fbpx
دراسات

مساءلة التراث: المفهوم ـ المنهاجية ـ المآلات (6/6)

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

مساءلة التراث

مقدمة:

إن رؤى التأسيس لم يعد يفيد فيها أن نتحدث عنها في بداية كل عمل بحثي أو علمي أو معرفي حيث تطغى معاني الديباجة في تفخيم الألفاظ، أومعاني الزينة لمقتضيات الاستكمال، بل علينا أن نترجم “رؤى التأسيس” إلى حركة بحثية دائبة تترك تأثيرها على مجالات الحياة وتنوعاتها، كما تترك بصماتها على كل مجال معرفي أو بحثي، وإطار ونسق مفاهيمي ومنظومة منهجية. إن استثمار هذه الرؤية في سائر المنتوجات المعرفية، وضمن السياق المعرفي هي البحث في كل متضمنات وفاعليات التعبير القرآني “صبغة الله”[1]..

إن رؤى التأسيس لابد أن تفرض فعل وأشكال وتجليات لهذا التأسيس، تحرك أصول الوعي كما تدفع إلى مقدمات السعي، والسعي متنوع الحركات والمجالات ومن أهم دوائره على الإطلاق؛ الحياة البحثية والعلمية، إذ يهتم أصحاب هذه التخصصات بوصل الواقع والناس بمجمل أصول فقههم الحضاري ومتطلباته ومقاصده الكلية في عملية النهوض تجديدا واجتهادا.

إن تأسيس رؤية كلية فيما يتعلق بالإسلام والمسلمين من اهتمامات معاصرة أو قضايا تراثية وبما يؤدي إلى التمكين من الأصول العقدية الإسلامية والرؤية الحضارية القادرة على التواصل مع كل نتاج هذه الحضارة وما تقدمه الحضارات الأخرى من معارف متنوعة وذلك في سياق عملية التعارف الحضاري التي تشكل جوهر التواصل الإنساني والعمراني للحضارة الإسلامية[2]، وهو أمر يتعلق بأهمية الفقه الحضاري وهو المنهج الأسَّد في البحث والعلم والفهم والسلوك، إذ يشكل هذا الفكر منظومة من العناصر:

  1. الاستيعاب الحضاري[3] للقضايا والقيم والأفكار من كل الجوانب بما يؤصل الوعي الحضاري الذي يشكل مقدمة لدقة البحث ورشد التخطيط وسلامة التصرف.
  2. النظر الحضاري الذي يقوم على الجمع بين الشمولية والدقة والترتيب والانتظام والتحليل والعمق لإمداد البحث النظري والتطبيق العملي بضمانات الصحة والسداد.
  3. الإدراك الحضاري وهو حصيلة التفاعل الواعي بين الاستيعاب والنظر بحيث يضع القضايا في مقامها ومرتبتها اللازمة من حيث أهميتها ومنزلتها وجدواها.
  4. السلوك الحضاري؛ وهو إخراج الفقه الحضاري من حيث البحث النظري وتكوين الخبرة والملكة إلى حيز الممارسة والإفادة العملية فرديًّا وجماعيًّا في إطار ينظم بين الذاكرة الحضارية والواقع المعاصر واستشراف المستقبل حتى يكون السلوك الحضاري في صواب وسلامة في التفكير والتدبير والتسيير والتغيير والتأثير بما يضمن سداد وجدوى العمل والتطبيق.

وتشكل هذه المنظومة أهم متطلبات الفاعلية الحضارية من خلال إرساء فكر ينهل من تعددية تراثية وفكرية ويعلي قدرة المسلمين فهمًا وممارسة على مواجهة التحديات المعاصرة، ربطًا بالعصر لا انفصامًا عنه ملتمسًا الحكمة بما يمكنه من الإسهام الفعال في تراث الإنسانية ونهضتها وعمرانها.

ـ مساءلة التراث

من هنا تأتي معالجة مفهوم مساءلة التراث الذي شاع في بعض الكتابات، ومستويات وعناصر هذه المساءلة ضمن سداسية مشتقة من فعل المساءلة (مسألة التراث، مسائل التراث، مسئولية التراث، مساءلة المراجعة، ومساءلة المحاكمة، أسئلة التراث)، ومساءلة التراث على مستوى التعريف والتوصيف والتصنيف والتوظيف، وكذلك على مستوى مساءلة التراث والقراءات المتعلقة به على تنوعها واختلاف مواقفها التراثية؛ وعليه فإن المسألة ليست مساءلة للتراث وحده ولكنها مساءلة للحياة الثقافية والفكرية والعقلية والمعرفية والحالة الحضارية التي عليها هؤلاء الذين يمتون بصلة لهذا التراث. وهو أمر قد يشير إلى منظومة الدواعي والدوافع التي تحرك عناصر هذه المساءلة:

  • الدواعي ومنظومة العقل التراثي الحضاري الواجب.
  • الدواعي والدوافع للمساءلة.
  • الداعي التجديدي والإصلاحي.
  • الداعي الإحيائي.
  • الداعي المتعلق بالمراجعة وممارسة النقد الذاتي.
  • الداعي المتعلق ببناء رؤية إستراتيجية للتراث.
  • الداعي المتعلق بالحفاظ على الهوية والذاكرة الحضارية (الوعي التراثي)، (مكانة التراث)[4].
  • الداعي المعرفي والبحث المنهجي الداعي المتعلق بالظاهرة والمسألة التراثية.
  • الداعي المتعلق بترشيد الحالة الاتهامية (المحاكمة).
  • الداعي المتعلق برفع الالتباس التراثي والحالة الاسقاطية (تحميل التراث)

شكل: الدواعى والضرورات للمساءلة التراثية

الدواعى والضرورات للمساءلة التراثية

إنها مساءلة اتسع نطاقها لأن الأمر وفق هذه الرؤية يتأسس على أن الإستراتيجية التراثية تستأهل منا أن نفكر تفكيرا استراتيجيا حضاريا يتعرف على المسألة التراثية بكل مكوناتها؛ المحتوى والقارئ، والمتلقي، وبالظاهرة التراثية بكل مقوماتها وتفاعلاتها؛ فالظاهرة التراثية هي واحدة من أهم الظواهر المعقدة وهو أمر لا نظن أن التوجهات العلمية في حداثتها في مقام نظرية المعرفة ونظريات العلم قد تجاهلته، بل بدت تلامسه ولو بالمس الخفيف في إطار أعمال معرفية لنقد ما يُسمى بالعقل المعتاد، والعقل الأعمى، وظهور المداخل إلى الفكر المركب، من خلال الكشف عن العناصر الفارقة والمداخل الكاشفة.

ها هو ادجار موران العالم متعدد الاهتمامات والمهتم بحقائق الابستمولوجيا يحيلنا إلى مراجعة “النظر المعتاد” الذي صار الباحث أسيرًا له، هذا الأسر المعرفي والمنهجي دفع ومن أقرب طريق إلى؛ “هيمنة منظومة التبسيط أنطولوجيًا ومنطقيًا وابستمولوجيًا وأنثربولوجيًا واجتماعيًا وسياسيًا.. تأسست هذه المنظومة على كيانات مغلقة مثل الماهية والسببية الخطية و(الصلبة) والذات والموضوع”، ومنهجيًا قامت هذه المنظومة على منهجية علمية “اختزالية” و”كمية”، فهي اختزالية ما دام يتوجب الوصول إلى الوحدات الأولية غير القابلة للتفكيك ووحداتها القابلة للضبط بشكل واضح ومتمايز. وهي ذات نزعة كمية ما دام أنه بإمكان هذه الوحدات أن تصلح كأساس لجميع الحسابات”.. إن أكبر خطر شكلته منظومة التبسيط ولازالت تشكله هي أنها تحاول فهم العالم ـ ذلك المجموع الهائل من المركبات الدينامية والمعقدة والمفتوحة والمتحولة كما تقدمه لنا العلوم والابستمولوجيات المعاصرة ـ بأدوات الابستمولوجيا التقليدية، ابستمولوجيا القرن التاسع عشر؛ ابستمولوجيا الاختزال والتبسيط والثبات والوضع وحجب تعقد العالم[5].

إننا هنا أمام معانٍ تتحكم بها الألفاظ والكلمات المستخدمة، فالظواهر تعلقت بدراسة الظاهر المتراتب، المتكرر، المطرد، الثابت، المستقر، المستمر، وأغفلت هذه الرؤية حقيقة كلية؛ الظاهر حينما يُبين ويؤثِّر على ظواهر، والظاهر حينما يستر أهم العناصر الكائنة والكامنة في قلب الظواهر، وتهمل هذه الخطة أن المعاصرة قد تشكل حجابًا على الرؤية، والعادة قد تطمسها، والأعراف السائدة قد تخفيها كما تخفينا من مبادرات منهجية.

شبكة التراث وعناصره إشكالاته خير نموذج لما أشرنا إليه من مأزق منهجي وحرج بحثي، تبدو أسئلة التراث وما يتعلق بها من إشكاليات الهوية وغيرها بسيطة في ألفاظها وفي تركيباتها اللغوية، ولكنها لا تزال في حاجة إلى دراسات متأنية فاحصة لا تتوقف عند شطآن الظاهرة بأساليب منهاجية معتادة، بل هي في حاجة إلى الغوص للحصول على لآلئ صغيرة في حجمها، منفردة في حدوثها، ولكنها عالية في قيمتها… إن هذه الأسئلة البسيطة لازالت في حاجة لأن يُتلمس بصددها إجابات معقدة.

إن حيرة الباحث هي نفس ما يشير إليه موران: “.. يحق لنا أن نطلب من الفكر أن يزيل الغشاوات والعتمات، وأن ينظم الواقع، وأن يكشف عن القوانين التي تحكمه. لا يمكن لكلمة تعقيد إلا أن تعبر عن حيرتنا وارتباكنا وعجزنا عن أن نحدد الأشياء بشكل بسيط، وأن نسميها بوضوح وأن نرتب أفكارنا. بالإضافة إلى ذلك، غالبًا ما تمثل المعرفة العلمية لمدة طويلة ولا يزال هذا التمثل مستمرًا حتى الآن، باعتبار أن مهمتها هي تبديد التعقيد الظاهر “للظواهر” من أجل الكشف عن النظام البسيط الذي تخضع له. لكن إذا تبين أن الصيغ المبسطة للمعرفة تشوه أكثر مما تعبر عن الوقائع أو الظواهر التي تعرض لها، وإذا أصبح من البديهي أنها تنتج العمى أكثر مما تسهم في التوضيح، إذاك تبرز المشكلة التالية: كيف ننظر إلى التعقيد بكيفية غير تبسيطية؟..”[6]

إنه التعقيد الذي يربط بين الظاهرة ومجالها وما يطرحه ذلك من أسئلة غاية في البساطة من حيث صياغتها، غاية في التعقيد من حيث الإجابة عنها.

ـ في مفهوم المساءلة:

  1. المساءلة سؤال وأسئلة، مسائل ومناهج، مسئولية والتزام، قراءة ومراجعة، بصيرة وليست اتهام أو محاكمة، والمساءلة ليست إسقاطا من الحاضر على الماضي، أو من الماضي على الحاضر فإن ذلك خروجا على حد المنهج والمنهاجية، ولكن الأمر في نطاق العبرة والاستفادة يجب أن يتمثل قراءة الاستثمار لا الإهدار.
  2. المساءلة هي النظر إلى التراث باعتباره أول مداخل بناء الرؤية الإستراتيجية للحفاظ على الذاكرة والتمكين للهوية وإحياء ونهوض. (هكذا يجب النظر إلى مسألة التراث والتساؤل حوله) باعتبار العملية التراثية أطراف وتفاعلات وعلاقات، أصول وأسس ومتغيرات، ماض وحاضر ومآلات ضمن رؤية مستقبلية استشرافية، كلية وحضارية.

منهاجية التعامل مع التراث ضمن استراتيجية منهاجية

منهاجية التعامل مع التراث ضمن استراتيجية منهاجية

من خلال هذه الرؤية المهمة فإننا نزكي امتداد مساحات السعة الدلالية لمفهوم المساءلة ونجد لكل مستوى من مستوياتها مساحة من الشرعية في الطرح والتكامل فيما بينها والجدل فيما حولها:

المساءلة : ومسألة التراث

 ومسائل تراثية

ومساءلة ومراجعة

 ومساءلة ومحاكمة

 والمسئولية

هذه السداسية منظومة متكاملة الأعمال، مفهوم المساءلة التراثية بأركان مهمة ومنهجية علمية وأدوات متممة ومقاصد بينية محكمة.

مفهوم المساءلة التراثية بأركان مهمة ومنهجية علمية وأدوات متممة ومقاصد بينية محكمة

وهي تتعلق باستراتيجيات[7] التراث في أركانه الأربعة وما يتعلق به من عمليات مساءلة.

 التعريف والتوصيف والتصنيف والتوظيف

التعريف والتوصيف والتصنيف والتوظيف

إنها مساءلات حول تعريف التراث ما يدخل فيه وما يخرج منه وتأثير ذلك على منهاجية تناول التراث والتعامل معه.

إنها مساءلات توصيف التراث بالأوصاف القادحة أو المادحة، وكأن الأوصاف تطلق هكذا بالجملة، ولا تدور مع نفع الإنسان والإنسانية، والقدرة على الحكم ووزن التراث بدقة وحكمة.

إن توزيع الأوصاف جزافا على التراث لم يكن إلا ضمن عملية عقلية المساجلة الفكرية والتي لم تكن المساجلة التراثية إلا واحدة من معاركها وميادينها، وهي في النهاية لم يكن لها من ضحية إلا اغتيال العقل كما ذكر أستاذنا الدكتور برهان غليون.

إنها مساءلات تصنيف التراث التي أهدرت قراءات الاستثمار الواجبة والخروج من دائرة قراءات الاجترار والافتخار، إنها فقط ستدل على إمكانية مدخل واحد لو فعلت لكان له من الآثار الإيجابية الدافقة والدافعة والفائقة.

إن التصنيفات الحابسة والمسجونة لعبت دورا سلبيا في عدم تحريك خريطة العلوم واستيعاب المعطيات الجديدة على الرغم من أن نسق المعرفة الإسلامية[8] نسقا مفتوحا إحسانيا فياضا يملك القابلية للعطاء والفيضان بخير النعم بما يتوافق مع تنوع الأمم وتعدد التخصصات والهمم، إن تصنيفات العطاء والفيض غير تصنيفات الحبس والسجن وحصار العلوم حتى أفاق ما يمكن تسميته بمستوطنات العلوم التي لم يعد يفيد هذه الحال مع كل هذه التعقيدات والمعطيات.

ـ التوظيف وما أدراك ما التوظيف؟

جعل التراث محنطا يعرض ضمن معارض تدل على الحضارة الغابرة والثقافة التي توارت ولم يبق لها من أثر إلا الحجر، إن هذه الرؤية الحجرية للتراث لم تترك مجالا للتعرف على تواصل البشر في حركة التراث؛ التراث الحي فينا ولنا وبنا، فالتراث بين القراءة الغابرة وإحسان القراءة، وكذا فانه بين حفظين حفظ التجميد وحفظ التجديد.

ذلك أن القراءة الحجرية مارست عملها في القراءة بإلقاء الحجارة على البناء التراثي لتنال منه ولم تتعرف على أصول القراءات العالمة والفاعلة، ومن هنا لابد أن تقترن المساءلة التراثية بالتعرف على ما هو التراث وما هي المعاصرة، ومن ثم لنا أن نتساءل عن ما علاقة التراث بالحداثة؟

المساءلة التراثية لابد وأن تقترن بمقدمات أربع تفهم بميزان الحكمة:

المقدمة الأولى: الذاكرة الحضارية[9] الممتدة.

المقدمة الثانية: قراءة التراث عبر الحداثة، وقراءة الحداثة عبر التراث.

المقدمة الثالثة: قراءات قد تشير إلى التحيز القافل والتحيز الناقل.

المقدمة الرابعة: القراءة البصيرة في إطار الجدل الفكري القائم على ميزان النفع والحكمة والتي نؤكد أنها الأصل الذي يجمع بين التراث والعصر من دون افتعال أو اعتساف أو تحكيم لأحدهما في الآخر، إن علم الموازين الحضارية ليس الميزان (القباني) ولكنه ميزان (الذهب) الحساس لأن الخطأ فيه خلل في الحضارة وخطيئة في حق البشر، وخطأ في حق الإنسانية بموازين الفطرة النافعة والحكمة السامية.

إن الموقف المركب والمعقد هو النافي لحدي التبسيط والاختزال، لا يقف عند حدود التجني أو التبني للتراث أو العصر، بل يقف في موقف الباحث البصير والموقف المستنير في العلاقة بين الواجب والواقع مقوما ومقدما، يعطي الواجب حقه من الواقع، ويعطي الواقع حقه من الواجب، وإلا ظلا مفترقين منفصلين منفصمين هذا الفصام النكد، “وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ {7/58} “[10].

المساءلة التراثية: خريطة سؤال على أى أرض نقف ؟ :ـ

خريطة سؤال على أى أرض نقف

الموقف لابد أن يتحرك على قاعدة من أصل الهوية، على فهم بصير وقدير لها؛   مفاده السؤال المحورى : على أي أرض نقف؟

وضمن متوالية أسئلة مهمة تراعي ليس فقط صياغة السؤال الصحيح بل ترتيبه، وهي أمور ستحقق كل العناصر التي تشكل موقف الحكمة النافي لكل حالات التعامل التراثي بالفسخ أو المسخ أو النسخ.

إن خريطة الأسئلة[11] مسكونة بالتراث بشكل مباشر أو غير مباشر؛ حيث سنجد التراث حاضرا بقوة التأثير والفعل أو بالهاجس الملح الذي لا يمكن تجاوزه أو التغافل والتغاضي عنه أو القفز عليه.

خريطة الأسئلة والتراث

هذه الأسئلة المسكونة بالتراث يجب أن تتحرك صوب الأسئلة العامرة؛ عمارة التراث: وعمارة الأكوان وعمارة الإنسان ، في الجمع بين قراءتين ومسالك متنوعة، فتعدد المسالك راحة للسالك.

لماذا لا يكون التراث هو ذلك الأمر الذي يحل سهلا ميسرا مرحبا به لا مرهقا يجعل من أمرنا رهقا؟، فيحل على هذه الأسئلة فيحل عقدتها (حلول الحل) (لا حلول التعقيد والتأزيم).  

مساءلة الاسئلة

إن إكرام التراث إن حل علينا هو جزء لا يتجزأ من تحمل إقامته وكرم وفادته، وإن حال التراث في دراسته ومدارسته ومساءلته، قد يكون طريق التراث إلينا مر بباب الأفكار المنتقمة، لأننا اتخذناه من باب الأفكار المخذولة المتروكة المغبونة.

 إن التخير الاصطفائى لآبد أن يختار فيه ومنه بين الأفكار الميتة والأفكار الحية، والأفكار الجامدة الخامدة إلى الأفكار المتفاعلة الفاعلة والأفكار التي تؤدي لحراسة التخلف لا الدافعة إلى الحركة والنهوض، والأفكار الرافعة لحركة التقدم الإنساني لا الأفكار الهابطة به إلى أسفل سافلين ” لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ {95/4} ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ {95/5} إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ {95/6} فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ {95/7} أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ {95/8}[12] بلى وأنا على ذلك لمن الشاهدين.

تصفح الأسئلة على تعددها وتنوعها وعلى إضافتها ستجدها مسكونة بالتراث شئنا أم أبينا كقدرة للتعامل مع الواقع والعصر سواء بسواء.. هذا التصفح والقراءة هو من جملة فعل القراءة الحضارية للإنسان الذي طغى واستغنى عن العالمين، فتأثر واغتنى لا الإنسان الذي استعنى بخلق الله فأخذ وأعطى “قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى”[13].

ومن هنا يمكننا الإشارة إلى قواعد منهج النقد التي تجعلنا نعتبره كإستراتيجية في التفكير وفي التعامل مع مثل هذه القضايا: 

  • منهج المقارنة وإدراك الاختلاف والتنوع.
  • منهجية في بناء المعرفة وتنميتها المعتمدة على المساءلة والشك والحيرة.
  • إفضاء المساءلة إلى المحاكمة.
  • إفضاء المساءلة إلى المنهجية.
  • اكتساب الأدوات المنهجية كمساءلة التاريخ.

المساءلة:

  • من من؟
  • ولمن؟
  • لماذا؟ وكيف؟
  • إسلامية المعرفة بين الأمس واليوم
  • التعامل مع التراث بوعي تاريخي
  • التعامل مع التراث بمنظار نقدي
  • من المسائل ومن المسئول
  • فعل القراءة الاستهلاكي
  • استهلاك النتائج المترتبة على قراءة الآخرين نصر عارف (المساءلة)
  • قراءة التعامل لا المساءلة… القراءة النقدية الشاملة للتراث والفطنة للتحيزات ناقلة أو قافلة.

تحول المساءلة إلى مساجلة ومغالبة

                إلى محاكمة

                إلى محاججة (عمل منهجي ـ مراجعة)

                إلى مساومة

                إلى مهاترة                   

                إلى مغامرة

                إلى مخاطرة

                إلى مؤامرة

                إلى مزاحمة

وبدلا من هذه القراءات العليلة أو الكليلة فإن قراءة منهجية نماذجية أمر لا يحتمل التأجيل :

  • الرؤية التراثية جزء لايتجزأ من رؤية العالم فى إطار النظر للمفاهيم الحضارية الكبرى التى تشكل مفاصل أى بناء حضارى .
  • الإطار المفاهيمى للتراث والتعامل معه ، خرائط المفاهيم التراثية وإمكانات تفعيلها وتشغيلها ، ومايطرحه ذلك من إشكاليات القاموس التراثى والغة الوسيطة والمفاهيم ذات الطبيعة المنهجية للتعامل مع التراث .
  • الإطار التحليلى للتراث بين خرائط التحليل وأدواته ومستوياته ، وقدرات التحليل فيما يتعلق بالذاكرة الحضارية وإمكانات تحليلها ، إشارة الى رأس المال الرمزى والدينى والفكرى كلها رؤوس أموال وجب استثمارها من كل طريق باعتبارها قيم مضافة غير قابلة للإهدار أو التبديد .

ويدخل فى هذا مداخل تحليل الخطاب التراثى من جملة أبنية الخطاب المستحقة للتحليل من جهة والتوظيف من جهة أخرى . وكذلك الإمكانات المنهجية لتحليل النصوص الحضارية خاصة الحرة منها التى تسهم فى عملبات البناء والنهوض والإحياء .

*ويترافق مع عملية التحليل عمليات التفسير للمادة التراثية ومكوناتها ومكنوناتها ، المسألة التراثية لاتنفصل بحال عن المساءلة المنهجية العدل للتراث ، والعملية التراثية ترتبط بالفهم المتعمق للبناء التراثى وقدراته على العطاء الفياض المتجدد ، وهذا كله مقدمات واجبة للفاعلية التراثية فى حركة بحثية دائبة للإحياء والتجديد .

* وتكتمل هذه الخماسية المطروحة فى نموذج كون المعرفى بالإشكالات الأجدر بالتناول ضمن منظومة معايير واضحة تضع أولويات التعامل التراثى ، من خرائط ومناهج وأدوات وآليات ومقاصد هادفة للإحياء والتجديد فى التراث وبه وله :رأس مال فكرى يجب استثماره .

مساءلة كون

ويتكامل مع ذلك منظومة من نظام المساءلة يجب ألا يهمل أو يغفل أو يؤجل تحت أى دعوى أوتبرير :

مساءلة المقولات التراثية

المساءلة الزمنية (الماضي/ الحاضر/ المستقبل)

القراءة النماذجية: معرفية، تاريخية، مفاهيمية، نظمية، حركية، فكرية

المسألة التراثية والمساءلة الإصلاحية.                                                                                    

التأويل إذن بمعزل عن دراسة التاريخ، التأويل دراسة ذاتية عصرية، إننا نساءل النصوص لنعرف مدى قدرتها على أن تتحدث إلينا.. [14]

قدرة النص لا تعني إختفاء المناقب بلا حساب، أحرى بنا أن نتذكر أن الأمر هو إثارة سؤال لا تقرير جواب يُختار، إنه حر في أذهاننا من خلال تساؤلنا الذي لا ينتهي. نحن نصنع النص بعقولنا واهتمامنا، نريد أن نحب تراثنا حبا بصيرا لا حبا هشا ساذجا، وأن نسائل تراثنا مساءلة الناقد البصير، المحب المعايش ولكن إن إكبار النص لا علاقة له بفكرة المدح، الإكبار الحق هو المشاركة في التساؤل، ليس هناك نص جيد ونص ردئ، هناك فحسب قراءة جيدة وقراءة رديئة، لتحاول باستمرار هذه القراءة العطاء. إن عطاءنا للنص ليس خيانة له. إنه فن إقامته من أجلنا، من أجل عافيتنا ومستقبلنا وقضايانا[15].

النص صوت إنسان يحدثك من الماضي ويأخذ مكانه بجانبك في هذا الزمان. هناك نصوص كثيرة كتبت بأساليب لا تشبه أساليبنا في التفكير الآن، لكن أساليبنا المعاصرة لا تستعبدها. إننا نستطيع أن نجعل من نصوص النثر العربي أداة لمحاورة هذه الأساليب، لا خير في قراءة لا تمكنني من الشعور بالمسافة الملائمة بيني وبين العصر أيضا.

كل حديث يحتاج إلى أن ينزل عن حداثة من أجل أن يتحدث إلى القديم. وأن يتحدث القديم إليه. وكل قديم يحتاج إلى أن يتمسك بقدر من قدمه لكي يناوئ الحديث[16].

حذار من إقامة النعرات بيننا وبين التراث. النعرة تعشق للتعصب والحذف والإنكار وضيق الأفق.. مدخل نظام الكلمات في التمكين لفكرة السؤال. إهمال ذلك خسارة فادحة[17].

إن النصوص لا تعطي بعض ما تملك إلا إذا أعطيتها كل ما تملك[18].

الغرب يكتب المتن ونحن نكتب الحواشي عليه، صحيح أن البعض انتقد المدرسة التراثية التي جعلت كل همها وعملها كتابة الشرح على المتون، إلا أنها كانت في النهاية شرحا على متوننا، ولكن الشروحات الجديدة لم تكن إلا شرحا لمتون غيرنا.

متطلبات القراءة الواعية:

وهنا لا يمكننا إلا الحديث عن متطلبات القراءة الواعية للتراث وهي لا تتم [19] إلا بالتعرف على:

  • الأصول المنهجية والمبادىء النظرية الأساسية (الرؤية البصيرة)
  • المبادىء العملية المتعلقة بالتراث (التوظيف التراثي)

والقراءة الواعية يجب تحصينها من النقائص ومن النقائض (التقويم والمراجعة المستمرة )على حد سواء:

أما عن النقائص فتمكن في النظرة التجزيئية للتراث والنزعة المضمونية، أما النقائض فتكمن في الآليات الاستهلاكية كما يحددها د. طه عبد الرحمن (سواء اتخذت آليات عقلانية، أو آليات أيدولوجية. وفي كل الأحوال فهي نقائض غالبًا ما تتحول إلى نقائص (“كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا”:{16/92}).

والقراءة الواعية يجب أن تستند في الأساس إلى مكانة عدل في التعامل مع التراث من مثل:

  • تحرير المنزلة الدينية للتراث، بما ينفي الإلزامية الدينية اتباعا وتقليدا ودخوله في جانب الإباحة والتخيير وما يترتب على ذلك من موقف الدرس المتخير (الإصطفاء) لا موقف التقليد الملتزم ضمن مبدأين متكاملين أحدهما سالب والآخر موجب.
  • مبدأ الاحترام النافي للاستهتار.
  • التخير النافي للتقليد الملزم.
  • هذا التحرير للمنزلة الدينية للتراث يمهد الطريق لالتزام منهجي يبسطه للنظر والدرس كمرحلة أولى ضرورية هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى يجعله محلًا للانتخاب والتخير لما هو نافع منه من غير وجوب ديني للالتزام.
  • تأريخ التراث مبدأ مهم ضمن منظومة القراءة الواعية في التوظيف والتقويم في سياق يربط بين الاجتهاد ليعبر التراثي في الفهم والتطبيق بالأسباب التي أفضت إليه من الظروف الحياتية.
  • ثم يأتي الضلع الرابع ليعبر عن شمولية التداول، امتداد مساحة التراث وخرائط مصادره، تفرض من هذا المعنى من التناول والتعامل والتداول، إحياء التراث ضمن نظر إحيائي لابد أن يكون مشمولًا بكامل مساحاته وتنوعاته بالرعاية والقدرة على التوظيف ضمن عملية ترقية الحياة، والفهم الأعمق لما يستجد فيها من دون إقصاء أو إلغاء.

مساءلة المسائل:

تبدو فكرة الغلبة الحضارية من الأفكار ذات الخطورة حيث تشكل الغلبة ميزانا للحق، وتحدث الأثار والمواقف المترتبة على الحالة النفسية الجماعية في العلاقة بين الغالب والمغلوب، وهو ما يرتب مواقف بالنسبة للتراث، وتشكل هذه المقولة تفسيرا لا يمكن بحال تخطيه أو القفز عليه؛ “المغلوب مولع بتقليد الغالب في عوائده وزيه ونحلته وسائر أحواله” وفق هذه القاعدة كيف يتصرف الغالب والمغلوب في المسألة التراثية عنده وعندنا ضمن علاقة غير سويه تحدث إشكالات كبيرة.

المساءلة المقاصدية للتراث + الفاعلية التراثية + المآلات المتعلقة بالمساءلة التراثية..

التراث وإشكالية الهوية.

المساءلة التراثية والمساجلة التراثية

المرجعية، الشرعية، الدافعية، الرافعية، التجديدية، الفاعلية.

مساءلة المسائل

مساءلة المراجعةمسئولية المساءلة:

ـ المساءلة ليست بموقف ابتدائى بالنظر إلى التراث في سياق الدونية الثقافية.

ـ الأحكام المسبقة والنظر الأيديولوجي المسيس.

ـ ليست اتهاما ومحاكمة للتراث بقدر ما يعد عملا منهاجيا، قابلا للإستثمار والتوظيف.

المساءلة عملا مستمرا في صياغة التراث وفي التعرف على خرائطه المعرفية والفكرية

في التعامل معه ومنهجية التعامل معه في القراءة وتحليل النصوص

في عمليات التقويم والتوظيف

في المآلات التراثية الحاضنة للعملية التراثية القادرة على تضمين الفاعلية التراثية ضمن استراتيجية مستقبلية للرقي والنهوض.

النصوص الحضارية والنصوص الحرة

النصوص الحضارية والقدرة على قراءتها وتوظيفها ضمن استراتيجية لقراءة النصوص التراثية، وذلك في إطار النصوص الحرة التي تشكل على امتداد التراث وصلات ذات سند حضاري خرجت من رحم الأمة ومخاضها، بحيث تشكل هذه النصوص الحرة حفزا لعملية النهوض ودفعا لعمليات الإنماء والارتقاء.

مسئولية المساءلة

متى تكون ظاهرة المساءلة صحية؟!

في إطار التعامل المنهجي مع التراث لابد وأن تراعى القواعد التالية:

 1ـ التراث الإسلامي تراث بشري قابل للاجتهاد والتجديد [20] وهو غير معصوم.

2ـ المنهاجية النقدية كاستراتيجية في التعامل التراثي.

3ـ المنهاجية المقارنة ضمن عمليات التعامل مع الاختلاف والتنوع، المقارنة أصلح سبيل لهذا الامتداد التراثي الإسلامي والإنساني.

4ـ ضرورات اكتساب الأدوات المنهجية لمساءلة التاريخ.

5ـ إفضاء المساءلة لحالة منهجية متراكمة لا إقصائها إلى حالة من الاتهام والمحاكمة في اطار ناف للتراث.

6ـ مناهج النظر ومناهج التعامل ومناهج التناول ومناهج تكوين الباحث مقدمات أساسية للمقاربة التراثية الواعية والبصيرة ضمن منهجية تستشرف إحسان القراءة لا قراءة الإهدار سواء هدر التراث وكيانه، أو هدر التراث لطاقته وإمكاناته.

7ـ منهاجية التغيير والتجديد (التغيير العمراني) والتجديد الثقافي والفكري في إطار بناء استراتيجية للنهوض الحضاري.

8ـ التراث ضمن مشروع تأسيس للنهوض الحضاري وضمن عمليات بناء الهوية ضمن عناصر الذاكرة الحضارية الجماعية الممتدة.

9 ـ الوقوف على المناهج لا المسائل في إطار الساحة التراثية.

10ـ اعتبار السياق [21] منهج مأمون في اطار عمليات التفعيل والتوظيف.

المسألة التراثية : متى تكون المساءلة ظاهرة صحية ؟

منظومة المساءلة الإصلاحية للتراث العربى الإسلامى

منظومة المساءلة الإصلاحية للتراث العربى الإسلامى

مآلات المساءلة:

  1. الترشيد المنهجي للتعامل مع التراث (التوازن بين الإهانة والإهالة)
  2. الوعي التراثي: الثقافة والتثقيف الخروج من مواق التجني البحثي  التحليل العلمي والمنهجي.
  3. إحسان القراءة التراثية والتدريب عليها.
  4. جودة التوظيف التراثي.
  5. الحضور الإيجابي الفعال للتراث (رافعة حضارية ـ النهوض)
  6. الاصطفاء التراثي (الاستدعاء التراثي)
  7. تجديد الخطاب العربي الإسلامي
  8. بناء الإستراتيجية التراثية للتعامل المستقبلي.
  9. إنهاء الحروب التراثية وعمليات التفاني ومذبحة التراث.

10) حل إشكالية العلاقة بين التراث وتحريك الواقع (الفعالية التراثية)

11) الاستثمار التراثي وتحويل الإمكانات التراثية لقدرات للنهوض والعمران.

12) إحياء المفاهيم الدافعة للعمران، الرافعة للنهضة الدافقة للحياة، المؤسسة للفاعلية (قاموس النهوض الحضاري)

13) تأسيس أصول مرجعية معيارية (الميزان التراثي)

14) التراث وإعادة تشكيل العقل المسلم وثقافة الأدمغة المفخخة[22].

15) الخروج من حال المساجلة بالتراث وفيه وله إلى حال المساءلة المنهجية البصيرة.

16) الحضور الإنساني للتراث الإسلامي

17) الإحالة التراثية ومناهج التحليل والقراءة الرصينة.

18) ميزان الأولويات التراثية.

19) الإسناد التراثي والرحم الحضاري؛ ضمن عمليات الإسناد الحضاري الممتد والمتواصل (الذاكرة الحضارية)

20) التراث: المساحة والمساحة المعروفة والمتعارف عليها من التراث وضرورة رسم الخرائط التراثية ضمن التعامل مع المجالات المعرفية المتنوعة. (عملية اجتهادية، إحيائية تجديدية)

21) التحدي التراثي [23] جملة من تحديات النهوض لابد وأن تتحرك صوب أصول الفاعلية التراثية.

المآلات للمساءلة التراثيةنحو خطة مقاصدية لمساءلة التراث:

إن الاستراتيجية المقاصدية قادرة على بناء رؤية واضحة لمساءلة التراث (في أصل المسألة، وسؤال التراث، وأسئلته الكلية والفرعية ومساءلة بمعنى المراجعة ومداخل ومسالك النقد الذاتي للتراث لا مداخل الاتهام والمحاكمة وصولا للقطيعة إما بتجريم التراث أو إعدامه، ولا مداخل الاجترار والافتخار والتي تصل إلى مشارف العصمة التراثية، والتي لا تأخذ في اعتبارها واقع معاصر متجدد معقد وممتد ومتعدد، فتواجه تجريم التراث، بتجريم العصر والمعاصرة من باب البدعة والضلالة، وتأميم الفاعليات الإنسانية لمصلحة فتوى (فتونة) العصر، وتحويل الأمر من حروب أهلية فكرية إلى حروب الثقافي، إن مجتمعاتنا بأحوالها ومسائلها وظرفها التاريخي والموضوعي لم تعتد تحتمل استدعاء هذه الحروب التاريخية أو المعاصرة بل هي مدعوة إلى معركة يجب أن تحتشد فيها الجهود فتؤصل الفاعليات وتحركها صوب النهوض والخروج من الأزمات بكل شروط ومقتضيات الخروج، والاستراتيجية التراثية أحد أهم مداخل الخروج في الإدارة والعدة وتتكامل مداخل الإرادة للخروج من مساءلة التراث ساعين غانمين، فاعلين قادرين، ضمن قراءات بصيرة عميقة، قراءات الاستبصار والاستثمار. إنها خطة استراتيجية متكاملة تتضمن البحث فى مكونات العشرية المقاصدية:

  • التراث: المقدمات والمقومات (المنهج والتطبيق) والمكونات وعناصره ومقدماته (عمليات التأصيل والتأسيس)
  • المجالات الحضارية والانسانية والعمرانية المجالات التراثية
  • الأولويات ـ الموزانات ـ الخيارات التراثية
  • الحفظ التراثى(سلبى/ إيجابى ) ، ( المستويات )بين أساليب حفظه وعناصر استمراريته وأصول ابتدائه وبقائه وبنائه وأدائه وارتقائه
  • الموازين (المصالح ـ الأضرار ـ الضرورات)

موازين التراث واستراتيجياته وسياساته

  • المناطات التراثية (فن إدراج الجزئى فى الكلى، وإلحاق الفرع بالأصل )علاقة الفروع بالأصول وبناء خططه وهندسة التطبيق والتنزيل واعتبارمناطاته
  • الواقع والحالة التراثية (النوعى، الانسانى، المكانى، الزمانى، إمكانية التدارك )
  • الوسائل التراثية (الأدوات، الآليات، الأبنية والمؤسسات، القواعد والإجراءات، مقدمات الواجب)
  • المآلات التراثية (التأثيرات، المترتبات، الاستشراف، المستقبليات، التدبير ،التخطيط ) التراث بين مآلاته واستشراف مسار مستقبله
  • منظومة العلاقات (القيم السارية) (الوسط الحاضن والسياق المحيط) للتراث منظومة القيم والوسط الموات له من إمكانيات التفعيل والتشغيل

تلك عشرة كاملة متكاملة تؤصل لمعانى بناء استراتيجية لمساءلة التراث

المدخل المقاصدى ومساءلة التراث

إن الحالة الداعية إلى مساءلة التراث الآن قد تقترح علينا من باب القراءات المنفتحة للتراث، هذه القراءات تأتي من تأويلات [24] تراثية ما أنزل الله بها من سلطان، كما تأتي من مظالم غربية جعلت هذا التأويل يلقى عند البعض قبولا ورواجا.

إن المساءلة التراثية لابد أن تشير إلى صميم هذه المساءلة وإنسانيتها ” إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ {49/13}”[25]

المساءلة التعارفية: مسألة ومسائل ومسئولية ومراجعة مساءلة، وأسئلة مطروحة مشروعة في إطار جامع بين المعرفة والمعروف والاعتراف.

الحالة المفاهيمية وعملية بناء المفاهيم

ـ التجديد والتراث والحداثة:

اختلطت عملية المساءلة بغيرها من المفاهيم الأخرى وجعلها البعض عنوانا على ما أسمى بالقراءات الجديدة والاستئناس بالأدوات الغربية حتى ولو كانت على حساب النص وأصول التعامل معه، ومراجعة التراث بمعنى المحاكمة الاتهامية أو هجاء التراث والتقييم عليه من دون استقراء ولو جزئي يسمح بالتعميم أو ما أشبه.

إن إعادة بناء المفهوم والتعامل معه صار أمرا ضروريا وداعيا معرفيا وواقعيا للتعامل مع التراث والموقف منه ضمن خريطة البنيان والمداخل والمناهج والأدوات والآليات، وكذلك خريطة المآلات التي تتطلب قدرة في الاستشراف والصياغة المستقبلية لمكانة التراث ضمن مشروع النهوض الحضاري وعملية التجديد الحقيقية من دون تعليه بأسر أو تبديد يخسر. وفي إطار ميزان عدل للتعرف على التراث وإمكانات ربطه بالواقع المعاصر ومعطياته.

دواعي وضرورات المساءلة: النظرة للتراث:

التراث سلاح ذو حدين ـ وفق فهم قاصر ـ أن يكون عقبة كأداء أمام التوجه نحو المستقبل، كذا يمكن ـ وفق فهم علمي ووعي معرفي ـ أن يصبح عامل بناء وحافزا للتطور والتقدم. ولقد جرى التحقق من ذلك تاريخيا، فحركات الإصلاح في العصر الحديث؛ برغم دعوتها الصادعة للتجديد؛ لم تستطع الإنعتاق من “كابوس” الماضي بإكراهاته ومحاذيره ومقدساته الوهمية. بالمثل أخفقت المحاولات الفكرية “العلمانية” ـ لقطيعتها مع التراث ـ في صياغة مشروع واقعي وعملي يقود حركة التقدم، لا لشئ إلا لإسرافها في التغريب، فتحول نتاج فكرها إلى منظومات نشاز رفضها الواقع المعيش ولفظها.

لذلك لا مناص من مراجعة التراث وبحث سائر جوانبه بروح نقدية قادرة على المصارحة والمكاشفة والإقدام على نقد “المتواتر” والجرأة في اقتحام “اللامفكر فيه” ونفض الغبار عن “المسكوت عنه” بهدف التوصل إلى “معرفة” موضوعية تؤهل لإذكاء الوعي “بالذات” و”بالآخر” في آن، وهو وعي يشكل مناخا ملائما لصياغة ثقافة المستقبل.

 إن فهم تراثنا لا يتم أو يكتمل فهمه من دون فهم مواز لتراث “الآخر” باعتبارهما معا إنجاز “عقل إنساني” ينطلق من أسس مشتركة ويتطلع نحو أهداف بعينها ومعلوم أن العودة للتراث حقيقة تاريخية شهدتها سائر التجارب الإنسانية هذه المقارنات  هى من أهم الوسائل المنهجية والعلمية والبحثية لإدارة التعدد والقدرة على تنظيم الاختلاف أو القدرة على توظيفه لإثراء التنوع وجعله فى أفقه الوظيفى ، خصوصا حين تواجه المجتمعات تحديات معقدة، وكثيرا ما جرى إستلهام التراث في صياغة “مشروعات نهضوية” جاءت “استجابة” لتلك التحديات، ونجحت في تجاوزها[26].

حتى يتسنى لهم أن يتصلوا بالتراث الإسلامي، ومناهجه وقواعده، وطرق فهمه، عسى أن يكون ذلك جسرا ممتدا يمكنهم من إدراك عقلية السابق والاستفادة منها وتفعيلها، دون الوقوف على مجرد مسائلها التي قد تكون زمنية تأثرت بواقعها وتحتاج إلى استشراف ما ورائها، وتجريده، وإكماله، وإعادة ترتيبه؛ حتى لا نصل إلى مناهج مرفوضة في التعامل مع هذا التراث الضخم الفخيم بأن نقبله على ما هو عليه، ونقع في طريق الاجترار بما فيه من جر الماضي واستحضاره في الحاضر دون وعي أو حاجة أو نرفضه جملة واحدة، فيضيع علينا خير كثير، وخبرة بشرية هائلة وانبهار بالآخر لا معنى له، أو ننتقي منه عشوائيا من غير منهج، وهو أمر غير مقبول علميا وعمليا بالإضافة إلى ما فيه من هوى مرد وضعف مخز.

إن بناء الجسور مع هذا التراث تمكن من الاستفادة منه وتمكن من نقده، ببيان إيجابياته وسلبياته، وتمكن من وضع المعايير المناسبة له وتمكن قبل ذلك وبعده من مزيد فهمه بعمق يسعى إلى معرفة الحقيقة كما هي[27]

إن أي كتاب يتحدث عن التراث لن يكون مفيدا إلا بقدر صدقه وجرأته على قول الحق ولو في ذلك ملامة، وبالقدر الذي يضع التراث في مكانه الصحيح ووزنه الدقيق ولو في ذلك عتاب أو أكثر، وبالقدر الذي يجعل منه أداة في بناء الحاضر لا أن يكون هو الحاضر، وخبرة لازمة أثناء التفكير في المستقبل لا أن يكون هو المستقبل، وإن كل فكر عربي قومي أو فكر إسلامي مطالب أن يكون تفكيره في مستقبله أضعاف تفكيره في ماضيه، وأن يجعل من الفكر الإسلامي الجديد هو مستقبل الفكر الإسلامي والعكس صحيح، أي أن مستقبل الفكر الإسلامي هو للفكر الإسلامي الجديد، لأنه إن لم يكن هو الفاعل في الواقع اليوم، فلابد من جعله الفاعل والمشارك فعلا في تقرير المصير غدا، أي أن الأولوية في توظيف مقومات التراث العربي والإسلامي للتفكير في المستقبل، والمستقبل مرهون حتما بمستقبل الفكر الإسلامي الجديد القادر على بناء المستقبل السعيد للأمة العربية والإسلامية والإنسانية بإذن الله تعالى.

فالتراث إذا كان ماضيا في الماضي فقط، أي اجتهادا من الماضي وللماضي، فقد ماتت أيامه وانتهت مراسيمه وزالت دوله، وإن كان ماضيا في الحاضر، أي اجتهادا من الماضي لقيادة الحاضر، فهو عاجز عن التغيير بنفسه، وتائه مأزوم يحتاج إلى من يمسك بيده نحو الرشاد، وإلا لما كانت هذه الكتب العديدة والأبحاث الكثيرة، وإن أريد له أن يكون الماضي في المستقبل فقط، فلن يكون، لأن المستقبل للأحياء من الناس، فإن كانوا مسلمين فهو للأحياء منهم باجتهادهم وفكرهم وإبداعهم، إبداعهم في تفسير الإسلام تفسيرا مستقبليا وليس تفسيرا مسكون بالتاريخ ، في الفقه والعقيدة والسياسة الإسلامية لصناعة مستقبل الفكر الإسلامي الجديد.

أي أن المستقبل للفكر الإسلامي الجديد والقراءة الإسلامية العلمية الحرة بفهم ذاتي إنساني وإسلامي وإيماني، حتى يحسن الفكر الإسلامي الجديد دخول حرب القيم إن شنت وصراع الحضارات إذا فرضت:

أولا: بفهم قضاياه من واقعه وآلامه وتحدياته ومشكلاته الحقيقية.

ثانيا: بفهم ماضيه وتراثه للعبرة والذكرى.

ثالثا: بفهم مستقبله بما يخطط له[28].

التراث رأسمال رمزي:

انفرد التراث العربي عن سواه من القضايا التي شغلت الفكر العربي المعاصر طيلة النصف الثاني من القرن العشرين، بتكوين بؤرة اهتمام مركزية استقطبت في معركة امتلاك التراث، ومن ثم فهمه وتأويله وتوظيفه، التيارات الفكرية الرئيسية السلفية منها والحداثية، وجاء التفكير في التراث، من حيث كونه رأسمالا رمزيا وذاكرة جمعية للأمة لا لتعزيز مرجعيته، وإعادة بناء وعينا به عبر دراسته بالإستعانة بالمناهج النقدية فحسب، كما يعتقد المهتمون بالإطلاع على ما خلفه الأجداد ومعرفة قيمته الحقيقية وإمكان الإستفادة منه بل من أجل امتلاك ذلك الرأسمال الرمزي واحتكار التعبير عنه والنطق باسمه لتحقيق أهداف وغايات غير معرفية وغير بريئة (إيديولوجيه وسياسية) بالرغم من توسل أدوات المعرفة وأساليبها.

وأبعد من ذلك، يدرك معظم الذين جمعتهم معركة التراث، على اختلاف انتمائهم وتباين غاياتهم، أنه لا قيمه لفهم التراث واستيعاب ثرائه الفكري وعمقه الحضاري بمعزل عن أسئلة الحاضر ورهاناته، لأن الخلاف ليس من أجل التراث بل الخلاف على التراث من أجل الحاضر، فالمنتصر في معركة تأويل التراث واحتكار تمثيله هو الأقدر على امتلاك الحاضر[29].

ومن الأهمية بمكان أن نشير إلى أنه قد بذلت جهود عظيمة ومازالت تبذل من أجل رفع الحجب الكثيفة عن التراث الفكري العربي الإسلامي بالبحث عن مصنفاته ومخطوطاته المتناثرة في خزانات كبريات المراكز الثقافية العالمية وتحقيقها ونشرها والتعريف بها، وبعد أن أصبحت جهود إحياء التراث وبعثه تؤتي أكلها، أثير الجدل  الذي اتسم في عمومه بالحدة ـ عن مدى قدرته في مجال معالجة إشكالات العصر المعرفية… وبدل أن تتجه الجهود إلى توظيف ما في هذا التراث من أفكار وتصورات وتحليلات اتجهت إلى الدفاع عنه وذلك، بتعظيمه بل وتقديسه، والدعوة إلى الاكتفاء به أو الانكفاء عليه، ورفض ما سواه، وهيمنت على هذه الجهود فكرة إثبات تفوق التراث العربي الإسلامي وسبقه حتى غدت عبارة “وقد أثبت ذلك أجدادنا منذ أزيد من أربعة عشر قرنا” لازمة قل أن يخلو منها عمل تصدى لهذا الموضوع. ومن هنا فإن المقصود بالتراث هو وضع منتجات التراث الفكري العربي الإسلامي في مواقعها اللائقة على خريطة المعرفة الإنسانية.

وهناك عدة شروط للتوظيف:

أولها إدراك أن التوظيف لا يمكن أن يتم إلا إنطلاقا من النظرة التفصيلية، حيث يمكن توظيف الأفكار والتصورات والتحاليل التي أقامها القدماء عن موضوع محدد في مجال معرفي محدد.

ثانيها استيعاب مضامين المجال المعرفي الراهنة استيعابا يمكن من إدراك مظاهر النجاح ومظاهر النقص عامة.

ثالثها: الفهم الجيد للتراث الفكري المتوفر في هذا المجال المعرفي المحدد.

رابعا: اتخاذ ما يلزم من الاحتياطات المنهجية لتجنب الوقوع في مزالق المقارنات الساذجة والأحكام غير المؤسسية.

خامسا: استهداف تطوير البحث العلمي في مجال مخصوص.

كما أن للتوظيف درجات إلا أن أرقاها تتمثل في استثمار أفكار وتصورات القدماء سواء في إقامة نظريات جديدة أو صياغة بعض الافتراضات، أو وضع بعض المبادئ والقواعد أو استلهام حلول ملائمة للمشكلات المعرفية الراهنة.

إن توظيف التراث العربي الإسلامي ليس هدفا في حد ذاته، ولكنه طلب ضروري لتقدم المعرفة البشرية، وعلى الذين يريدون خدمة هذا التراث أن يحسنوا توظيفه، ولا يتأتى لهم ذلك إلا بفهم المراد من التوظيف، وبإجرائه وفق شروطه. ولعل من دواعي الأمل إنجاز بعض الأعمال في بعض المجالات كالأدب واللسانيات والفلسفة، أدركت أهمية توظيف تراثنا الفكري العربي الإسلامي وأحسنت إجراءه[30]، ومن هنا نؤكد مع أستاذتنا الدكتورة مني أبو الفضل على ضرورة تطوير “منهاجية ملائمة للتعامل مع مصادر تراثنا” باعتبارها خير ضمان لتأمين مسار الخطاب العربي المعاصر[31] في هذا المضمار. فلا يقع في مزالق الإفراط والتفريط التي حفت به على مدى العقدين الأخيرين، ويمكن الإشارة إلى بعض المفارقات التي تمخضت عن الخطاب المعاصر في هذا المضمار على النحو التالي:

أولا: إنه بغض النظر عن المنطلقات والبواعث الكامنة أو الظاهرة للأطراف المعنية وعلى الرغم من تكثيف وتنويع استراتيجيات المواجهة مع التراث من دعاة الحداثة والتجاوز ورواد نقد العقل العربي ودعاة اللحاق الحضاري، فإن نتائج هذه الجهود قد أتت على مراد أهلها حيث نلاحظ أن هذه الجهود في جملتها صارت إثراء لخطاب التراث في الفكر العربي المعاصر خاصة إذا ما قارنا ذلك بالنقطة التي بدأ منها هذا الخطاب في فترة سابقة، وذلك من حيث الشكل والمضمون؛ فخطاب التراث جاء في بداياته أساسا خطاب نقل وتلقي في شقيه المدافع والمناوئ، وغلب عليه الطابع السجالي، وقلما ارتقى إلى مستوى الحوار وغالبا ما وقف عند الجزئيات، في حين يتجه هذا الخطاب اليوم ـ بغض النظر عن المحتوى والتفصيل ـ إلى محاولات في التأصيل من منطلقات متباينة، وإلى تناولات على مستوى أكبر شمولا، ومحاولات لتقديم الجديد وإن تفاوتت هذه الجهود في الأصالة والجدية والعمق والاستقلال. كذلك تلاحظ بدايات متفاوتة في تجاوز دوائر الخطاب المغلق لتناول الرأي الآخر بالمناقشة وبالتفنيد والتعقيب تفكيكا للبنية المنطقية والموضوعية، إلحاقا للفروع بمنابتها، وتحريرا للدوافع وربطها بدلالاتها الفكرية والاستراتيجية، اعتمادا لإطارها الحضاري في أبعاده المختلفة، ولا يخفى ما يتبع ذلك من آثار في تحقيق النقلة النوعية المنشودة في الساحة الحضارية فكرا وممارسة تمهيدا للرشد الفكري والعملي ولآليات الحوار.

ثانيا: تلاحظ زيادة الاستقطاب في خطاب التراث مع تصاعد حدة المواجهة الحضارية، وقد صاحب ذلك انتقال ثقل هذه المواجهة إلى داخل صفوف الأمة بعد أن كانت تدور رحاها في الأطراف بدعم من جيوب مواقع الاستلاب الحضاري من جهة، ومن جهة أخرى صاحبها بوادر نقلة نوعية في وعي الأمة في اتجاه إعادة ترتيب الأولويات ورد الاعتبار لقضايا إصلاح مناهج الفكر والتطوير وتوظيف الأصول المعرفية في عمليات التحصين والبناء لتأسيس مناعة الكيان الاجتماعي الحضاري للأمة وتأمين فاعلياته التاريخية.

حتى أن الجدل الذي يدور حول العلاقة بين التراث والحداثة، وما تثيره هذه العلاقة من متواليات الأصالة والمعاصرة، والتقليد والتجديد، والتبعية والذاتية، والتمايز والتماهي، والخصوصية والهالمية، وباختصار كل ما يتعلق بالهوية الحضارية تحديدا – منشأ ومآلا، بقاء وفناء، وجهة واتجاها. هذا الجدل هو الذي يغلب على الساحة الفكرية العربية المعاصرة وهو الذي يعطي الخطاب العربي الحديث كثيرا من الملامح التي توثق تواصله واتصاله من حيث لا يدري أصحابه، مع أصوله التاريخية في مهد تشكل الكيان الاجتماعي الحضاري الذي ولد مع انبعاث إخراج عرب شبه الجزيرة العربية كنواة لخير أمة أخرجت للناس، أمة وسط بين أمم العالمين  حملت الرسالة العلمية أمانة، وكلفت الشهادة بالحق وظيفة حضارية.

إن التحيز الحضاري المطلوب في الباحث في التراث هو شرط  للاستشراف العلمي، وهو الذي هو ليس بالغريب، وهو الذي يحفز الخيال المبدع الذي يتجاوز التلقي إلى سبر الغور والقراءة لما بين السطور ووضع النقاط على الحروف عند تحرير المعاني واستخلاص الدلالات من الألفاظ، وعلى الجملة فإن التحيز الحضاري هو كذلك مناط الاستشراف العلمي في حقل البحوث الحضارية، وهو الذي يثري عمليات التفكيك وإعادة التركيب التي لا غنى عنها عند التعامل مع النص – أي نص كان – وبوجه الخصوص عندما يكون التعامل مع نصوص التراث.

إن نهضة أي أمة من الأمم موقوفة على مدى قدرتها على تطوير “منهاجية معرفية” تحدد لها مسالك التعامل مع مثالياتها وعقائدها وموروثها وواقعها ومجمل ما يحيط بها من أفكار وأحداث ومتغيرات، وتمكنها من الوصول إلى الحقيقة في مظانها ومتوقعات وجودها، بحيث تسلك كل سبيل يوصلها إلى أي مفردة تسهم في إجلاء الحقيقة، ومن ثم حسن معرفة الواقع دونما إغفال أو تجاهل لكثير أو قليل من مكونات الظاهرة موضع البحث والتحقيق والدراسة، من غير تعجل أو تسرع في التعميم، قبل استكمال البحث والتنقيب عن كل ما له علاقة بالموضوع سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، لتكون الأحكام والتقويمات والتعميمات مبنية على أسس معرفية سليمة تعكس واقع الظاهرة ومفرداتها بغير تحيز يفرض رغبات الذات على الموضوع، ويجعل الواقع صورة لما تبتغيه الذات، فيرى الباحث واقعا خلقه لنفسه استجابة لرغباته وأفكاره المسبقة ومسلماته، فينقلب العلم إلى شاعرية حالمة بألفاظ وعبارات ذات صبغة أكاديمية تخفي صورة خيالية لواقع ، وجوده في ذهن الباحث أكثر من وجوده على صفحة الواقع الحقيقية. وهنا ندخل في إطار أحد الجهلين – اللذين تحدث عنهما إمام الحرمين أبو المعالي الجويني في كتابه “الورقات في أصول الفقه” – أو كليهما معا.

باب المساءلة التراثية يجب ألا يتخذ مدخلا للقدح أو المدح، للهجاء أو الفخر، بل هو عملية منهجية تستحق الدرس والبحث والفحص وفق موازين منضبطة تجدد ولاتبدد، توظف ولا تجمد ، تشغل وتفعل ولا تجتر أو تردد، المساءلة الحقيقية لابد أن تكون إحيائية تجديدية بحق .


الهامش

[1] ـ انظر في فكرة فرض الوقت وارتباطهما بفقه الحال من جانب وفقه الواقع من جانب آخر، والملحظ المؤكد فيه أن واجب الوقت يعني جمع الهمم كلها عليه، فالعارف ابن وقته، فإن أضاعه ضاعت عليه مصالحه كلها، فجميع المصالح إنما تنشأ من الوقت وإن ضيعه لم يستدركه أبدًا.

انظر: ابن القيم، الداء والدواء أو الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، القاهرة: مكتبة المتنبي، د.ت، ص 236، انظر أيضًا: تأصيلاً لهذه الفكرة وضرورتها: سعيد حوي، كي لا نمضي بعيدًا عن احتياجات العصر، القاهرة: دار السلام، 1984، ص 14- 15.

[2] ـ من ذلك انظر: سيف الدين عبد الفتاح، الوقف بين الرؤية الإسلامية الإنسانية وأزمة الدولة القومية، في سيف الدين عبد الفتاح وأخرين، الوقف ودوره في النهوض الحضاري، الدمام، مركز الأمير عبد المحسن بن جلوي للبحوث والدراسات الإسلامية، سلسلة الكتب (2)، 1429هـ، 2008.

[3] ـ أحمد العماري، نظرية الاستعداد في المواجهة الحضارية للاستعمار: المغرب نموذجا،الولايات المتحدة الأمريكية: هيرندن ـ فرجينيا، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، سلسلة الرسائل الجامعية (20)، 1996.

[4] ـ جمال عليان، الحفاظ على التراث الثقافي: نحو مدرسة عربية للحفاظ على التراث الثقافي وإدارته، عالم المعرفة، 322، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، ديسمبر، 2005م.

[5] ـ  انظر في هذا المقام إدجار موران، الفكر المستقبل: مدخل إلى الفكر المركب، ترجمة: أحمد التصوار ومنير الحجوجي، (الدار البيضاء: دار توبقال، 2004،)، انظر التقديم ص 5-8.

[6] ـ انظر في هذه  الفكرة المهمة إدجار موران، المرجع السابق، في الفصل الأول: العقل الأعمى، ص 13 وما بعدها.

[7] ـ عبد الفتاح أحمد يوسف، استراتيجيات القراءة في النقد الثقافي نحو وعي نقدي بقراءة ثقافية للنص، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، العدد 1، المجلد 36، يوليو سبتمبر 2007. ص 163، وما بعدها.

[8] ـ عبد المجيد الصغير، المعرفة والسلطة في التجربة الإسلامية: قراءة في نشأة علم الأصول ومقاصد الشريعة، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2010.

[9] ـ  يان أسمن، الذاكرة الحضارية: الكتابة والذكرى والهوية السياسية في الحضارات الكبرى الأولى، ترجمة: عبد الحليم عبد الغني رجب، المشروع القومي للترجمة (486)، القاهرة، المجلس الأعلى للثقافة، 2003م. 

[10] ـ  الأعراف  ـ الآية 58. 

[11] ـ محسن خضر، أسئلة الثقافة العربية : في منعطف القرن الحادي والعشرين، المغرب، إفريقيا الشرق، 2009.

[12] ـ التين الآيات من 4 ـ 8.

[13] ـ طه الآية 126.

[14] ـ محمد المتقن، في مفهومي القراءة والتأويل، مجلة عالم الفكر، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، العدد 2، المجلد 33، اكتوبر ـ ديسمبر، 2004م، ص8

[15] ـ المرجع السابق، ص9

[16] ـ المرجع السابق، ص9

[17] ـ المرجع السابق، ص10

[18] ـ المرجع السابق، ص10

[19] ـ في ظل القراءة الواعية للتراث انظر: عبد المجيد النجار، مبادئ أساسية في تقويم التراث، ضمن ندوة “نحو منهجية للتعامل مع التراث الإسلامي”، المغرب-فارس: معهد الدراسات المصطلحية-المعهد العالمي للفكر الإسلامي،2000، من ص267-279، انظر: طه عبدالرحمن، تجديد المنهج في تقويم التراث، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ط2، د.ت، مواضع متفرقة.

[20] ـ طه جابر العلواني، نحو التجديد والاجتهاد: مراجعات في المنظومة المعرفية الإسلامية، دار تنويرللنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 2008.

[21] ـ ندوة: أهمية اعتبار السياق في المجالات التشريعية وصلته بسلامة العمل بالأحكام، ندوة علمية دولية نظمتها الرابطة المحمدية للعلماء في الفترة منم 26 ـ 28 يونيو 2007م، المغرب، الرابطة المحمدية للعلماء، الطبعة الأولى، 2007.

[22] ـ ـ زين العابدين الركابي، الأدمغة المفخخة، الرياض، دار غيناء للنشر، 2003م.

[23] ـ السيد يسين وآخرين، التراث وتحديات العصر في الوطن العربي، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الثانية، 1987م.           

[24] ـ محمد المتقن، في مفهومي القراءة والتأويل، مرجع سابق، ص7 وما بعدها.

[25] ـ الحجرات ـ الآية 13.                                                                                                      

[26] ـ محمود إسماعيل، قراءة نقدية في الفكر العربي المعاصر ودروس في الهريمينيطيقا التاريخية، القاهرة، مصر العربية للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 1998، ص 136 ـ 137.

[27] ـ علي جمعة محمد، الطريق إلى التراث الإسلامي: مقدمات معرفية ومداخل منهجية، القاهرة، نهضة مصر، الطبعة الأولى، 2004، ص 11.

[28] ـ عمر سميح نزال، دور التراث في بناء الحاضر وإبصار المستقبل، الدوحة، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، 2006، ص 22ـ 23.

[29] ـ كريم أبو حلاوة، الفكر النقدي العربي وضرورة تصويب الأسئلة، مجلة عالم الفكر، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، العدد 1، المجلد 32، يوليو ـ سبتمبر 2003، ص 261.

[30] ـ عز الدين البوشيخي، عن منهج توظيف التراث، ضمن أعمال ندوة: نحو منهجية للتعامل مع التراث الإسلامي، المغرب، معهد الدراسات المصطلحية، الطبعة الأولى، 2000، ص 295.

[31] ـ منى أبو الفضل، تقديم: إطلالة منهجية على مصادر التراث الإسلامي، في نصر عارف، في مصادر التراث السياسي الإسلامي: دراسة في إشكالية التعميم قبل الاستقراء والتأصيل، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، هيرندن ت فيرجينيا ـ الولايات المتحدة الأمريكيةن الطبعة الأولى، 1994، ص 9 ـ 36..

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close