fbpx
قلم وميدان

مراجعات الثورة: الإخوان الخطة والوصاية

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

 

تناولنا في مقالات سابقة طرف من واقع الحال في مصر قبل ثورة 25 يناير موضحين أن الانهيار الذي بدأ مع استيلاء العسكريين على حكم البلاد وصل لمدى بعيد بمجىء “محمد حسني مبارك”، وبلغ منحنى صعباً في العشر سنوات الأخيرة من حكمه، وتركه مصر لابنه “جمال” يزاوج بين السياسة ورجال الأعمال، وهو ما لم يغضب الشعب فحسب، بل الجيش أيضاً، وجعل الولايات المتحدة تدرس تحقيق بقية مخططاتها في مصر عقب إزاحة “مبارك” بوسيلة غير التي اتبعتها مع الرئيس “محمد أنور السادات”، وهو ما كان اللواء “عبد الفتاح السيسي” جزءً من منظومته عبر الرصد وانتظار المشاركة، فيما تأخرت جماعة الإخوان كثيراً عن مسايرة الأمور.

غير أن السؤال الذي يطرح نفسه هنا، في خضم مناقشة واقع مصر قبل 25 يناير: لماذا استغرق الإخوان في متابعة “واقعهم” في مصر، وفق رؤيتهم فلم ينتبهوا إلى المتغيرات التي تجري في بلدهم؟

في عام 1994م، وعقب عودة مبارك من أديس أبا، ونجاته من محاولة الاغتيال الإثيوبية الأشهر، ووفق الوقائع المُعلن عنها، وعقب جملته المعروفة للسائق، ونزوله موضع الأقدام من السيارة: “يا بنيّ لف وارجع”، أصدرت جريدة “الأهرام” الحكومية، ملحقاً باسم “الوفاء العظيم” في كُتيب من القطع الفاخر المتوسط الملون المتوسط الصفحات، حاوياً استنكار جميع مكونات المجتمع المصري لمحاولة الاغتيال الفاشلة، وكانت أول كلمات الإدانة للمرشد الراحل “محمد حامد أبو النصر”، يومها دقق صاحب هذه الكلمات  في دلالة الأمر مدركاً اعتراف الدولة، عبر الجريدة شبه الرسمية بأن الإخوان الأوائل في التواجد داخل حيّز الشارع المصري، وتذكر، من ناحية أخرى، أحد قادة العمل الإسلامي في بلدته القابعة في وسط الصعيد، وكان مسافراً إلى اليمن أغلب عمره مدرساً، فلما عاد لم تمض سنوات إلا وتم احتجازه في قسم الشرطة ومنع الدواء عنه حتى مات في عام  1993م، وبرغبة في الفهم سأل أحد قيادات بلدته: لماذا أدان المرشد الحادث.. ودماؤكم لم تزل في يد “مبارك” ونظامه؟ قال الرجل في هدوء: لكيلا نتهم بأننا وراء محاولة الاغتيال.

والشاهد أن “مبارك” أوغر صدر الإخوان منه بما فيه الكفاية، لكن نظامه كان يعترف بأنهم في صدارة الشارع المصري، وقد استمر عهد “مبارك” قرابة الثلاثين عاماً.. فلماذا لم يعمدوا إلى وضع خطة واضحة لما سيحدث عقب وفاته أو سقوطه؟ بل لماذا لم يستشعروا نبض الحياة من حولهم في بلدهم؟! فيما استشعرها غيرهم من الجيش والأمريكان.

في محاضرة للمستشار الراحل “علي أبو جريشة” في أكبر مساجد مدينة المنيا التابعة للإخوان في نهاية عام 1990م، عقب غزو العراق للكويت، قال فيها: أُبشر حكام العرب بأن أمريكا على وشك تغيير أحذيتها في الوطن العربي، في إشارة إلى “مبارك” في أول الأمر، ولم يقل القيادي السابق الذي ناقشتُه في 1994م عقب كُتيب “الوفاء العظيم” الهزلي، والأسم الأخير مستنسخ من عنوان فيلم قديم، إن الإخوان ضد اغتيال مبارك، وإنما زاد إن الإدانة ليست أكثر من”توازنات” لبقائهم.

وقبيل الانقلاب بأشهر قليلة كان صاحب هذه الكلمات يحضر اجتماعات للإعلاميين كشاهد ومراقب لما يجري، وفي “نادي الأطباء” على نيل القاهرة كان يتعجب لماذا يجتمع إعلاميون في نادي الأطباء متخفين في عهد يحكم فيه رئيس منتمٍ للإخوان؟ فيُقال له من قيادات، أيضاً: طبيعة المرحلة، غداً نجتمع علناً، وبالبحث في ذاكرته عن موعد لغد لا يجد شيئاً، فيما ينبري أحد المُشاركين صارخاً، وهو متوسط العمر كان يُعد قيادة في مجاله: هذا الشعب الذي “يد الإخوان في فمه” يضع يده في يد “الفلول” ضدنا.. كيف يمكن فهم الأمر؟

وقدراً شهدتُ دقائق في اللجنة القانونية العليا لحزب “الحرية والعدالة” في وسط القاهرة، في نفس الفترة، فوجدتُ النبرة نفسها من أحد المتحدثين، وإن كانت أقل حدة، وفي الحالين حزنتُ لما رأيتُ أن الإخوان تصدروا للأمر في مصر عن غير إدراك لطبيعة الشعب المصري من الأساس، ولا كيفية توجيهه، ولبوادر تفاخر، على الأقل، بما يقدمه الإخوان له، وهو كثير للأمانة، ولكنهم، في الأصل، لم يكونوا ينتظرون الثواب من هذا الشعب، وإلا فإن الذي يستطيع أن يدفع أكثر هو الذي يمكنه تملك المصريين إذن، من نفس المُنطلق والرؤية؟

بل إنني أُقر بأنّ هذا كان احد الأسباب التي أُوتي الإخوان منها تفاخرهم بأفضالهم على المصريين، وعدم إدراكهم أن المنظومة لا تخص الذهب وحده بل السيف أيضاً، كما في المقولة المصرية الدارجة (ذهب المُعز وسيفه)، وهو ما لم يكن الإخوان يملكونه، على الإطلاق، والمنظومة إذا احتكمنا إلى سياقها مع الإقرار بخطئها تخص الجانبين، العقاب في نصفها الأول (سيف المعز)، والعطاء، وهو مؤخر عن العقاب، وهي الكلمات التي قالها، بالعامية، لكاتب الكلمات أحد الفنيين في مبنى سيادي إعلامي كانت دواعي عمله تقتضي وجوده فيه، واستمر، إلى حين بعد الانقلاب، قال الرجل حرفياً: الإخوان لم يخلعوننا الأحذية والجوارب لكي (يمدوننا عليها)ـ المد الضرب على باطن القدم بالعصاـ كما الأطفال الصغير، وقسم من شعبنا لا يطيع إلا بهذه الطريقة!

ومع اعتراضي على مضمون الكلمات الماضية، إلا أن الحقيقة لا تمنع من إقرار أن الإخوان لم يجروا دراسة مختصة واحدة لمعرفة كيفية التعامل مع الشعب المصري، وهو الشعب ذي الخصوصية الشديدة كمجتمع زراعي، ممتد تاريخه إلى آلاف السنوات، ورغم موقع بلده الاستراتيجي والتحديات الخطيرة التي تواجهه، إلا أن طبيعة شعبنا جعلته يعرف الظلم ويقره ويتعايش معه منذ آلاف السنين، اللهم إلا من هزات وانتفاضات ضئيلة لم تسمن ولم تغن من جوع، ووسط التغني بأمجاد ما حدث في 25 يناير/كانون الثاني كم قال قائل إن الشعب خلال المائة عام الأخيرة كان له انجاز كبير كل ثلاثين عاماً، معتبراً انقلاب 1952 كان إنجازاً، وكان الرجل متحدثاً في ندوة خاصة، وهو من أبرز كُتّاب الجماعة، وابن لأحد الكتاب الكبار الراحلين من خارجها، وقد أبقى على “شعرة معاوية” مع الانقلاب اليوم.

ولم يكن أمر 25 من يناير/كانون الثاني يستدعي رفعاً للشعب المصري إلى عنان السماء بعد حدث أرضى الإخوان، أو خفضاً لهم اليوم بعد حدث آخر آلمهم وأوجعهم (الانقلاب)، بل إنه يخص افتقاد دراسة كان ينبغي أن تكون دقيقة عن جهة حيادية لا تجامل لا الشعب والإخوان، فهما مكون بشري واحد في النهاية.

وللحقيقة فقد عاش الإخوان بين المصريين يتعاملون في أغلبيتهم على أنهم طراز مُميز من الشعب المصري، في قلب الجميع خدمة رب العزة ثم الشعب، لكن طريقة خدمة الأخير كان بها “وصاية” لا ينكرها إلا جاحد، فالإخوان على الدوام، وفي قرارة قلوب أغلبهم أنهم منصورون من قبل رب العزة، وأن أغلب الشعب ليس على صلة به تعالى كمثل صلتهم، من هنا كانت مصلحة الجماعة لدى القيادات تساوي مصلحة الشعب، وهو مفهموم يمثل قمة الوصاية.

وقد روى الدكتور “عبد المنعم أبو الفتوح”، في ملتقى للذين بقوا من الجماعة الإسلامية في مصر، تم بث جزء منه بشكل مباشر على أحد مواقع التواصل الاجتماعي، مُتسمّينَ باسمها، والدكتور “أبو الفتوح”  يُمثل عقلية ذات فكر وفهم، مهما اختلف واتفق معه البعض، أنه في اجتماع بين المرشدين “مصطفى مشهور”، و”مأمون الهضيبي”، في وقت ولاية الأول للإرشاد بالطبع، كانت رؤيته أن الحزب المنبثق عن الإخوان يجب أن يكون بعيداً تماماً عن آليات الجماعة، لمنع المضايقات الأمنية، فيما رأى الأخير أنه يجب أن تتحول الجماعة كلها إلى حزب سياسي معلن، وكلاهما كان يحمل وجهة نظر مناهضة تماماً لما أراده المرشد الأول الموسس للجماعة “حسن البنا” عبر أدبياتها المُعلنة من أنها ليست حزباً سياسياً، وكلاهما كان يتمنى الحرية للجماعة ليفعل، والحزب الخاص بالجماعة لم يأت على نحو من الرأين، رغم تباينهما التام، كما أن الرأيين، مع التقدير للرجلين، لم يراعيا الهدف من الحزب، ولا الشعب المصري الذي سينشأ من أجله(1).

———————————

الهامش

(1) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية”.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close