fbpx
تقارير

ليبيا: بين تسريبات حفتر والضربات الأميركية

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

 

تمهيد:

تطور المشهد الليبي تطوراً سريعا خلال الأسابيع القليلة الماضية، سلبا وإيجابا، بداية بتسريبات من قاعدة بنينا الجوية عن تعاون خليفة حفتر مع قوات أميركية وبريطانية لقتال المجموعات المسلحة التابعة لمجلس شورى بنغازي(1)، وختاما بالضربات الجوية الأميركية لمعاقل تنظيم الدولة في مدينة سرت، ناهيك عن تطورات ميدانية وسياسية تمثلت في تقدم القوات المقاتلة لـ”داعش” سرت، وانتقال المجلس الرئاسي بقيادة فائز السراج إلى مقر الحكومة في العاصمة طرابلس(2).

أولاً: حكومة الوفاق:

مثل استلام حكومة الوفاق الوطني مقر رئاسة الوزراء في العاصمة طرابلس خطوة عملية وإجراء فعلي لتعزيز شرعيتها وممارسة مهام تنفيذية حقيقية بعد نحو مائة يوم من تواجدها داخل القاعدة البحرية في العاصمة بعد دخولها عبر تونس.

وأكد هذه البداية الفعلية ما صرح به نائب رئيس الوزراء موسى الكوني بقوله إن “البداية الفعلية لعمل الحكومة تنطلق اليوم”، مضيفا “كنا مكبلين في السابق واليوم أصبحنا قادرين على إدارة شؤون الدولة”(3).

وكما اعتبر دخول حكومة التوافق الوطني إلى العاصمة طرابلس خطوة مفاجئة أربكت حسابات الجميع (4)، يعد استلام المقار الرسمية خطوة لا تقل إرباكا عن سابقتها كونها تؤكد إصرار الحكومة المدعومة دوليا على ممارسة المهام دون نظر إلى أي تشجنات سياسية شرقا او غربا ناهيك عن التهديدات المسلحة التي تتلقاها الحكومة مباشرة أو عبر وسيط.

وسرعان ما انتقلت حالة الإرباك إلى المنطقة الشرقية وخاصة مدينة البيضاء حيث مقر حكومة عبد الله الثني التي كانت تعتبر نفسها الممثل الشرعي الوحيد للدولة الليبية (والمفترض –حسب نص الاتفاق السياسي – أن تشكيل حكومة التوافق ألغى أي جسم تنفيذي آخر) (5).

وليس المكسب من استلام المقرات الرسمية سياسي وفقط، بل لوجستيا واقتصاديا أيضا حيث تشجع هذه الخطوة الحكومة في إمتلاك أدوات القوة لفتح بعض حقول النفط المغلقة منذ فترة وإعادة تصدير النفط مرة أخرى بعدما أجبرت الحكومة –عبر ممارستها وسيطرتها-الكثير من الدول على التعامل معها وفقط كونها الممثل لاشرعي الوحيد للدولة الليبية. (موسى الكوني أكد خلال استلام مقر الحكومة أن من اولويات الحكومة فتح بعض الحقول النفطية وإعادة التصدير) (6).

والحكومة الجديدة في حاجة ماسة إلى موارد لضخ أموال في المصرف المركزي حتى يتسنى لها توفير احتياجات المواطن بعدما خرجت ضدها مظاهرات في الفترة الماضية تطالبها بتحسين الظروف المعيشية وتوفير السيولة، وكون النفط هو المصدر الرئيسي للدخل القومي فإن حكومة الوفاق تعطي له أولوية وأهمية، خاصة وأنه تضرر كثيرا جراء تكرار هجمات المسلحين، وإغلاق خطوط الأنابيب، وموانئ النفط، من جانب فصائل مسلحة.

وفي مطلع يوليو 2016، تم الإعلان عن اندماج المؤسسة الوطنية الليبية للنفط مع منافستها في شرق البلاد في مؤسسة واحدة، في خطوة ستساهم في تعافي قطاع النفط في البلد العضو في منظمة “أوبك”. وتأكيدًا لهذه الأهمية للحكومة الجديدة، دخلت الأمم المتحدة على خط دعم وتصحيح الوضع الاقتصادي بزيادة إعادة إنتاج النفط، وقال مندوب الأمم المتحدة لدى ليبيا، مارتن كوبلر، إنه يعمل مع جهات في ليبيا لتأمين زيادة إنتاج النفط، على حد سواء في الشرق والغرب.. لأجل زيادة إنتاج النفط والحصول على مزيد من المال الذي سيذهب إلى خزائن مصرف ليبيا المركزي”(7).

البنيان المرصوص.. تطورات ميدانية:

ميدانيا.. استطاعت قوات عملية البنيان المرصوص (عملية عسكرية أطلقتها حكومة الوفاق الوطني لقتال عناصر “داعش” المتمركزة في مدينة سرت والهاربة من مدينة درنة) دحر عناصر داعش وحصارها في مناطق متفرقة من مدينة سرت بعد فرار الكثير ومقتل آخرين.

ويتوزع عناصر التنظيم بين هارب وقتيل وأسير، ووصل عدد القتلى حتى الآن ما يقارب 400 قتيل حسب المصادر الرسمية، لكن مصدر إعلامي قريب ومشارك في عملية البنيان المرصوص قال إن قتلى التنظيم وصل إلى 500 أو أكثر(8).

وذكر المركز الإعلامي للعملية أن سلاح الجو التابع لغرفة عمليات البنيان المرصوص استهدف مواقع “داعش” في مجمع قاعات واغادوغو ومدرسة شهداء تاقرفت بالحي رقم اثنين ومحيط الميناء وجامعة سرت، وتمكن خلالها من تدمير عدد من الآليات وقتل العشر بينهم قياديون في التنظيم(9).

خريطة (1) توضح المناطق التي سيطرت عليه قوات البنيان المرصوص في مدينة سرت.

وسياسيا.. أثير حول العملية بعض التكهنات عن وجود بعض المتمردين أو المعارضين لتعاطي حكومة الوفاق مع الحدث كونهم يرونها لم تقدم حتى الآن الدعم الكافي للقوات المقاتلة في سرت، حتى وصل الأمر إلى اعتراض البعض على زيارات أي ممثل لحكومة السراج إلى أرض القتال، في حين عبر البعض عن كونهم الفاعلين الرئيسيين في العملية العسكرية فإنهم لايرون للحكومة أي دور في الدعم وانه ربما يتراجعون في أي وقت حال تأخر الدعم.

وجاء الرد سريعا من الحكومة لنفي وتفنيد بل ورفض هذه التكهنات كون الحكومة في حالة متابعة لحظية للتحركات العسكرية وأنها لن تقبل الرجوع للخلف خطوة واحدة، وعلى إثر هذه الشائعات التي ترددت على لسان بعض المشاركين في العملية، قرر رئيس المجلس الرئاسي للحكومة، فتح ساحات علاجية جديدة لعلاج الجرحى خاصة في عدة دول أوروبية، وتقديم أنواط وأوسمة لكل أرواح الشهداء والجرحى في عملية تحرير ‏سرت، والعمل كذلك على تأهل المستشفيات القريبة من مناطق العمليات العسكرية وتسييل المبالغ المالية اللازمة لاستكمال صيانة مستشفى ‏مصراتة المركزي ‏ليبيا(10).

البعض اعتبر هذه القرارات مجرد رد فعل وتخوف من قبل الحكومة على وجود حالة تمرد داخل صفوف المقاتلين، لكن المشاركين في المعركة وبعض القيادات اوضحوا تفهمهم للحالة التي تمر بها البلاد اقتصاديا وأمنيا وان الحكومة معذورة في بعض التصرفات رافضين ما وصفه البعض بوجود حالة تمرد(11).

(أكد علي كشودة من المكتب الإعلامي للعملية للباحث أن هناك حالة غضب من بعض القوات فعلا وهذا ظاهر حتى في المقابلات الصحفية لبعضهم لكنه ليس تمردا بالطبع، لكنه غضب منبعه شعور بالخذلان من المجتمع الدولي الذي وعد بإمكانيات متطورة ولم تصل). (في المقابل، قال محمد الطويل طبيب في المستشفى الميداني للعملية أنها مجرد إشاعات يبثها مغرضون، تصريحات خاصة للكاتب).

الضربات الأميركية:

قام سلاح الجو الأميركي يوم الإثنين الموافق 1 أغسطس 2016 بقصف مواقع تابعة لتنظيم لتنظيم الدولة في سرت، بعدما طلبت غرفة العمليات الخاصة (غرفة تابعة لحومة الوفاق تدير العملية العسكرية في سرت) من المجلس الرئاسي تقديم طلب للمساعدة الأميركية في ضرب معاقل داعش بعدما اشتدت المعركة، واستجابة لطلب من الحكومة الليبية نفذت الطائرات الأميركية ضربات جوية لمعاقل التنظيم الإرهابي أسفرت عن بعض الخسائر.

وقال رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج: “بالفعل فقد بدأت أولى هذه الضربات علي مواقع محددة في مدينة سرت محدثة خسائر فادحة في صفوف العدو وآلياته”(12).

وتعاطى الليبيون مع هذه الضربات سلبا وإيجابا، فالبعض اعتبرها خطوة هامة لحسم المعركة ضد تنظيم الدولة، واعتبرها آخرون تدخلا سافرا من قبل الولايات المتحدة في ليبيا وأنه ضد سيادة الدولة وانه سيفتح الباب كثيرا لاستهداف أي مجموعة مسلحة حتى ولو كانت من الثوار.

الأكثر غرابة في الأمر، هو ترحيب النظام المصري بهذه الضربات ودعمها لها، بل تأكيده على انه على علم بها، وهو ما قاله السفير أحمد ابو زيد، المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية: “إن مصر على علم بالضربات التى قامت بها القوات الجوية الأمريكة في ليبيا، مشيرا إلى أنها تمت بالتوافق مع حكومة الوفاق الليبية، مؤكدا أن مصر تدعم هذه الضربات”(13).

أين ستذهب “داعش”؟

السؤال الأهم الآن لعملية البنيان المرصوص والفاعلين الرئيسيين فيها ومن يدير دفتها هو: أين سيذهب مقاتلو “داعش” بعد فرارهم من سرت؟.. مصادر داخل العملية تؤكد أنهم لن يتركوا لهم فرصة الهرب أصلا وأن أسرهم أو قتلهم هو الحل الناجع والوحيد، لكن تخمينات أخرى رأت أن الفرار إلى الجنوب هو الممر الوحيد لـ”داعش” حال انهيارهم أمام قوات البنيان المرصوص، ومن ثم ترتيب صفوفهم والقتال من جديد ضد الدولة الليبية، بينما تحليلات ثالثة رأت أن الفرار إلى تونس سيكون مصير مقاتلي داعش حال نجاحهم في الوصول إلى الجنوب. (أغلب من تم القبض عليهم من قبل قوات البنيان المرصوص اعترفوا أنهم “توانسة”)(14).

وفي حال تحقق تخمين الهروب إلى الجنوب، فإنه من المرجح أن تكون المنطقة الرخوة في الجنوب الغربي من الصحراء الليبية المحاذية لحدود النيجر والجزائر والقريبة من شمالي مالي ملاذا آمنا للعناصر الفارة من معركة سرت وهنا سيكون التواصل مع جماعات قريبة الفكر من “داعش” سهلا، ومنها جماعة “بوكو حرام” في نيجيريا، وتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وحركة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا.

وفي رؤية مغايرة لما سبق، ترى الكاتبة الأميركية المختصة في الجماعات المسلحة اميلي استيل، أنه من الخطأ الاعتقاد أن القضاء على تنظيم الدولة في سرت سيضع حدا لتهديده في الشمال الإفريقي، لأن “سرت ليست بهذه الأهمية للتنظيم، وهي مدينة صغيرة يمكن للتنظيم أن يتخلى عنها دون ندم، وأن هناك مصادر تفيد أن التنظيم كان يستعد منذ شهر أبريل للانسحاب من سرت، وحضر ملاذا آمنا جديدا جنوب غربي ليبيا”(15).

وتواصل استيل ان “التنظيم يعمل على التأسيس لنفسه قاعدة أخرى في الصحراء الليبية، تتقاطع فيها طرق التهريب والتجارة غير المشروعة الرابطة بين جميع أنحاء القارة الإفريقية، ولجنوب غرب ليبيا أهمية إستراتيجية أكبر بسبب هذا الأمر، فقد يستفيد التنظيم من هذه الطرقات ويمكنه أن يندمج في شبكات المتشددين في جميع أنحاء غرب أفريقيا”(16).

وبالتالي في ظل غياب حاضنة قبلية أو مناطقية للتنظيم سيكون من السهل حصارهم واعتقال أغلبهم وسيكون الفرار أو الاختباء أمراً يواجه العديد من الصعوبات، كون المجتمع الليبي يرفضهم من ناحية، ويعرف بعضه البعض من ناحية أخرى ومن ثم ستقوم القبيلة برفع الغطاء الإجتماعي عن أبنائها المنضمين إلى التنظيم.

تسريبات حفتر

المتتبع بدقة إلى المشهد العسكري الميداني في المنطقة الشرقية يتأكد أن خليفة حفتر أصبح في حالة تقهقهر وتراجع واضحين، بل وأصبح محاصرا في مدينة المرج (مقر إقامته وأبناء عمومته)، ويظل التخبط هو سمة خط سير عملية الكرامة التي تنصل منها أقرب الداعمين لها سواء في الداخل الليبي أو القوى الدولية غير المعلنة أو الفاعلين الإقليميين.

وجاءت التسريبات الأخيرة من قاعدة بنينا الجوية والتي بثها بالصوت موقع “ميدل إيست آي” البريطاني لتؤكد مشاركة دول غربية في الغارات التي تقوم بها قوات عملية الكرامة (عملية عسكرية أطلقها حفتر في مارس 2014 بحجة محاربة الإرهاب) في الداخل الليبي. وأظهرت التسجيلات المسربة؛ مشاركة كلا من بريطانيا وفرنسا وأمريكا في شن غارات على ليبيا لدعم خليفة حفتر، وهو ما قد يتسبب في إحداث حرجا بالغا للدول المشاركة في الغارات، لأن حفتر يرفض حتى الآن دعم حكومة الوحدة الوطنية التي تساندها الأمم المتحدة.

وزود الموقع تقريره المنشور، الجمعة 8 يوليو الجاري، بتسجيلات طيارين في غرفة القيادة، وجاء فيه: “القوات الغربية الموجودة في ليبيا لا تقوم فقط بمهام المراقبة والاستطلاع، كما هو معلن في التصريحات الرسمية لتلك الدول، لكنها تشارك في تنسيق وتنفيذ الضربات الجوية إلى جانب قوات الجنرال خليفة حفتر لمساعدته في السيطرة على شرق ليبيا من الجماعات المتطرفة”.

وحمل أحد التسجيلات الصوتية عملية التنسيق لضربة جوية استمرت ساعة، ويمكن التمييز بوضوح بين أصوات الطيارين والمراقبين الجويين الذين يتحدثون بلهجات عربية وبريطانية وفرنسية وإيطالية وأمريكية، وظهر صوت طيار بريطاني بوضوح في أحد التسجيلات وهو يقول: “بنغازي، صباح الخير، اسكوت 9908، اسكوت 9908، نعلمكم بأننا على اتصال مع المجال الجوي في بنغازي”، وفي تسجيل صوتي آخر: “هنا اسكوت 9908 نحن في بنينا بالكامل ووجهتنا التالية هي ليما غولف سييرا الفا”(17).

وهذه المصطلحات توضح أن طيارين ناطقين باللغات الفرنسية والإيطالية هم من يوجهون الحركة الجوية من غرفة القيادة. واستخدم الأمريكيون إشارتين هما “برونكو71″ و”موستانج 99” وهي طرازات سيارات أمريكية كلاسيكية (18).

ورغم فداحة الأمر كون الدول التي تدعم حكومة الوفاق علناً تدعم حفتر، الرافض للحكومة سرا، إلا أنها لم تُقدم جديدا كون الدعم الخارجي سواء الدولي أو العربي هو من يدير عملية الكرامة وأن حفتر مجرد رمز ليبي للعملية، والنظام المصري والإماراتي على رأس الداعمين سواء مباشرة أو عبر الوسيط الأردني (مصادر عسكرية مطلعة اكدت لنا أن طائرات مصرية وإماراتية يتم إرسالها إلى الأردن ويتم طلاؤها بالعلم الليبي ثم ترسل إلى حفتر).

ومن ثم فإن هذه التسريبات لم تقدم جديدا لكنها كشفت أنظمة دولية متناقضة في مواقفها ومستمرة في تطبيق وتفعيل سياسة “الكيل بمكيالين”، وتسعى لاكتساب أوراق جديدة في الأزمة الليبية يمكنها بها مساومة الفاعلين الدوليين الآخرين، مثل روسيا، التي تم بالفعل استبعادها من الملف بشكل شبه نهائي بعد محاولات من قبل حكومة الثني (الحكومة الانتقالية السابقة لحكومة الوفاق الوطني والتي تدعي حتى الآن أنها شرعية ومقرها مدينة البيضاء في الشرق الليبي)، كما يمكن استغلال هذه التسريبات من قبل فاعليين إقليميين على رأسهم مصر للضغط على الدول المتورطة في عدم المساس بسياستها الداخلية الخاصة بالقمع وإنتهاك حقوق الإنسان.

وتؤكد هذه التسريبت ما ذكرته تقارير سابقة من وجود مركز للعمليات الدولية يساند اللواء خليفة حفتر في حملته التي تستهدف إحكام السيطرة على شرقي ليبيا وانتزع المنطقة بأسرها من جماعات كان قد اعتبر أنها “متطرفة”(19).

حفتر وزيارة مصر

قام حفتر بعدة زيارات للقاهرة التقى خلالها عددًا من المسؤولين المصريين الأمنيين إطلاعهم على آخر مجريات الأمور الميدانية وموقفه السياسي من حكومة الوفاق الوطني (زار مصر في 25 يونيو الماضي، لحقها بزيارة في 11 يوليو 2016، ثم زيارته الثالثة في 28 يوليو) وارتبطت الزيارات الثلاث بـبحث دعم علاقات التعاون بين مصر وليبيا، خاصة في مجال مواجهة التنظيمات المسلحة(20).

واللافت في هذه الزيارة أن السيسي لم يلتقي حفتر، بل ذكر بعض القريبين من حفتر أن السيسي أصبح لايراهن على حفتر كثيرا وانه بدأ في ممارسة بعض الضغوط حتى يقتنع الأخير بالحكومة الشرعية وأن يضمن له السيسي موضعا في المشهد الراهن، بعد استبعاده بنص الاتفاق السياسي الموقع في مدينة الصخيرات المغربية في 17 ديسمبر 2015، خاصة وأن الزيارة سبقتها بأيام قليلة زيارة للسراج التقى خلالها رئيس مجلس النواب المنحل عقيلة صالح برعاية مصرية لبحث أزمة الخلاف السياسي بينهما.

الجديد في هذه الزيارات وأبعادها هو غياب السيسي عنها جميعا، حيث كلف وزير خارجيته سامح شكري بإدارة الملف بعد تواتر أخبار عن بعض الضغوط الإقليمية على نظام السيسي لعدم الرهان على خليفة حفتر ودعم حكومة الوفاق الوطني المدعومة دوليا.

السلفيون والإخوان:

في رسالة لشيخ ما يعرف بالتيار “المدخلي”، الداعية السعودي ربيع مدخلي، نشرتها عدة شبكات “سلفية” حرّض فيها الأخير على قتال “الإخوان المسلمين” في ليبيا معتبرا إياهم أخطر الفِرق على الإسلام وأنهم أكذب الفرق بعد الروافض؛ عندهم وحدة أديان، ووحدة الوجود، وعندهم علمانية”، حسب الرسالة التي أضاف فيها: “قامت لهم دول في عدد من البلدان، فلم يطبقوا الشريعة الإسلامية لا في العقيدة، ولا في الحاكمية التي يدندنون حولها منذ نشأت دعوتهم، ويكفرون الحكام الذين لا يُحَكِّمُونَها”.

والغريب في رسالة المدخلي، المقيم في المدينة المنورة، أنها جاءت بعد عام ونصف من دعوته السلفيين في ليبيا أيضا، إلى اعتزال القتال مع أي طرف، كما هاجمت الرسالة المدخلية، المفتي الليبي الدكتور الصادق الغرياني، قائلا عنه: “هذا المعتز بسيد قطب والموجه للشباب إلى قراءة كتبه المليئة بالضلالات الكبرى، ومنها: طعنه في رسول الله وكليمه موسى عليه الصلاة والسلام وفي بعض الصحابة الكرام، والقول بوحدة الوجود، وتعطيل الصفات يهدد بنغازي بالحرب، وهو لا يحاربها إلا من أجل محاربة السلفيين، فعلى السلفيين أن يلتفوا لصدِّ عدوان الإخوان المفلسين، ولا يُمكِّنوا الإخوان من بنغازي”(21).

وبهذه الرسالة غريبة المحتوى والتوقيت يؤكد الشيخ السلفي تأييده لخليفة حفتر وما يفعله في الشرق الليبي معتبرا الإخوان (الذين لم يحملوا السلاح في ليبيا حتى الآن كتنظيم مستقل لكن بعض أفرادهم يشاركون في مجموعات ثورية مسلحة) هم أعداء السلفيين والدولة، وهي دعوة غريبة في توقيت حساس تعيش بلاد منقسمة على نفسها.

وبالنظر للداخل الليبي يوجد مناصرين للتيار المدخلي انقسموا خلال ثورة 17 فبراير – الثورة الليبية 2011 – منهم من شارك فيها وأغلبهم ناصر القذافي وبعضهم التزم حديث “الزم بيتك”، وبعد نجاح الثورة وإعلان التحرير كون مجموعة من المداخلة كتائب مسلحة مستغلين فترة انتشار السلاح وغياب الجيش والشرطة، وكتائبهم الموجودة في الشرق الليبي تقاتل الآن مع حفتر ومن أبرز قادة “المداخلة” في بنغازي، أشرف الميار، وهو قيادي في عملية الكرامة، ولديهم كتائب في الغرب الليبي لم تعلن أي موقف حتى الآن لكنها ربما لن تتردد لحظة في إعلان ولائها لحفتر عندما تكون الأمور ميسرة، كما يسيطر هذا التيار على وزارة الأوقاف في الشرق ويفرض على كل خطباء المساجد توجيه الناس للقتال مع قوات حفتر(22).

وفي تقرير مطول نشره “مركز مكافحة الإرهاب الأمريكي” عام 2006 للكاتبين جاريت براتشمن وويليام مكانتس، وتحت عنوان “خلق المزيد من التنافس في السوق السلفي” لتوضح الخطوات التي نصح باتباعها في ذلك التاريخ لدعم ربيع المدخلي من قبل الاستخبارات الأمريكية والاستخبارات السعودية، لتجنيد الشباب والهجوم على القيادات الجهادية والتسفيه من أفكار المنادين بمحاربة العدو، بل وصل الأمر إلى استخدام هؤلاء الشباب كجواسيس للحكومة السعودية وقتها للابلاغ عن زملائهم المنضمين للجهاد في أي بقعة والإبلاغ عن أي جهاديين يدخلون السعودية.

وتذكر بعض فقرات التقرير: “يجب على الولايات المتحدة أن تقدم الدعم بطرق حذرة وسرية للقادة الدينيين المسلمين والحركات الإسلامية الذين يمكنهم أن يتنافسوا مع الحركات الجهادية من ناحية جذب المسلمين إليهم، لكن الصعوبة تكمن في تحديد من هو القائد المناسب أو الجماعة المناسبة لتلقي الدعم، فالولايات المتحدة ممكن أن تدعم بطرق غير معلنة وسرية شخصيات سلفية بارزة، مثل ربيع المدخلي، والذي يعتبر- هو وغيره من المدعومين- فعالين جدا في استنزاف قدرات الجهاديين، وهم في الأصل لا يؤيدون العنف، والدعم يكون على هيئة دعم لمنشوراتهم ومحاضراتهم الفكرية وتأسيس مدارس جديدة لهم، هذه الأعمال سيكون لها تأثير جيد على المدى القريب، وسوف تقوي لاحقا عملية تجريد الفكر السلفي من جانبه الإنساني والذي تستمد منه الحركة الجهادية الكثير من أعمالها”(23).

وفي صفحة 13 من التقرير يذكر الكاتبين أمثلة نقد لاذع للمنظر الفلسطيني الأصل أبو قتادة وهو ينقد أمثاله من السلفيين وعلى رأسهم ربيع المدخلي والذي يسميه في مقالاته “بما يعرف بالسلفي” لأنه كما يقول أبو قتادة قد اعترض على الفكر الجهادي المتعلق بالقيادة والقادة (أي المتعلق بالجهاد ضدهم). وأضاف أبو قتادة بأنه قد فزع عندما رأى أن المدخلي قد نجح في خداع الشباب وإقناعهم باتباعه ومن ثم استخدامهم كجواسيس لصالح الحكومة السعودية حيث جندهم لكي يخبروا عن أي جهاديين يدخلون السعودية بطريقة غير شرعية.

ويعلق الكاتبين على نقد أبو قتادة بأن شعبية المدخلي نتجت عن الدعم الذي تلقاه من الحكومة السعودية، كما أنه وبعيدا عن الدعم السعودي الذي يتلقاه المدخلي، هنالك شيئين اثنين جعلوا الرجل مشهورا بين الشباب: الأول: أن المدخلي استخدم أشرطة تسجيل لكي ينشر فكره، والثاني أنه كان بارعا في تشويه سمعة منافسيه، خاصة الجهاديين الذي يسميهم دائما “القطبيين” نسبة لسيد قطب”(24).

خلاصة:

في إطار الاعتبارات السابقة، يمكن الوقوف على عدد من الخلاصات الأساسية:

1- حكومة الوفاق الوطني تتحكم في الأمور التنفيذية والعسكرية يوما بعد يوم، واستلام مقراتها في قلب العاصمة سيكون داعما لها لاستكمال هذه الخطوات الوثابة سياسياً وأمنياً، ويبقى لها خطوة السيطرة على كامل الحقول النفطية لإعادة التصدير وضخ أموال في خزانة المصرف المركزي للقضاء على أزمات غياب السيولة وتراجع قيمة الدينار.

2- ميدانياً: هناك تقدم كبير وملحوظ لقوات عملية البنيان المرصوص ضد مقاتلي “داعش” وفي حال توفير كامل الدعم اللوجستي والتسليحي ستحسم المعركة قريبا.

3- الجنرال خليفة حفتر في حالة خفوت وتراجع وربما يلجأ لحرب وهمية أخرى من أجل تبرير وجوده أو الضغط على الأطراف الدولية والإقليمية لاستعادته للمشهد والابقاء عليه وسيحسم هذا ما ستسفر عنه معارك بنغازي الحالية.

4- ظهور دعاة التيار المدخلي من أجل محاربة الفكر الوسطي المعتدل ومن ثم استنساخ حرب أخرى ستكون بديلا جاهزا حال فشل أبناء هذا التيار من حسم المعركة مع قائدهم “خليفة حفتر”، ويظل الرهان هنا على وعي المواطن الليبي(25).

————————

الهامش

(1) تقرير لموقع “ميدل إيست آي” البريطاني

(2) موقع ميدل ميدل ايست أونلاين، بتاريخ الاثنين 11 يوليو 2016.

(3) موقع روسيا اليوم، بتاريخ 12 يوليو 2016.

(4) المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية، بعنوان “ليبيا بعد حكومة السراج: تحديات ودلالات”، بتاريخ 28 مايو 2016.

(5) المصدر السابق نفسه.

(6) مؤتمر صحفي للمجلس الرئاسي الليبي في مقر الحكومة الرسمي بالعاصمة طرابلس، الاثنين 11 يوليو 2016.

(7) وكالة “نوفوستي” الروسية، لقاء مع مارتن كوبلر بتاريخ الأربعاء 13 يوليو 2016.

(8) مصدر بالمركز الإعلامي لعملية البنيان المرصوص، تصريح خاص للباحث.

(9) المركز الاعلامي لعملية البنيان المرصوص، الرابط

(10) المصدر السابق نفسه.

(11) قيادي ميداني في عملية البنيان المرصوص، في حديث خاص مع الباحث.

(12) بيان تلفزيوني لرئيس حكومة الوفاق الليبي فائز السراج، مساء يوم الإثنين الأول من أغسطس/ آب 2016.

(13) تصريحات للمتحدث باسم الخارجية المصرية، في برنامج “هنا العاصمة” بتاريخ 1 أغسطس 2016.

(14) مصادر خاصة للباحث تابعة لقوات حكومة الوفاق.

(15) تقرير اميلي استيل، قناة فوكس نيوز وموقع ميدل ايست أونلاين.

(16) المصدر السابق نفسه.

(17) موقع (www.middleeasteye.net) البريطاني

(18) المصدر السابق، وللاستماع للتسجيلات والاطلاع على تفاصيل أكثر باللغة الانجليزية عبر الرابط التالي.

(19) موقع عربي 21

(20) مصر: تطوات المشهد العسكري، المعهد المصري للدراسات السياسية، بتاريخ 4 أغسطس/ آب 2016.

(21) موقع عربي 21.

(22) مصادر خاصة للباحث وباحثيين ليبيين من الشرق.

(23) جزء مقتبس من تقرير نشره مركز مكافحة الإرهاب الأمريكي عام 2006 للكاتبين جاريت براتشمن وويليام مكانتس، وجاءت هذه الفقرة تحت عنوان “خلق المزيد من التنافس في السوق السلفي”.

(24) المصدر السابق، صفحة 13 و14.

(25) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية”.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close