين الاندونيسيين والتيموريين الشرقيين والناشطين الدوليين؛ حيث قامت هذه المنظمات باحتجاجات مشتركة. وناقش زعماء الجبهة السرية داخل إندونيسيا القيمة االاستراتيجية لاستخدام العنف، وقرروا في نهاية المطاف الوقوف ضده.

أما “التدويل” فكان ينطوي على استهداف المؤسسات المتعددة الأطراف والحكومات الأجنبية التي تساعد معوناتها على إبقاء نظام سوهارتو واقفا على قدميه. وكان التكتيك اللاعنفي الأكثر تأثيراً والذي استخدم للنهوض بهذه الاستراتيجية هو ما أشار إليه التيموريون ب “قفز السياج”. وهو القفز فوق أسوار السفارات الغربية في جاكرتا والانخراط في اعتصامات غير عنيفة، مع نشر معلومات عن انتهاكات حقوق الإنسان داخل تيمور الشرقية. وفي عام 1994، وخلال قمة التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ الكبرى في جاكرتا، قام تسعة وعشرون متظاهرا من إندونيسيا وتيمور الشرقية بتسلق جدران السفارة الأمريكية ورفضوا المغادرة لمدة اثني عشر يوما. وقد اجتذب هذا العمل المؤثر وسائل الإعلام وأحرج الحكومة الإندونيسية.

وقد اتخذ العمل اللاعنفي المباشر لدعم استقلال تيمور الشرقية طابعاً عابراً للحدود الوطنية. ففي الولايات المتحدة، نجحت شبكة العمل في تيمور الشرقية -وهي شبكة من منظمات حقوق الإنسان والجماعات الدينية وغيرها من المنظمات الشعبية التي أنشئت بعد مذبحة ديلي -في الضغط على الحكومة الأمريكية لوقف تزويد إندونيسيا بالمساعدات وتدريب العسكريين حتى تُنهي انتهاكات حقوق الإنسان وتسمح بحق تقرير المصير هناك. وفي عام 1992، أصدر الكونجرس الأمريكي قرارا يقضي بتخفيض تمويل التدريب العسكري لإندونيسيا، على الرغم من الجهود القوية التي بذلتها الشركات الحليفة لجاكرتا من أجل عرقلة القرار. وقد منعت وزارة الخارجية الأمريكية إمداد اندونيسيا بطائرات من طراز اف -5، وفى عام 1994 أصدر الكونجرس قانونا يحظر بيع الاسلحة الصغيرة لإندونيسيا. وعلى الرغم من أن البيت الأبيض في عهد كلينتون واصل بيع الأسلحة إلى إندونيسيا (ولمدة من الزمن أعادت تدريب العسكريين)، فإن الضغط الشعبي المستمر جعل تيمور الشرقية قضية مركزية في العلاقات الأمريكية – الإندونيسية.

على الرغم من المذابح والعديد من انتهاكات حقوق الإنسان التي قامت بها الدولة، فإن حملة فالانتيل العنيفة فشلت في اجتذاب تعاطف المجتمع الدولي. وعلى النقيض من ذلك، تمكنت حملة المقاومة اللاعنفية، التي اعتمدت على إجراءات شعبية منظورة، من الحصول على التعاطف الكافي من المجتمع الدولي لفرض عقوبات على الحكومة الإندونيسية.

 

تيمور الشرقية: العوامل المحلية

أدت الحملة العنيفة داخل تيمور الشرقية إلى انتشار شكوك وعداءات واسعة النطاق داخل قوات الأمن الإندونيسية. وتكشف وثائق عسكرية غير مصنفة أن قوات الاحتلال الإندونيسية كانت متفائلة بشكل ملحوظ بشأن إمكانية الانتصار في تيمور الشرقية، في حين أن هذه القوات اندهشت فيما بعد لانخراط سكان تيمور الشرقية في حرب العصابات. وكانت أساليب الحكومة الإندونيسية العشوائية والقمعية في مكافحة التمرد بعد ذلك وحشية للغاية، مما أدى إلى دعم ضمني للمسلحين بين السكان المحليين. غير أن المقاومة المسلحة لم تتمكن أبدا من تجنيد أكثر من 1500 مقاتل نشط. ولم تؤد أعمالهم الانتقامية العنيفة ضد قوات الأمن إلا إلى تعزيز عزم الجيش الإندونيسي على إبادتهم وصعَدت من وتيرة الصراع.

وعلى العكس من ذلك، أدت الحملة اللاعنفية إلى بعض التحولات في الولاءات. قاد الطلاب الإندونيسيون جهود التعبئة الجماهيرية التي أدت في نهاية المطاف إلى تحول في الولاء بين نخبة رجال الأعمال وأفراد قوات الأمن. فقد فقدت النخب التجارية، التي كانت لاتزال تعاني من الأزمة الاقتصادية، حماسها للاستمرار في الاحتلال، وخاصة بعد تزايد الضغوط الدولية للتخلي عنه. وفي داخل الجيش الإندونيسي، ظهرت انقسامات بين كبار السن من أفراد الضباط، الذين كانوا يستفيدون من صفقات تجارية مربحة وترقيات في تيمور الشرقية من جهة، والضباط الأصغر سناً، الذين كانوا يدعون إلى إجراء إصلاحات من جهة أخرى. واعترف الضباط الأصغر سناً بأن محاولة إندونيسيا كسب القلوب والعقول في تيمور الشرقية قد فشلت إلى حد كبير. وأوضح القائد العسكري التيموري الشرقي تاور ماتان رواك أنه كلما كان يتم أسر جنود إندونيسيين، كانوا بتعمدون معاملتهم معاملة جيدة وأحياناً كانوا يطلقون سراحهم للعودة إلى عائلاتهم في إندونيسيا. كما رفضت القيادة الساعية للاستقلال عمدا قبول الدعم من’ حركة أتشيه الحرة‘التي كانت تدعو إلى الإطاحة بالحكومة الإندونيسية بالقوة. وعندما انخفض مستوى الثقة الشعبية في حكومة سوهارتو، دعا القادة العسكريون الإندونيسيون الرئيسيون إلى استقالة الرئيس.

بعد فترة وجيزة من حصول بيلو وراموس -هورتا على جائزة نوبل للسلام، اتحدت الفصائل التيمورية الشرقية التي كانت منضوية سابقا تحت’ فالانتيل‘في إطار منظمة جديدة مؤيدة للاستقلال، هي المجلس الوطني للمقاومة التيمورية. وقد أتاحت هذه الخطوة الحاسمة لأبناء تيمور الشرقية أن يقدموا جبهة موحدة إلى الحكومة الإندونيسية والمجتمع الدولي. وكذلك مهدت الأزمة الاقتصادية الآسيوية في عام 1997 للتعبئة الجماهيرية داخل إندونيسيا، والتي أجبرت الرئيس سوهارتو على الاستقالة في مايو 1998. وقد كان نشطاء تيمور الشرقية المؤيدون للاستقلال يتظاهرون إلى جانب نشطاء المعارضة الإندونيسية للمطالبة بوضع حد للديكتاتورية العسكرية الفاسدة لسوهارتو. وبينما أدت حملات التمرد العنيفة في تيمور الشرقية إلى أن يبلغ عدد المقاتلين 1500 مقاتل فقط كحد أقصى، أنشأت المقاومة اللاعنفية تحالفات شاملة مع عشرات الآلاف من المشاركين. وأدى الجمع بين الضغط الدولي والمحلي الناجم عن جهود المقاومة اللاعنفية ضد الاحتلال إلى إجبار الحكومة الإندونيسية على الانسحاب من تيمور الشرقية.

 

2-الفلبين (1986)

قدمت حركة “قوة الشعب” التي أطاحت بالدكتاتور الفلبيني فرديناند ماركوس في عام 1986 نموذجاً ناجحاً مغايراً للانتفاضة الفاشلة للمعارضة البورمية بعد ذلك ببضع سنوات. وعلى الرغم من الدراسات العلمية التي تنبأت بأن الإطاحة بنظام ماركوس ستكون عنيفة: إما عن طريق تمرد شيوعي أو انقلاب عسكري، ألا أن أياً من ذلك لم يحدث. وبدلا منه، فإن تحالفا عريضا من السياسيين المعارضين والعمال والطلاب ورجال الأعمال وقادة الكنيسة الكاثوليكية، وآخرون قاموا بإسقاط نظام كانت شرعيته تضعف بالفعل بسبب الفساد واسع النطاق وسوء الإدارة الاقتصادية والاعتماد على القمع العنيف. وبعد ان أُعيد انتخابه رئيسا للبلاد عام 1969، أعلن ماركوس الأحكام العرفية فى عام 1972، متعللاً بالتهديدات التى يمثلها المتمردون الشيوعيون والانفصاليون المسلمون في الجنوب كمبررً لذلك. وبدعم من الولايات المتحدة، عزز ماركوس السلطة التنفيذية وجمع كذلك ثروة كبيرة من خلال مركزية الحكومة، واحتكارات الدولة، وفرض الوصاية، بالإضافة إلى المساعدات التي كان يتلقاها من الولايات المتحدة، والقروض التي حصل عليها من المؤسسات المالية الدولية. واتهم ماركوس المعارضة السياسية بالتحالف مع الشيوعيين، واستولى على ممتلكاتهم، وسجن الكثير منهم. وتم إسكات زعماء المعارضة الرئيسيين أو استغلاهم، ودخلت الأحزاب السياسية المعارضة في حالة فوضى.

وقد اكتسبت المعارضة الثورية بقيادة الحزب الشيوعي في الفلبين وجيشها الشعبي الجديد مزيداً من القوة في أواخر السبعينات. وكان جيش الشعب الجديد قد استُلهم من الأيديولوجيات الماركسية اللينينية الماوية وسعى إلى تحقيق ثورة مسلحة للوصول إلى السلطة. وأدت الهجمات العسكرية التي قامت بها الدولة على جيش الشعب الجديد إلى انتشاره في جميع مناطق البلاد على شكل مقاومة مسلحة بأسلوب حرب العصابات.

وفي سعي منه لتهدئة إدارة الرئيس الأمريكي جيمي كارتر، وافق ماركوس على إجراء إصلاحات معتدلة في أواخر السبعينيات، بما في ذلك إجراء انتخابات برلمانية عام 1978. وشارك في الانتخابات زعيم المعارضة الفلبينية الأبرز والسياسي المنفى خارج البلاد، السناتور بينينو أكينو الابن، مما أدى إلى تحقيق مكاسب ضئيلة للمعارضة. وعلى الرغم من أن الإقبال الضخم على الناخبين شجع أعضاء المعارضة (باستثناء الحزب الشيوعي الفلبيني) على المشاركة في الانتخابات، إلا أن بعض أعضاء المعارضة المحبَطين اتجهوا إلى ارتكاب أعمال عنفية مثل إشعال الحرائق والقصف وحرب العصابات. وقامت الحكومة باستهداف هؤلاء المعارضين من خلال الاعتقالات التي أوصلتهم إلى حالة تشبه الشلل ولم يحصلوا على أي تنازلات من ماركوس جراء فشلهم الذريع، وبالإضافة إلى ذلك وضعتهم الحكومة الأمريكية على القائمة السوداء وصنفتهم على أنهم منظمة إرهابية.

أدى اغتيال أكينو في عام 1983 إلى اندلاع انتفاضة شعبية.. أكينو، الذي كان منفياً إلى الولايات المتحدة منذ عام 1980، كان على اتصال مع المعارضة داخل الفلبين في الوقت الذي كان يضغط على الحكومة الأميركية لوقف دعمها لماركوس. وبحلول عام 1983، وأثناء مرض ماركوس، قرر أكينو العودة إلى الفلبين، حيث كان الاضطراب الداخلي يتزايد في البلاد خصوصاً بعد الأزمة المالية التي حدثت عام 1979، ووسط تصاعد التمرد الشيوعي (بالإضافة إلى توفر أدلة على انتهاكات النظام لحقوق الإنسان أثناء مواجهته لأعمال المقاومة)، بالإضافة إلى تنافس النخب المدنية والعسكرية على السلطة. وعلى الرغم من أنه يأمل في التفاوض على نقل السلطة مع ماركوس، فإن هذا لم يحدث وتم اغتياله. اثار اغتيال اكينو فى مطار مانيلا الدولى بتواطؤ عسكري غضبا محليا ودوليا.

بعد اغتيال أكينو، حاول ماركوس تقسيم المعارضة من جديد من خلال الانتخابات البرلمانية عام 1984. وبينما انضم بعض السياسيين المعتدلين إلى مقاطعة يقودها الشيوعيون للانتخابات، شارك آخرون (بدعم من كورازون أكينو أرملة “كوري أكينو”) وحصلوا على ثلث المقاعد المتنافس عليها على الرغم من العنف، والغش الحكومي واسع النطاق، والفرص المحدودة للوصول إلى وسائل الإعلام.

ولمواجهته قلاقل داخلية كبيرة، دعا ماركوس في أواخر عام 1985 إلى إجراء انتخابات مبكرة على أن تكون في فبراير 1986. ولثقته بأنه سيفوز (أو أنه سيكون قادرا على إجراء الانتخابات بنجاح) وإيمانه أنه يمكن أن يخيف المعارضة التي تبدو منقسمة، مضى ماركوس قُدماً في الانتخابات. ولكن بحلول عام 1986، أصبحت المعارضة في وضع أفضل لتحدي الديكتاتور في صناديق الاقتراع. وكانت المعارضة الاصلاحية قد اتحدت عام 1985 تحت راية المعارضة الديمقراطية القومية المتحدة (اليونيدو)، واختارت كوري اكينو مرشحاً للرئاسة. وفي الفترة التي سبقت الانتخابات، دعا أكينو إلى الالتزام بعدم ممارسة العنف، وأوضح كذلك أنه لن يتم التسامح مع التعامل العنيف ضد المعارضين. كما شدد أيضاً زعماء الكنائس على ضرورة الالتزام بذلك.

وعلى الرغم من أن ماركوس كان يسيطر على وسائل الإعلام، فإن راديو وصحيفة “فيريتاس” المملوكتان للكنيسة وفرتا تغطية كبيرة لحملة المعارضة الانتخابية “يونيدو”. وفي الوقت نفسه أصدر رئيس الأساقفة خايمي سين رسالة رعوية تدعو السكان إلى التصويت للمرشحين الصادقين والذين يحترمون حقوق الإنسان. ودعا مؤتمر الأساقفة الكاثوليك في الفلبين السكان إلى استخدام المقاومة اللاعنفية في حال تمت سرقة الانتخابات وتزويرها، في حين قامت الحركة الوطنية للانتخابات الحرة بتدريب 500.000 متطوع لمراقبة الانتخابات.

عندما أعلن ماركوس نفسه الفائز بالرئاسة في انتخابات عام 1986 على الرغم من نفي مراقبي الانتخابات لذلك، قاد كوري أكينو تجمعاً من 2مليون فلبيني وأعلن الفوز لنفسه و “الشعب”. أدان “أكينو” “ماركوس” وأعلن انطلاق حملة للعصيان المدني اللاعنفي أسماها “انتصار الشعب”. وفي اليوم الذي أعقب تنصيب ماركوس، شارك الفلبينيون في إضراب عام، وقاطعوا وسائل الإعلام الحكومية وكثيرمن البنوك التي كانت تسيطر عليها الدولة والأعمال التجارية التابعة لها، وغير ذلك من الأنشطة اللاعنفية.

عندما رأى الملايين من الأميركيين على أجهزة التلفزيون الخاصة بهم مئات الآلاف من الفلبينيين، بما في ذلك الراهبات الكاثوليك، يواجهون الدبابات، أصبح من المستحيل سياسيا على الحكومة الأميركية أن تحافظ على دعمها لنظام ماركوس آنذاك. وقد شعرت إدارة الرئيس رونالد ريغان بالحرج من دعم ماركوس فأشادت بحركة المعارضة. وفي 25 فبراير تم تشكيل حكومة موازية وأدى كوري أكينو اليمين كرئيس للبلاد. وفى ذلك المساء نقلت المروحيات العسكرية الامريكية ماركوس وثلاثين من افراد عائلته والوفد المرافق له الى قاعدة جوية امريكية مجاورة حيث استقلوا طائرات نفاثة نقلتهم إلى هاواي. تولى أكينو منصب الرئيس. وعلى الرغم من وجود مشاكل تتعلق بتوطيد الديمقراطية في الفلبين منذ عام 1986، إلا أن حملة القوى الشعبية أزالت بنجاح دكتاتورية ماركوس.

 

الفلبين: العوامل الدولية

 لم تفرض أي دولة رسميا عقوبات على الفلبين نتيجة ما قام به ماركوس. بيد أن اغتيال أكينو دفع وزارة الخارجية الأمريكية إلى مساعدة المعتدلين في المعارضة والضغط على ماركوس للإصلاحات، ثم بعد ذلك ضمان الولايات المتحدة خروجه الآمن من السلطة. ووافق ماركوس على ترك السلطة فقط بعد أن أوضحت الحكومة الأمريكية أنها لن توفر له الكميات الهائلة من المساعدات العسكرية والاقتصادية التي كانت تُبقي نظامه في السلطة -وهذا نموذج رئيسي يوضح كيف أن الانتفاضة اللاعنفية يمكن أن تتسبب في فرض عقوبات فعالة على النظام من جهات أجنبية فاعلة، حتى لو لم تكن هذه الجزاءات مسجلة في لائحة عقوبات رسمية من الأمم المتحدة أو أي هيئة دولية أخرى.

 

الفلبين: العوامل المحلية

لم تنجح حرب العصابات التي كانت تهدف إلى إسقاط نظام ماركوس في إحداث انشقاقات بين قوات الأمن. وبدون ضمان السلامة الشخصية، فمن غير المحتمل أن تتعاطف قوات الأمن مع الحركات العنيفة مثل جيش الشعب الجديد والحزب الشيوعي الفلبيني. ولذلك، فإنه ليس من المستغرب أن ينجح ماركوس في قيادة قوات الأمن للقضاء على هذه الحركات، وأدى ذلك إلى انتهاكات كبيرة لحقوق الإنسان وسط المسلحين والمدنيين في القرى المجاورة.

غير أنه في خضم العصيان المدني اللاعنفي، كان أعضاء الجيش الساخطين، الذين شكلوا في السابق حركة إصلاح داخل القوات المسلحة بقيادة الجنرال خوان بونس إنريلي، قد خططوا لهجوم على قصر مالاكانانغ لإجبار ماركوس على ترك منصبه. وعندما اكتشف النظام خطة إنريلي، قام الضباط والجنود المتآمرون بتحصين أنفسهم في معسكرين خارج مانيلا. وانضم الجنرال فيدل راموس إلى الجنرال إنريلي، وأعلن انشقاقه عن نظام ماركوس ودعمه لأكينو. وفي تحول ملحوظ للأحداث، دعا المطران سين السكان لدعم المنشقين العسكريين. وقد تجمع عشرات الالاف من المؤيدين للديمقراطية ورفضوا مغادرة القواعد العسكرية حيث كان المنشقون محاصرين بينما شكل مئات الالاف من الراهبات غير المسلحات والكهنة والمدنيين كدروع بشرية بين دبابات ماركوس والمنشقين. وفي هذه المواجهة المتلفزة دوليا، تراجعت القوات الحكومية في نهاية المطاف، وتلا ذلك تمرد على نطاق واسع بين الجنود والضباط في أنحاء البلاد.

أدت الطبيعة الشعبية لمقاومة المعارضة إلى شرعنة الانشقاق بين قوات الأمن. وعندما لم يعد بإمكان النظام الاعتماد على قطاعات رئيسية من جيشه، والحفاظ على الاقتصاد، واسترضاء الكنيسة القوية، أو الحفاظ على الدعم الاقتصادي والعسكري للحكومة الأمريكية، والمؤسسات المالية الدولية الأخرى، اضطر ماركوس لقبول الهزيمة.

على الرغم من أن الحزب الشيوعي الفلبيني المسلح كان مؤيَدا من الكنيسة (وخاصة من صغار الكهنة)، وكان له تواجد كبير بين السكان، وشكل تحالفات بين الحين والآخر مع المعارضة السياسية الإصلاحية، إلا أنه في نهاية المطاف تم تهميش الحزب الشيوعي الفلبيني بسبب اعتماده على الكفاح المسلح والأيديولوجية المتشددة، وإصراره على الحكم التحزبي، وقراره بمقاطعة الانتخابات.

وترتب على قمع ماركوس للمعارضة اللاعنفية آثار عكسية. فاغتيال بينينو أكينو في عام 1983 جعله شهيدا لوقوفه ضد ماركوس. وتجمع ما يقرب من مليوني فلبيني من جميع الطبقات الاجتماعية الاقتصادية ليشهدوا جنازته. ثم بدأت الكنيسة الكاثوليكية، التي شاركت في “التعاون الحاسم” مع نظام ماركوس خلال فترة الأحكام العرفية (على الرغم من أن بعض قيادات الكنيسة عارضت ماركوس منذ البداية) – بدأت الكنيسة تشجب انتهاكات النظام لحقوق الإنسان. ونظم تجمع اعمال ماكاتى القوي مظاهرات ومسيرات اسبوعية ضد ماركوس فى المناطق التجارية فى مانيلا.

وفي الوقت نفسه، واصلت المقاومة اللاعنفية التي تشمل جميع المكونات المجتمعية تحدي قبضة ماركوس القوية على السلطة باستخدام وسائل غير مؤسسية. لم تكن “لاكبايان” (مسيرات الحرية الشعبية)، والمظاهرات الجماهيرية التي أصبحت تعرف بعد ذلك باسم “برلمانات في الشوارع”، و “ولجانج بيان” (ضربات الشعب) سوى عدد قليل من التكتيكات اللاعنفية المستخدمة خلال هذه المرحلة التصعيدية من النضال. وفي عام 1984 أغلقت الإضرابات الشعبية المدن، ولا سيما قطاع النقل. وفي الوقت نفسه، سار الفلاحون إلى المناطق الحضرية ودخلوا في اعتصامات. وقد نشط مسؤولو الكنيسة في جمع المعارضين السياسيين غير الشيوعيين وأعضاء مجتمع الأعمال. وتحالفت العناصر الأكثر تقدمية للكنيسة مع التجمعات الشعبية وجماعات المسيحيين في المناطق الريفية، تعزيزاً لجهود الكنيسة في التعبئة، ودرءاً لاحتمالات تجنيد أفراد في المقاومة المسلحة.

وعلى غرار ما حدث في تيمور الشرقية، فإن التغطية الإعلامية لقمع الدولة للحملات غير العنيفة كان له آثار عكسية ضد النظام، مما أدى إلى التعبئة الجماهيرية وتحولات في الولاء داخل المؤسسات المدنية والأجهزة الأمنية، والضغط الدولي على النظام للتنازل والاعتراف بالهزيمة.

 

3-بورما (1988-1990)

في عام 1988 قامت جماعات المعارضة البورمية بانتفاضة مدنية واسعة النطاق شكلت تحديا غير مسبوق لدكتاتورية عسكرية وصلت إلى السلطة عقب انقلاب في عام 1962. بدأت الأحداث باحتجاجات طلابية عفوية ضد عنف الشرطة في رانجون وبسرعة تطورت لتصبح انتفاضة في جميع أنحاء البلاد لتفكيك الدكتاتورية التي استمرت ستة وعشرين عاما واستعادة الديمقراطية. وعلى الرغم من بعض التنازلات المؤقتة التي منحها النظام، بما في ذلك انتخابات متعددة الأحزاب في عام 1990، والتي فازت بها’ الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية‘المعارضة، إلا أن أفضل ما يمكن أن نصف به انتفاضة عام 1988هو الفشل الذريع، حيث لا تزال بورما ديكتاتورية عسكرية شديدة القمع.

لقد تم سحق ديمقراطية بورما خلال فترة ما بعد الاستقلال عام 1962 إثر انقلاب عسكري أتى بالجنرال ن وين إلى السلطة. ومنذ ذلك الحين سيطر الجيش على سياسة بورما واقتصادها. فتفشى الفساد وسوء الإدارة الاقتصادية، وتمت مواجهة الاحتجاجات المتفرقة باستخدام القوة المفرطة والرصاص الحي. وفي عام 1988، وخصوصاً بعد أن قَتلت شرطة مكافحة الشغب طالباً بورمياً، اندلعت مظاهرات جماهيرية قادتها جماعات طلابية في رانجون. قُتل المئات من الطلاب أثناء المظاهرات، وأُلقي القبض على الآلاف، وأُغلقت الجامعات. خرج الطلاب إلى الشوارع مرة أخرى للمطالبة بإعادة فتح المدارس ومعاقبة المسؤولين عن المذابح الطلابية، فاندلعت اشتباكات بين الطلاب وقوات الأمن، مما أدى إلى مزيد من الوفيات وفرضت الحكومة حظراًعلى التجمعات العامة.

وعقب تغيير بيروقراطي أعلن فيه الجنرال ني وين أنه سيتنحى عن منصبه كرئيس للبلاد وكذلك عن رئاسته لحزب’ البرنامج الاشتراكي البورمي‘، قام الكونجرس البورمي بتنصيب الرجل المسؤول عن مذبحة رانجون كرئيس جديد للحزب.  وفي 8 أغسطس 1988، ردت المعارضة بإعلان الإضراب العام وتنظيم احتجاجات واسعة النطاق في كل أنحاء البلاد. وتظاهر مئات الآلاف من الشباب والرهبان والعمال والموظفين المدنيين والعاطلين عن العمل وأعضاء من مختلف الجماعات العرقية وشرائح المجتمع المختلفة، ودعوا إلى وضع حد للنظام العسكري، وتشكيل حكومة مؤقتة للتحضير لانتخابات متعددة الأحزاب.

وردت الوحدات العسكرية البورمية على الإضراب العام بفتح نيران الأسلحة الآلية، مما أسفر عن مقتل المئات في رانجون. ووقعت أحداث مشابهة في أجزاء أخرى من بورما، مما أدى إلى مقتل أكثر من 1000 متظاهر في غضون ثلاثة أيام. وخلال هذه الانتفاضة، انضم الرهبان البوذيون إلى الطلاب وعمال المصانع في المظاهرات؛ وفي بعض الأماكن، تولى الرهبان إدارة المدن والقرى.

في عام 1990، أجريت انتخابات متعددة الأحزاب في بورما وحصلت المعارضة الوطنية من أجل الديمقراطية على 80 في المائة من الأصوات، على الرغم من استمرار القمع. وقد فاجأت نتائج الانتخابات’ مجلس الدولة لإستعادة القانون والنظام‘الذي يسيطر عليه العسكر ورفض الاعتراف بها. وتم وضع زعيمة الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية، أونغ سان سو كي، قيد الإقامة الجبرية في يوليه 1990، وقُتل أو أُلقي القبض على العديد من نشطاء الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية. وفي الوقت نفسه، لم تكتسب المقاومة المسلحة في المناطق الحدودية أي قوة. وبدلا من ذلك، استولى الجيش البورمي على المناطق المسلحة التي كانت تحت سيطرة مسلحي المجموعات العرقية.

وقد تم تسريح المعارضة إلى حد كبيرحيث كانت في وضع لا يمَكنها من استعادة الانتخابات المسروقة. ولم تكن هناك سوى إشارات ضعيفة على انشقاقات بين صفوف النظام، على الرغم من انشقاق عدة مئات من جنود القوات الجوية في عام 1988. ولم تفلح أونغ سان سو كي في إجراء حوار مع القادة العسكريين بشأن إجراء إصلاحات ديمقراطية. وسُجن العديد من زعماء الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية أو تم نفيهم. وفي بعض الأحيان، كان يطلق سراح عدد قليل من السجناء السياسيين، وكثيرا ما تزامن ذلك مع زيارات كبار الشخصيات الأجنبية أو زعماء الأمم المتحدة. وظل المجلس (مجلس الدولة لإستعادة القانون والنظام)، والذي أعيد تسميته إلى: مجلس الدولة للسلام والتنمية، يسيطر على الوضع في البلاد.

 

بورما: العوامل الدولية

وقد لاقت قضية الديمقراطية في بورما اهتماما دوليا كبيرا. فعلى سبيل المثال، حصلت أونغ سان سو كي على جائزة نوبل للسلام في عام 1991. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة فرضت على بورما عقوبات بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان ضد زعماء المعارضة، إلا أن العقوبات لم تحقق مزايا كافية للمعارضة اللاعنفية. وفي الواقع، عندما فرضت الولايات المتحدة العقوبات، قام النظام البورمي ببساطة باستبدال الواردات المحجوبة بمواد من دول مانحة أخرى، بما في ذلك الصين والهند، مما قوض إمكانية دفع النظام إلى عمل إصلاحات من خلال تلك العقوبات. ويمكننا القول أيضا أن العقوبات الأمريكية كانت في الواقع ضعيفة، نظرا لأنها لم تشمل الشركات المحلية التابعة للشركات الأمريكية. ولذلك فإنه انسجاما مع النتائج التي توصلنا عليها، فإن العقوبات الدولية لم ترفع قيمة الكلفة السياسية على النظام البورمي لقمعه المعارضة اللاعنفية.

 

بورما: العوامل المحلية

لم ترفع الحملة البورمية ضد’ مجلس الدولة لإستعادة القانون والنظام‘بشكل كاف الكلفة الداخلية لقمع النظام. وضمن مجموعة أخرى من الأسباب، لم تكن المقاومة اللاعنفية فعالة في إحداث تحولات في الولاء داخل قوات الأمن (أو بين البيروقراطيين داخل النظام) بالشكل المطلوب. فالمعارضة اللاعنفية لم تقدم نفسها كبديل سياسي حقيقي للمجلس العسكري، ولم تغير كثيرا في معادلة الاهتمامات الشخصية لقوات الأمن التي لم تجد ما يحفزها على التردد بخصوص أوامر النظام أو يشجعها على عصيانها. وعلاوة على ذلك، نجح النظام في إثارة الفرقة بين مجموعات من الرهبان البوذيين، واستغلالهم، وحال دون تمكينهم من تقديم جبهة موحدة. وقد استفادت بعض بؤر التمرد العرقية العنيفة من انشقاقات الجيش البورمي، بما في ذلك الانشقاق الملحوظ للعقيد ساي يي، قائد الجيش الوطني لولاية شان، في عام 2005. بيد أن هذا الانشقاق النادر والبارز لم يؤثر على نتائج التمرد العنيف، حيث أن عملياتهم ضد النظام البورمي كانت غير مجدية إلى حد كبير.

في البداية، كانت التعبئة اللاعنفية ضد النظام البورمي ضخمة وشاملة. لكن الإفراط في الاعتماد على شخصيات فردية بعينها، وعدم القدرة على التوفيق بين الفصائل المتنافسة، وعدم وجود معلومات متسقة عن انتهاكات حقوق الإنسان، تركت حملة المقاومة اللاعنفية في حالة من الفوضى. وقد فشلت الحملات العنيفة كذلك في بورما بسبب عدم قدرتها التامة على حشد الجماهير، وعدم فاعلية الوحدات الصغيرة من المسلحين الموزعين على أسس إثنية.

بعد مجازر 8 أغسطس 1988، فتحت الحكومة الفضاء السياسي: فرفعت الأحكام العرفية، وأفرجت عن بعض السجناء السياسيين، وسحبت الجيش من المدن. واستغلت الحركة المؤيدة للديمقراطية الحيز السياسي المتزايد، فتظاهر أكثر من مليون بورمي في رانجون وغيرها من المدن. واستقال الآلاف من البورميين من حزب البرنامج الاشتراكي البورمي وحرقوا بطاقات العضوية الخاصة بهم. ونظم الطلاب والرهبان والعمال “لجان الإضراب العامة” و “مجالس المواطنين” لإدارة الشؤون اليومية في عشرات المدن والبلدات التي أصبحت شكلا من أشكال الحكومة الموازية على المستوى المحلي. وانشق بعض جنود القوات الجوية للانضمام إلى الاحتجاجات، على الرغم من أن هذه الانشقاقات كانت استثناءً. وفي اليوم التالي، دعا الحزب الحاكم والبرلمان إلى إجراء انتخابات عامة متعددة الأحزاب.

وعندما بدا الانتصار وشيكا للحركة المؤيدة للديمقراطية، اختلف قادة المعارضة حول قيادة الحكومة الديمقراطية الجديدة. ومع تشتت النخب المعارضة وانشغالهم بالاقتتال الداخلي، قام الجيش البورمي بانقلاب آخر، وأنشأ مجلسه العسكري في 18 سبتمبر. وأعاد المجلس فرض الأحكام العرفية، وحظر التجمعات لأكثر من خمسة أشخاص. وأطلق النار على المتظاهرين العزل في الشوارع، وأُلقي القبض على آلاف آخرين أو “اختفوا” قسرياً.

وبينما مارس المجلس العسكري المزيد من أعمال العنف ضد المعارضة، توقفت المظاهرات وانتهى الإضراب العام، وذهب الآلاف من الطلاب إلى المناطق الحدودية التي يسيطر عليها المتمردون الإثنيون وحاولوا بدء كفاح عسكري ضد الدكتاتورية. وكانت الدعاية الإعلامية لانتهاكات حقوق الإنسان الدائمة غير مسبوقة.

واجتمعت مجموعة صغيرة من قادة المعارضة البارزين لتشكيل الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية وسجلوها كحزب سياسي. وقامت السكرتيرة العامة للرابطة الوطنية أونغ سان سو كي بجولة في البلاد تدعو إلى الديمقراطية وتعدد الأحزاب في تحد للحظر على الاجتماعات العامة، والدعوة إلى الوحدة الوطنية والالتزام بمبدأ اللاعنف. بيد أنه بحلول منتصف عام 1989، كثف المجلس حملة ترهيبه ضد أونغ سان سو كي وقيادة الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية. ورفض المجلس الاعتراف بالفوز الانتخابي للرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية عام 1990، ووضع أونغ سان سوكي تحت الإقامة الجبرية، وقطع رأس حملة المقاومة اللاعنفية بشكل تام.

 

ملخص لدراسات الحالة

تحديد نجاح المقاومة أو فشلها

تكشف الدراسة الذي أجريناها لثلاث حالات مختلفة من حالات المقاومة عن العديد من الأفكار في ضوء النتائج التي وصل إليها كل نوع من نوعي المقاومة، سواء كانت لاعنفية أو عنفية:

أولا: في جميع الحالات الثلاث، فشلت الحملات العنيفة المسلحة إلى حد كبير في رفع الكُلفة السياسية لقمع الأنظمة. وعلى الرغم من تعاطف البعض مع المتمردين الذين انتهجوا العنف، فإن أيا من الحالات التي درسناها لم يتلق دعماً مادياً، ولم تفرض عقوبات دولية على الأنظمة لصالحهم. وعلى الرغم من أن التحليل الكمي الذي أجريناه لم يؤيد تماماً فرضية أن العقوبات التي تُفرض على الأنظمة والمعونات الخارجية التي تُقدم للمقاومة تدعم الحملات اللاعنفية، فإن دراسة الحالات التي قمنا بها تبين أن ممارسة الضغط على الأنظمة في الوقت المناسب أو سحب الدعم منها عن طريق الجهات الدولية الفاعلة الكبرى كان له أثر كبير في تغيير مسار حملات المقاومة في الفلبين وتيمور الشرقية.

ثانيا: من غير المرجَح أن تنجح حملات المقاومة التي لا تستطيع تحقيق تحولات في الولاء داخل المؤسسة الأمنية أو المدنية. وتشير دراستنا الموسعة إلى أن حملات المقاومة اللاعنفية تملك فرصاً أكبر في النجاح من الحملات العنيفة في مواجهة القمع الوحشي، ربما لأنهم أكثر عرضة لإحداث نتائج عكسية. ومن خلال الدراسة أيضا، وجدنا أنه على الرغم من أن انشقاقات قوات الأمن غالبا ما تكون حاسمة في نجاح الحملات اللاعنفية، إلا أنه ليس بالضرورة أن تحدث هذه الانشقاقات نتيجة المقاومة اللاعنفية. وطبقاً لدراستنا أيضاً، فإنه لم تحدث تحولات كبيرة في الولاء داخل قوات الأمن في بورما.. وتوفر لنا حالة الانحراف (الفشل) هذه (في بورما) رؤى مفيدة في متغيرات هامة لم يتم تحليلها في دراستنا الموسعة عن المقاومة تشمل: 1-التعبئة الجماهيرية 2-لامركزية المقاومة 3-استراتيجيات التواصل الإعلامي. فالتعبئة الجماهيرية ولا سيما إذا كان مستوى المشاركة في التعبئة كبيراً ولا تعتمد الحملة على قائد واحد – وهذا ما حدث في كلتا حالتي النجاح للمقاومة المدنية. وكانت هذه التعبئة أكثر انتشاراً بين الحملات اللاعنفية عنها في الحملات العنيفة التي كانت تضم في عضويتها عدداً أقل من عدد المشاركين في المقاومة اللاعنفية. والواقع أن القمع الذي مارسته الأنظمة ضد المقاومة اللاعنفية، في حالتي تيمور الشرقية والفلبين، كان وراء التعبئة الجماهيرية الكبيرة، الأمر الذي أدى بدوره إلى زيادة الكُلفة السياسية لقمع النظام. وفي كلتا الحالتين، دفعت الأنظمة أثماناً باهظة: حيث حولت قوات الأمن ولاءها لصالح المقاومة اللاعنفية، وفرض المجتمع الدولي عقوبات كبيرة ضد الأنظمة.

من ناحية أخرى فشلت كلٌ من المقاومة اللاعنفية والعنيفة في بورما في رفع الكُلفة السياسية لقمع النظام إلى الحد الذي يمكن أن يؤدي إلى تهديد سيطرة النظام على زمام الأمور. وعلى الرغم من أن الحكومة في بورما عانت من العقوبات المفروضة عليها، إلا أن الكُلفة المحلية للقمع لم تكن كافية لتحقيق النتائج المرجوة، وكانت التعبئة الجماهيرية هناك انتقائية واعتمدت على شخصية الزعيم.

وتشير هذه النتائج إلى الحاجة إلى إضافة ملحق هام لدراستنا الموسعة عن المقاومة: وهو إدراج متغيرات عن درجة وطبيعة التعبئة الجماعية، فضلا عن دور استراتيجيات الإعلام والتواصل. وقد تكون التعبئة الجماهيرية عاملا حاسما في تحديد النجاح، باعتبار أن الحملة قد تكون أكثر فاعلية في رفع الكُلفة السياسية لقمع النظام إذا تمت على نطاق واسع وكانت شاملة ولامركزية. ويرجع ذلك إلى قدرتها على الصمود، والقبول الجماهيري، وعدم الكشف عن هوية المشاركين. وتشير نتائجنا أيضا إلى أن التغطية الإعلامية وسيلة حاسمة للتسبب في حدوث نتائج عكسية لقمع النظام.

 

الاستنتاجات والآثار المترتبة

أ) الاستنتاجات

من النتائج المحورية لهذه الدراسة هو التأكيد على أن أساليب المقاومة اللاعنفية تمتلك فرصاً أكبر للنجاح في تحقيق الأهداف الاستراتيجية من المقاومة العنيفة. لقد قمنا بمقارنة نتائج 323 حملة مقاومة لاعنفية وعنفية في الفترة من عام 1900 إلى 2006، وكذلك قمنا بمقارنة نتائج دراستنا مع دراسات حالة مقارنة لحملات المقاومة اللاعنفية في جنوب شرق آسيا.

واستنادا إلى البحوث الإحصائية والنوعية مجتمعة، يمكننا الخروج بالعديد من الاستنتاجات:

1) من المرجح أن تنجح حملات المقاومة التي تفرض حدوث تحولات في الولاء في صفوف قوات الأمن والمؤسسات المدنية. وتحدث مثل هذه النجاحات للحملات العنيفة من حين لآخر، ولكن للحملات اللاعنفية فرص أكبر في تحولات الولاء عنها في المقاومة المسلحة. وعلى الرغم من أن هذه النتائج تأثرت في دراستنا الكمية بالقيود التي تفرضها البيانات، فإن دراسات الحالة التي أجريناها تكشف عن أن ثلاث حملات عنيفة لم تتمكن من إحداث تحولات ولاء ذات دلالة في أوساط النخب المعادية، في حين حدثت مثل هذه التحولات نتيجة المقاومة اللاعنفية في الفلبين وتيمور الشرقية. وبالإضافة إلى ذلك، فقد أدى القمع ضد المقاومة اللاعنفية في الفلبين وتيمور الشرقية إلى فرض عقوبات دولية على الأنظمة في توقيتات مناسبة، مما أثبت فاعليته في نجاح هذه الحملات اللاعنفية. لذلك فإن الكُلفة السياسية المحلية والدولية لقمع الحملات اللاعنفية أعلى من تكاليف قمع الحملات العنيفة.

2) تشير دراسات الحالة التي أجريناها أيضا إلى أن الحملات العنيفة واللاعنفية التي تفشل في تحقيق تعبئة شاملة، لامركزية، واسعة النطاق، من غير المنتظر أن تفرض حدوث انشقاقات أو تستدعي فرض عقوبات دولية من الأساس. ومن المرجح أن تؤدي حملات المقاومة واسعة النطاق إلى زرع الشكوك بين الجماهير حول شرعية الخصم. فالكُلفة السياسية لقمع عدة عشرات من الناشطين، والذين يسهل وصفهم بـ “المتطرفين”، أقل بكثير من كُلفة قمع مئات أو آلاف الناشطين يمثلون جميع السكان.

3) يلزم إجراء مزيد من الأبحاث للتوصل إلى قياس لدرجة وطبيعة التعبئة الجماهيرية على مر الزمن. وينبغي أن يُتاح قياس مستوى المشاركة في حملات المقاومة اللاعنفية، بما في ذلك مدى انتشار المقاومة على صعيد المنطقة الجغرافية، والقطاع، والتركيبة السكانية. وتمثل درجة الوحدة الداخلية بالنسبة للمقاومة اللاعنفية عاملاً مهماً آخر يمكن قياسه تجريبيا. وعلاوة على ذلك، يمكننا قياس تنوع التكتيكات اللاعنفية لتحديد ما إذا كان توسيع مجال التكتيكات اللاعنفية أو تسلسلها يعزز نجاح تلك الحركات.

 

ب) الآثار المترتبة

وبالإضافة إلى هذه التوصيات للبحوث المستقبلية، تشير نتائجنا أيضا إلى العديد من الآثار المترتبة على السياسات:

أولا: على الرغم من عدم وجود مخطط للنجاح، فإن حملات المقاومة اللاعنفية التي تستوفي المعايير المحددة أعلاه تكون لها فرص نجاح تفوق الفرص الممكنة للحملات العنيفة التي لها نفس الخصائص.

ثانيا: أفادت أشكال الدعم الخارجي المقاومة اللاعنفية في حالات تيمور الشرقية والفلبين. وعلى الرغم من عدم وجود دليل على أن التعبئة الجماهيرية اللاعنفية يمكن أن تبدأ بنجاح أو تستمر في ذلك من خلال جهات خارجية فاعلة، فإن مجموعات التضامن المنظمة التي مارست ضغوطاً مطردةً على الحكومات المتحالفة مع الأنظمة المستهدفة كانت مفيدة على هذا الصعيد. وهذا يشير إلى أن المجموعات الدولية الداعمة يمكنها أن تعزز من فاعلية حملات المقاومة على النظام المستهدف، بيد أن الدعم الخارجي قد يسبب نتائج عكسية إذا أضرت بمصداقية الحركة.

ثالثا: نظرا للدور الحاسم الذي تلعبه وسائل الإعلام في حدوث نتائج عكسية، فإن دعم إنشاء مصادر مستقلة للإعلام والتکنولوجيا والحفاظ عليها بحيث یسمح للنشطاء اللاعنفيين بالتواصل الداخلي والخارجي، ھو طریقة أخرى يمكن للناشطين الحكوميين وغير الحكوميين من خلالها دعم حملات المقاومة اللاعنفية.

رابعا: يمثل بناء القدرات التقنية في مراقبة الانتخابات وتوثيق حقوق الإنسان أدوات أخرى مفيدة لدعم الناشطين اللاعنفيين.

خامسا: طبقاً لنشطاء لاعنفيون فأن توفير مواد تعليمية (مثل الكتب واألأفلام وأقراص الفيديو الرقمية وألعاب الفيديو) لتسليط الضوء على الدروس المستفادة من الحركات التاريخية غير العنيفة األأخرى يعتبر عنصرا حاسما في حشد الجماهير.

سادساً: توفير الأدلة على مراقبة األأنظمة غير الديمقراطية للإنترنت، والقوانين المقيِدة التي تستهدف المنظمات غیر الحكومية المحلية والدولية، وحالات التهديد والتخويف الموجهة إلى جماعات المجتمع المدني، كل ذلك من المرجح أن يمثل تحدیات إضافیة علی أولئك الذين يستهدفون التغيير السياسي من خلال وسائل لاعنفية.

في نهاية المطاف، تجدر الإشارة إلى بعض ما كتب توماس شيلينج حول ديناميكيات الصراع بين المعارضين العنفيين واللاعنيفين: “يكاد يكون الطاغية ورعاياه في مواقف متناظرة …. فهم يستطيعون أن يمنعوه من فرض معظم ما يريده منهم إذا توفر لديهم انضباط تنظيمي يضمن مقاطعته وعدم التعاون معه. وفي المقابل، يستطيع الدكتاتورأن يمنع عنهم جميع مطالبهم – وذلك باستخدام القوة التي تحت إمرته …. وبينما يستطيع الشعب أن يقض مضجع الدكتاتور ويحرمه من الاطمئنأن إلى خضوع البلاد له، فهو في نفس الوقت يستطيع أن يقلق راحتهم ويحرمهم من حكم أنفسهم …. إنها حالة مساومة يستطيع فيها أي من الجانبين، إذا كان مرتباً ومنظما على نحو كاف، أن يرفض معظم ما يطلبه الآخر، ويبقى أن ننتظر لنرى من يكسب في النهاية.”

 

الباحثان:

ماريا ج. ستيفان: مديرة المبادرات التعليمية في المركز الدولي للنزاعات اللاعنفية.

إريكا تشينويث: أستاذ مساعد في قسم “الحكومة” في جامعة ويسليان وزميل دراسات ما بعد الدكتوراه في مركز بيلفر للعلوم والشؤون الدولية في كلية جون كينيدي لـ الحكومة” في جامعة هارفارد (1)

————————–

الهامش

(1) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية “.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close