fbpx
تقديرات

ليبيا بعد حكومة السراج: تحولات وتحديات

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

 (1) تمهيد:

يزداد المشهد الليبي تعقدا وضبابية في ظل تداخلات فاعليين إقليميين ودوليين واختلاف رؤى في إدارة الملف في الداخل لاسيما العمليات العسكرية في ظل تنامي قوة تنظيم الدولة في شرق البلاد وغربها وتمركزه مؤخرا في مدينة سرت (الواقعة في منتصف الساحل الليبي بين العاصمة طرابلس غربا ومدينة بنغازي شرقا)، وساهم في كثافة ضبابية المشهد حالة تخبط سيطرت على حكومة التوافق الوطني (المنبثقة عن اتفاق الصخيرات الموقع بين الأطراف الليبية في 17 ديسمبر 2015) والتي تقوم برحلات مكوكية لعدة دول بحثا عن دعم دولي وإقليمي (تلخص المطلب الأخير “الدعم الإقليمي” في زيارة قام بها المجلس الرئاسي بهذا العدد لأول مرة للسيسي، والتي وصفها نائب السراج أحمد معيتيق بـ”الايجابية”(2).

يقوم هذا التقدير على رصد أبرز محطات تطور المشهد الليبي، ممثلة في زيارة حكومة السراج إلى مصر ومعركة سرت لقتال داعش والتي كشفت أوراق خليفة حفتر (الذي نصبه مجلس النواب قائدا للجيش الليبي غير الموجود أصلا وهو جنرال سابق يتهمه بعض الثوار بتدمير مدينة بنغازي).

أولاً: تطورات المشهد الليبي:

من أبرز التطورات التي شهدتها ليبيا دخول الحكومة التوافقية إلى العاصمة طرابلس عن طريق تونس وتعسكرها حتى الآن في قاعدة بحرية في طرابلس، معلنة على لسان رئيسها فائز السراج “مباشرة مهامها من العاصمة وبدء مرحلة جديدة من الحوار والتواصل الداخلي مع الليبيين بمختلف توجهاتهم”(3).

وفي محاولة لتثبيت شرعيتها الوحيدة في البلاد، قام المجلس الرئاسي بعدة زيارات وُصفت من قبل رافضين للحكومة بـ”رحلات مكوكية” ركزت على قطبين أساسيين عربيين هما مصر (الجارة الهامة التي زارها السراج مرتين في ديسمبر 215 وفي مايو 2016) ومؤخرا دولة قطر (الداعم الدائم للثورة الليبية والثوار حتى الآن، خلال لقاء وزير خارجيتها مع مسؤول العلاقات الخارجية بالرئاسي الليبي محمد سيالة) (4).

وعسكريا: تقهقر ملحوظ في قوات عملية الكرامة (عنوان لعملية عسكرية يقودها خليفة حفتر ضد كتائب الثوار وخاصة الإسلاميين منهم بحجة “محاربة الارهاب”)(5)، وأصبح الجنرال السابق في جيش القذافي منحصرا في منطقة نفوذه وأولاد عمومته بمدينة المرج (التي يحدها شمالا البحر المتوسط وشرقا مدينة البيضاء ومن الغرب مدينة بنغازي وعرفت قديما باسم برقة).

وفي الغرب تطور الوضع العسكري سريعا، حيث شكلت قوة من ثوار مصراتة وزليتن وجنزور لمحاربة تنظيم الدولة في مدينة سرت وأطلق على العملية اسم “البنيان المرصوص” (عملية عسكرية انطلقت بتكليف من المجلس الرئاسى لمواجهة إرهابي داعش في سرت) (6).

واجتماعياً عُقدت عدة مؤتمرات لتفعيل ملف المصالحة الوطنية “وهي معضلة اجتماعية تواجه بعض القبائل الرافضة التصالح مع بقايا النظام السابق” وكان آخرها مؤتمر الدوحة للمصالحة الليبية الذي انعقد في الفترة من 2-3 مايو 2016 وتناول ضرورة سبل تحقيق المصالحة الوطنية الشاملة وتجاوز الانقسامات والخلافات(7).

ثانياً: حكومة السراج:

اعتبر دخول حكومة التوافق الوطني إلى العاصمة طرابلس عن طريق تونس خطوة مفاجئة أربكت حسابات الجميع، خاصة المؤتمر الوطني العام “مقره طرابلس” وحكومة الانقاذ الوطني المنبثقة عنه والمعروفة إعلاميا بحكومة الغويل (تسلم خليفة الغويل مهامه رسميا من عمر الحاسي رئيس الحكومة في 2 أبريل 2015 بعد قرار المؤتمر إعفاء الأخير من مهامه، حسب تصريحات النطاق باسم المؤتمر عمر حميدان) (8).

ولم يقف الأمر عند حالة الارباك فقط، لكن حكومة الغويل هددت أعضاء المجلس الرئاسي من دخول طرابلس وهددتهم بالاعتقال جميعا وطالبت كل المؤسسات بعدم التعاون معهم منعا للمساءلة القانونية، لكنها في الأخير خضعت لقوة الأمر الواقع واضطرت للاستقالة ومغادرة الموقف (حيث تم تهديد خليفة الغويل واقتياده من مكتبه بعد التوقيع على قرار الاستقالة وإعادته إلى مسقط رأسه مصراتة) (9).

وسرعان ما انتقلت حالة الإرباك إلى المنطقة الشرقية وخاصة مدينة البيضاء حيث مقر حكومة عبدالله الثني التي كانت تعتبر نفسها الممثل الشرعي الوحيد للدولة الليبية (والمفترض –حسب نص الاتفاق السياسي – أن تشكيل حكومة التوافق ألغى أي جسم تنفيذي آخر) لكن الثني استدعى مصطلحات “أنا الشرعية” والتي ظل يكررها حتى الآن معتبرا أن حكومة السراج ليست شرعية كونها لم تحصل على ثقة البرلمان، وهنا إشكاليات عدة حول معضلة الثقة (أصدر101 نائبا من برلمان طبرق بيانا أكدوا فيه منحهم الثقة لحكومة الوفاق، ودعوا الحكومة لأداء اليمين القانونية) (10).

وهنا انقسمت الدولة الليبية بين ثلاث حكومات متواجدة على الأرض:

1ـ حكومة التوافق ومقرها قاعدة بحرية في طرابلس وهي مدعومة دوليا بقوة ومن الداخل أيدها عديدون على رأسهم حزب العدالة والبناء وهو فصيل سياسي كبير ساهم في إنجاح حوار الصخيرات.

2ـ حكومة الغويل التي ظهرت تصريحات جديدة ترفض الاستقالة وتؤكد على إجبار رئيس الحكومة على توقيع استقالته (حتى بيان الاستقالة تم التشكيك في صحته).

3ـ حكومة تتمركز في الشرق يؤيدها البرلمان (أغلب أعضاءه متواجدين في القاهرة بعد مغادرة طبرق) ويؤيدها خليفة حفتر المتحكم الأول والرئيس في البرلمان والثني.

ورغم هذه الحالة الانقسامية إلا أن الكفة الراجحة الآن هي لحكومة فائز السراج التي استطاعت وبقوة كسب مؤيدين لها في الداخل (أغلبهم مجموعات مسلحة أيدت دخول الحكومة طرابلس وقامت بحماية أعضائها) وقدمت نفسها كحل وحيد وأخير للخروج من المعضلة السياسية والأمنية وحتى الحياتية للمواطن الليبي الذي فقد الثقة في الجميع وكفر بالسياسيين والعسكريين على حد سواء.

لكن دلالة الانقسام توحي بظهور تيار يجدد الجرح القديم بمناداته بالانقسام بين الشرق والغرب والجنوب (دعاة الفيدرالية في المنطقة الشرقية يطالبون بانفصال برقة عن طرابلس وهي دعوة يعارضها تيار كبير من السياسيين والعسكريين حتى حفتر نفسه) وهو ما كشف هذه الدعوات، لكن دعاة هذا الأمر يرفضون وصف أنفسهم بالانفصاليين لكنهم يبررون دعواتهم للانفصال من أجل تقليل المركزية في الغرب.

دلالة أخرى للانقسام الحكومي هي ظهور تيار آخر في المنطقة الشرقية (التي يعتبرها البرلمان وحفتر منطقة نفوذهما) مؤيد لحكومة السراج ورافضين البرلمان وحكومته وهو ما يصب في مصلحة حكومة التوافق التي تبحث بقوة عن داعم في الشرق بعد مساومة البرلمان لها طويلا حتى يمنحها الثقة (أزمة البرلمان مع حكومة السراج في بعض الحقائب الوزارية وعلى رأسها وزارة الدفاع التي أرادوها لحفتر لكنها ذهبت للمهدي البرغثي الذي انفصل عن مشروع حفتر مؤخرا).

ثالثاً: زيارة السيسي:

خلال رحلات الحكومة المكوكية المتعددة والتي لم تتجاوز خلال الشهرين الماضيين ثلاث دول: مصر وقطر وتونس، حطت الرحال في القاهرة لأول مرة للمجلس الرئاسي كاملا باستثناء 3 أعضاء (علي القطراني “مقاطع” محمد عماري وأحمد حمزة “محسوبان على التيار الإسلامي) وباستثناء السراج نفسه الذي زار القاهرة مرتين في ديسمبر العام الماضي(11).

المعلن من الزيارات قرارت أغلبها مجرد مجاملات من الطرفين، فالجانب الليبي، أكد أن “اللقاء تناول آخر التطورات على الساحة الليبية، والجهود المبذولة من أجل استكمال التوافق الليبي، وقد تم التأكيد على أهمية العمل على تحقيق التوافق، عبر قيام مجلس النواب باعتماد الحكومة في أقرب وقت، وذلك حتى يتسنى للشعب البدء في إعادة بناء بلاده وإعمارها، إلى جانب التركيز على محاربة الإرهاب، بما في ذلك تنظيم داعش”.

أما الجانب المصري، فقد أكد مواصلة مصر دعمها للمجلس الرئاسي، والمؤسسات الليبية، ومن بينها الجيش الوطني (نظام السيسي يقصد هنا القوات التي يقودها حفتر)”، مشيرا إلى “أهمية الحفاظ على تلك المؤسسات، بما يمكّنها من بسط سيطرتها على كامل الأراضي، واستعادة الأمن في البلاد، ومكافحة الإرهاب”.

ووفق بيان مشترك، جدد السيسي مطالبته بضرورة رفع الحظر المفروض على توريد السلاح لما أسماه الجيش الليبي (دون أن يحدد طبعا أي جيش يقصد لكن المعروف دعمه وتبنيه لمشروع حفتر) حتى “يتمكن من أداء مهامه الأمنية على الوجه الأكمل”، معبرا عن “إيمان مصر بحتمية الحل السياسي للأزمة”، وهو ما رد عليه السراج باعتزام حكومته مواجهة التنظيمات الإرهابية المتواجدة في البلاد، مؤكدا “حرصها على تعزيز مفهوم الدولة، والحفاظ على سلامة النسيج الوطني، والتعاون مع دول الجوار؛ لدحر الإرهاب”(12).

وفي حوار مع أحمد معيتيق – نائب رئيس الحكومة، أكد أن اللقاء مع الجانب المصري تناول الوضع العام فى المنطقة، والاتفاق السياسى ومراحل تنفيذه، موضحا أن السيسي “أبدى تأييده ودعمه هذا الاتفاق، كما تطرق الحديث إلى محاور الاتفاق، وكيفية تجميع كل الأطراف الليبية، خاصة التى خارج الاتفاق السياسى وليست لها أعداد كبيرة، وقد أبدت القيادة المصرية استعدادها لدعم هذه الأطراف، حتى يتم الوصول لمرحلة الوفاق الكامل بين الأطراف الليبية”(13).

وأوضح معيتيق (وهو رجل أعمال من مدينة مصراتة ترشح لرئاسة الحكومة من قبل) أن التعاون بين الأجهزة الأمنية فى مصر وليبيا مصيرى للدولتين، وأنه بهذا التعاون المشترك بين القيادة فى الدولتين والحكومتين، ستكون النتائج مثمرة”(14).

أحمد معيتيق تحفظ في حواره عن ذكر حفتر ومشروعه الانقلابي أو مستقبله، حيث أن الأخير هو العائق الأكبر أمام حكومة التوافق (وقد أكدت مصادر برلمانية أن حفتر هو من يمنع عقد جلسة منح الثقة للحكومة وأنه هدد بعض النواب بالفعل من عقد الجلسة) وهو سؤال كبير ذو إشكاليات متعددة حول مصير حفتر.

وهو يعلمون جيدا أن السيسي – الداعم الأول والأقوى لمشروع حفتر سواء بالسلاح أو سياسيا– وهو الوحيد الذي يستطيع  إقناع حفتر بترك المشهد حال اتفقوا على ذلك (أكد إبراهيم الغرياني – عضو مؤتمر وطني مستقيل من بنغازي أن زيارة السراج للقاهرة تأتي على خلفية ادراك السراج للدور المؤثر للقاهرة على المشهد في ليبيا وعلاقة السيسي القويه بالفريق حفتر) (15).

ودلالة التوقيت تكمن في منح فرصة أخيرة لعقيلة صالح رئيس مجلس النواب وأنصاره، المقيمين في القاهرة، لعقد جلسة لإنهاء معضلة شرعية الحكومة، وهنا أيضا تكمن دلالة المكان “القاهرة” حيث أن السيسي أيضا رافد هام لعقيلة ومجموعته ولن يقنعه بعقد جلسة وإنهاء الأزمة إلا الجانب المصري.

مصر أيضا كانت محطة مهمة لخليفة حفتر لإطلاع مموليه وداعميه من نظام السيسي على آخر تطورات عمليته العسكرية والحديث معهم حول مستقبله وأين سيكون في المشهد الراهن؟. لكن الاجابة جاءت على لسان أحمد معيتيق، عند سؤاله: هل سيكون حفتر ضمن المنظومة الأمنية المستقبلية؟ أجاب: نحن نبتعد عن تشخيص الحالة، فالتشخيص لا يجدى، نحن كلنا ذاهبون وسيبقى الوطن(16).

وتجنب معيتيق التلفظ باسم “حفتر” وهو ما يعني حسم الأمر أن الجنرال الانقلابي لن يكن له أي دور في المستقبل، بل ربما سيخضع لمحاكمة لما سببته القوات التابعة له من عمليات خطف وقتل وتدمير للمنازل خاصة في مدينة بنغازي، ناهيك عن الاتهامات بالفساد والاختلاس(17).

وبالنظر إلى تعامل مصر مع الملف الليبي، نجد أنه سار على مستويين متوازيين، الأول: المسار الدبلوماسي المعلن، والثاني: المسار السري والذي يكمن في دعم حفتر. ففي حين ترى مصر أن الإجراءات الأمنية التي تتخذها على حدودها مع ليبيا ضرورية لحماية الأمن المصري، إلا أن إضفاء طابع السرية على العمليات العسكرية، إضافة إلى دعم مصر للجنرال حفتر، قد يؤدى إلى نشوب خلاف إذا ما قررت القوى الغربية شن غارت جوية ضد معاقل تنظيم «داعش» في ليبيا. ومن ثم فإن فشل مصر في التنسيق مع الجهات الدولية سيجعل تحقيق الاستقرار في ليبيا بعيد المنال(18).

رابعاً: معركة سرت ودور حفتر:

الملف الأمني في ليبيا معقد جدا والوصول إلى تفاصيله وتداعياته وأبعاده عسير وشائك، لكن أبرز وآخر تطوراته في الداخل هو انطلاق عميلة عسكرية واسعة لتحرير مدينة سرت الواقعة بين طرابلس وبنغازي من توغل قوات داعش وتمركزهم فيها، وهي عملية جاءت بتكليف من المجلس الرئاسي لقوات من مدينة مصراتة بالتعاون مع بعض القوات من مدن أخرى مثل زليتن وجنزور لدحر التنظيم، وأطلق على العملية اسم “البنيان المرصوص”(19).

وتوغل تنظيم «داعش» بالفعل في المنطقة ولم يكتف بسرت بل هاجم بوابة السدادة (مكان شرق مدينة مصراتة) وقتل بعض القوات المتمركزة هناك، لكن القوات التابعة لمدينة مصراتة سيطرت على الوضع وتصدت للهجوم(20).

خامساً: حدود الأزمة:

الأزمة ليست في مواجهة التنظيم رغم أنها مواجهة صعبة ومعقدة كون الأخير يعتبرها معركته الأخيرة بعدما تم محاصرته في منطقة واحدة، لكن الأزمة الحقيقية تكمن في وجود ودور خليفة حفتر خاصة أنه فشل من قبل في مواجهة داعش في درنة (مدينة جبلية تقع على ساحل البحر المتوسط في شمال شرق ليبيا)، والخوف من الصدام الذي قد يتسبب فيه حفتر بين قواته وقوات عملية البنيان المرصوص، حيث يخشي حفتر من انتصار الأخير ونسبة الانتصار لقوات المنطقة الغربية ومن ثم يخرج هو من دائرة النفوذ التي يرسمها دائما حول قواته.

وحول مصير حفتر من عملية سرت (التى تعد من أكبر العمليات العسكرية التي تخوضها الدولة ضد تنظيم داعش) والتصرف حيال محاولته عرقلة العملية أو التداخل على خط المواجهة، يقول مسؤول عسكري في رئاسة الأركان الليبية: “حفتر سُتطبق عليه المادة الثامنة من الاتفاق السياسى وهى إقصاءه لأنه يجب أن تكون العمليات العسكرية تحت قيادة واحدة وهو شخصية لا يمكن التوافق عليه كى يشارك فى معركة سرت، فليس من الحكمة والعقل أن تضع قوات فى حالة عداء (يقصد قوات حفتر وقوات مصراتة) فى جبهة واحدة فهذا لن يخدم الحرب ضد “داعش”.

وأضاف: “على المجلس الرئاسى والمجتمع الدولى عبر مجلس الأمن أن يطبق علية العقوبات وإيقافه خصوصا أن العالم الآن يعلم من هى القوة القادرة على مواجهة “داعش” وهى القوة الموجودة فى غرب البلاد ويريد العالم دعمها وتسليحها”(21).

وفي هذا السياق تأتي أهمية تصريحات الناطق باسم الغرفة الأمنية المشتركة في مصراتة، العميد محمد العسري بقوله: “نحن مستعدون ونجهز للترتيبات الأمنية للهجوم على داعش في سرت ونحتاج إلى دعم لوجيستي من المجتمع الدولي، كما نحتاج إلى أسلحة وذخائر. سواء تم دعمنا من المجتمع الدولي أم لا سوف نكون هناك عما قريب، لن نقف ونشاهد”(22).

وحول احتمالات حدوث تعاون بين حفتر وتنظيم “داعش” ضد قوات المنطقة الغربية، فهناك ما يشير بل ويؤكد حدوث مثل هذا التعاون بالفعل، ويستندون في ذلك إلى أن حفتر كان يسمح بتدفق السلاح إلى خليج “الخبطة” بمنطقة “الفتايح” التى تتمركز فيها “داعش” قبل انتقاله إلى سرت ولم يقم حفتر بقصفها رغم قدرته على ذلك، كذلك لم يقصف تمركزات التنظيم بمدينة درنة وهى معسكرات مكشوفة يسهل استهدافها بالطيران، بل إنه كان يقصف القوة المشتركة “مجموعات ثورية” التى كانت تحارب “داعش”. وسمح حفتر بمرور العناصر التابعة لداعش بالانسحاب من درنة ومرورهم على خمس تمركزات عسكرية تابعة له ولم يواجههم وقوام هذه العناصر أكثر من سبعين عربة مسلحة بصحراء مكشوفة لمسافه أكثر من 800 كم.

والنقطة الأهم هي الحلقة المشتركة بين حفتر وداعش، وهى الكتائب الأمنية وبعض ضباط النظام السابق المشتركين مع حفتر والدواعش بتمويل بقايا النظام السابق بالأموال والسلاح ونوعيته التى وجدت مع الدواعش والتى هى نفس نوعية الأسلحة التى يتم دعم حفتر بها مما يؤكد أن السلاح الذى يدعم به حفتر يصل إلى “الدواعش”(23).

خلاصة:

في إطار الاعتبارات السابقة، يمكن الوقوف على عدد من الخلاصات الأساسية:

1ـ ربما يستمر التناحر السياسي بوجود ثلاث حكومات تتشارك الدور التنفيذي تناصر كلا منها مجموعات مسلحة، وإن كانت حكومة التوافق الوطني أكثرهم قوة وتماسكا وسيطرة حاليا بفضل الظهير الدولي المستمر في دعمها سياسيا ولوجستيا، وكونها بدأت تشكل معها قوة فاعلة لتكون ظهيرا داخليا للحكومة، وهذا ربما يجعلها في القريب العاجل هي الوحيدة والمسيطرة.

2ـ أن هناك تراجعاً في التأثير العسكري للواء حفتر، وأنه الآن يقاتل فقط من أجل الوجود والمساومة والضغط، لكن بعد معركة سرت وعملية البنيان المرصوص انكشفت أوراقه، في ظل حالة العزوف عنه وعن مشروعه حتى من قبل أقوى الداعمين له.

3ـ هناك خطوات جادة للبدء في مصالحة وطنية شاملة تتزامن مع تحقيق العدالة الانتقالية ورفع الغطاء الاجتماعي من جانب القبيلة (وهي فاعل هام الآن) عن كل من يعرقل الحل السلمي أو يقف حجر عثرة أمام استقرار البلاد وحتى القبائل التي أقحمت نفسها في مخاض السياسة ووضعت نفسها في خندق فصيل بعينه تنأى الآن بنفسها عن التصنيف أو أنها تحسب على منطقة بعينها.

————————-

الهامش

(1) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية”.

(2) وكالة أنباء التضامن (SNA) “وكالة أخبار ليبية”، بتاريخ 10 مايو 2016.

(3) موقع الجزيرة نت، بتاريخ 30 مارس 2016.

(4) وكالة الأنباء الكويتية “كونا”، بتاريخ السبت 14 مايو 2016.

(5) موقع الجزيرة نت، بتاريخ 23 أغسطس 2014، تقرير حول عملية الكرامة ونتائجها.

(6) المركز الاعلامي لعملية البنيان المرصوص

(7) مجلة المختار العربي، بتاريخ 3 مايو 2016، تقرير حول مؤتمر الدوحة للمصالحة الشعبية في ليبيا”.

(8) صحيفة الشرق السعودية، العدد رقم (١٢١٤) صفحة (١٤) بتاريخ (٠١-٠٤-٢٠١٥).

(9) مصادر عسكرية في طرابلس صرحت بذلك بصورة خاصة للباحث كونها أحد المشاركين في عملية إجباره على الاستقالة

(10) صحيفة العربي الجديد، بتاريخ الجمعة 23 أبريل 2016.

(11) التلفزيون العربي، برنامج العربي اليوم بتاريخ 30 يناير 2016 ، تقرير تناول سر زيارات السراج إلى السيسي

(12) موقع عربي 21 بتاريخ 8 مايو 2016.

(13) حوار اليوم السابع مع أحمد معيتيق النائب الأول لرئيس المجلس الرئاسي الليبي، بتاريخ الاثنين 9 مايو 2016.

(14) المصدر السابق.

(15) صحيفة ليبيا المستقبل، تقرير بعنوان “السراج في القاهرة: بحث عن تأييد إقليمي أم ضغط على حفتر؟” بتاريخ 8 مايو 2016.

(16) حوار معيتيق مع اليوم السابع، مصدر سابق

(17) تصريحات الرائد محمد الحجازي، المتحث باسم قوات الكرامة الذي اتهم فيها حفتر وأبناءَه باستغلال نفوذهم في اختلاس الأموال العامة، موقع العربية نت، بتاريخ 23 يناير 2016.

(18) المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية، نقلا عن منشورات معهد واشنطن، 15 إبريل 2016.

(19) قوات عملية البنيان المرصوص هم ضباط جيش وتشكيلات ثوار تابعين للمنطقة الغربية وتتلقى أوامرها من غرفة العمليات الخاصة بالمنطقة الغربية مع غطاء جوى من الكلية الجوية مصراتة ومهمتها تتلخص في التخلص ودحر كل قوات داعش المتمركزة في مدينة سرت بعد هروبهم من درنة، أنظر: المركز الإعلامي لعملية البنيان المرصوص على موقع التواصل الاجتماعي “FACBOOK”.

(20) صحيفة الوسط الليبية، بتاريخ 12 مايو 2016.

(21) تصريحات خاصة من مصادر عسكرية في طرابلس للكاتب.

(22) جريدة «الخليج» الإماراتية

(23) حوار خاص بالباحث مع العقيد عادل عبد الكافي، طيار حربي برئاسة الأركان الليبية بطرابلس.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close