fbpx
قلم وميدان

مراجعات الثورة المصرية: الحس الإخواني المُفتقد

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

 

قبيل 25 من يناير/كانون الثاني 2011م لم يكن لدى الحس الجمعي للإخوان انتباه بأن حدثاً يوشك أن يعم مصر، حتى وإن كان أقل من ثورة، وأعلى من اعتيادي الأحداث، وإنما كان تصور “الثورة الشعبية” تخيلاً عاماً في المُطلق تجود القرائح به من باب الأماني.

وبعد 11 من فبراير/شباط 2011، وعقب تسعة عشر يوماُ فحسب لم يكن الحس المُعلن والخفي للإخوان يشك في انتصار الثورة، وإعادة بناء مصر من جديد، مع عدم استيعاب لآليات الثورة داخل أدبيات الجماعة نفسها التي لا تعرف بثورة من الأساس، وإنما التدرج الإصلاحي، فإذا شهد الواقع المصري بغير هذا، ولمسته الجماعة لم تفكر في تغيير للقناعات نظرية وعملية، على الأقل للحفاظ على واقعها المُزدهر المعاش التي تمنته على مدار قرابة 82 عاماً!

وقبل “مأساة رابعة والنهضة ومذابح الإسلاميين في جميع أنحاء مصر” لم يكن يخطر على باللقيادات الإخوان أن ذلك سيحدث، رغم التحذيرات المُختلفة المتعددة حتى عن الجيش والشرطة، ورحم الله “نجم الدين أربكان”، لما انقلب العسكر عليه بالمذكرات أو ما سُمي “انقلاب ما بعد الحداثة” في 28 من فبراير/شباط 1997م، وقيل للرجل الراحل، بحسب نائب رئيس حزب العدالة والتنمية التركي، “ياسين أقطاي”، إن قرابة 4 ملايين مستعدين للاعتصام في الشوارع، فرفض، رحمه الله إراقة قطر دماء واحدة، وآثر السجن من بعدها 2003 حتى 2008م، رغم أن عمره تعدى السبعين.

الشاهد أنه رغم إخلاص غير قليل من المصريين إلا أن بديهيات غابت عن الاذهان والعقول، وبرزت “العاطفة”، تلك التي ارتكنت من قبل على الراحل “جمال عبد الناصر” في صراعه مع الرئيس المصري الأول لمصر “محمد نجيب”، فنصرت “ناصر” بلا رؤية، ولم تستمع إلى تحذيرات “نجيب” من أن الأول سيلتهم الجماعة نفسها بعده، وهو ما سنتناوله في حينه، وحتى ذلك نكتفي بقول الرئيس الراحل “نجيب”: “كانت مشاعري معهم .. مع الإخوان .. رغم أنهم تخلوا عني، وعن الديمقراطية ورفضوا أن يقفوا في وجه عبد الناصر إبان أزمة مارس/أذار (1954م)، بل إنهم وقفوا معه، وساندوه، بعد أن اعتقدوا، خطأ، أنهم سيصبحون حزب الثورة وأنهم سيضحكون على عبد الناصر ويطوونه تحتهم .. فإذا بعبد الناصر يستغلهم في ضربي، في ضرب الديمقراطية، وفي تحقيق شعبية له، بعد حادث المنشية.. إن الإخوان لم يدركوا حقيقة أولية، هي أنه إذا ما خرج الجيش من ثكناته فإنه حتماً سيطيح بكل القوى السياسية، المدنية، ليصبح هو القوة الوحيدة في البلد” (المصدر: محمد نجيب، كنتُ رئيساً لمصر، طبعة المكتب المصري الحديث، 1984م، ص 358).

وكما بايعت الجماعة “عبد الناصر” بلا حدود في بداية الخمسينيات من القرن الماضي، كررتْ نفس الخطأ بعد قرابة 60 عاماً، أو أكثر من 20 ألف يوم، ولد ومات خلالها الملايين من المصريين، ونضجت في آتون “محن العسكر” عقول وأفئدة حتى احترقت، ولم تفهم “الجماعة” الدرس بعد حينما استجابت لتقبيل “عبد الفتاح السيسي” الأيادي والأقدام، والمبررات الواهية التي ساقها لها “دخلت عليها” من أن عائلته “تُناسب” أحد كبار قادتها، وأنه لا يُفوت فرضاً وهلم جراً، ولم يعتذر أحد حتى أحد كبار القادة المُطلقيّ السراح عن وهم “النسب والصلاح” الخاصين باللواء، الذي رقاه الإخوان ترقيتين مرة واحدة في سابقة نادرة في حياة العسكرية المصرية ليلتهمهم في سابقة متكررة في حياة الإخوان!

وقبل 30 من يونيو/حزيران 2013م لم يكن كبار قادة الإخوان في الأغلب الأعم المُعلن، على الأقل، يصدق أن هناك انقلاباً على بعد ساعات منهم، وسل عن القيادي، فك الله أسره، القائل قبل الانقلاب بأقل من أسبوع أنه ليس في ذهن أحد إلا الشيخ “حازم صلاح”، ومن العجيب أن قادة دول وفكر من خارج مصر، بالإضافة إلى مخلصين من الداخل الجميع حذر، ولم يشك الرئيس “محمد مرسي”، ولا المُرشد الدكتور”محمد بديع”، فك الله أسرهما، في الأمر، ويكفي أن الأول قال لما استمع إلى بيان الجيش في 3 من يوليو/تموز 2013م، وهو في دار الحرس الجمهوري “ده انقلاب مكتمل الأركان!”، وكأنه اقتنع بكلمات “السيسي” التي فسر الأمر له، في أحد مراحله، على أنه محاولة لاحتواء معارضين داخل الجيش، ومؤخراً قال الدكتور “عبد الفتاح مورو”، نائب رئيس حركة النهضة، أنه حذر المرشد من أن المؤسسة العسكرية في مصر لايمكن تجاهلها فقال له المرشد: “أنت لا تعرف شيئاً في الواقع المصري مصر” (في حديث إلى جريدة “اليوم السابع”، بتاريخ 17 من فبراير/شباط الماضي).

أحد باحثيّ الإخوان الذين تركوا مصر بعد الانقلاب صرح منذ أيام، على حسابه بأحد مواقع التواصل الاجتماعي، أنه حتى عام 2006م، وكان الرجل برفقة صحبة يتعهدون نتاج تراث الإمام المؤسس، ولم يكونوا يجدون ما يقيم أود أسرهم، لولا تدخل الأستاذ “مهدي عاكف” خفف الله عنه برفع رواتبهم، وهؤلاء لم يكونوا يدرسون التاريخ المصري، بل تاريخ الإخوان من زاويته المُحببة لمكتب الإرشاد فحسب، ولم يستمروا ولم يتركوا نتاجاً يعتمد عليه.

الأزمة إذاً خاصة بالجماعة، على مستوى القيادات والأفراد، ولولا الراحل “نجيب الكيلاني”، لما أشرنا إلى مبدع ذي قامة كبرى نتج عنها، والأديب والمفكر علامة نضج ونجاح الحركات والدول بل الأمم، و”نجيب الكيلاني” صاحب “ليل وقضبان” و”الطريق الطويل”، و”اليوم الموعود” الذي قال له سميّه “نجيب محفوظ”، حائز “نوبل” في الآداب 1988م: “لقد نجحتُ فيما لم أنجح فيه يا نجيب ..إذ وصلت إلى الناس ببسيط كتابتك..على النقيض مني”.

ولولا أن “الكيلاني” عمل في الإمارات عقب فراره من نظام “عبد الناصر” لما نجح وأبدع، والحقيقة المريرة أن الجماعة بنظامها القاسي الذي لا يحسب حساباً للقدرات الفردية، وإنما يُوسع، غالباً، للمطيعين مع قلة القدرات، بعكس ما يفعل مع المعترضين مع ندرة أمثالهم، ولدينا أمثلة من “أحمد حسن الباقوري” للشيخ “محمد متولي الشعراوي”، للشيخ “محمد الغزالي”، والشيخ “السيد سابق”، وغيرهم..

وقد تعرض له أحد القيادات منذ فترة قليلة بما لا يجوز في حق متوفى من مثل الشيخ “الغزالي” ناصراً التنظيم ليس إلا، وهذا غيض من فيض، أدى إلى ضمور البحث والفكر والإبداع لدى الجماعة، وإلا فلنسئل عن كثيرين لمعوا إبداعاً بعد ترك الجماعة، وهو ما كان الإمام “البنا” يحرص على نقيضه، مما رواه الراحل “أنيس منصور” من أن الإمام كان يُفسح له ويوصي به، وبما رواه الراحل “عبد الحميد جودة السحار” في كتابه: “مذكرات وذكريات” (طبعة مكتبة مصر) من أن الإمام البنا خلا به عقب تأليفه مسرحية “بلال مؤذن الرسول”، وتمثيل شباب الإخوان لها، وتعمد البنا أن يخلو بها، ويخلي المقر في حلمية الزيتون ليقول له: “نفتقد أمثالك فإن شئت هيأنا لك الأجواء لتكون أديب الجماعة ونمثل ونطبع مسرحياتك وإبداعك”!

الشاهد أنه في موقف اليوم ينبغي أن نطيل النظر في التجارب التي أدت بالجماعة إلى هذا “المنزلق” والمنعطف التاريخي المؤثر على مسيرة الأمة لا مسيرتها فحسب، لا لجلد الذات، كما يفهم البعض من المُتواكلين، بل لإحسان قراءة الواقع وحسن الخروج من اللحظة، وعدم الاستسلام لأسر الأمس بمعتقداته التي خالفها الواقع مرات ولم تنتبه الجماعة إليه، وحرصاً على طاقات الأمة من قبل الجماعة ومن بعدها!(1).

——————————-

الهامش

(1) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية”.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close