fbpx
تقديرات

متي تبدأ الحرب القادمة على قطاع غزة؟

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

 

تمهيد

استغلالاً للازمة التي تعيشها المنطقة العربية، وفى ظل مؤشرات صهيونية حقيقية لشن عدوان جديد على قطاع غزة، ومع استمرار دولة الكيان الصهيوني في انتهاج سياسة “الأمن مقابل الغذاء” عملاً بنظرية سبق لها أن وضعتها لحصار غزة، بهدف الضغط على القطاع، وتركيع المقاومة الفلسطينية، فقد زادت هواجس الفلسطينيين من قيام دولة الكيان الصهيوني بشن حربٍ على قطاع غزة، خاصة بعد قيام فصائل المقاومة الفلسطينية بعروض عسكرية تهدف من خلالها إلى إيصال بعض الرسائل الخاصة لقادة الصهاينة.

ويستهدف هذا التقدير بيان مؤشرات الحرب، وسيناريوهاتها المتوقعة، وذلك على النحو التالي:

أولاً: مؤشرات الحرب:

تعددت المؤشرات التي يستند إليها البعض في القول باحتمالات نشوب حرب في غزة، ومن بينها:

1ـ تصريحات القيادي في حماس محمود الزهار بأن ليبرمان وزير الدفاع الصهيوني “بحاجة إلى قرصة اذن” بعد مطالبة الأخير بضرورة تسليم حماس لسلاحها.

2ـ تصريحات ليبرمان بأنه لن يرفع الحصار عن قطاع غزة إلا بعد أن تُسلم حركة حماس سلاحها الذي قابلة ردا من القيادي الحمساوي يحيي موسي النائب في البرلمان التشريعي بقوله، إن سلاح المقاومة خط أحمر”.

3ـ تحذير وزارة الخارجية الأمريكية لمواطنيها من مغادرة قطاع غزة.

4ـ قيام الطائرات الإسرائيلية بشن 70 غارة على قطاع غزة والتي اعتبرت الأعنف منذ عام 2014م، ليتبع ذلك بعد 48 ساعة فقط قيام المقاومة الفلسطينية بإطلاق النار على سفن صهيونية قبالة سواحل غزة، بعد أن اقتربت من سفن الصيد الفلسطينية، وهي المحاولة الاولي التي تستهدف فيها المقاومة سفن صهيونية بعد العدوان الأخير 2014م.

5ـ قيام المقاومة الفلسطينية بإسقاط طائرة صهيونية بدون طيار في شمال غزة.

 

ثانياً: كوابح وجوامح الحرب:

1ـ قناعة الطرفين الصهيوني والمقاومة الفلسطينية بأن الحرب القادمة لا تقبل أنصاف الحلول بمعني ستكون مدمرة على الطرفين؛ وإن كانت على غزة أكثر، نظرا لفارق القوي العسكرية بين الطرفين؛ إلا أن الجانب الصهيوني يعلم بأن مجتمعه الداخلي هو مجتمع ليس بمقدوره تحمل حروب لفترات طويلة.

2ـ خشية المقاومة الفلسطينية أن تكون الحرب القادمة بمثابة الضربة القاسمة لها خاصة في ظل تقارب عربي إقليمي دولي واصطفاف إلى جانب الكيان الصهيوني.

3ـ خشية رئيس وزراء الكيان الصهيوني “نتنياهو” من فشل الحرب، ونجاح المقاومة في الحاق خسائر فادحة في ممتلكات وأرواح واقتصاد الصهاينة مما يطيح به في الحكم.

4ـ الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية بالغة الصعوبة التي يعاني منها سكان قطاع غزة، مما يقلل من قدرته على الصمود.

5ـ استمرارية الموقف التركي المساند لقطاع غزة، والرافض للهجمات الصهيونية على غزة وهذا ما تأكد من خلال تصريحات رئيس الوزراء التركي مؤخرا بعد قيام الطيران الصهيوني بقصف غزة. لذا تخشي دولة الكيان الصهيوني من توتر علاقاتها من جديد مع تركيا.

وهنا تبرز مجموعة من الاعتبارات التي يتم الاستناد إليها في تفسير أسباب الرغبة الصهيونية في الحرب، منها:

(أ) علم الأجهزة الأمنية الصهيونية أن الحصار المفروض على قطاع غزة لم يؤثر على قوة المقاومة الفلسطينية وأن قوتها آخذة في التنامي خاصة فيما يتعلق “باستراتيجية الانفاق” التي تتبعها المقاومة الفلسطينية والتي تتحدث التقارير عنها بأنها أصبحت أكثر عمقاً وأكثر طولاً، وهذا يعني إمكانية وصولها إلى مدن صهيونية حدودية.

(ب) أن التغيرات الإقليمية الجارية تصب في صالح الصهاينة خصوصا بعد تقاربهم مع مصر والذي وصل إلى حد الانسجام، وارتفاع نبرة عداء السلطة السياسية في مصر تجاه حركة حماس إضافة إلى نجاح الدبلوماسية الصهيونية في تحقيق نجاحات في علاقاتها الدولية بعد انهاء خلافاتها مع تركيا وتقاربها القوي مع روسيا.

(ج) محاولة الكيان الصهيوني إعادة ترميم قوة الردع التي تزعزعت في الفترة السابقة إثر قوة المقاومة الآخذة بالصعود.

(د) رغبة رئيس وزراء الكيان الصهيوني التغطية عن التهم الموجهة له بالفساد في ظل التحقيقات التي تجريها الشرطة الصهيونية مع معاوني نتنياهو والتحقيق معهم في تهم تلقي رئيس الوزراء رشاوي.

 

ثالثاً: حماس والتصعيد المدروس:

قد تجد المقاومة الفلسطينية بغزة نفسها تتجه نحو تصعيد مع الاحتلال بشكل مدروس وهذا يرجع إلى عدة أسباب، منها:

1ـ سوء الأوضاع الاقتصادية بقطاع غزة الناجمة عن إغلاق الأنفاق بين مصر وغزة، ومحاولتها الهروب إلى الأمام من خلال تصدير الأزمة اتجاه دولة الكيان الصهيوني.

2ـ محاولة تحريك ملف حصار غزة في ظل المتغيرات الدولية التي فرضت حالة من الصمت عما يتعرض له القطاع، ومحاولة حركة حماس إثبات نفسها كلاعب مهم على الساحة الفلسطينية، لا يمكن تجاوزها من خلال تمرير اتفاقية سلام مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس. في ظل الحديث عن حراك مصري مكثف ومتزامن مع عروض لمؤتمرات إقليمية برعاية مصر ومؤتمرات دولية برعاية فرنسا، مع مباركة أمريكية وتحفز روسي.

وفي إطار هذه الاعتبارات يمكن القول بزيادة احتمالية قيام حرب على غزة في النصف الأول من عام 2017م، لعدة أسباب أهمها:

(أ) أن نتائج التحقيقات التي تُجريها الشرطة الصهيونية قد تستغرق بعض الوقت، وفي الغالب قد تظهر مع بداية العام القادم، يمكن أن يعلن وقتها نتنياهو حرباً على غزة للتغطية على التهم الموجهة إليه، وهذا الأسلوب معهود على القادة الصهاينة السابقين فقد اتبع هذا الأسلوب من قبل “أولمرت” رئيس الوزراء الصهيوني الأسبق والذي وجه له اتهامات بتلقي رشوة مالية تقدر بـ 100 ألف دولار.

(ب) انتظار حركة حماس نتائج الانتخابات المحلية الداخلية (البلديات) والمزمع إجراؤها في شهر أكتوبر القادم، بعد أن اختارت الحركة شخصيات أكاديمية ومهنية مستقلة، ففي حال فشلت هذه القائمة بالفوز وبالتالي استمرار أعباء الحصار المفروض على غزة، ربما تجد حماس نفسها مضطرة لخوض غمار حرب جديدة تحافظ بها على كيانها كرقم مهم في المعادلة الفلسطينية.

(ج) إقليميا قد ترغب مصر أن تكون الحرب في غزة بهذا التوقيت، بهدف أن يستخدمها السيسي كدعاية انتخابية له، ففي حال نجاح الحرب في القضاء على سيطرة حماس على غزة، سيقدم السيسي نفسه، داخليا وإقليميًا، بأنه مُخلص إسرائيل والعالم من آخر المعاقل المحصنة للإخوان المسلمين.

 

رابعاً: سيناريوهات الحرب القادمة

السيناريو الأول: حرب تحريكيه محددة المدة:

وهي حرب قد تشبه إلى حد كبير ما شهده قطاع غزة عام 2012م، بمعني اشتباكات محدودة ولأيام معدودة قد لا تزيد عن عدة أيام فقط، ويكون الهدف منها رغبة صهيونية وحمساوية لتحريك ملف الأسري المختطفين لدي المقاومة الفلسطينية، أو رغبة حماس في تحقيق صفقة تبادل ترفع من أسهم المقاومة الفلسطينية لدي عامة الشعب، هذا إلى جانب تسليط الضوء على معاناة قطاع غزة المتفاقمة والتي اختفي الحديث عنها في ظلل الحديث عن الأحداث الإقليمية المتسارعة، وقد يكون هذا السيناريو هو ما تفضله حماس والكيان الصهيوني.

السيناريو الثاني: حرب مماثلة لحرب 2014م:

في ظل وجود ليبرمان وزيرا للدفاع الصهيوني، فقد تميل الأمور إلى ما هو أسوأ بمعني حرب “مدمرة” تهدف إلى التأثير على حركة حماس تحديدا والضغط عليها أكثر من خلال استهداف البني التحتية والأبراج السكنية بهدف تفاقم المعاناة في غزة مما يجعل حماس مضطرة إلى تقديم تنازلات بشأن صفقة الأسري؛ وذلك من خلال التقليل من سقف مطالبها؛ أو أن تسمح حماس للسلطة الفلسطينية بالعودة إلى قطاع غزة وقيادة مؤسساته وتحديدا في معبر رفح.

السيناريو الثالث: حرب تدميرية واحتلال غزة:

سيناريو احتلال قطاع غزة بصورة كاملة يضعه الكيان الصهيوني أيضا في الحسبان وذلك يرجع إلى:

1ـ خشية الكيان الصهيوني من تصاعد مفاجئ في الفعل ورد الفعل، بمعني قيام المقاومة بعمل نوعي كبير ومفاجئ يحرج قادة الكيان الصهيوني فيدفعها لاتخاذ هذا السيناريو.

2ـ استغلال للأوضاع الإقليمية الدموية التي تتفهم وتتقبل قتلى بأعداد كبيرة، وقد يكون ذلك مصحوبا بتشجيع وتمويل من بعض الدول العربية بهدف إنهاء سيطرة حماس على غزة.

3ـ وصول كل من السلطة الوطنية الفلسطينية ودولة الكيان الصهيوني، إلى اتفاقية سلام، يترتب عليه ضرورة إنهاء العقبة المعيقة في تطبيقه ألا وهي المقاومة الفلسطينية في غزة.

وفي سياق هذا السيناريو تجب الإشارة إلى افتقار قطاع غزة للعمق الاستراتيجي، لوقوعه ضمن مدى نيران المدفعية الصهيونية، وهو أشبه ما يكون بمدينة محاصرة يمكن إسقاطه عبر اقتحامه عسكريا واحتلال مدنه، وتدمير القوى المدافعة عنه. وفرضيات الهجوم تشير إلى أن هذه الحرب قد تبدأ بحرب إعلامية صهيونية قوية تقوم فيها بالطلب من المواطنين في غزة إخلاء مناطق معينة بهدف رفع الغطاء عن الحماية الشعبية للمقاومة. وقد يتبع ذلك قصف صهيوني عنيف للمناطق التي طُلب إخلاؤها مما قد ينذر بمذابح بشعة بحق المواطنين الفلسطينيين، وبعد تكرار العملية أكثر من مرة، قد تقوم مصر بفتح حدودها للمواطنين في غزة للهروب تجاه سيناء، وإقامة معسكرات إيواء لهم.

علما ان هذا الوضع في حال حدوثه سيكون في مصلحة النظام المصري الحالي في عدة نقاط أهمها: لفت الأضواء الإعلامية عن أوضاع مصر الداخلية المتردية اجتماعيا واقتصاديا، وتسليط الضوء على اللاجئين الفلسطينيين في سيناء، وقيام النظام المصري بابتزاز المجتمع الدولي بضرورة حصوله على مساعدات مالية لاحتواء أزمة اللاجئين الفلسطينيين، وقد يظهر النظام المصري بأنه منقذ الفلسطينيين من المذابح الصهيونية وبالتالي رفع شعبيته، وقد تترسخ علاقات النظام المصري الحالي مع الكيان الصهيوني أكثر في حال نجحت فكرة توطين فلسطينيين في سيناء عملا بمخطط غيورا ايلاند.

 

خلاصة:

على الرغم من صعوبة ترجيج أي من السيناريوهات السابقة، وامكانبة أن تبدأ الحرب بالسيناريو الأول وتنتهي بالسيناريو الثاني أو الثالث، نتيجة للمتغيرات المصاحبة للمعركة. إلا أن السيناريو الثاني هو الأقرب للواقع، وذلك لعدة أسباب أهمها: أن الكيان الصهيوني يعلم تماما بأنه لا يقاتل في غزة جيشاً نظامياً يمكن أن ينهار وينتهي، بل يواجه مقاومة شعبية لها أيديولوجياتها وعقيدتها القتالية، بالدرجة التي يصبح معها القضاء على المقاومة أمرا أقرب للاستحالة في ظل وجود ما يقارب 100 ألف مقاتل فلسطيني من كافة الفصائل؛ خاصة في ظل حروب ستكون معظمها تحت الأرض. مما سيكبد الكيان الصهيوني خسائر يعجز عن تحملها (1).

————————-

الهامش

(1) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية”

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close