تقديرات

ماذا لو ألغت أميركا الاتفاق النووي مع إيران؟

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

مقدمة:

في يوم الاربعاء الموافق 3-5-2018م، صرح مسؤولان بالبيت الأبيض عن وجود مناقشات داخلية للإدارة الأمريكية، حول الاتفاق النووي الإيراني. وقد رجحت المصادر بقاء الولايات المتحدة الأمريكية ضمن الاتفاق الدولي مع النظر إلى استمرار العقوبات على إيران. مما سيؤدي إلى انهيار الاتفاق. نتيجة للرد الإيراني المتوقع والرافض لهذه الخطوة مما يدفعها لاستئناف برنامجها النووي أو “تعاقب” حلفاء أمريكا في سوريا والعراق واليمن ولبنان1 ، وتأتي هذه التصريحات تأكيدا على ما صرح به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال لقائه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في وقت سابق، “بأن الولايات المتحدة ستخرج من الاتفاق النووي مع إيران، إذا لم توافق فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة على “تغييرات جوهرية” في بنود الاتفاقية.
علما أن الاتفاق وقع عام 2015م، مع مجموعة دول “5+1” [الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي بالإضافة إلى ألمانيا] لرفع العقوبات المفروضة على طهران مقابل السماح بمراقبة دولية على برنامجها النووي.2

أولاً: الإطار العام للاتفاق النووي الإيراني

1- الحد من القدرات النووية الإيرانية :

وذلك عبر مراقبة إنتاج إيران من اليورانيوم المخصب، وذلك من خلال قيام لجان التفتيش بزيارات دورية تتراوح ما بين شهرين إلى ثلاث شهور سنويا، وعلى مدار عشر سنوات. مع تخفيض عدد أجهزة الطرد التى تمتلكها إيران بمقدار الثلثين خلال عشر سنوات. حيث تمتلك إيران أكثر من 19 ألف جهاز طرد (10200 نشط) حاليا. لتصبح 6104 جهاز فقط ومن ضمنها تلك المستخدمة لغرض البحث الطبي. على أن يخصص 5060 جهاز منهم فى تخصيب اليورانيوم ولكن على مستوى منخفض لمدة 15 عاما . إلى جانب حصر إيران أنشطة تخصيب اليورانيوم بمنشأة نطنز النووية وعدم حيازة مواد انشطارية لمدة 15 عاما. وتقليص مخزون إيران من اليورانيوم الضعيف التخصيب من 12 طنا إلى 300 كجم لمدة 15 عاما. كما تعهدت طهران عدم بناء منشآت تخصيب جديدة لمدة 15 عاما . مع تعهد إيران بعدم بناء أي مفاعل جديد يعمل بالماء الثقيل لمدة 15 عاما .

2- رفع العقوبات:

من خلال رفع الحجز عن الأموال الإيرانية في البنوك الأمريكية والأوربية والتي تقدر بمليارات الدولارات، مع زيادة التبادل التجاري بين دول الاتحاد الاوروبي وإيران، إلى جانب زيادة الاستثمار. وبهذا الخصوص وقعت مجموعة توتال الفرنسية مع طهران اتفاقا بقيمة 4,8 مليارات دولار لتطوير حقل للغاز3 .

ثانياً: لماذا يريد ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران؟

ينظر الرئيس الأمريكي ترامب إلى الاتفاق النووي الإيراني المعروفة رسمياً باسم خطة العمل المشتركة الشاملة ليست “اتفاقية تنفيذية”. بل هي مجموعة طوعية من التفاهمات التي تم التوصل إليها من قبل ثمانية أطراف: إيران، بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، روسيا، الصين، الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي 4. أما الأسباب الرئيسية التي تدفع الادارة الأمريكية للانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني تتمثل في:

1- ادعاء كلا من الادارة الأمريكية الجديدة برئاسة ترامب، والكيان الصهيوني أن الاتفاق النووي الإيراني لا يضمن عدم امتلاك طهران لأسلحة نووية5 .

2- رغبة الرئيس ترامب في تعديل الاتفاق النووي مع إيران بالشكل الذي يسمح للمراقبين الدوليين للتفتيش على الانتاج الصاروخي لإيران وعدم الاكتفاء بالمنشئات النووية. كما يرغب في تمديد الإطار الزمني للاتفاقية مع فرض قيود جديدة على تطوير إيران للصواريخ البالستية.6

3- القناعات لدى الادارة الأمريكية بأن إيران دولة رئيسية وراعية للإرهاب، مع التأكيد على ضرورة فرض عقوبات صارمة قانونية على إيران.

4- ترى الإدارة الأمريكية والحكومة الصهيونية أن الاتفاقية تنطوي على مخاطر للأمن القومي الإسرائيلي. لرؤيتهما التي تنطلق من ازدياد احتمالية انتشار أسلحة نووية إضافية في الشرق الأوسط. نتيجة لاحتفاظ إيران ببنية تحتية نووية هامة، خاصة إنه في حال رفعت العقوبات عن إيران فإن ذلك سوف يسهل تدفق فوري لأكثر من 100 مليار دولار لإيران، بالإضافة إلى مليارات الدولارات الإضافية خلال العقد القادم. حيث إذا تم استثمار معظم هذه الأموال في الاقتصاد الإيراني، فسيُترك ما يكفي لتعزيز القوات العسكرية التقليدية الإيرانية. كذلك سيساعد إيران على تعزيز تطلعاتها المهيمنة وأنشطتها في المنطقة مما سيؤدي إلى رفع الميزانية السنوية للمنظمات المعادية للكيان الصهيوني مثل حزب الله وحماس والجهاد الإسلامي الفلسطيني 7.

ثالثاً: السيناريوهات القادمة:

سعت الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها الإقليميون لدعم “سيناريو التحول”، حيث تخضع إيران لتغيير داخلي، من خلال دمج جيل الشباب في القيادة الوطنية، مع استبدال من تصفهم بالمتطرفين مثل آية الله خامنئي بشخصيات أكثر ليبرالية وإصلاحية. أقل عدائية وأقل تهديدًا لإسرائيل وللولايات المتحدة، ولان احتمالية حدوث هذا السيناريو ضئيلة للغاية 8 ، وبعد أن خابت توقعاتهم في المظاهرات التي شهدتها إيران في أواخر العام 2017م. تبرز عدة سيناريوهات بديلة منها:

السيناريو الأول: التصادم

ويتمثل في تراجع إيران عن بنود الاتفاق وتحديدا البند المتعلق بالأبعاد العسكرية، وتحديدا مسألة تخفيف آلاف أجهزة الطرد المركزي، وتقليص مخزوناتها الضخمة من اليورانيوم منخفض التخصيب إلى 300 كيلوغرام، مما سيجعل إيران أقرب لامتلاك سلاح نووي في فترة زمنية محدودة. ولكي تنجح إيران في تنفيذ هذا السيناريو ربما تضطر لدخول حربا إقليمية ضد المصالح الأمريكية والاسرائيلية 9. وربما تلجأ إيران إلى هذا السيناريو وفق عدة ضوابط أساسية:

  1. الموقف الأمريكي النهائي من الاتفاق النووي، والرد الاوروبي عليه، فإيران لا تزال ترغب في الاحتفاظ بعلاقات جيدة مع دول الاتحاد الاوروبي.
  2. انتظار التوقيت المناسب لإيران وحلفائها، فحزب الله مقبل على انتخابات محلية لبنانية في شهر مايو، وحركتي حماس والجهاد الاسلامي الفلسطينيين في انتظار تداعيات مسيرات العودة في قطاع غزة وتحديدا تاريخ 15-5-2018م.
  3. جدية الموقف العربي من نشر قوات عربية على الأراضي السورية، وبالتالي إعادة إيران لحساباتها العسكرية في الساحة السورية وأهم المتغيرات التي قد تتزامن مع وجود هذه القوات.
  4. استمرار الضربات العسكرية الاسرائيلية لأهداف إيرانية في سوريا، وطبيعة الرد عليها. مع قراءة الموقف الروسي والأمريكي منها.
  5. تعتبر إيران دولة اقليمية وازنة وهذا يعني أنها لا تنجر خلف أسلوب “الفعل ورد الفعل” بقدر ما تهتم بقضية التوقيت المناسب بالنسبة لها في حال أرادت توجيه ضربة عسكرية لإسرائيل.

السيناريو الثاني: الاستيعاب

ويتمثل هذا السيناريو في قيام دول الاتحاد الاوروبي برفع العقوبات عن إيران من تلقاء أنفسهم، على الرغم من موقف أمريكي يطالب بإلغاء الاتفاقية؛ وربما يأتي هذا السيناريو في حال رفضت الدول الأوروبية الموقف الأمريكي المتمثل بالانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، وقد تأخذ الدول الأوروبية هذا القرار نتيجة للأسباب الآتية:

  1. قناعة الاوروبيين لافتقار الولايات المتحدة الأمريكية إلى السياسية النظيفة التي يمكن البناء عليها. إلى جانب ضعف الانسجام الاوروبي الأمريكي في القضية الإيرانية.
  2. وفاء إيران بمتطلباتها الأساسية من خلال تنفيذ ما اتفق عليه؛ وذلك عبر شهادة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
  3. وجود رغبة لدي الشركات الأوروبية في رفع العقوبات عن إيران، والتي تأثرت أعمالها سلبا جراء العقوبات المتكررة 10 .

وقد يساعد وجود الرئيس الإيراني الحالي حسن روحاني على هذا الموقف خاصة في ظل رغبته الساعية لتحقيق أمن اقتصادي لإيران.

السيناريو الثالث: الصبر الاستراتيجي

ويتمثل في امتصاص إيران كافة المواقف الأمريكية تجاه الاتفاق النووي، وذلك بحثاً عن هدفين، الأول تحقيق “سيناريو كوريا الشمالية”، الهادف إلى مباغتة العالم باحتوائها قنبلة نووية. على غرار ما حدث مع كوريا الشمالية. إذ أن إيران توصلت لاستنتاج مفاده أن المزايا الاستراتيجية لامتلاكها قنبلة نووية تجعلها أمام المنظومة الدولية أمراً واقعاً يجب التعامل معه . أما الهدف الثاني تمسك إيران بالاتفاق النووي رغم الشروط الأمريكية الجديدة انطلاقا من أن الاتفاقية تضمن لإيران بأنها تستطيع خلال فترة ما بين 10-15 سنه بالظهور كدولة نووية مشروعة ببنية تحتية نووية عريضة وغير محدودة. مع سعي إيران إلى تحقيق الهيمنة الإقليمية واستخدام الأموال التي ستحصل عليها من رفع العقوبات لتعميق قدراتها التكنولوجية وخبرتها في المجال النووي11 .

خاتمة:

الشواهد الاقليمية تشير إلى اقتراب السيناريو الأول “التصادم” بين إيران وحلفائها من جانب والكيان الصهيوني وعدد من القوى الإقليمية من جانب آخر. فالقوات العسكرية التابعة لإيران تتعرض وبشكل شبه يومي وعلني لضربات عسكرية من قبل سلاح الجو الصهيوني في الأراضي السورية إلا أن إيران لم ترد عليها حتى كتابة هذه السطور ليبقى موعد اشتعال حرب إقليمية بيد إيران.12 .


الهامش

1  موقع عربي 21 ، ترامب قرر تقريبا الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، تاريخ النشر 3-5-2018م، الرابط.

2  موقع سيبوتنك ، ترامب يحدد شروط للاستمرار في الاتفاق النووي مع إيران، تاريخ النشر،12-3-2018م، الرابط.

3  موقع النهار ، الإطار العام للاتفاق النووي الإيراني، تاريخ النشر، 15-8-2017، الرابط.

4 Robert Satloff , Clarifying a ‘No’ Vote on the Iran Nuclear Agreement ,10-8-2015 , link.

5 موقع عربي 21 ، ترامب قرر تقريبا الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، تاريخ النشر 3-5-2018م، الرابط.

6 Peter Baker and Rick Gladstone, Trump Pushes to Revisit Iran Nuclear Deal, and Asks Allies to Help,20-9-2017.link.

7 Amos Yadlin, Following the Problematic Nuclear Agreement: Scenarios and Policy Recommendations, INSS Insight No. 722, July 20, 2015,link.

8 Amos Yadlin, Following the Problematic Nuclear Agreement: Scenarios and Policy Recommendations, INSS Insight No. 722, July 20, 2015,link.

9 Robert Satloff , Clarifying a ‘No’ Vote on the Iran Nuclear Agreement ,10-8-2015 , link.

10 Robert Satloff , Clarifying a ‘No’ Vote on the Iran Nuclear Agreement ,10-8-2015 , link.

11 Amos Yadlin, Following the Problematic Nuclear Agreement: Scenarios and Policy Recommendations, INSS Insight No. 722, July 20, 2015,link.

12 الآراء الواردة تعبر عن كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المعهد المصري للدراسات

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *