fbpx
تقارير

ليبيا: مجلس أعلى للثوار وزيارات حفتر لروسيا

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

 

تمهيد:

شهد المشهد الداخلي في ليبيا مزيدًا من الضبابية والتعقيد، بعدما تداخلت عدة أطراف في إدارة المرحلة، وزاد عدد الكيانات القائمة والمتناحرة فيما بينها، حيث عاد رئيس حكومة الإنقاذ السابق عمر الحاسي بأطروحة جديدة تحت مسمى “مجلس أعلى للثوار”، بهدف محاسبة القائمين حاليًا على تقصيرهم في إدارة الدفة، ويعلن بعدها حكومتي الثني والغويل عن فكرة دمج الحكومتين في حكومة واحدة تكون هي الشرعية التنفيذية الوحيدة في البلاد، في خطوة إسقاط حكومة الوفاق الوطني الغير حاصلة على ثقة البرلمان حتى الآن.

ساهم في زيادة ضبابية المشهد، ما قامت به قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر بالسيطرة على مناطق جديدة في الشرق الليبي، مع استمرار سيطرته على القرار في الموانئ النفطية، ليكسب الجنرال الطامح لحكم البلاد ورقة جديدة لفرض نفسه على المشهد، ودعم هذا التقدم بزيارة إلى روسيا نكاية في الاميركان والأوروبيين الذي أبدوا ابتعادا عن مشروعه لفشله في الحسم، حسب رؤيتهم.

تزامنت كل هذه الأحداث مع قرب إنتهاء المهلة المقررة لتطبيق الاتفاق السياسيي الليبي الموقع بين أطراف الصراع بمدينة الصخيرات المغربية، لتبدأ البلاد من نقطة الصفر في جولات جديدة للصراع أو الحوار أو التفاوض من أجل أرضية مشتركة، وسط مقترح من الشرق الليبي بمرحلة انتقالية يفرض فيها الحكم العسكري على البلاد بقيادة حفتر.

 

أولاً: المجلس الأعلى للثورة

تمخض المشهد الليبي الراهن في العاصمة طرابلس، عن مولد جسم جديد تحت مسمى “المجلس الأعلى للثورة”، ليساهم في إدارة المرحلة بل ومحاسبة القائمين على ما أسماه ملفات الفساد والفشل، حيث أعلن رئيس حكومة “الإنقاذ” السابق، عمر الحاسي، تشكيل المجلس الأعلى للثورة لمحاربة الجريمة السياسية، مساء الأربعاء 30 نوفمبر 2016 في العاصمة طرابلس، موضحاً خلال بيان تأسيسي أن المؤسسات المنبثقة عن الاتفاق السياسي الذي وقع في الصخيرات، تقف عاجزة اليوم عن تنفيذ الاتفاق، وأن المجلس سيعمل على تعديل الاتفاق السياسي، وأنهم سيعملون على احتواء جميع الأطراف السياسية، لإنقاذ البلاد وإنهاء جميع الحروب1.

وبحسب البيان التأسيسي للمجلس، سيجمد عمل الأحزاب السياسية إلى حين اعتماد الدستور، وحل جميع الكيانات الدينية، وتأسيس ميثاق ديني أساسه قول الحق، ويجمع الليبيين، أن المجلس سيسعى إلى العودة لدستور 1951، بعد إجراء بعض التعديلات عليه.

ولا تعد أطروحة الحاسي، الذي يعد رابع رئيس حكومة ليبية يعود للمشهد، جديدة في محتواها، فقد سبقه مفتي عام ليبيا الشيخ الصادق الغرياني، حيث أعلن في سبتمبر الماضي عن وجود وثيقة دستورية تدعو لتشكيل مجلس للأمة لقيادة البلاد، مطالبًا ثوار فبراير بدعم الوثيقة ومخرجاتها، كاشفًا أن “اجتماعات بعض الخيرين خلصت إلى وثيقة دستورية محكمة لتشكيل مجلس للأمة لقيادة البلاد تحفظ حقوق الثوار وتشكل حرس وطني وحكومة وعلى الثوار دعمها»، كما طالب القوى السياسية من أحزاب وكيانات والقبائل ومنظمات المجتمع المدني بدعمها2.

واشتملت وثيقة المفتي على عدة محاور ورؤى للخروج من أزمة تنافس الكيانات القائمة، وسميت بـ«وثيقة تأسيس واستقرار دولة ليبيا»، وحملت الوثيقة تشكيل «جسم تشريعي بديل» تحت اسم «مجلس الأمة» يتسلم السلطة من «المؤتمر الوطني العام»، لقيادة المرحلة الانتقالية، دون أن تكشف عن طريقة أو آلية تكوينه أو اختيار أعضائه، لكن الوثيقة وضحت مهام «مجلس الأمة»، ومنها: تعيين هيئة جديدة لصياغة مشروع الدستور، وإصدار قانون إنشاء محكمة دستورية جديدة وتكوين حرس وطني من الثوار يختص بحماية الدستور ونظام الحكم، وصد أي عمل عسكري يستهدف النظام الدستوري دون الحاجة لأمر بذلك، وتكوين الجيش والشرطة واستحداث منصب رئيس الدولة واختصاصاته وتشكيل الحكومة ومهامها، وقانون تنظيم العمل الإعلامي والقنوات الخاصة وقانون تجميد عمل الأحزاب وإعادة النظر في قانون العزل السياسي(3).

ورغم أن هذه الأطروحة، التي لم تعلن باقي تفاصيلها حتى الآن، تظل مجرد إلقاء حجر في مياه راكدة، إلا أنها قد تكون سببا في توسيع هوة الانقسام، خاصة في العاصمة المضطربة مؤخرا، وهو ما لخصه بعض المراقبين للشأن الليبي، في أن أطروحة “الحاسي” تعد هروب “نحو المجهول”، كون إعلان هذه الأجسام – بحسب عضو مجلس النواب الليبي، عبد السلام نصية –  الآن يعقد المشهد أكثر، ويسبب انقسامات وصراعات أخرى، فمن هم الثوار الآن، وكيف سيتم التوافق على المجلس الأعلى لهم بعد سنوات الاقتتال والتخوين والاتهامات؟، فأي جسم أو مجلس لا يدخل في مشروع الدولة هو محاولة لمزيد من الدمار والهروب نحو المجهول”.

لكن آخرون اعتبروها “خطوة للإصلاح”، كونها خطوة للاستعداد للطور الثاني من أطوار الحوار السياسي، خاصة بعدما طالبت دعوات محلية وإقلمية ودولية بضرورة إشراك القوى الموجودة على الأرض في الحوار السياسي، وخاصة أن المجلس الرئاسي وقف عاجزا أمام هذه القوى، وكونها أيضا خطوة سياسية وليست عسكرية لهذا لن يكون لها ذراع عسكري بمسمى جديد معلن”، وفق رأى عضو المؤتمر الوطني العام السابق، فوزي العقاب”(4).

ويظل الرهان هنا على نجاح الطرح الجديد من عدمه على موقف الفاعليين الحقيقيين في الداخل الليبي، وعلى رأسها المجموعات المسلحة في الغرب الليبي، والتي يروق لبعضها هذه الأجسام كونها تعد جزءا من تشكيلها، لكن ما سيقابل “مجلس الحاسي” هو التوقيت الخاطئ الذي قدم فيهن كون البلاد في حالة احتقان وتشويه لكل طرح، في ظل أصوات المعارك الدائرة في سرت ضد تنظيم الدولة، ما جعل الأطروحة رهن الحسم والتأييد من قبل الثوار، خاصة المسلحين منهم.

 

ثانياً: أزمة ثلاثية

وما يؤكد استمرار تشابك تعقد الأزمة، وجود ثلاث حكومات في البلاد، يعزف كل منها مقطوعة “الشرعية”، مستقويا ببعض القبائل والمناطق والتشكيلات العسكرية المؤيدة لهم، ففي الشرق الليبي لاتزال حكومة عبد الله الثني قائمة، هي غير معترف بها دوليا بعد توقيع اتفاق الصخيرات، لكنها تفرض نفسها بحكم دعمها لحفتر وتأييد مجلس النواب لها،مستندة على عدم شرعية حكومة الوفاق الوطني كونها لم تحصل على ثقة البرلمان، وعلى نفس المنوال، عادت حكومة الإنقاذ الوطني برئاسة خليفة الغويل والمشكلة من قبل المؤتمر الوطني العام إلى المشهد، واستطاعت السيطرة على قصور الضيافة في العاصمة طرابلس وطرد المجلس الأعلى للدولة المشكل بنص الاتفاق السياسي، مستندة على شرعية عسكرية تؤيدها، وكذلك إخفاق المجلس الرئاسي وحكومته، وأخيرا عدم اعترافها بالاتفاق السياسي ومخرجاته، ومن ثم تظل هي صاحبة الشرعية التنفيذية، حسب رؤيتها.

ومع الاثنين تتنازع حكومة الوفاق الوطني، والتي تستند فقط على اعتراف المجتمع الدولي بها، لكنها لا تعول على الداخل كثيرا برغم وجود مؤيدين لها وتيارات عسكرية تساندها، وساعدتها على دخول العاصمة طرابلس وممارسة مهامها حتى قبل أن تنال الثقة.

وأزمة هذه الثلاثية المتصارعة وصلت إلى مداها، بعدما قرر مجلس النواب الليبي والمؤتمر الوطني العام، تشكيل لجنة مشتركة لدراسة إمكانية دمج حكومتي الثني والغويل، بهدف إنشاء حكومة وحدة وطنية، في مواجهة حكومة الوفاق التي يترأسها فايز السراج، وهو ما يعد اختراقًا للأزمة السياسية التي تعصف في ليبيا، خاصة أنه انعقد في العاصمة طرابلس التي تدعي حكومة الوفاق السيطرة عليها، وهو ما أكده بيان صادر عن مجلس النواب، بأن هذا الأمر يأتي استكمالاً للحوار الليبي- الليبي الذي بدأ في مارس الماضي.

حيث تم تقسيم الحوار إلى ثلاثة مسارات المسار التشريعي والأمني العسكري والتنفيذي، وأن اللجنة المقترحة ستكون مهمتها تقديم الرأي القانوني والفني حول إمكانية دمج الحكومتين الليبية المؤقتة وحكومة الإنقاذ واقتراح الآلية للدمج، تتكون من 4 أعضاء مناصفة بين الحكومتين على أن تقدم اللجنة تقريرها إلى لجنة الحوار المكونة من وفدي مجلس النواب والمؤتمر الوطني العام بعد أسبوع من تاريخ التكليف”(5).

وفي حال استمرار، إخفاقات وضعف حكومة الوفاق الوطني وإنتهاء مهلة الاتفاق السياسي، ربما ينجح الدمج في كسب اعتراف دولي حقيقي أو على الأقل الضغط على المجتمع الدولي بفرض شخصيات معينة على الحكومة الجديدة، ومن ثم سيكون مصير المجلس الرئاسي على المحك.

 

ثالثاً: مصير الاتفاق:

في السابع عشر من كانون أول/ ديسمبر الجاري تنتهي المدة القانونية المقررة للاتفاق السياسي الليبي، بحسب نصوصه، ولم يطبق بنود الاتفاق خلال هذا العام ما جعل مخرجاته من “حكومة وفاق ومجلس أعلى للدولة”، وغيرها جزءا من الصراع وليست أدوات حل للأزمة الداخلية العاصفة، ورغم النجاح الظاهر لتطبيق بعض البنود من تشكيل مجلس أعلى وتشكيل حكومة، لكن هذا – عمليا – لم يقم بالدور المنصوص عليه في الاتفاق، ما جعل التكهن بسيناريوهات عدة بعد إنتهاء مدة الاتفاق.

وفي خطوة استباقية، حذر مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا “مارتن كوبلر” من انتهاء الأثر الدستوري لاتفاق الصخيرات، بنهاية العام الجاري، لكنه تراجع عن تصريحاته في محاولة إنقاذ المشروع الأممي، بقوله: “إن المدة التي حددها اتفاق الصخيرات للمجلس الرئاسي المقترح تبدأ بعد اعتماد الاتفاق من قبل مجلس النواب وليس قبل ذلك”، بمعنى أدق أنها لم تبدأ بعد، مؤكدا أن الحوار هو المخرج الوحيد للأزمة الليبية”(6).

وفي محاولات أخرى لإنقاذ الاتفاق، تسعى أطراف دولية وإقليمية للتواصل مع الداخل الليبي لاستئناف تطبيق الاتفاق أو حتى تعديله بما يتراءى لأطراف الحوار والفاعلين السياسيين في المشهد، فقد أعلن الرئيس التشادي إدريس ديبي، عن قرب زيارة وفد من اللجنة الخماسية التي شكلها الاتحاد الإفريقي لمتابعة الأزمة الليبية إلى ليبيا بالتنسيق الكامل مع المجلس الرئاسي خلال ديسمبر الجاري، لمناقشة إمكانية استئناف تطبيق الاتفاق السياسي، كما أعلنت البعثة الأممية لدى ليبيا قبولها إعادة فتح الاتفاق السياسي للتعديل عليه، ومن ثم ستكون هناك بعض السيناريوهات المطروحة، ومنها: القبول بمطالب تعديل الاتفاق السياسي بحذف المادة الثامنة منه والمتعلقة بمنصب القيادة العامة للجيش، وإعادة تشكيل المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق برئيس ونائبين، أو الدعوة إلى انتخابات برلمانية عاجلة في البلاد أو رئاسية، أو سيناريو الحسم العسكري”(7).

وأيا ما يكون السيناريو المتوقع، لكن مصير الاتفاق السياسي أصبح فعليا على المحك، بعد وجود ثلاث حكومات في البلاد، إثر عودة المؤتمر الوطني وحكومته “الإنقاذ” لممارسة مهامهما وإعلان عدم الالتزام ببنود الاتفاق ومخرجاته، بحسب بيان للنائب الأول لرئيس المؤتمر العام، بل وصل الأمر إلى تسمية الاتفاق بالمشروع “الإنقلابي”، وأنه برنامج سلطوي مدعوم من الغرب أفرز جماعة سياسية ثالثة تحاول السيطرة على الحكم وتتبنى قضية عيوب وأخطاء المؤتمر والبرلمان لتسبغ من خلالها الشرعية على نفسها، وأن “اتفاق الصخيرات، أجهض عملية حقيقية للتوافق بين الأطراف السياسية الحقيقية الفاعلة، وهو الحوار الليبي- الليبي، وهو من الناحية الدستورية والقانونية، يهين سيادة ليبيا، حيث يعتبر نكوصا عن ثورتها وانقلابا على دستورها ومؤسساتها السيادية، ويفرض الوصاية عليها، بحث تصريحات للمتحدث باسم المؤتمر الوطني العام عمر حميدان”(8).

ويظل تعديل الاتفاق وتشكيل حكومة جديدة، مطلب قوى سياسية فاعلة ولها كلمتها في الداخل الليبي وهو ما تغفله بعثة الأمم المتحدة، الراعية للمشروع. فسياسيو الغرب من مؤتمر وطني وملحقاته وتشكيلاته العسكرية يرفض الاتفاق ببنوده الحالية، وفي الشرق يرفضه حفتر وسياسيوه، وفي الجنوب أيضًا يطالب البعض بالتعديل، ليظل الرهان فقط على اتفاق وقعه سياسيون خارج الوطن ليس هو الحل الأمثل لتجاوز الأزمة.

 

رابعاً: فوضى عسكرية

أظهرت أحداث طرابلس الأخيرة من اشتباكات بين كتائب متناحرة، مدى الفوضى الأمنية التي تعيشها البلاد، ومدى حالة التوازن العسكري التي يريد ساسة المشهد تصديرها للرأي العام وللمجتمع الدولي، وقبل طرابلس جاءت الصدامات القبائلية في مدينة سبها (جنوب شرق البلاد، تبعد عن طرابلس حوالي 750 كيلو مترا) بين قبيلتي أولاد إسماعيل والقذاذفة لتؤكد الفوضى العسكرية الممتدة غرباً وشرقاً.

وبإختلاف الروايات والأنباء حول تفاصيل ومسببات الحدثين” سبها وطرابلس”، تظل أحداث العاصمة هي الأكثر خطورة، كونها كسرت “تابلوه” ان العاصمة آمنة وبعيدة عما يحدث شرقا وجنوبا، وتقاتل كتائب تتبع كلتهما وزارة الداخلية يكد غياب المؤسسية والتنسيق والتتابع الإداري، وهو ما لخصه البعض أنه تنافس نفوذ وسيطرة ومحاولة لكسر شوكة رافضي الاتفاق السياسي وحكومته، وهذه (إحدى الروايات التي نقلت للكاتب من شاهد عيان ومصدر أمني في العاصمة، أكدت أن الصراع بين كتائب مؤيد لحكومة الوفاق وأخرى رافضة وإن تعددت أسباب النزاع الظاهرية).

وهناك ثلاث روايات لما حدث في طرابلس:

الأولى: أن سبب الاشتباكات “اغتيال الداعية الليبي نادر العمراني”، ما دفع كتيبة تابعة لشخص يدعى “غنيوة الككلي”، مقرها حي أبوسليم بطرابلس، مدعومة بكتيبة ثوار طرابلس، وقوة الردع الخاصة، للهجوم على كتيبة “الإحسان” التابعة لطارق درمان، ومقرها منطقة غابة النصر، كون الكتيبة كشفت عن الشخص الذي قتل العمراني، وهو ما أكده درمان خلال مداخلة مع قناة “التناصح” الليبية مساء الجمعة 2 ديسمبر الجاري.

الثانية: “اتفاق الصخيرات”، حيث إن الكتائب الثلاث نفسها، غنيوة وثوار طرابلس والردع، هاجمت عناصر كتيبة درمان ومن يؤيدها لأنهم يرفضون الاتفاق السياسي، محاولة الاستيلاء على مقرات الكتيبة، إلا أنها لم تنجح في ذلك.

الثالثة: أن ما حدث مجرد اشتباكات من أجل السيطرة والنفوذ، بين مؤيدين لحكومة الوفاق الوطني، ورافضين لها”، لكن هذه الاشتباكات أثارت عدة تساؤلات حول هوية المسيطر الحقيقي على العاصمة الليبية، وأين الحكومة ورئاسة الأركان في طرابلس من هذه المجموعات المسلحة؟ وهل ستؤثر هذه الفوضى على العمليات الدائرة في مدينة سرت ضد تنظيم الدولة؟، ففي ظل وجود تشكيلات مدججة بالسلاح الثقيل؛ تظل العاصمة فى حالة معارك مؤجلة، لكن محاولة إدخال العاصمة في فوضى عسكرية أمر مستبعد، وخاصة بعد صدور بيان موحد من معظم التشكيلات العسكرية التي تشارك في عمليات البنيان المرصوص، شددت فيه على أنها ستقف ضد كل من يهدد أمن العاصمة، وهذا يؤكد أن ما حدث لن يؤثر على معارك سرت، بحسب تصريحات الضابط في رئاسة الأركان الليبية بطرابلس، العقيد عادل عبد الكافي”(9).

 

خامساً: حفتر ودعم روسي

في خطوة للبحث عن داعمين جدد، بعيدًا عن رعاة مشروعه القدماء، قام اللواء المتقاعد خليفة حفتر بزيارة لروسيا، لإجراء مباحثات مع كل من وزيريْ الدفاع سيرغي شويغو والخارجية سيرغي لافروف حول الأوضاع الراهنة في ليبيا، وبهدف “توطيد العلاقات بين البلدين ومناقشة الأوضاع الليبية الراهنة وبحث القضايا المشتركة لتعزيز الاستقرار والتعاون بين الدولتين”.

وليست هذه الزيارة الأولى للجنرال الليبي المدعوم مصريًا وإماراتيًا، لموسكو، فقد زار حفتر موسكو في 27 من يونيو/حزيران الماضي، طلب خلالها تزويده بالسلاح الروسي، وهو ما قوبل بالرفض، كون ليبيا تقع تحت حظر توريد الأسلحة المفروض من قبل مجلس الأمن الدولي.

وهو ما يثير عدة تساؤلات حول الزيارات المتكررة لروسيا، ماذا يريد حفتر من روسيا غير السلاح؟ ولماذا يطرق الجنرال، المستبعد سياسيًا بنص الاتفاق السياسي، أبواب الكرملين، مرارا، وهل هي فعلا مناورة تطلق يد موسكو في ليبيا؟ أم أنه يطمح إلى أن تلعب روسيا دورًا سياسيًا مؤثرًا في الأزمة المستمرة في ليبيا؟

بحسب مراقبين، فإن حفتر يبحث عن دعم دولي لقواته في الشرق الليبي، وتشكل روسيا وجهة مفضلة بالنسبة له، حيث يرى أنها قد تقوم بدور كبير في حسم الأوضاع هناك، وهو ما أكده مدير المركز المغاربي للأبحاث حول ليبيا، رشيد خشانة، بقوله: “روسيا تطمح في توسيع نفوذها في ليبيا، واستعادة مكانتها المفقودة بعد انتهاء عهد القذافي، وأنها ترى في حفتر وسيلة من أجل مناكفة الغرب، والفوز بعلاقة اقتصادية مع ليبيا مستقبلا، كما أن علاقات حفتر بالسيسي والحكومة الإماراتية تشكل أيضًا عاملًا مساندًا من أجل مد نفوذه”(10).

بالإضافة إلى استغلال حفتر حالة توتر العلاقات الروسية – الغربية، لمحاولة كسسب داعمين دوليين جدد، إلا أن الأطماع الروسية بالتواجد قرب شواطئ أوروبا أيضا كانت مطروحة وبقوة، وهو ما كشفه موقع “ديبكا” المتخصص في التحليلات العسكرية والاستخبارية، أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يسعى للتدخل العسكري في ليبيا إلى جانب قوات حفتر، مقابل الحصول على قاعدة عسكرية بحرية جوية ثانية في البحر المتوسط، على مسافة 700 كم فقط من أوروبا، مشابهة لقاعدة حميميم الروسية القريبة من اللاذقية”،  وأشار الموقع إلى أنه من المرجح أن عناصر في مصر والخليج هي التي دفعت حفتر لطلب الدعم العسكري الروسي(11).

هذا الزخم الذي حركه حفتر بزاراته الدولية وإعلان سيطرته على مناطق جديدة في الشرق، دفعت مؤيدين له في حكومة الوفاق الوطني بتقديم اقتراح يتولى حفتر بموجبه قيادة مرحلة انتقالية حتى يتم السيطرة على كامل التراب الليبي ومن ثم البحث عن حل سياسي، وهو مقترح قدمه نائب رئيس مجلس رئاسة حكومة الوفاق الليبية علي القطراني، وهو أحد الموالين لحفتر ومشروعه، والذي أوضح انه بموجب هذا المقترح، ينتهى دور كل المؤسسات باستثناء مجلس النواب، وتكون السلطات العليا في يد “الجيش”، ويتم تعيين حاكم عسكري لكل منطقة، ويقوم الجيش بتفكيك الأسلحة، والسيطرة على جميع منافذ الدولة، وإعلان حالة الطوارئ في جميع أنحاء ليبيا، وتطبيق الأحكام العرفية. وتابع “عندما تستقر الأمور يتم اتخاذ مسار ديمقراطي، والعودة إلى صناديق “مؤمنة”، حيث سيتم تفعيل لجنة لصياغة دستور، وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية، أما الآن فنحن نرى أن البلاد بحاجة إلى حكم الجيش (12).

 

خلاصة:

في إطار هذه الاعتبارات وتلك التحولات يمكن الوقوف على عدد من الخلاصات الأساسية:

1ـ سياسيًا: البلاد في حالة انقسام مؤسسي كبير بظهور عدة كيانات قائمة بالفعل، تتنازع شرعية مفقودة لكل منها، وسط حالة ترقب لمصير الاتفاق السياسي الذي تنتهي مدته القانونية خلال الشهر الجاري، ومن ثم تدخل البلاد في حالة صراع سياسي جديد، ستكون الكلمة العليا لمن يملك مجموعات مسلحة ومناطق نفوذ.

2-عسكريًا: زيارات حفتر وتحركاته في الشرق الليبي ومن ثم إعلان الانتصارات من وقت لآخر، وإستغلال ورقة الموانئ النفطية وسيطرته عليها، رفعت من رصيده التفاوضي وأضافت أوراق مراوغة جديدة، بدأها بمغازلة الروس على حساب الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، في خطوة للضغط على مجلس الأمن بقبوله كفاعل رئيس في المشهد، ومن ثم تخفيف حظر السلاح، ليبدأ الجنرال في تقيق طموحاته بالوصول إلى سدة الحكم، وبدأ الترويج لذلك عبر أبواقه في المجلس الرئاسي، وأحداث طرابلس الأخيرة وما اتسمت بها من فوضى تصب في صالح حفتر كونها تظهر المنطقة الغربية في حالة صراع ميليشياوي، وليس بها مؤسسات وهو ما يتشدق به حفتر، ومن ثم ستكون ذريعة لمناوشات جديدة لحفتر، خاصة بعد إعلان تحرير سرت من تنظيم الدولة ورجوعها إلى حاضنة البلاد، ما قد يقلل من شعبية حفتر لصالح قوات البنيان المرصوص التي حسمت المعارك في سرت. (13).

—————————————

الهامش

(1) الحاسي يعلن تشكيل المجلس الأعلى للثورة لمحاربة الجريمة السياسية، أجواء. نت (1 ديسمبر 2016).

(2 ) الغرياني يعلن عن مجلس لقيادة البلاد ويطالب الثوار بدعمه، بوابة الوسط الليبية، (21 سبتمبر, 2016).

(3 ) «وثيقة الغرياني»: الحرس الوطني المشكل من الثوار «يصد أي عمل عسكري دون الحاجة لأمر بذلك»، بوابة الوسط (29 سبتمبر 2016).

(4 ) علاء فاروق، مجلس أعلى للثورة” بليبيا .. من وراءه وماذا يُنتظر منه؟، (2 ديسمبر, 2016).

( 5 ) ليبيا.. تشكيل لجنة لدراسة دمج حكومتي الثني والغويل، خالد أبو الخير. (28 نوفمبر 2016).

(6 ) مارتن كوبلر لـ”الشرق الأوسط”: الحوار المخرج الوحيد للأزمة الليبية، (4 ديسمبر, 2016).

( 7 ) اتفاق ليبيا يقترب من نهايته وهذه سيناريوهات محتملة، محمد العربي. (27 نوفمبر 2016).

( 8 ) مصير الاتفاق السياسي الليبي على المحك تعرف على الأسباب، علاء فاروق (27 أكتوبر 2016).

( 9 ) علاء فاروق. (4 ديسمبر, 2016). من يقاتل من؟ ثلاث روايات حول اشتباكات طرابلس الليبية.

(10 ) علاء جمعة، حفتر يطرق أبواب الكرملين..مناورة تطلق يد موسكو في ليبيا؟، (30 نوفمبر 2016).

( 11 ) معتز عبدالله، ديبكا: بوتين يستعد لدعم حفتر عسكريا في ليبيا، (28 نوفمبر 2016).

( 12 ) سبوتنيك، القطراني يقترح بدء مرحلة انتقالية تحت سلطة الجيش الوطني، (4 ديسمبر 2016).

( 13 ) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية”.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close