fbpx
تحليلات

محددات الهوية الإماراتية وتأثيرها على سياستها الخارجية

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

تمهيد

تستحوذ مقاربات كالواقعية والليبرالية على اهتمامات الباحثين في دراسة وتفسير السياسة الخارجية الإماراتية ويعود الأمر إلى أن المنطقة العربية والحالة الإماراتية تشكل مختبرا كبيرا لدراسة الفرضية الواقعية لما تعيشه المنطقة من أزمات وصراعات وحروب ونزاعات أهلية تشتبك معها الإمارات والفاعلين في المنطقة، كما يؤثر الاقتصاد والنفط في تفاعلات الدولة وارتباطاتها مع العالم واهتمام العالم والإقليم بها وبمنطقة الخليج عامة إلا أننا نجد أن متغير الهوية  يستحوذ على جزء أخر من تفسير بعض السلوكيات والتغيرات في السياسة الخارجية للدولة ويعد مدخلا هاما لدراستها خاصة وان الدولة قد شهدت تحولات عميقة على مستوى الهوية.

في ضوء هذا، تتناول الدراسة السياسة الخارجية الإماراتية تحاول معرفة دور الهوية وأثرها على السياسة الخارجية الإماراتية، من منظور المدرسة البنائية في العلاقات الدولية والسياسة الخارجية والتي تركيز على الطبيعة الاجتماعية والعوامل الفكرية ودور الهوية والبعد القيمي وكيفية نشوء الأفكار والهويات والكيفية التي تتفاعل بها مع بعضها البعض ولا تستبعد القوة كمتغير لكنها تنظر إلى القوة والصراع على أنها نتيجة لتصورات وتراكمات ثقافية ويمكن تغيير هذا النمط من التفاعلات بتغيير الأفكار والتصورات[1].

مشكلة الدراسة

كيف يمكن للهوية أن تلعب دورا في تصور وتفسير السلوك الخارجي للإمارات وتؤثر فى تفاعلاته على المستويات والقضايا المختلفة التي تنشط فيها؟

تساؤلات الدراسة

  1. ما هي العوامل التي تشكل هوية الإمارات وما هي التغيرات التي شهدتها ؟
  2. ما علاقة الهوية بالسياسة الخارجية؟
  3. ما تأثير ودور الهوية في السياسة الخارجية الإماراتية؟

أهداف الدراسة

  1. التعرف على مفهوم الهوية وعناصرها وعلاقتها بالسياسة الخارجية.
  2. التعرف على عوامل تشكيل هوية دولة الإمارات وما مرت به من تطورات فى العقود الأخيرة.
  3. دراسة تأثير الهوية وتغيراتها على السياسة الخارجية الإماراتية.

فرضية الدراسة

تنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن: العوامل التي ساهمت في تشكيل هوية الإمارات كان لها تأثير على سلوكها في السياسة الخارجية كما أن الهوية قد شهدت تحولات ساهمت بدورها في تغير السلوك الخارجي تجاه القضايا التي تنشط فيها انطلاقا من هذا التغير الهوياتي.

منهجية الدراسة:

سعيا لإثبات الفرضية التي انطلقت الدراسة منها والإجابة على التساؤلات والإشكالية المطروحة تم استخدام المنهج المقارن حيث تم المقارنة بين مرحلتين في توجهات السياسة الخارجية الإماراتية: الأولى، مرحلة مؤسس الدولة الشيخ زايد أل سلطان والتي بدأت من عام 1971 إلى وفاته عام 2004م؛ والثانية، مرحلة حكم أبنائه من بعده، والتي تبدأ من 2004 حتى الآن.

محاور الدراسة:

المحور الأول: الهوية الإماراتية.. التعريف والمكونات: تناولنا فيه تعريف الهوية ومكوناتها وتأثيرها على السياسة الخارجية ومكونات الهوية الإماراتية.

المحور الثاني: تأثير عامل الهوية على السياسة الخارجية الإماراتية: تناولنا فيه تأثير عنصر الهوية على السياسة الخارجية للدولة في عدد من القضايا والمستويات التي تنشط فيها.

المحور الأول: الهوية الإماراتية.. التعريف والمكونات

1.الهوية وتأثيرها على السياسة الخارجية

لقد ظهر الاهتمام بالهوية والعوامل الفكرية لتلافي القصور في المناهج الواقعية التي وجهت لها الانتقادات لإهمالها عوامل الهوية وبدت محدوديتها في تفسير السياسة الخارجية لمنطقة الشرق الأوسط ولتلافي هذا القصور اعترف بأهمية الهوية والعوامل الفكرية والإيديولوجية وتم إدراجها في اطر التحليل بجانب العوامل والمتغيرات المادية مثل التهديدات والفرص والجغرافيا السياسية[2].

ومفهوم الهوية اليوم واسع الانتشار رغم حداثته فى الطرح، ويثار حول تفسيره وأبعاده والآثار الناتجة عنه وتأثيره على الفرد والمجتمع والسياسة أراء متعددة وأطروحات مختلفة حيث جاء من تناولوه من اتجاهات مختلفة، ففرويد تناوله من جانب علم النفس وتناوله إريك أريكسون من منظور علم الاجتماع، وقد زاد الاهتمام به في علوم النفس والاجتماع وصولا إلى علم السياسة، كما تثار نفس التساؤلات حوله في علم العلاقات الدولية والسياسة الخارجية إضافة إلى أسئلة عن علاقته بالعوامل الأخرى المؤثرة في السياسة الخارجية باعتباره أحد تلك العوامل والمتغيرات؟ وهل هو العامل الوحيد المؤثر؟ ومتى يكون الأكثر تأثيرا؟ وكيف تختار الدول بين الهويات المتعددة؟

تشير كلمة الهوية إلى حقيقة أن البشر يريدون أن يحترموا ويعتقدون أن لديهم إحساسا داخليا معينا بالكرامة أو الاستحقاق ويريدون أن يدرك الآخرون هذه القيمة ويغضبون كثيرا إذا لم يتلقوا هذا الاعتراف وبالتالي فهي تختلف عن الرغبات والتفصيلات التي يتحدث عنها الاقتصاديون[3]، وقد قدمت العلوم الاجتماعية تعريفا أخر أكثر بساطة للهوية على أنها السمات المعرفة للفرد والجماعة والتي من خلالها يتم تمييز الذات عن الآخرين[4].

قدمت أيضا النظرية البنائية في العلاقات الدولية إسهاما هاما في تعريف الهوية كأحد المتغيرات التي تؤثر في حركة التفاعلات الدولية، ويراها ألكسندر ونت أحد منظري البنائية أنها سمة من سمات التفاعل الدولي تولد لديه تصرفات سلوكية، ويعرفها راسوا بأنها حزمة من القيم المشتركة والمعتقدات والاتجاهات والأدوار تستخدم لرسم الحدود بين من هو داخل الجماعة ومن خارجها[5].

ولعمومية هذه التعريفات حاولت دراسات عديدة ضبط المفهوم حيث التفريق بين الهوية والقيم والثقافة وقد قدم ماكسيم ألكسندر دراسة في بهذا الصدد بعنوان مفهوم هوية الدولة في العلاقات الدولية تحليل نظري رصد فيها الخلط ورأى أنه عند دراسة مفهوم الهوية في العلاقات الدولية، يتم التركيز على هوية الدولة ويقصد بها الصور والمعتقدات المعبرة عن الدولة، الخاصة بحقوقها ومسئوليتها وسلوكياتها تجاه الدول الأخرى[6]. وإن هذا الضبط للمفهوم لهو أكثر أهمية عند دراسة دور الهوية لدولة في الشرق الأوسط وذلك لخصوصية المنطقة التي هي في الغالب هوية دولها متمايزة تماماً عن الهويات الوطنية للشعوب، وهو الأمر الذي يؤدي إلى انعدام الأمن المحلي والصراعات في المنطقة كما نشهدها خاصة بعد اندلاع الربيع العربي.

ويمكن تعريف الهوية الوطنية على أنها مجموعة من الأشخاص الذين يتطلعون إلى أن يكون لهم وطن تاريخي، ويتقاسمون أسطورة مشتركة وذكريات تاريخية ولديهم حقوق أو واجبات قانونية لجميع الأعضاء، ولديهم علامات تمييزية عن الآخرين.[7]

وهناك مفهوم آخر أيضا له ارتباطات بالسياسة الخارجية والعلاقات الدولية، وهو الهوية الثقافية، ويعني الخصوصية والتفرد الثقافي بما يشمله معني الثقافة من عادات وأنماط سلوك وميول وقيم ونظرة إلى الكون والحياة وقد تكون سببا في تقارب أو تنافر بعض الدول والشعوب وقد ارتبطت بالهوية الثقافية مفاهيم مثل القوة الناعمة والدبلوماسية الثقافية وهي التي تعني بتوظيف لعناصر عدة كالفنون والتاريخ والتعليم والدين للتأثير على الرأي الخارجي ويتم استخدامها من الدول الكبرى لنشر أيديولوجياتها وقيمها كما فعلت الولايات المتحدة للتأكيد على القطبية الأحادية ونشر قيمها ومفاهيمها الليبرالية بينما تستخدمها الدول الصغرى والضعيفة لتعويض النقص في عناصر القوى المادية لديها كالقوة العسكرية[8].

ولقياس القوة الناعمة وضع باحثون من مؤسسة بورتلاند معيارين الأول يتعلق بالحكومة وسياساتها ومؤسساتها فكلما كانت مؤثرة في سياساتها وتستطيع الوصول إلى أهدافها تزداد معدل جاذبيتها والثاني يتعلق بالمجتمع وهويته ومدى عالميتها بينما المؤشرات فكانت كالتعليم الذي يجذب الطلاب من الخارج إلى الدولة والنموذج الاقتصادي والابتكار التكنولوجي[9].

وفيما يتعلق بمكوناتها فالهوية كمتغير غير ثابت يتحدد بمجموعة من العناصر التي تساهم فى تكوينه، كما أنها متغيرة بتغير الزمان والمكان[10] ويختلف الوزن النسبي لكل منها من حالة لأخرى[11]، وتكمن في المجال الجغرافي والمحدد التاريخي والثقافي والسياسي والاقتصادي.

ينصرف الاهتمام بالهوية وعلاقتها  على السياسة الخارجية على معرفة تأثيرها على عملية صنع القرار السياسي أي عندما تتحول من كونها إطارا ينتمي إليه الفرد إلى إطار من القيم والمعتقدات تحدد السلوك السياسي وتوجهه وتحدد رؤية العالم والآخر وتصاغ في مشروع سياسي وربما تتحول إلى أيديولوجيا[12].

هذا التصور للذات يحدد طبيعة العلاقة مع الفواعل في النظام الدولي وهنا يتم التمييز بين ثلاثة مداخل لدراسة الهوية الأول ما يسمى بسياسات هوية الدولة يتم التركيز فيها على الهويات المشتركة بين الدول وكيفية تأثيرها علي العلاقات فيما بينهم مثل الهوية العربية وكيف أثرت على العلاقات البينية بين الدول العربية والثاني الهوية الذاتية الجماعية مثل الولايات المتحدة ما يجعلها دولة مميزة عن غيرها وكيف تؤثر هويتها في سياساتها الخارجية ؟ والثالث هوية الدول الأخرى وهي الخصائص الهوياتية التي تراها دولة فى دولة أخرى[13].

وحول طبيعة تأثير الهوية على السياسة الخارجية هناك ثلاث اتجاهات[14]:الأول يشير إلى التأثير المباشر للهوية على السياسة الخارجية حيث تمثل الهوية انعكاسا تماما للتصورات الخاصة بالهوية الوطنية وعليها تحدد الدولة أصدقاءها وأعدائها ومصالحها وطموحاتها ويوجه النقد لهذا الاتجاه حيث أن وجود هوية للدولة لا يعني بالضرورة انعكاسها على سياساتها الخارجية؛ فهوية مصر تفسر علاقتها بالاحتلال الصهيوني بينما لا تفسر علاقتها بحركة حماس، على سبيل المثال. 

والثاني يشير إلى التأثير غير المباشر للهوية على السياسة الخارجية وعليه فى هذا الاتجاه يمر تأثير الهوية بمتغيرات وسيطة مثل بنية المجتمع وقوة التنظيمات الاجتماعية فيه ومدى تجانسه من حيث الأيديولوجيا أو مدى تطور التحالفات الاجتماعية والعلاقات بين الدولة والمجتمع وهل يقتصر التحالف على النخبة ويستبعد الفاعلين الاجتماعيين أو البيئة الإقليمية وتغيراتها التي تسمح للدولة باستخدام هويتها أم لا.

والثالث يشير إلى العكس وهو أن الدولة تستخدم السياسة الخارجية للتأثير على الهوية  فيري البعض أن التدخل العسكري الأمريكي فى الخارج كان يهدف إلى تعزيز عملية داخلية لبناء الهوية وتعريفها.

وحول الدور الذي تؤثر به الهوية على السياسة الخارجية وهل هي دافع للصراع أم للتعاون نشير إلى بعض صور التأثير يرى أنصار البنائية أنها تلعب دورا هاما فى تعريف البيئة الأمنية يجب الالتفات إليه على عكس تصورات المدرسة الواقعية التي تشير إلى أن القوة هي العامل الأبرز في تحديد الإخطار والتهديدات التي تتعرض لها الدول، إن الهوية المشتركة قد تقلل من أزمة الأمن وتدعم فكرة السلام فهناك ارتباط بين مفهومي الهوية والأمن والمثال على ذلك هو موقف الولايات المتحدة من الأسلحة النووية لدى كل من بريطانيا وكوريا الشمالية فبينما لا تمثل الأسلحة النووية البريطانية تهديد أمني كما ترى أمريكا رغم كثرتها لما يجمعهما من هوية مشتركة ترى فى الأسلحة الكورية العكس من ذلك لاختلاف الهوية. وتساهم وتعزز الهوية في تشكيل التحالفات العسكرية فوجود هوية مشتركة بين دولة وأخرى يدفعهم إلى تشكيل تحالف عسكري وليس بالضرورة وجود مصالح مشتركة فقط فقد استمر حلف الشمال الأطلسي الذي تكون في إطار الحرب الباردة  بعد سقوط الاتحاد السوفيتي رغم زوال التهديد[15]

2.الهوية الإماراتية وتغيراتها

تتمثل العناصر المحددة لهوية دولة الإمارات في:

1- المجال الجغرافي

الجغرافيا تعد من أهم عنصر من عناصر تكوين الهوية وتشكيلها فهي العنصر السابق على العناصر الأخرى كالتاريخ والثقافة والاقتصاد وفي بوتقة الجغرافيا تتشكل وتتفاعل هذه العناصر فالجغرافيا من المقومات التي تصنع خصائص الدولة والإقليم ويظهر جليا اثر الجغرافيا على المجتمع والاقتصاد والسياسة والأمن في دولة الإمارات وبالتبعية التأثير على الهوية والمساهمة فى تشكيلها[16].

تقع الإمارات فى القسم الجنوبي الغربي من قارة آسيا وفي جنوب شرق الجزيرة العربية بمساحة  83600 كم مربع وجميع إماراتها تطلع على الخليج العربي ماعدا إمارة الفجيرة التي تطل على خليج عمان وهذه الإطلالة حيث القرب من مضيق هرمز المتحكم بمرور السفن كمنفذ بحري هام لتجارة الترانزيت واحد أهم الطرق التجارية الرئيسية في المنطقة الرابطة بين جنوب شرق آسيا والجزيرة اكسب موقعها أهمية بالغة إضافة إلى التأثير على الصعيد الأمني والاقتصادي في هذه المنطقة البالغة الحساسية والغنية بالنفط، كما أن مساحتها التي تأتي في الترتيب الثالث في دول مجلس التعاون الخليجي بعد السعودية والإمارات أعطاها ميزة دفاعية من خلال استغلال عمقاها الإستراتيجي المتمثل في الصحراء المكونة لمعظم أراضيها والتي هي امتداد لصحراء شبه الجزيرة[17].

2- المكون التاريخي

يأتي التاريخ كعامل أخر من عوامل تشكيل الهوية حيث البعد الزمني والذي يساهم فى تشكيل ذاكرة الأفراد والمجتمع والدولة فلا يمكن فصل الماضي عن الحاضر لأن الهوية هي نتاج صيرورة تاريخية تنشأ عبر الخبرات والإمارات من الدول ذات الماضي الاستعماري وقد عرفت قبل الحصول على الاستقلال باسم الإمارات المتصالحة وكانت تقع تحت الحماية البريطانية حيث عقد شيوخها اتفاقية الحماية عام 1820 ممن أجل تأمين سبل اتصالاتها البحرية  ثم بسطت نفوذها بعد ذلك وعقدت اتفاقية جديدة عام 1853م  وقد منحت تلك الإجراءات بريطانيا طابع رسمي في المنطقة ووطدت هيمنتها وقلصت من قدرة الحكام من القدرة على التصرف بشكل مستقل عنها وفي عام 1952 تم إنشاء مجلس لحكام الإمارات وكان المجلس يعقد جلساته فى دبي برئاسة الوكيل السياسي البريطاني يتم فيه مناقشة مختلف القضايا التي تهم الإمارات مثل تنسيق الأمن الداخلي وتنظيمه. ثم كان الاستقلال عن بريطانيا بداية الطريق لنشأة الدولة التي توحدت في عام 1971 م.

3- المحدد السياسي 

حيث الدولة القومية ونظام الحكم وشكل الدولة ونظم الإدارة والمواطنة والجنسية والبناء الدستوري والقانوني والأيديولوجيا وهو عامل أساسي آخر من عوامل تشكيل الهوية

يحكم الإمارات نظام فدرالي اتحادي منذ 1971م مكون من سبع إمارات ذلك بعد أن كانت كل إمارة قبل ذلك كيان سياسي قائم بذاته بالغ في الصغر من حيث المساحة وعدد السكان، وبقيام الاتحاد انتقلت من الحكم القبلي أو شبه القبلي إلى الحكم الدستوري حيث صدر دستور مؤقت للدولة تم إقراره لدستور دائم عام 1996م[18].

وقد شهدت على المستوى السياسي عدة تغيرات في السنوات الأخيرة لها علاقة بهوية الدولة وتوجهاتها حيث تعد الإمارات اليوم دولة علمانية أو ليبرالية نسبيا، قامت بتقويض وتحجيم الحركات الإسلامية في الداخل[19]، والتي كانت تعدها عائقا أمام تنفيذ تلك السياسات[20]، وترى إمدادات تلك الحركات خارجيا تهديدا وجوديا لنهجها العلماني، وقد كانت في السابق سياستها مدفوعة إلى حد كبير بعوامل الهوية والشعور بالانتماء إلى الأمة العربية والإسلامية وتبحث عن ما يجذب الجمهور العربي والمسلم من خلال الوسط الإسلامي وعلمائه. ويجد صناع السياسة والمسئولون فى الغرب في حكام الإمارات اليوم الحليف الذي يستطيع أن يتحدث بلغتهم ويبهرهم بنموذجه الليبرالي الذي يحقق مصالحهم[21].

توصف الإمارات اليوم أيضا حسب العديد من المحللين بأنها قوة متوسطية أو إقليمية أو صاعدة حيث صنعت اسماً لـ نفسها كلاعب إقليمي رئيسي  وفي السنوات الأخيرة، ظهر تحول واضح لها من هوية غير تدخليه وسلمية إلى هوية أكثر عسكرية، ذلك بالإضافة إلى توظيفها للقوة الذكية والناعمة [22].

4- المحدد الاقتصادي

يعد المحدد الاقتصادي من الإبعاد المهمة فى رسم الهوية والثقافة الإماراتية وفي تغيراتها أيضا حيث شهد تحولات كبيرة، وقد اعتمدت الإمارات قبل ظهر النفط بشكل كبير على الزراعة في الواحات، والصيد، وتجارة التمر، واللؤلؤ.[23] 

ولقد كان لظهور النفط اثر على المجتمع والسياسة والثقافة في الخليج العربي والإمارات كما ارتبطت نشأة الدولة بظهوره ويعد حادثا فاصل بين مرحلتين مختلفتين في حياة سكان دول الخليج العربي ومنها الإمارات العربية المتحدة آذ غمروا بثروة هائلة  كان لها الفضل الأكبر في تطورها و تغيير معالمها الاجتماعية والاقتصادية[24] ولقد ساعدت العوائد النفطية في استثمارها وامتلاك الوسائل الحديثة من النقل والمواصلات والطرق وبناء الموانئ وامتلاك الأساطيل البحرية التي ربطها بالعالم الخارجي[25]

وشهدت تحولات أخرى منذ نهاية التسعينات حيث أصبحت جهة اقتصادية رائدة وفاعلة في منطقة الخليج بعدما اتخذت حزمة من الإجراءات والتوجهات السياسية  نحو نهج الاقتصاد الحر حولته من الريعي القائم على النفط إلى الاقتصاد متعدد القاعدة الإنتاجية وتصاعد مساهمة القطاع غير النفطي فى الناتج المحلى مثل الصناعات التحويلية والتجارة والشحن أدى ذلك إلى ازدهار اقتصاد الدولة وساهمت تلك السياسات في جعل الدولة القوة الجيو اقتصادية المهيمنة في غرب المحيط الهندي وشريكا تجاريا وماليا للقوى العظمى[26].

5- المكون الثقافي والاجتماعي

الثقافة بشكل عام هي إطار واسع يشمل مجموعة من القيم والمعتقدات والعادات والتقاليد والفنون والآداب وتنحصر في ثلاثة إبعاد رئيسية هي: الممارسات الدينية، اللغة، التقاليد والتراث والعادات.

الإمارات دولة ذات هوية ثقافية عربية ودينها الإسلام كما ينص على ذلك دستور البلاد وقد ساهمت ثقافتها العربية في هويتها وأثرت على سياستها الخارجية، وتواجه هذه الثقافة تهديدات بسبب الانفتاح والعولمة وانتشار الثقافة الاستهلاكية التي يشهدها المجتمع الإماراتي والتهديد الديمغرافي حيث الخلل في التركيبة السكانية[27]. فعدد سكان الإمارات يبلغ 10 مليون نسمة نسبة المواطنين بينهم أقل من 10%، ويشكل المهاجرون الباقي. وتسعى الحكومة هناك لمعالجة هذه التهديدات عبر وضع سياسات كالتجنيس[28]، ولا تمتلك الإمارات موروث ثقافي مؤثر عالميا يدعم سياستها الخارجية.

من خلال العرض السابق يمكن التوصل إلى خلاصة مفادها أن الهوية الإماراتية تتكون من عناصر متعددة مادية ومعنوية تسهم كل منها بدرجات متفاوتة في تشكيل الصياغة النهائية لها، يعد العنصران السياسي والاقتصادي أبرز العناصر المساهمة في رسم هويتها حيث أنها تتمتع بنظام سياسي مستقر نسبيا في منطقة مضطربة وقوة اقتصادية كبيرة نسبيا وقد جعلها العنصران قوة صاعدة في إقليم الشرق الأوسط لها سمتها المميز إضافة إلى أن توجهها العلماني نسبيا لفت أنظار الغربيين إليها، وتتميز بنهجها المتعدد في استخدام القوة فهي تجمع بين القوة العسكرية والذكية والناعمة في سياستها الخارجية وهذا على خلاف الماضي فقد كانت حذرة تعتمد أكثر على القوة الناعمة، كما أنها تفتقر إلى العمق والامتداد التاريخي لحداثة نشأتها، حيث لا تملك ماضي عريق يساهم في تشكيل ورسم هوية مؤثرة. وتشكل الجغرافيا عامل ذو حدين فى تشكيل هويتها حيث أنها ذات أهمية من حيث المكون الجغرافي وهي مهددة أيضا لصغر حجمها الجغرافي وخطورة موقعها في منطقة ذات أهمية عالمية ويعد المكون الثقافي والاجتماعي نقطة ضعف أخري في هويتها حيث تفتقر إلى الموروث الثقافي والتراثي الذي يجذب أنظار العالم، كما تتشكل سكانيا في غالبيتها من مواطنين أجانب مما يشكل تهديدا وخطرا ديمغرافيا وهوياتيا، وقد ساهم هذا الضعف البنيوي في سهولة وسرعة مرورها بتحولات كبيرة على مستوى الهوية.

من هوية عروبية إسلامية أو غير معادية للهويات الإسلامية إلى الهوية العلمانية المعادية للتيارات الإسلامية ومن هوية سلمية إلى هوية وصفت بأنها عسكرية

المحور الثاني تأثير عامل الهوية على السياسة الخارجية الإماراتي:

يمكن ملاحظة أثر الهوية على السياسة الخارجية الإماراتية على مختلف الأصعدة ويظهر تأثير عنصر الهوية بشكل متفاوت في مستويات تواجدها ونشاطها بداية من المستوى الخليجي، يجمع الإمارات بدول الخليج مشاركات كثيرة في الهوية حيث التاريخ والجغرافيا المشتركة والظروف الاقتصادية والسياسية المتشابهة علاوة على اللغة والدين وهو ما ينعكس على طبيعة التفاعل مع القضايا والمشكلات والسياسات الخارجية وتأثيرها على شكل التعاون والصراع والتحالفات والسياسات الخارجية بصورة عامة.

وفي عهد حكم الشيخ زايد، الذي امتد من عام 1974 وحتى وفاته في العام 2004، انتهجت الإمارات العربية المتحدة سياسة خارجية معتمِدة أساساً على العلاقات الوثيقة مع دول الخليج. وقد كان الشيخ زايد يؤكد، خلال السنوات الأولى لبناء دولة الإمارات العربية المتحدة، على إقامة علاقات صداقة مع جميع أعضاء دول مجلس التعاون الخليجي.[29] وتعد نشأة مجلس التعاون الخليجي من الأمثلة الهامة على دور وتأثير الهوية في السياسة الخارجية للإمارات ودول الخليج.

لقد كانت دول الخليج فى بدايات القرن الماضي عبارة عن مجموعة من المشيخات والإمارات الصغيرة وكانت هناك عدة عوامل باعثة على التعاون والوحدة أولها افتقارها إلى  صورة الدولة الحديثة فكان البحث عن تطوير تلك الكيانات باعث دافع إلى البحث عن الوحدة مع بعضها وكذلك ما يجمعهم من خصائص مشتركة في الهوية أهمها العرق والدين واللغة ثم كانت التحديات المشتركة بعد الانسحاب البريطاني والذي ترك فراغ في المنطقة دفع القوى الدولية والإقليمية إلى ملئه باعث أخر على البحث عن الوحدة في سبيل مواجهة تلك التحديات الجديدة[30].

وفي السنوات الأخيرة تصدع المجلس بسبب تداعيات أزمة حصار قطر والتي عصفت بالعلاقات السياسية لدول الخليج. وعند النظر إلى التصدع في المجلس خاصة في الأعوام الأخيرة نجد أن أسبابه متعددة أيضا كان من أهمها بروز هويات الدول المكونة للمجلس وتمايزها واختلاف بعضها عن بعض حيث المواقف المتضاربة من الربيع العربي والتيارات السياسية الإسلامية والقوى الإقليمية.

على المستوى العربي يربط الإمارات مع الدول العربية مشتركات عديدة في الهوية كما هو الحال مع دول الخليج ومجلس التعاون وكان لها أثرها على سياستها الخارجية وقد شهدت تغيرات عميقة في فترة حكم أبناء زايد.

في بداية نشأتها عملت الإمارات على مناصرة القضايا العربية وفي سبيل تعزيز العلاقات العربية وتماسك أقطارها سعت إلى حل الخلافات وقامت بدعم التقارب العربي من خلال جامعة الدول ومجلس التعاون أو عن طريق الاتفاقات والاتصالات الثنائية، ومن هذا المنطلق توسطت في حل توترات عربية عديدة كالتي حدثت بين مصر وليبيا عام 1979م وبين سوريا والعراق 1983م وبين شرطي اليمن عام 1989م وتقدمت أيضا بمبادرة لحل الأزمة قبل الاحتلال الأمريكي للعراق، ثم اتسم التطور اللاحق لسياسة الإمارات بتغير في التركيز على الحلول الدبلوماسية والقوة الناعمة التي ميزت الدبلوماسية الإماراتية في عهد الأب المؤسس للدولة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان نحو مزيد من التدخل والمشاركة[31]. وخاصة بعد الربيع العربي، تعدى الدور الإماراتي حالة التدخلات العادية إلى تمويل الانقلابات العسكرية وتغيير الأوضاع السياسية والاقتصادية في البلاد العربية.

ويعد الموقف من الأقليات الإسلامية حول العالم أمثلة أخرى على توجهات السياسة الخارجية الإماراتية في ضوء الهوية والتي توضح مواقفها وما مرت به من تغيرات على هذا المستوى العالمي والإسلامي حيث اتخذت لنصرة القضايا الإسلامية أشكالا مالية وسياسية وقد أعلن مؤسس الدولة في خطابه عام 1974 أن السياسة تجاه دول العالم الإسلامي [32] ستظل مشاركة فعالة في كل ما يرفع شأن الإسلام والمسلمين. ونص دستور الدولة على أن: “السياسة الخارجية لدولة الإمارات العربية المتحدة تتجه نحو دعم القضايا والمصالح العربية والإسلامية ونحوها إقامة صداقة وتعاون أوثق مع جميع الأمم والشعوب على أساس مبادئ ميثاق منظمة الأمم المتحدة والمثل الدولية.

 ونورد فيما يلي أمثلة ثلاثة نتتبع فيها هذا الدور بهدف الوقوف على مستوى الأثر الذي أحدثته الهوية في السياسة الخارجية الإماراتية:

1- القضية الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي

تعد القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي أبرز مثال على المستوى العربي لتأثير الهوية وتغيراتها على السياسة الخارجية للإمارات

لقد كان موقف الإمارات من القصية الفلسطينية ينبع من اعتبارها محور السياسة العربية والأساس في قضية الشعب العربي وقد نالت القضية اهتمام الدولة منذ استقلالها عام 1971م  وتشعب هذا الاهتمام ليشمل مجالات عديدة منها المجال السياسي والإقليمي والدولي. وفي دعم صمود الشعب الفلسطيني في الداخل سوء فى غزة أو الضفة كإعادة بناء المخيمات التي يقوم الاحتلال بهدمها وإعادة أعمار المعابر كمعبر رفح وقد نشطت الدبلوماسية الإماراتية في المؤسسات الدولية لحماية حقوق الشعب الفلسطيني [33].

انطلقت الإمارات في دعمها للقضية الفلسطينية من مجموعة من المبادئ والأبعاد منها البعد العربي والإسلامي، فقد جاء في نص الدستور دعم القضايا العربية والتعاون معها في سبيل تحقيق الوحدة وعلى أن الإمارات جزء من الوطن العربي ترتبط معه بروابط الدين واللغة والتاريخ ووحدة المصير[34]. وانطلقت أيضا من رؤيتها في العمل من أجل الاستقرار انطلاقا من ميلها نحو الدبلوماسية والحلول السلمية.

وعلى الجانب الأخر في العلاقة مع الاحتلال، عُرفت السياسة الخارجية الإماراتية في عهد الشيخ زايد بدعم محور المواجهة مع إسرائيل، وقد شاركت دولة الإمارات العربية المتحدة في الحظر النفطي العربي الذي استمر من أكتوبر/تشرين الأول عام 1973 وحتى مارس/آذار عام 1974، وقد خفضت تلك الدول آنذاك صادراتها إلى الولايات المتحدة الأميركية وهولندا كردِّ فعل على دعمهما إسرائيل خلال حرب أكتوبر، وقدمت في الوقت نفسه دعماً واسع النطاق للدول الواقعة على “خط المواجهة” في الصراع مع إسرائيل.

وتغير موقف الإمارات من القضية الفلسطينية بعد وفاة الشيخ زايد، خاصة بداية من 2006 عقب فوز حركة حماس في الانتخابات، حيث بدأت الإمارات تدريجيا في السلوكيات المعادية للفلسطينيين وللفصائل المقاتلة فعملت على تجفيف المنابع المالية لحركة حماس في الإمارات والتجسس وتقديم معلومات استخباراتية للاحتلال والشيطنة والحملات المناوئة مؤخرا لتشويه المقاومة عبر قواها الناعمة، علاوة على اعتقالات لعشرات الفلسطينيين المقيمين على أرضها. وتشير التقارير في السنوات الأخيرة عن تورط الإمارات في شراء منازل الفلسطينيين في القدس المحتلة لصالح تسريبها للجمعيات الاستيطانية اليهودية.

وأشار الخبير الإسرائيلي في الشؤون العربية جاكي خوجي أن “هناك قواسم مشتركة عديدة بين الإمارات وإسرائيل، فالإمارات كما إسرائيل، لهما علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة ومصر، وهذه الدول الأربعة تشترك في تحالف ضد إيران و”المنظمات الجهادية المسلحة”. وذكر آخرون أن صناع القرار في تل أبيب وأبو ظبي “يتوافقون أنهما يقاتلون ضد القوى “الراديكالية” في العالم العربي، ومنها المقاومة الفلسطينية، مما يزيد من جودة التنسيق الأمني بينهما[35].

وتوج الأمر بالتطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي الذي أطلق ما يعرف باتفاقات إبراهام للسلام و تعود أهدافه إلى المصالح والهوية معا، وتمثلت تلك الأهداف في الشعور بالتهديد المشترك من النفوذ الإيراني والرغبة في إقامة تعاون أمني مع إسرائيل في مجال الأمن المعلوماتي وممارسة تأثير دبلوماسي على البيت الأبيض وصراعها مع الإسلام السياسي[36].

لقد كانت الإمارات الدولة الأسرع من بين الدول العربية المطبّعة مع إسرائيل في تنفيذ صفقات الشراكة والاندماج الاقتصادي والتجاري وبرزت مشروعات عديدة بين البلدين في مجالات السياحة النقل وخطوط الطاقة ومجالات أخرى[37].

ومما تقدم يمكن القول إن الإمارات فى السابق كانت تتعامل في علاقتها في السابق مع القضية الفلسطينية من منطلق الهوية فى بعض توجهاتها انطلاقا من العروبة والبعد الديني الإسلامي، ثم مع ما مرت به من تغيرات تأثرت علاقتها بالقضية، وكذلك الحال فى العلاقة مع الكيان الصهيوني والذي تغيرت العلاقة به مع تحولات الهوية الإماراتية، والتي أصبحت اليوم تشترك معه في معاداة الفصائل الفلسطينية خاصة حركة حماس.

2- الأقليات الإسلامية

وقفت الإمارات بجانب شعب البوسنة والهرسك أبان الحصار الصربي في التسعينات وبادرت بتقديم الاحتياجات الطبية والعينية وبتوفير المساعدات العاجلة لأهالي سراييفو لمساندتهم والوقوف معهم أيام الحصار الصربي، وبعد انتهاء الحرب ساهمت بإعادة أعمار البنية التحتية فكانت على شكل مشاريع إنشائية في بناء نحو 25 مبنى لإعادة توطين اللاجئين البوسنيين العائدين إلى بلادهم، وكذلك تم بناء مراكز ثقافية اجتماعية وأشكال أخرى من المساعدات والدعم  انطلاقا من البعد الإسلامي والإنساني[38].

ومع نهاية عقد التسعينات، طرأت تحولات كبرى على سياسة دولة الإمارات العربية المتحدة الخارجية، وتحول اهتمام دولة الإمارات تدريجيّاً عن الالتزام بالقضايا العربية والإسلامية وقد انخرطت مع التطورات الطارئة على الاقتصاد العالمي ونظام الحكم الدولي من أجل مُراكمة قدرات احتياطية هائلة من القوة “الناعمة” و”الصلبة”، وإيجاد مكان لها في مجالات اقتصادية مختارة بعناية مثل مجال الطيران المدني والطاقة المتجددة والتمويل الدولي[39].

مؤخرا ظهرت مواقف مختلفة ومغايرة للإمارات تجاه بعض الأقليات الإسلامية المضطهدة حول العالم وعلى عكس توجهاتها السابقة ومنها أقلية الإيغور المضطهدة في الصين والمصالح الاقتصادية من الأسباب الدافعة نحو هذه المواقف بجانب توجه الإمارات الليبرالي في الاقتصاد ومع يربطها بالصين علاقات تجارية واقتصادية إذ تعد الإمارات من الشركاء الاقتصاديين والتجاريين للصين في شمال أفريقيا وغرب أسيا

لكن الأمر لا يقتصر على دوافع المصالح الاقتصادية حيث يجمع الإمارات بالصين أيضا تشابه مواقف في مجال حقوق الإنسان، والحساسية الشديدة من الديمقراطية والإسلاميين إضافة إلى توجس ولى عهد أبو ظبي محمد بن زايد من واشنطن ولندن باعتبارهم غير موثوقين مما يدفعه نحو بناء علاقات مع بكين[40].

 وأعرب الرئيس الصيني عن شكره للإمارات على دعمها لسياسات بلاده بخصوص أقلية الإيغور المسلمة غربي الصين، جاء ذلك خلال لقائه ولي عهد أبو ظبي الإماراتية، الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، في العاصمة الصينية بكين في عام 2019م،وقال إن بلاده تعتبر الإمارات شريكاً إستراتيجيا تعاونياً هاماً في الشرق الأوسط، وتدعم جهودها في حماية أمنها وسيادتها الوطنية ومصالحها التنموية، فضلاً عن دورها المتزايد في القضايا الإقليمية والدولية، كما عن امتنانه لدعم الإمارات سياسات بكين المتعلقة بإقليم شينجيانغ، فيما يخص مكافحة الإرهاب، في إشارة إلى الحملات الأمنية التي تنفذها الصين ضد مسلمي الإيغور[41].

وتتهم الإمارات اليوم بإقامة سجن صيني في الإمارات مخصص للإيغور حيث جاء فى تقرير لوكالة Associated Press الأمريكية، 16 أغسطس/آب 2021، أن فتاة صينية تدعى وو هوان، اتهمت بكين باحتجازها ثمانية أيام بسجن سري تديره الصين في دبي[42].

ومما تقدم عرضه حول قضايا الأقليات الإسلامية في العالم يظهر أن موقف الإمارات كان ينطلق في أحد دوافعه في السابق من الهوية الإسلامية والتزامها تجاه القضايا الإنسانية ومع ما مرت به من تغيرات في الهوية وما أثر في سلوكها في سياستها الخارجية تجاه تلك القضايا نجد لعامل الهوية  تأثير ودوافع انطلاقا من هويتها العلمانية ومحاربتها للتوجهات الإسلامية حول العالم.

3- الصوفية الإماراتية

عمدت الإمارات إلى استخدام الصوفية أداة في السياسية الخارجية كنوع من الدبلوماسية الثقافية أو القوة الناعمة ويندرج هذا السلوك تحت النوع الثالث الذي يشير إلى العكس وهو أن الدولة تستخدم السياسة الخارجية للتأثير على الهوية بهدف تعزيز عملية لبنائها وتعريفها ومحاولة صناعتها.

وكانت الإمارات قد أنشأت ما يسمي الصوفية الإماراتية بداية من عام 2002 عندما استضافت علماء صوفيين من رموز مؤيدة للأنظمة الحاكمة للمشاركة فى مؤتمرات ومحاضرات عربية وعالمية من أجل خدمة أهدافها.

وبعد تشكلها فى عام 2002 ثم تشكيل المجلس الاستشاري الأعلى المكون من كبار علماء الصوفية فى العالم العربي في عام 2005 تبلورت أهدافها فى خطاب مناهضة الإرهاب والإسلام السياسي والدفاع عن علاقات مهادنة بين العلماء والحكام وتوحيد مرجعية أهل السنة والجماعة خلف قيادة صوفية. وقد وقع اختيار الإمارات على الصوفية لأنه الحل الذي روجه الغرب لمواجهة الإرهاب وتبعته الإمارات كما أنه الأقرب إلى معتقدات الشعوب من العلمانية وتيار الإسلام الحداثي ولا يشكل تهديدا سياسيا مما يخدم توجهها ويتوافق مع التوجه الليبرالي للدولة

ويمكن ملاحظة أنها لم تحقق نجاحا كبيرا ورواجا ضخما حيث أن مؤشر مدي الانتشار والتأثير للدبلوماسية الثقافية يعتمد على عاملين الأول يتعلق بالحكومة وسياساتها ومؤسساتها فكلما كانت مؤثرة في سياساتها وتستطيع الوصول إلى أهدافها تزداد معدل جاذبيتها والثاني يتعلق بالمجتمع وهويته ومدى عالميتها وفي الحالة الإماراتية غاب عامل المجتمع رغم ما بذلته الحكومة من أموال وخطط.

وفي نفس الإطار أيضا من استخدام السياسة الخارجية للتأثير على الهوية بهدف تعزيز عملية بنائها وتعريفها ومحاولة صناعتها تعد دولة الإمارات أحد أهم مروِّجي ما يسمى بالدين الإبراهيمي في الشرق الأوسط، من خلال إنشائها العديد من الكيانات والمؤسسات والمؤتمرات والندوات والمبادرات والاتفاقيات، وجاء أيضا في إطار مبادرة طرحتها الإمارات ضمن عملية التطبيع مع إسرائيل. وقد صرّح الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، أثناء إعلانه عن الاتفاقية الإماراتية-الإسرائيلية، أنها ستُعرف باسم “اتفاقات إبراهام”، وهي اتفاقات التطبيع التي وقعت في البيت الأبيض في أغسطس/آب 2020.

تقوم فكرة  الدين الإبراهيمي على بعدين: ديني وسياسي، فأما الأول فيتحدث عن أن الأديان السماوية الثلاثة لها جذر تاريخي وعقدي واحد، بما يعني لدى أًصحاب المشروع المخططين له إمكان وجدوى العودة بالناس جميعا في المنطقة العربية إلى الأصل القديم، وأما البعد الثاني فهو قائم على فكرة إمكان تديين السياسة بتطويع الدين لمصالح السياسة ليؤدي دورا في إحلال السلام.

الخاتمة

تعد الهوية مدخلا هاما لدراسة السياسة الخارجية الإماراتية، والهوية من منظور المدرسة البنائية في العلاقات الدولية والسياسة الخارجية هي سمة من سمات التفاعل الدولي تولد لديه تصرفات سلوكية، ويعرفها راسوا بأنها حزمة من القيم المشتركة والمعتقدات والاتجاهات والأدوار تستخدم لرسم الحدود بين من هو داخل الجماعة ومن خارجها

وتتعدد الاتجاهات في رؤية طبيعة تأثيرها على السياسة الخارجية فهناك اتجاه يرى لها تأثير مباشر حيث تمثل الهوية انعكاسا تماما للتصورات الخاصة بالهوية الوطنية وعليها تحدد الدولة أصدقاءها وأعدائها ومصالحها وطموحاتها، واتجاه أخر يرى تأثيرها غير مباشر حيث تمر الهوية بمتغيرات وسيطة مثل بنية المجتمع وقوة التنظيمات الاجتماعية، واتجاه ثالث يرى العكس حيث أن التأثير هو من السياسة الخارجية على الهوية.

تفتقر الإمارات إلى موروث ثقافي وشعبي مؤثر ويلحق بها تهديدات اجتماعية وديمغرافية عديدة بسبب الانفتاح والعولمة والاقتصاد الحر وضعف البنية السكانية التي تتشكل جلها من المهاجرين ولا يتعدى المواطنين الأصليين 10% من مجموع السكان كما أنها تفتقر إلى العمق التاريخي لحداثة نشأتها وماضيها الاستعماري الذي يمتد إلى أكثر من 150% على يد البريطانيين الذين حكموا منطقة الخليج وتشكل الجغرافيا تهديدا أخر للهوية حيث صغر حجم الدولة وخطورة موقعها بالقرب من مضيق هرمز الإستراتيجي

كانت هذه العوامل من الضعف علاوة على التغيرات الاقتصادية كظهور النفط والانفتاح الاقتصادي وتغيرات المحدد السياسي وتصورات صانع القرار سببا في أن لحق بالهوية القومية للدولة تغيرات عديدة انعكست على تصوراتها وسلوكياتها الخارجية وينبئ باستمرار التغيرات في المستقبل.

ولقد كان لهذا الضعف والتغيرات انعكاس على كل المستويات التي تنشط فيها السياسة الخارجية الإماراتية بداية من المستوى الخليجي والعربي والعالمي، وأهم ما نلاحظ هذا التأثير في علاقتها مع القضايا العربية والإسلامية كالقضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي والأقليات الإسلامية حول العالم كما نلاحظه في محاولاتها استخدامها للصوفية وتطويع الدين من أجل محاولة صناعة الهوية.


الهامش

[1] عمار بالة، مكانة الولايات المتحدة الأمريكية ضمن الترتيبات الأمنية في منطقة البحر الأبيض المتوسط، ص25.

[2] شيماء د أبو عامر، الهوية وأثرها في تشكيل السياسة الخارجية الإيرانية، مركز الجيل للبحث العلمي، https://cutt.ly/SUTAtD7.

[3] فرانسيس فوكوياما، ضد سياسة الهوية، https://if.fm/iS4.

[4] د. معمر فيصل خولي، دور الهوية في السياسة: الموقف الفرنسي من انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية، 11/2/2015، 23/10/2021، https://if.fm/PBl.

[5] نقلا عن د. معمر فيصل خولي، المصدر السابق.

[6] Maxym Alexandrov، The Concept of State Identity in International Relations : A Theoretical Analysis، https://if.fm/FI6GZ.

[7] نقلا عن شيماء محمد أبو عامر، الهوية وأثرها في تشكيل السياسة الخارجية الإيرانية، 3/6/2021، 23/10/2021، https://cutt.ly/AREIhov

[8] د. شريفة فاضل محمد بالط، الهوية الثقافية وتأثيرها على العالقات الصينية الأفريقية، مجلة كلية السياسة والاقتصاد، العدد العاشر، إبريل 2021، ص7 الرابط.

[9] المصدر السابق، ص8.

[10] أسماء حمايدية، تأثير متغير الهوية الوطنية على توجهات السياسة الخارجية التركية الجديدة تجاه دول شمال إفريقيا(الجزائر أنموذجا)،ص3، الرابط.

[11] مصدر سابق، الهوية في السياسة: الموقف الفرنسي من انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، https://rawabetcenter.com/archives/3852.

[12] مونيكا نبيل توفيق، قضايا الهوية وكيف تتعامل الدولة مع نتائجها، المركز الديمقراطي العربي، https://democraticac.de/?p=68936.

[13]  د. معمر فيصل خولي، مصدر سابق.

[14] [14] طلال بن عبدالله، أثر الهویة الوطنیة على السیاسة الخارجیة لسلطنة عُمان (1970-20016).

[15] المصدر السابق.

[16] طلال بن عبدالله، أثر الهویة الوطنیة على السیاسة الخارجیة لسلطنة عُمان (1970-20016)، ص54.

[17] كليكوفسكى، الإمارات العربية المتحدة،ص10، https://bit.ly/3CyrB2y.

[18] Lamyaa Ahmed، The federal system and the geographical reality of the UAE، p4، https://bit.ly/2Y4B1nq.

[19] محمد المنشاوي، العلمانية دولة الإمارات نموذجا، تاريخ الدخول 30/10 /2021، https://bit.ly/3nCjCeq.

[20] عبيدة عامر، جذور العداء لماذا تنفق الإمارات أمولها لمحاربة الإسلاميين، تاريخ الدخول30/10/2021، https://bit.ly/2Y2XdOK.

[21] Peter Salisbury، Risk Perception and Appetite in UAE Foreign and National Security Policy، p3، https://bit.ly/3kaYWcL.

[22] DR. JUSTIN GIBBINS، Power play: The United Arab Emirates’ new approach to geopolitics، JANUARY 9, 2017، p3.

[23] https://bit.ly/3bpRcyD.

[24] Lamyaa Ahmed، The federal system and the geographical reality of the UAE، p10. https://bit.ly/2Y4B1nq.

[25] د. أحمد صالح. حاتم أحمد. اثر النفط في تطور السياسة الخارجية لدولة الإمارات العربية المتحدة ( 1991- 1981  (،ص5، https://2u.pw/Z6AeC

[26] RoryMille· Harry Verhoeven، Overcoming smallness: Qatar, the United Arab Emirates and strategic realignment in the Gulf، https://bit.ly/3Cx36T4،p5.

[27] نجيب عبدالله، الهوية الوطنية والموروث الشعبي في دولة الإمارات، https://bit.ly/3EtmFMP.

[28] https://bit.ly/3jR86e8.

[29] كرستن كوتس، الإمارات العربية: تحولات القوة والدور، تاريخ الدخول 31/10/2021، https://studies.aljazeera.net/ar/reports/2017/06/170608103329366.html.

[30] عبدالمحسن لافي، مجلس التعاون لدول الخليج العربية وتحدي الوحدة، ص45.

[31] Ebtesam Al Ketbi، Contemporary Shifts in UAE Foreign Policy: From the Liberation of Kuwait to the Abraham Accords، https://cutt.ly/aRNRUNQ، p2.

[32] نايف عبيد، السياسة الخارجية لدولة الإمارات العربية المتحدة بني النظرية والتطبيق، مجلة العلوم الاجتماعية، الكويت، ص90.

[33] إبراهيم مبارك، موقف دولة الإمارات العربية المتحدة من القضية الفلسطينية (1971-2011)، ص5.

[34] الدستور الإماراتي مادة 6و12.

[35] عدنان أبو عامر، كيف تخلَّت الإمارات عن الفلسطينيين ودعمت إسرائيل للنيل من المقاومة؟ تاريخ الدخول 2/11/2021، https://2u.pw/PyeXo.

[36]  فاتحة دازي هاني. دول الخليج وإسرائيل بعد اتفاقيات إبراهيم.

[37] اتفاق مثير للجدل.. عام على التطبيع الإماراتي-الإسرائيلي، فما هي مكاسب أبوظبي وخسائرها منه؟، https://cutt.ly/IRMfUp6.

[38] https://cutt.ly/mRMDV89.

[39] كرستن كوتس، الإمارات العربية: تحولات القوة والدور، تاريخ الدخول 2/11/2021، https://studies.aljazeera.net/ar/reports/2017/06/170608103329366.html.

[40] بعد الحديث عن “سجن صيني” للإيغور في دبي.. هل باتت الإمارات تفضل علاقتها مع بكين على أمريكا؟، تاريخ الدخول2/11/2021، https://cutt.ly/rRMJUAn.

[41] عبد الجبار أبوراس، الصين تشكر الإمارات على دعمها سياسات بكين تجاه “الإيغور”، تاريخ الدخول2/11/2021، https://cutt.ly/oRMLgxj.

[42] بعد الحديث عن “سجن صيني” للإيغور في دبي.. هل باتت الإمارات تفضل علاقتها مع بكين على أمريكا؟، تاريخ الدخول2/11/2021، https://cutt.ly/rRMJUAn.

 

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close