fbpx
اقتصادالسياسات العامة

مبادرة البنك المركزي لتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

أعلن البنك المركزي المصري في ديسمبر 2015 عن مبادرته لتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة، والتي خصص لها 200 مليار جنيه، بنسبة فائدة تناقصية 5% للمنشآت الصغيرة.

لم تكن مبادرة تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة هي المبادرة الوحيدة التي أطلقها البنك المركزي خلال السنوات الأخيرة، ولكن أطلق قبلها مبادرة لدعم قطاع السياحة، وكذلك مبادرة أخرى للتمويل العقاري. ولكن من بين كل هذه المبادرات تحتل مبادرة تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة أهمية كبيرة؛ وذلك لآثارها الإيجابية الكبيرة المتوقعة على الاقتصاد المصري، بالإضافة إلى ضخامة التمويل المرصود لها (200 مليار جنيه)، أي 10 أضعاف التمويل المرصود لمبادرة تمويل إسكان محدودي ومتوسطي الدخل.

تعكس ضخامة تمويل المبادرة إدراك البنك لأهميتها، وتوقعه لدورها الهام في تنشيط عجلة الاقتصاد المصري، وبخاصة في تلك الفترة الحساسة التي تواكبت مع رفع الدعم، وزيادة نسب الفقر في مصر. وبالفعل كان من المنتظر أن تقوم بدور كبير؛ وذلك لكونها موجهة للمشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر بالأساس، والتي تعد صناعات كثيفة العمالة، مقارنةً بالصناعات الكبيرة، كما أن المشروع الواحد منها لا يحتاج إلى رأس مال كبير لتمويله، إضافة إلى أنها لا تحتاج خبرات ومهارات عمالية أو تنظيمية متطورة، ولا تكنولوجيا متقدمة.

تبحث الورقة مفردات المبادرة، وكذلك تورد أبرز الانتقادات التي وجهت إليها. ثم يتم استعراض كيف تعاطت البنوك مع المبادرة، ومتى وجد البنك المركزي نفسه مضطرا للتدخل بقرارات لتصحيح المسار، أو لعلاج مشاكل في هيكل المبادرة.

تورد الورقة بعد ذلك القروض التي حصلت عليه البنوك المختلفة من المؤسسات الدولية، في إطار المباردة، ثم تنتقل الورقة لاستعراض نتائج المبادرة وتقييمها. وسوف يتم استعراض ذلك من خلال النقاط التالية:

أولا: مفردات المبادرة:

 جاءت مبادرة البنك المركزي لتمويل الشركات والمنشآت الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر كتطبيق لقرار مجلس إدراة البنك رقم 2408/2008 والصادر بتاريخ 16 ديسمبر 2008، والذي يقضي بأن تُعفى البنوك من نسبة الاحتياطي، مقابل ما يتم منحه من قروض للشركات والمنشآت الصغيرة والمتوسطة[1].

استهدف المركزي بإطلاقه للمبادرة ضخ 200 مليار جنيه قروض بسعر عائد ميسر 5% متناقص للمنشآت الصغيرة، و7% لتمويل شراء الآلات والمعدات للمشروعات المتوسطة في القطاع الزراعي والصناعي، و12% لتمويل رأس المال العامل للمشروعات المتوسطة في القطاع الزراعي والصناعي والطاقة المتجددة.

في هذا الإطار، أقر مجلس إدراة المركزي بعض التعديلات على القرار رقم 2408/2008، مستهدفًا أن تكون مفردات المبادرة مناسبة للعام 2015، وكان ذلك في قرار مجلس إدارة البنك رقم 2310، والصادر في 3 ديسمبر 2015، ويمكن رصد أبرز تلك التعديلات من خلال النقاط التالية[2]:

1- إعادة تعريف الشركات والمنشآت الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر:

قرر المركزي إعادة تعريف الشركات والمنشآت المتوسطة والصغيرة والصغيرة جدا ومتناهية الصغر، وذلك بتحديد حجم الأعمال (المبيعات/الإيرادات السنوية)، وكذلك حجم العمالة، هذا فيما يخص الشركات القائمة بالفعل. أما الشركات الجديدة؛ فقد تم تعريفها طبقا لرأس المال المدفوع وكذلك حجم العمالة. يرصد الجدول التالي الحدود الجديدة.

جدول (1)

تعريف الشركات والمنشآت المتوسطة والصغيرة والصغيرة جدا ومتناهية الصغر، القائمة منها والجديدة، طبقا للبنك المركزي المصري، عام 2015.جدول 1

المصدر: البنك المركزي المصري، التقرير السنوي 2015/2016، ص: 100.

يوضح الجدول السابق أن المشروعات متناهية الصغر هي الشركات والمنشآت التي يقلّ حجم أعمالها (المبيعات/الإيرادات السنوية) عن مليون جنيه للشركات القائمة فعليًا، أو يكون رأس مالها المدفوع أقل من 50 ألف جنيه، وذلك للشركات الحديثة تحت التأسيس.

بالنسبة للشركات الصغيرة جدا، فهي التي يتراوح حجم أعمالها من مليون إلى أقل من 10 ملايين جنيه بالنسبة للقائمة فعليا، أما الشركات الحديثة تحت التأسيس، فهي التي يتراوح رأس مال الصناعي منها من 50 ألف جنيه إلى 5 ملايين جنيه، وأقل من 3 ملايين جنيه للمنشآت غير الصناعية.

أما الشركات الصغيرة؛ فهي التي يتراوح حجم أعمالها من 10 ملايين إلى أقل من 50 مليون جنيه بالنسبة للقائمة فعليا منها، ومن 50 ألف جنيه إلى 5 ملايين جنيه للمنشآت الصناعية تحت التأسيس، وأقل من 3 ملايين جنيه للمنشآت غير الصناعية.

فيما يخص الشركات المتوسطة؛ فقد تم تحديد حجم أعمال القائمة منها من 20 مليون جنيه إلى 200 مليون جنيه، أما حديثة التأسيس فهي التي يتراوح رأس مالها من 5 ملايين جنيه إلى 10 ملايين جنيه للمنشآت الصناعية، ومن 3 ملايين جنيه إلى 5 ملايين جنيه لغير الصناعية.

2- التوصية بأن تقوم البنوك بتطوير إدارات متخصصة في تمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة:

أكد المركزي على ضرورة تطوير البنوك المختلفة لإدارات متخصصة في تمويل الشركات والمنشآت الصغيرة والمتوسطة بالبنوك من خلال وضع سياسات وإجراءات ونظم داخلية، والبدء في تجميع البيانات اللازمة لوضع نظام تصنيف ملائم لطبيعة هذه الفئة من العملاء، على أن يتم ذلك بحد أقصى ثلاث سنوات من تاريخ صدور القرار.

3- إعطاء مهلة عامين للبنوك لتمويل الشركات بدون الحصول على قوائم مالية معتمدة:

من المعلوم أن أغلب الشركات الصغيرة جدا والمتناهية الصغر تعمل في نطاق الاقتصاد غير الرسمي؛ لذا فهي لا تمتلك بطاقة ضريبية ولا تقوم بعمل قوائم مالية معتمدة من محاسب قانوني أو غيره، لذلك سمحت هذه التعديلات للبنوك بتمويل الشركات والمنشآت متناهية الصغر والصغيرة، على ألا تتجاوز مبيعاتها 10 ملايين جنيه، وبحد أقصى عامين من تاريخ المنح، دون الحصول على قوائم مالية معتمدة من مراقب الحسابات، وذلك لإتاحة فترة كافية لتأهيل هذه الشركات لإعداد بيانات وقوائم مالية. كما أكدت التعديلات على مراعاة أن تتضمن السياسة الائتمانية للبنوك المانحة للتمويل الضوابط المناسبة التي تتماشى مع تمويل هذه النوعية من الشركات، بما يكفل التحقق من سلامة الموقف المالي للعملاء.

تُعد فكرة تعديل مفردات المبادرة حتى تتواكب والتغيرات الحادثة في الاقتصاد المصري فكرة جيدة، لكن فات المركزي ذكر بعض الأمور الهامة عند الإعلان الأول عن المبادرة، وهذه النقاط هي ما ستبينه الورقة في العنصر القادم. 

ثانيا: أبرز الانتقادات التي وجهت لمفردات المبادرة:

 وجهت إلى مفردات المبادرة الكثير من الانتقادات، بينما تركز البعض الآخر إلى الجهة التي أطلقت المبادرة، أي البنك المركزي، ويمكن توضيح ذلك كما يلي:

أ- الانتقادات الموجهة إلى المبادرة بسبب انطلاقها من البنك المركزي:

  • المهمة الأساسية للبنك المركزي هي ضبط الأسعار والحفاظ على معدلات التضخم داخل الحدود المستهدفة، من خلال أدوات السياسة النقدية التي يمتلكها، فما هو الدافع أن يتخلى عن هذه المهمة، ليتدخل بشكل مباشر وبتمويل ضخم (200 مليار جنيه) لدعم المشروعات الصغيرة، وبفائدة ميسرة 5%، تُجبر عليها البنوك التجارية الخاضعة لإشرافه، مما قد يتسبب في خسائر محتملة في المركز المالي (الموازنات) لتلك البنوك.
  • في الوقت الذي أُطلقت فيه المبادرة كانت مهمة إتاحة التمويل للمشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، وكذلك تقديم الدعم الفني وغيره من المساعدات، هي من مهام الصندوق الاجتماعي للتنمية. وكان من الواجب أن تطلق المبادرة بمشاركة الصندوق، والذي من المفترض نظريا أنه يمتلك خبرة كبيرة في دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، أو كان ينبغي على الأقل أن يتم التنسيق بين المركزي والصندوق، ولكن ذلك لم يحدث أيضا. بالإضافة إلى ذلك، فإن المتتبع لما يقوم به الصندوق الاجتماعي للتنمية؛ يجد أنه انحرف في كثير من ممارساته عن صلب عمله، ولم يعد يؤدي الدور المنوط به على أكمل وجه؛ لذا قررت الحكومة في عام 2017 استبداله بجهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، وذلك بموجب قرار رئيس الوزارء رقم 947، والصادر في أبريل 2017، أي بعد إطلاق المبادرة بأكثر من عام. يرى الباحث أنه كان من الأولى أن تسعى الحكومة، أو السلطة التنفيذية في مصر إلى إصلاح بيئة ومناخ المشروعات الصغيرة والمتوسطة قبل إطلاق المبادرة من خلال تأسيس أجهزة تُساعد المشروعات الصغيرة بالدعم الفني وغيره؛ حتى تكون الأجواء مهئية ومساعدة لنجاح المشروعات.

ب- الانتقادات الموجهة إلى مفردات المبادرة:

إلى جانب الانتقادات السابقة الموجهة إلى مُطلق المبادرة، أي البنك المركزي، كانت هناك بعد الانتقادات التي وجهت إلى مفردات المبادرة نفسها، وهي كما يلي:

1-تعريفات البنك المركزي للمشروعات الصغيرة مجحفة جدا:

قسم المركزي طبقا للمسودة الأولى للمبادرة المشاريع إلى أربعة أقسام، هي: متناهية الصغر، والصغيرة جدا، والصغيرة، والمتوسطة. وهنا يبرز السؤال: ما الفائدة من هذا التقسيم، ألم يكن الأولى تقسيم المشاريع إلى ثلاثة تصنيفات فقط، هم: صغيرة ومتناهية الصغر (أو صغيرة جدا) ومتوسطة. جوهر الاعتراض أنه لا فرق جوهري بين المشاريع متناهية الصغر والصغيرة جدا.

الأمر الآخر الذي ينطوي عليه هذا التقسيم، وهو إجحاف المركزي فيما يطلبه من المشروع الصغير جدا، حيث تشترط المبادرة أن يكون حجم مبيعات القائم منها يتراوح من مليون جنيه إلى 10 ملايين جنيه، وهو رقم مُبالغ فيه جدا. تجدر الإشارة إلى أن البنك المركزي أعاد تعريف المشاريع بعد فترة من العمل بالمبادرة، وسيتم بيان ذلك في العنصر القادم.

2-لم تضع المبادرة شروطا موحدة للاقتراض تُعمم على البنوك:

أدى عدم إعلان البنك المركزي عن شروط موحدة للاقتراض إلى وضع البنوك بعض الشروط التي لا تتفق والهدف من المبادرة، بل حتى لا تتفق مع تعليمات البنك المركزي الواضحة.

3-لم تذكر المبادرة أي آلية للمراقبة الدورية من قِبل البنك المركزي على البنوك:

كان يجدر بالبنك المركزي الإعلان عن آلية للمراقبة الدورية على البنوك أثناء تنفيذها للمبادرة، حمايةً لها وللمواطنين من الإجراءات التي قد تخالف الهدف الذي أُطلقت منه أجله المبادرة.

4-عدم وضع حد أقصى لتمويل أي نشاط تشمله المبادرة:

استهدفت المباردة تمويل مختلف أنواع الأنشطة الاقتصادية، الزراعية والصناعية والتجارية والخدمية والصناعية ومشاريع الطاقة المتجددة.

ومن المعلوم أن كل تلك القطاعات يوجد بينها تباينًا في القيمة المضافة التي تضيفها للاقتصاد القومي، والتمويل، وتوفير فرص العمل؛ لذا كان ينبغي على المركزي أن يضع هذه التبيانات في الاعتبار عند تحديد الحد الأقصى الملائم لتمويل كل مشروع. بالإضافة إلى ذلك، تغافل المركزي عن وضع سياسات تمييزية للدفع باتجاه مشروعات بعينها أكثر فائدة اقتصادية من وجهة نظر الخطة الاقتصادية والاجتماعية الوطنية.

أدى تجاهل البنك المركزي للنقطة السابقة إلى أنه وجد نفسه مضطرا أن يقوم بإلغاء تمويل النشاط التجاري بعد أن تجاوزت نسبته 40% على حساب باقي الأنشطة، وذلك كما أعلن نائب محافظ البنك المركزي محمد أبو موسى، خلال اجتماع لجنة المشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر بمجلس النواب في 14 يناير 2019. كما تُعزي بعض التقارير الصحفية سبب ذلك الإلغاء إلى استجابة مصر لتحفظات صندوق النقد الدولي في مراجعته الرابعة للاقتصاد المصري، والتي أصدرها في إطار حصول مصر على شرائح القرض[3].

ثالثا: تعاطي البنوك المصرية مع المبادرة وتدخلات البنك المركزي:

 بدأت البنوك العمل الفعلي المبادرة في العام 2016، ولن تستطيع الورقة الإلمام بكل التفاصيل الخاصة بالمبادرة، ولا كل قرارات مجلس إدارة المركزي التي كانت المبادرة موضوعها، ولكن ستحاول الورقة من خلال النقاط التالية رصد أهم الأحداث أو المعالم خلال فترة تنفيذ المبادرة، وكذلك القرارات التي وجد البنك المركزي نفسه مضطرا لاتخاذها، وذلك كما يلي:

1-شروط بعض البنوك المخالفة لتعليمات البنك المركزي:

رصد العنصر السابق أنه كان من سلبيات صياغة المبادرة، عدم وضع البنك المركزي لشروط محددة للاقتراض تُعمم على البنوك؛ ونتيجة لذلك انطلقت البنوك في وضع شروطها الخاصة للتمويل داخل نطاق المبادرة، حتى إن اختلفت تلك الشروط مع التعليمات الصادرة من البنك المركزي.

فعلى سبيل المثال، وضع بنك مصر من شروط تمويل المشروعات الصغيرة جدا، تقديم مستخرج حديث من السجل التجاري، وصورة من البطاقة الضريبية، بالإضافة إلى صورة رخصة مزاولة النشاط، وكذلك الموقف التأميني؛ هذا بالنسبة للمشاريع حديثة التأسيس.

أما المشاريع القائمة فإن أصحابها مُطالبون بتقديم نفس الأوراق، بالإضافة إلى ميزانيات منذ بداية النشاط وبحد أقصى ثلاث ميزانيات للشركات القائمة[4].

سلك بنك مصر هذا السلوك، بالرغم من أن تعليمات المركزي واضحة بشأن مساعدة المشروعات الصغيرة العاملة في نطاق الاقتصاد الرسمي؛ حتى يُسهل فيما بعد دمجها في الاقتصاد الرسمي.

2-تباين أداء البنوك المختلفة في مدى الالتزام بالمبادرة:

أشار العنصر السابق إلى أن أحد عيوب المبادرة، هو عدم إعلان البنك المركزي لآلية للرقابة على البنوك، أدى ذلك إلى بعض المشاكل، كان منها تباين أداء البنوك المختلفة في مدى الالتزام بالمبادرة، حيث يُلاحظ أن البنوك الصغيرة كانت هي الأكثر التزاما بالمبادرة، وقد أشار تقرير لجريدة البورصة إلى ذلك[5].

3-تعريفات البنك المركزي المجحفة للشركات:

جعلت تعريفات البنك المركزي المجحفة للمشروعات الصغيرة من الصعوبة بمكان على الكثير من الشركات والمنشآت الحصول على تمويل من خلال المبادرة. فعلى سبيل المثال، يُشترط من الشركات الصغيرة جدا القائمة أن يكون جحم مبيعاتها السنوي من مليون جنيه إلى أقل من 10 ملايين جنيه!

ونتجية لذلك، وجد البنك المركزي نفسه مضطرا في 28 فبراير 2017 إلى إصدار قرار بإعادة تعريف الشركات والمنشآت الصغيرة والمتوسطة، وذلك كما يوضح الجدول التالي:

جدول (2)

إعادة تعريف الشركات والمنشآت الصغيرة والمتوسطة، والصادر عن البنك المركزي المصري، فبراير 2017

جدول 2

المصدر: البنك المركزي المصري، التقرير السنوي 2016/2017، أ/5.

يتضح من الجدول السابق، أن المشروعات متناهية الصغر هي الشركات/المنشآت التي يقلّ حجم أعمال (المبيعات/الإيرادات السنوية) للقائم منها عن مليون جنيه، أما الحديث منها تحت التأسيس، فيكون رأس مالها المدفوع أقل من 50 ألف جنيه، ويقل عدد العمالة بأيٍ منهما عن 10 أفراد.

فيما يخص الشركات الصغيرة فهي التي يتراوح حجم أعمالها من مليون إلى أقل من 50 مليون جنيه بالنسبة للقائمة فعليا منها، ومن 50 ألف جنيه إلى أقل من 5 ملايين جنيه للمنشآت الصناعية تحت التأسيس، وأقل من 3 ملايين جنيه للمنشآت غير الصناعية، ويقل عدد العمالة بأي منهما عن 200 فرد.

أما الشركات المتوسطة؛ فيصل حجم أعمالها وفقًا للتعريف الجديد من 50 إلى 200 مليون جنيه بالنسبة للشركات القائمة، ومن 5 ملايين إلى 15 مليون جنيه للمنشآت الصناعية تحت التأسيس، ومن 3 إلى 5 ملايين جنيه للمنشآت غير الصناعية تحت التأسيس[6].

يرى الباحث أن التقسيم الجديد -وإن جاء متأخرًا- أصبح يناسب بيئة المشروعات الصغيرة في مصر، فهو من ناحية قلل عدد التصنفيات من أربعة إلى ثلاثة، ومن ناحية أخرى قلل حجم أعمال الشركات وهو ما يتناسب مع التباطؤ الذي يشهده الاقتصاد المصري منذ أعوام.

4-التوجيه الخاطئ لأموال المبادرة:

يمكن القول أن التوجيه الخاطئ لأموال المبادرة كان من أكبر المشاكل التي أدت إلى انحراف المبادرة عن مسارها الصحيح. حيث اكتشف البنك المركزي قيام 18 بنكا -لم يُفصح عن أسماء أيٍ منها- بتمويل عملاء غير مستحقين ضمن مبادرة المشروعات الصغيرة والمتوسطة. ويرجع سبب كونهم غير مستحقين، إلى أنهم يمتلكون ملاءة مالية قوية.

وصلت الأزمة إلى مجلس النواب، ووجد البنك المركزي نفسه مضطرا في أبريل 2018 إلى توقيع عقوبات مالية على الـ 18 بنكا، حيث وصلت بعض تلك العقوبات إلى 500 مليون جنيه يتم إيداعها في البنك المركزي دون عائد لمدة تصل إلى عامين[7].

رابعا: المؤسسات الدولية ودعم المبادرة:

 عمدت البنوك المصرية بالتزامن مع تنفيذ المبادرة، إلى السعي للحصول على قروض من مؤسسات التمويل الدولية المختلفة بهدف تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة. رصدت دراسة للمعهد المصري للدراسات بعضها كما يلي[8]:

-حصل البنك اﻷهلي على قرض بقيمة 150 مليون دولار من EBRD لتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة في أغسطس 2017، كما حصل بنك مصر على 75 مليون دولار في سبتمبر 2017، والبنك العربي الأفريقي الدولي على 30 مليون دولار في يونيو 2017.

– وقع البنك الأهلي على قرض بقيمة 50 مليون يورو من بنك الائتمان الألماني لإعادة الإعمار لتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة.

– صرح إيفان ساركوس، رئيس الاتحاد الأوروبي في مصر أن المنح لا تقتصر على الاتحاد الأوروبي بل تمتد لبعض الوكالات الأخرى، مثل وكالات التمويل الأوروبية مثل الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، وبنك الاستثمار الأوروبي، والبنك الألماني للتنمية.

– توقع ساركوس أن يصل إجمالي التمويلات عبر تلك الآلية نحو 475 مليون يورو، تشمل منح الاتحاد الأوروبي وتمويلات المؤسسات الأوروبية.

-قالت ريم السعدى المدير الإقليمي ببرنامج البنك الأوروبي لإعادة التعمير، إن البنك رصد نحو 600 مليون دولار للبنوك المصرية من أجل إعادة إقراضها للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وأضافت أنه يتم تقديم خدمات فنية مباشرة لنحو 800 مشروع صغير، ويجرى افتتاح فرع للبنك في منطقة قناة السويس، لتعزيز تمويلات هذا القطاع، وأوضحت أنه يتم تقديم خدمات مدعمة للمشروعات تصل لنحو 75% من قيمتها وتزيد إلى %85 بالنسبة لمشروعات السيدات بهدف تمكين المرأة اقتصاديًا.

العرض السابق لبيانات المؤسسات الدولية، يمكن منه ملاحظة ما يلي:

الاتحاد الأوروبي نظم برامج للمساندة احتواءً للشباب، كخطوة استباقية للهجرة.

البنوك المحلية استقبلت قروضا ميسرة للغاية من المؤسسات الدولية تحت شعار دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة.

الأرقام السابقة لوكالتين أوروبيتين فقط تخطت المليار دولار (ما يقارب 20 مليار جنيه).

من ذلك يمكن القول، إنه وبالرغم من العيوب الموجودة في صياغة المبادرة، واكتناف تنفيذ المبادرة للكثير من المشاكل، إلا أن البنوك المصرية نجحت في الحصول على قروض من مؤسسات تحت شعار دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وهو ما يشير إلى أهمية تقييم المبادرة ككل، والبحث في مسألة جدوى المبادرة، وما مدى استفادة الاقتصاد المصري منها، وهو ما يسعى العنصر القادم إلى بحثه.

خامسا: تقييم المبادرة ونتائجها:

 أعلن البنك المركزي المصري أن إجمالي محفظة القروض والتسهيلات الممنوحة من البنوك للشركات والمنشآت المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر بلغت 144.2 مليار جنيه، وذلك خلال الفترة يناير 2016-يونيو 2019.

تشير بيانات البنك المركزي إلى أن تمويلات البنوك خلال المبادرة تخطت 115.2 مليار جنيه، وذلك خلال الفترة من ديسمبر 2015-مارس 2019، مستفيدا من ذلك 491 ألف عميل من الشركات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر. كما أعلن المركزي أن عدد المستفيدين بلغ 565.5 ألف عميل، توزعت بين 464.7 ألف عميل في قطاع الشركات والمنشآت متناهية الصغر، و93.3 ألف عميل للمشروعات والمنشآت الصغيرة، و7.5 آلاف عميل للشركات والمنشآت المتوسطة[9].

تجادل الورقة في أن المبادرة فشلت في تحقيق أهدافها المنوطة بها، ويمكن التدليل على ذلك من خلال النقاط التالية:

1- هيكل المستفيدين بالمبادرة يعكس عدم العدالة في توزيع القروض:

أعلن البنك المركزي أن إجمالي القروض والتسهيلات الممنوحة للشركات والمنشآت الصغيرة بلغت 84.4 مليار جنيه، فيما بلغت محفظة القروض والتسهيلات الممنوحة للشركات والمنشآت المتوسطة 45.9 مليار جنيه، وبلغت القروض والتسهيلات الممنوحة للشركات والمنشآت متناهية الصغر 13.9 مليار جنيه[10].

يعني ذلك أن المشروعات متناهية الصغر حصلت على ما نسبته 9.6% من إجمالي القروض والتسهيلات الممنوحة تحت إطار المبادرة؛ وذلك يعني أن ما يفوق 90% من المبادرة توجه إلى شركات حجم أعمالها السنوي من مليون جنيه إلى أقل من 200 مليون جنيه. وبالطبع هذه الشركات أصحابها هم من ميسوري الحال. مع العلم أن المبادرة في الأساس تستهدف المشاريع الصغيرة والتي تساعد الطبقات الفقيرة والمتوسطة.

2- الكثير من المصانع لم تستفد بالمبادرة:

أدت الأسباب التي أوردتها الورقة وغيرها إلى أن الكثير من المصانع لم تقدر على الاستفادة من المبادرة. وفي هذا السياق، “أشار فؤاد أمين رئيس جمعية مستثمرى 15 مايو إلى أنه لا يوجد مصنع واحد بمدينة 15 مايو استفاد من مبادرة البنك المركزى الخاصة بالحصول على قروض بفائدة مخفضة 5%؛ نظراً إلى مطالب البنوك التي يصعب على المصانع الوفاء بها، موضحاً أن تنفيذ المبادرة على أرض الواقع مناقض تماماً لما تسوقه البنوك. فالبنوك تشترط أن تكون الشركة حققت فى آخر 3 ميزانيات لها أرباحاً، بالإضافة إلى شرط أن يتناسب المكسب مع القرض الذى يطلبه المصنع لضمان السداد فى المواعيد المحددة. وتساءل: “إذا كانت المصانع تحقق أرباحاً، فلماذا ستطلب القروض؟”. بجانب ذلك فقد “أشار إلى أن إجمالى عدد مصانع مدينة 15 مايو حالياً، يبلغ نحو 300 مصنع، منها 100 مصنع متوقفة كلياً، و100 مصنع تعمل بنسب مختلفة من طاقتها الإنتاجية، بالإضافة إلى 100 مصنع أخرى فى مراحل الإنشاء المختلفة”[11].

خلاصة:

 أطلق البنك المركزي المصري مبادرة لدعم تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وبرغم الكثير من الانتقادات التي وجهت لهيكل المبادرة، وبرغم استنكار البعض لكون مُطلق المبادرة هو البنك المركزي، إلا أن الجميع انتظر أن تؤتي تلك المبادرة ثمارها، وأن يظهر أثرها على الاقتصاد المصري.

اكتنف تطبيق المبادرة الكثير من الأخطاء، غالبها من قِبل البنوك، وساعد على ذلك البطء الملحوظ من قِبل البنك المركزي للتدخل لعلاج المشاكل، التي نتجت عن ممارسات بعض البنوك، والتي يمكن القول إن بعضها كان نتاج أخطاء متعمدة، أو توجيه خاطئ متعمد لأموال المبادرة.

بالنظر إلى النتائج يمكن القول إن المبادرة لم تؤتِ ثمارها، حيث إنه بتحليل هيكل المستفيدين للمبادرة يتبين أن الشركات والمنشآت متناهية الصغر حصلت على أقل من 10% من محفظة القروض والتسهيلات الممنوحة في إطار المبادرة، وأن الباقي حصلت عليه شركات مبيعاتها السنوية أكثر من مليون جنيه. ومن ذلك يمكن القول أن الطبقات الفقيرة والمهمشة كانت هي الأقل استفادةً من المبادرة؛ ولذا توصي الورقة بأن يقوم البنك المركزي بإعادة إطلاق المبادرة مرة أخرى، ولكن بعد تهئية الظروف والأجواء المناسبة لنجاح المبادرة، وبجانب أيضا أن يكون إطلاقها في إطار اتفاقية تعاون مع بجهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، حيث أن كون الجهاز امتدادا للصندوق الاجتماعي للتنمية يعني أنه يمتلك الكثير من الخبرات وقدرة كبيرة على الدعم الفني للمشاريع الصغيرة والمتوسطة.


الهامش

[1] البنك المركزي المصري، جمهورية مصر العربية، قرار مجلس إدراة البنك المركزي المصري رقم 2408/2008 بجلسته المنعقدة في 16 ديسمبر 2008 بشأن تشجيع البنوك لتمويل الشركات والمنشآت الصغيرة والمتوسطة، 21 ديسمبر 2008، رابط.

[2] اختصارا من البنك المركزي المصري، التقرير السنوي 2015/2016، ص: 100-102، رابط.

[3] عبد الله المصري، مبادرات السيسي تصطدم بصندوق النقد.. هل يخدع المصريين؟، عربي 21، 15 يناير 2019، رابط.

[4] الموقع الرسمي لبنك مصر، تمويل المشروعات الصغيرة جداُ “طبقا لمبادرة البنك المركزي المصري”، تاريخ الوصول: 16 أغسطس 2019، رابط.

[5][5] جريدة البورصة، 148 مليار جنيه تمويلات 12 بنكاً للمشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر، 3 فبراير 2019، رابط.

[6] البنك المركزي المصري، التقرير السنوي 2016/2017، ص: أ/5.

[7] محمود الجمل، “المركزي” يعاقب 18 بنكا بسبب قروض “المشروعات الصغيرة”، جريدة الوطن، 4 أبريل 2019، رابط.

[8] أحمد ذكر الله، الاقتصاد المصري بعد 2013 السياسات والتحديات، المعهد المصري للدراسات.

[9] موقع مباشر، المركزي: 144 مليار جنيه تمويلات البنوك المصرية للمشروعات الصغيرة والمتوسطة بـ 54 شهراً، 25 أغسطس 2019، رابط.

[10] المصدر السابق.

[11] أحمد صبري، المصانع المتعثرة فى قبضة البيروقراطية، جريدة البورصة، 16 أكتوبر 2017، رابط.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
كلمات مفتاحية
البنك المركزي المصري المشروعات الصغيرة
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close