fbpx
تقارير

مستقبل الصومال في ضوء الانتخابات المقبلة

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

المقدمة

يلف الغموض والجدل مستقبل الاستقرار السياسي في الصومال غداة إعلان تأجيل موعد الانتخابات العامة من قبل اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات أمام أعضاء البرلمان، والتي عرضت نموذجين من الانتخابات، مطالبة بفترة إضافية أخرى، لإعداد الدوائر الانتخابية وتسجيل الناخبين في الأقاليم الخمسة الفيدرالية في البلاد، هذا الإعلان فجّر صراعاً سياسياً بين أقطاب الحكم والمعارضة، دون أن تلوح في الأفق بوادر لحل الأزمة السياسية الراهنة، وهو ما يفتح الأبواب لقلاقل سياسية ستطوي صفحة التقدم السياسي الذي حققته البلاد في العقد الأخير، وتُجدد خلافات سياسية بين الأطراف الفاعلة في البلاد، وتقود الصومال إلى مأزق تعثر سياسي وأمني جديدين.

تعرج هذه الورقة على مسار ومصير  الانتخابات في الصومال، منذ عام 2012، التي مثلت بالنسبة لهذا البلد الأفريقي نقطة العبور إلى مرحلة استقرار سياسي وأمني، وعكست نمطاً فريداً من التداول للسلطة بين السياسيين في الصومال وخاصة في انتخابات 2017، كما نتناول إمكانية تنظيم انتخابات مباشرة “الصوت الواحد” في الصومال كنظام انتخابي بديل يضفي مزيداً من الشفافية والنزاهة لعملية الانتقال السلمية للسلطة، إلى جانب استشراف المستقبل ومآلات التدخل الدولي والإقليمي في الصومال، الذي مازال يدفع فاتورة الحرب بالوكالة تارة وتداعيات وتأثيرات التدخل الأجنبي والحرب على الإرهاب تارة أخرى.

قراءة في الانتخابات الرئاسية والتشريعية في الصومال (2012-2017)

شهد الصومال في العقد الأخير انتخابات برلمانية ورئاسية أظهرت تقدم النظام السياسي في هذا القطر الأفريقي نحو الأمام، وتخطي عقبات سياسية تمثلت في الفشل الذريع الذي رافق مسيرته السياسية منذ سقوط الدولة المركزية عام 1991، وخاصة في إيجاد مخرج آمن من مأزق الفوضى السياسية والأمنية، وعكست انتخابات 2017 صورة مغايرة عن محيطه الأفريقي الموسوم بالإضطرابات السياسية والإنقلابات العسكرية عندما يحين موعد الانتخابات، لكن مع مشهد التداول السلمي للسلطة بين رؤساء الصومال برزت نجاعة الجهود الدولية والأفريقية المبدولة لفرض استقرار سياسي وأمني في هذا البلد، كما أن التجربة الديمقراطية الوليدة تعد حديثة عهد على دولة الصومال التي لا تختلف عن أغلب دول القارة الإفريقية،(1) التي من الصعب على قادتها ترك منصب الرئاسة عبر صناديق الاقتراع.

مهدت انتخابات 2012 التي فاز بها الرئيس الصومالي السابق حسن شيخ محمود الطريق إلى انتخابات أكثر شمولية عن النموذج الإنتخابي السابق؛ حيث كانت انتخابات عام 2017 أكثر تنظيماً ومشاركة بشرياً وجغرافياً؛ حيث تم انتخاب غالبية نواب البرلمان الصومالي بغرفتيه مجلس الشيوخ والشعب (329 عضوا) من خمس مناطق مختلفة، وبمقترعين بلغ عددهم نحو 14 ألف مواطن صومالي، أما انتخابات عام 2012، فانحصرت إجراءات ترتيبها في مطار مقديشو؛ حيث مثل شيوخ القبائل الدور الأكبر والرئيسي في انتخاب أعضاء البرلمان، وكان عددهم نحو 135 مقترعاً لإنتخاب 275 عضواً في البرلمان الصومالي.(2)

كما أن النموذج الإنتخابي السابق شابت فيه عمليات فساد وشراء الذمم، بدءاً باختيار أعضاء البرلمان، مروراً بانتخاب رئيس البرلمان ونائبيه، وانتهاء بانتخاب رئيس البلاد، وأصبحت هذه الظاهرة شائعة ومتكررة في المشهد الانتخابي الصومالي، حيث دفع بعض النواب مبالغ ضخمة للظفر بمقعد في البرلمان، وبمبلغ يتجاوز نصف مليون دولار أمريكي، وقد تناقلت بعض وسائل الإعلام المحلية أن بعضها بيعت بأكثر من ذلك. (3)

بالإضافة إلى جملة بيئة التفاعلات المحلية والتدخلات الإقليمية والدولية بملف الانتخابات الصومالية، فإن دور رجال القبائل كان طاغياً وملفتاً للجميع، إذ كان لهم اليد الطولى في اختيار أعضاء البرلمان، لكنهم أيضاً تلقوا الرشاوي من قبل بعض النواب، بل وتفاقمت ظاهرة الرشوة وشراء الأصوات في جسد النظام السياسي الصومالي في الفترة الأخيرة، وهو مايستدعي في المرحلة القادمة إلى ابتكار نظام انتخابي شفاف، لتقليل معدلات الفساد أثناء عملية الانتخابات، إن لم تكن عملية الحد منها نهائياً أمراً ممكناً.

فمع التجارب السابقة والنماذج الانتخابية التي عرفها الصومال، يحاول الساسة في هذا البلد تجربة نظام انتخابي جديد، أكثر شفافية ونزاهة عن الانتخابات السابقة، فمن المتوقع أن تتوسع القاعدة الانتخابية في الدورة المقبلة وأن يصل عدد الناخبين إلى نحو أكثر من مليونين وخمسمئة ألف ناخب، وعبر دوائر انتخابية خمسة في أنحاء متفرقة من البلاد، و يشارك فيها عدد كبير من الأحزاب السياسية، وذلك لإنهاء دور رجال القبائل، وإيجاد نظام سياسي مؤسساتي، كما أن نظام الانتخاب المباشر “الصوت الواحد ” كنموذج انتخابي جديد يقطع الطريق أمام الفساد والمال السياسي أثناء مرحلة الانتخابات. (4)

لكن أسئلة كثيرة تثار حول إمكانية تنظيم انتخابات “الصوت الواحد”، فهل من المتوقع أن يحقق الصومال تقدماً سياسياً لتجاوز سني العجاف والخلافات الشائكة بين أبنائه، وذلك مع دخول العدّ التنازلي لفترة البرلمان الصومالي (مجلس الشيوخ والشعب) التي ستنتهي في الـ 27 من ديسمبر/ كانون أول 2020 والرئاسة الصومالية في فبراير/شباط عام 2021 طبقاً للدستور الصومالي، وهل بإمكان اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات إعداد نموذج أفضل للانتخابات يحظى بتوافق محلي وبمباركة إقليمية ودولية، لترتيب انتخابات جديدة في الصومال.

انتخابات “الصوت الواحد”*: ممكنة أم لا؟

بعد إعلان رئيسة اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات حليمة اسماعيل أمام نواب البرلمان الصومالي في الـ 27 من يونيو/حزيران الماضي عن تأجيل موعد الانتخابات نتيجة لأسباب فنية ومادية، إلى جانب عدم توفر قوانين مهمة للرئاسيات المقبلة، أثار هذا الإعلان جدلاً حاداً وصداماً مفتعلاً بين الأحزاب السياسية وخاصة المعارضة منها والحكومة الفيدرالية؛ حيث ترى المعارضة أن الرئاسة الصومالية تنوي تمديد فترة حكمها، وهو ما يناقض الدستور الصومالي، بينما تصر الحكومة الصومالية على تنظيم انتخابات رئاسية تحظى بتأييد من المجتمع الصومالي.

ويدور الجدل أيضاً حول آلية تنظيم ذلك النموذج الانتخابي في ربوع الصومال، من خلال استخدام تكنولوجيا IRIS المتطورة للتعرف على بصمات العين للناخبين أثناء الإدلاء بأصواتهم، وهو ما يحتاج إلى مالا يقل عن 100 مليون دولار أمريكي (5)، فضلاً عن نقص في الكوادر البشرية لترتيب تلك الانتخابات ولأول مرة منذ 50 عاماً بالنسبة لبلد مازال يحاول النهض من مآسي الحرب وخيبات الفشل السياسية.

ويرى كثير من المتابعين والمراقبين أن تنظيم انتخابات رئاسية يصوت فيها الشعب الصومالي تعد بمنزلة نسج من الخيال، وذلك لأسباب كثيرة، ومن أبزرها:

  1. عدم توفر مصالحة حقيقية بين الأطراف الصومالية الفاعلة في المشهد الانتخابي في البلاد سواء من الرئاسة الصومالية من جهة والمعارضة السياسية ورؤساء الولايات من جهة ثانية، وفي مقابل ذلك تزداد هوة الخلافات اتساعاً يوماً بعد الآخر.
  2. الظروف الاقتصادية التي تمر بها الصومال في الوضع الراهن، حيث لاتزال البلاد تعتمد في صرف رواتب جنودها وموظفيها على الدعم الخارجي، وكذلك الانتخابات الرئاسية والتشريعية التي تعقد مرة بعد كل أربع سنوات؛ حيث لايمكن تنظيمها من دون توفر دعم مالي من الخارج، وأعلنت كل من النرويج والولايات المتحدة الأمريكية منحاً مالية لإجراء الانتخابات. (6)
  3. التحدي الأمني الذي مازال هاجساً يؤرق الحكومات الصومالية المتعاقبة منذ عام 2010، فحركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة، تسيطر على مناطق عديدة من جنوب ووسط البلاد، وبعضها كان من المفترض أن تكون مقراً لدوائر انتخابية مثل مدينة “بؤالي” (عاصمة إقليم جوبالاند) التي لاتزال تقع تحت قبضة الحركة.
  4. دور رجال القبائل الذي لايزال مؤثراً في المشهد السياسي في البلاد، فنظام المحاصصة العشائرية الذي بموجبه يتم تقاسم السلطة وتوزيع الدوائر والمناصب السيادية، المعروف بـ 4.5، (7) لا يمكن تجاوزه إلا بشق الأنفس، وهذا ما يحقق للصومال تقدماً سياسياً مؤسساتياً، إذا استطاع تجاوز عقبات وتحديات القبلية المسيسة والمنخرطة في المشهد السياسي الصومالي منذ الستينيات من القرن الماضي.

ففي حال وجود تلك الأسباب الآنفة الذكر وغيرها، من الصعوبة بمكان تنظيم انتخابات عامة مباشرة “الصوت الواحد ” كنموذج بديل عن الانتخابات الغير المباشرة السابقة التي كان لرجال القبائل السطوة الكبرى في اختيار المرشحين وممثلي القبائل في البرلمان الصومالي، هذا فضلاً عن عدم توفر زمن كاف لإجراء انتخابات وفق هذا النموذج؛ إذ تطالب اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات من البرلمان بمنحها مدة ثلاثة عشر شهراً لتنظيم هذا النوع من الانتخابات،(8) وهو ما أثار حفيظة المعارضة، التي ترى من خلال ذلك الطلب من اللجنة الوطنية الانتخابية عدم شفافية اللجنة، وانحيازها للسلطة وتمهد الطريق لتمديد فترة الرئاسة الصومالية في الحكم، ولو على نحو غير مباشر.

أياً تكن الأسباب التي تؤجل الانتخابات في الصومال، إلا أن الحكومة الفيدرالية أمامها خيارات عدة يمكن أن تجنب البلاد صراعا سياسيا يقود من فشل إلى آخر، ومن بين تلك الخيارات ما يلي: (9)

  1. أن تتبنى الحكومة برنامجاً سياسياً واضحاً بشأن إعلان موعد الانتخابات الرئاسية والتشريعية المقبلة، وتحديد نوع الانتخابات المرتقبة، حيث يبدي كثيرون شكوكاً في أهلية الرئاسة الحالية في المشاركة في انتخابات ستكون الأحزاب فيها بديلاً عن القبيلة، نظراً إلى عدم اتفاق الترويكا الحاكمة على تأليف كيان أو حزب سياسي يمثلها.
  2.  أن تمنح الحكومة الفيدرالية اللجنة الوطنية للانتخابات كل الامتيازات وتدعمها لتنظيم انتخابات رئاسية يختار البرلمانيون رئيس البلاد، كنموذج أفضل لتجنب صراع سياسي بين الأطياف الصومالية.
  3. أن تتفق مع المعارضة السياسية في الصومال على تحديد آلية للخروج من عنق الزجاجة وترتيب لقاء مع رؤساء الولايات الفيدرالية في البلاد، كونهم يمثلون جزءاً مهماً من العملية السياسية في البلاد.

المرشحون

تمتاز الصومال مع اقتراب موعد الاستحقاق الانتخابي بحملات انتخابية مبكرة، وتزخر بمرشحين جدد، وسابقين لا يملون من الترشح في الرئاسيات الصومالية، وفي النقاط التالية سنسرد أبرز المرشحين وأفرهم حظاً في الانتخابات المقبلة.

  1. محمد عبدالله فرماجو : الرئيس الصومالي الحالي (2017-2021 )، حظي بتأييد شعبي منذ انتخابه رئيساً للبلاد في فبراير/شباط عام 2017 بأغلبية ساحقة من البرلمان الصومالي، لكن رصيده الشعبي في نزيف مستمر، بعد فشل الحكومة الفيدرالية في تحقيق تطلعات الشعب ووعوده الانتخابية أثناء ترشحه في الانتخابات، فضلاً عن تردي الوضع الأمني والمعيشي لدى كثير من الصوماليين، نتيجة الخنق الأمني في مقديشو، ويتمتع “فرماجو” بفرص أكثر مقارنة بالرئيسين السابقين، لكن رصيد حظوظه شحيح جداً، عند مقارنتنه بالمرشحين الجدد، نظراً للعرف السائد في المشهد الانتخابي في البلاد، لأن من تقلد منصب الرئاسة لن يفوز بولاية ثانية جديدة، إن لم تأت سابقة جديدة تجُب ما قبلها من الأعراف والسياسات.
  2. حسن شيخ محمود: الرئيس الصومالي السابق (2012-2017)، يوصف بأنه سياسي محنك ومرن ويحظى بتأييد إقليمي ودولي وعربي، نتيجة تحالفاته مع دول عربية وأخرى إقليمية، إلا أنه كان يتسم بالصرامة في بعض المسائل التي كانت تتصل بالسياسة الخارجية، لدى شيخ محمود علاقات جيدة مع رؤساء الولايات الفيدرالية، كونه عرّاب النظام الفيدرالي في الصومال، ونجح في خلق توازن إداري وسياسي بين المركز والأطراف في فترة حكمه، وهو ما يؤهله ليظفر بفترة حكم جديدة في الصومال.
  3. شريف شيخ أحمد: الرئيس الصومالي الأسبق (2009-2012) وزعيم منتدى الأحزاب السياسية المعارض في مقديشو، كأقوى تيار سياسي في الصومال، يتمتع شيخ أحمد بتأييد من عشيرته، حقق أواخر فترة حكمه نجاحات سياسية وأمنية، بعد طرد مقاتلي حركة الشباب من مقديشو نهاية عام 2011، ونجح في دفع البلاد نحو فترة رئاسية جديدة والانتقال من عهدة الحكومات الانتقالية، إلى حكومات رسمية تحظى بتأييد دولي وإقليمي. (10)
  4. عبدالكريم حسين جوليد: رئيس ولاية جملدغ الفيدرالية السابق (2016-2017) ومؤسسها، وزير الأمن الأسبق ورئيس حزب سهن، هو من بين الوجوه الجديدة التي تنوي الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة، رجل سياسي عرفه الوسط السياسي والاجتماعي بجرأته عندما استقال من منصب وزارة الأمن عام 2015، نتيجة الضغوط السياسية والتردي الأمني في البلاد، وهو ما عكس عن مرونته في إدارة ملف الأمن في الصومال. يعتبر “جوليد” من السياسيين الذين ساهموا في إخماد حرائق الحرب الأهلية والأزمات السياسية في البلاد، نتيجة تحالفاته المحلية مع رجال القبائل والسياسيين، ويتمتع بعلاقات واسعة مع أطياف كثيرة من الشعب الصومالي وخاصة نواب البرلمان وفئة الشباب.
  5. طاهر محمود جيلي: وزير الإعلام السابق وسفير الصومال لدى الرياض (2015-2018)، هو أيضاً من بين المرشحين الجدد في الانتخابات القادمة، مثقف صومالي ذو شخصية هادئة، لمع نجمه إبان تقلده منصب وزارة الإعلام التي أحدث فيها تغييرات هيكلية وتنظيمية، ونجح في إعادة تشغيل التلفزيون الوطني بعد عقدين من الزمن. (11)
  6. عبد الرحمن عبد الشكور: سياسي صومالي معارض، رئيس حزب ودجر، هو من أشد معارضي النظام الرئاسي في الصومال، وينتقد توجهات السياسة الخارجية والداخلية للحكومة الصومالية، وزير التخيطيط والتعاون الدولي الأسبق (2009)، ترشح في الانتخابات الأخيرة، وأعلن ترشحه مبكرا للانتخابات المقبلة. (12)

تأثيرات وأبعاد التدخل الخارجي في الانتخابات المقبلة

عادة، يترجم التدخل الخارجي الضاغط والمؤثر في سياسات الدول الأفريقية وشؤونها الداخلية، عن ضعف وترهل بنية النظام السياسي الهش في بعض دول القارة السمراء، فيكون حجم هذا التدخل وتأثيراته كبيراً أو متوسطاً بحسب ضعف ومكانة هذه الدولة في الجغرافيا السياسية، فإذا كانت ضعيفة وفاشلة إدارياً وسياسياً، فإن تعاظم النفوذ الخارجي والإقليمي فيها احتمال وارد، وهو ما جعل دولا أفريقية وعربية عديدة ساحة تصفية صراعات أجنبية دولية وإقليمية مثل ليبيا واليمن، والصومال، حيث يعاني النظام الصومالي منذ عقود من فرط هائل من التدخل الخارجي والإقليمي وتداعياته السلبية على الوضع الصومالي، وهذا الدور الضاغط للدول الفاعلة في الأزمة الصومالية يتفاقم ويزداد قوة عندما يحين موعد الانتخابات الرئاسية العامة في الصومال.

دوليا : تعد الولايات المتحدة الأمريكية ومجموعة الدول الأروبية، الأكثر تدخلاً في الشأن السياسي الصومالي، فبحكم دعمهم المستمر لعملية التحول السياسي التي شهدها الصومال من نظام جمهوري مركزي إلى نظام جمهوري لامركزي “فيدرالي” في القرن الأفريفي، من المحتمل أن يكون التدخل الأميركي فيها مؤثراً، نظراً لجنوح واشنطن للرئيس الحالي، محمد عبد الله فرماجو، وذلك من أجل تصحيح مسارات الدبلوماسية الأميركية تجاه الصومال، بينما بريطانيا، التي تتسم سياستها تجاه دول القرن الأفريقي، وخاصة الصومال، بالتدخل الدبلوماسي الناعم ومجارات السياسة الصومالية، دون أن تغوص في عمق الشأن السياسي الداخلي، أي إنها تمارس سياسة توازن استراتيجية تنأى بنفسها عن الخوض في تأييد مرشح على حساب آخر، لكن من المحتمل أن تؤيد مرشحاً من الكتلة الحاكمة سواء من الرئيس الصومالي، محمد عبد الله فرماجو، أو رئيس حكومته، حسن علي خيري؛ إذ أعلنا ترشحهما للانتخابات المقبلة.(13)

تعد تركيا، الحليف الأقوى والأقرب بالنسبة للحكومة الصومالية؛ حيث تدخلاتها الإنسانية والتنموية في الشأن الصومالي ذات صدى إيجابي في الأوساط السياسية والشعبية في البلاد، وهو ما يجعلها ذات تأثير قوي في المشهد السياسي الصومالي، وبحكم وجودها في منطقة القرن الأفريقي وخاصة من بوابتها الشرقية المتمثلة في الصومال، فإن استراتيجية قوس الهلال التركي تتوسع في منطقة تمتد من الصومال وإثيوبيا إلى السودان وانتهاء بليبيا، استراتيجية تركية تدفع أنقرة للتدخل أكثر في الانتخابات القادمة. (14)

عربيا : باتت دول الخليج (قطر، السعودية، الإمارات) أكثر الدول العربية تأثيراً في السياسة الصومالية، فبعد اندلاع الأزمة الخليجية في يونيو/ حزيران عام 2017، ازدادت حجم التدخلات الخليجية في الصومال، سلباً وإبجاباً، فالإمارات العربية المتحدة لاتزال تمارس سياسة الضغوط وخرق السيادة الصومالية عبر إقامة شراكات مع رؤساء الولايات الفيدرالية وخاصة، ولاية بونتلاند، إلى جانب استمرار وجودها في صومالي لاند رغم بطلان البرلمان الصومالي في مقديشو الاتفاقية المبرمة لإدارة موانئ دبي لميناء بربرا، أما الرياض، فاكتفت بمواصلة مشاريعها الإنسانية في الصومال، رغم قرب مقديشو من المحور القطري-التركي، وأصبحت السياسة السعودية تجاه الصومال تسير على دربها السابق، نظراً لأزمات إقليمية أمنية واقتصادية مشتعلة في خاصرتها، كجائحة كورونا التي أثرت كثيراً في قطاعاتها الاقتصادية، وحرب اليمن التي استنزفت خزينة الدولة السعودية بالمليارات من الدولارات، منذ تفجر صراعها مع الحوثيين، منتصف عام 2015. (15)

 أما الدوحة، فتواصل جهودها السياسية لتقريب وجهات النظر في مقديشو، وخاصة بين الحكومة الصومالية ورؤساء الولايات الفيدرالية، إلى جانب مشاريعها التنموية، لكن كثيرين ينتقدون تدخلاتها في الشأن السياسي الصومالي، وخاصة الأحزاب السياسية المعارضة، ففي حال فوز مرشح من المعارضة فإن الدور القطري سيكون حتماً على المحك، إذا لم تقف الدوحة حالياً على مسافة واحدة من المرشحين للرئاسيات المقبلة.

تعتبر كل من مصر والسودان، دول ذات تدخلات محدودة، فالقاهرة، كان لها اليد الطولي في الأزمة الصومالية منذ التسعينيات من القرن الماضي، بحكم العلاقات التاريخية بين الدولتين، لكن في الفترة الأخيرة وخاصة بعد اندلاع موجاب الربيع العربي، وتبدل نظام الحكم في مصر، ضعف دورها في القرن الأفريقي، وأصبح دورها السياسي حالياً مكملاً لأدوار خليجية ضاغطة، مثل الإمارات والسعودية، أما الخرطوم، فكان نظام البشير الداعم الرئيس للأنظمة الصومالية وخاصة التعليمية منها، وكان يوفراً دعماً مالياً للحكومات الصومالية، إلا أن سقوط نظام البشير، أوصد الأبواب وقوّض الدور السوداني في المشهد الصومالي.

إقليميا : تعد إثيوبيا حالياً كأقوى حليف سياسي إقليمي مع الصومال، نتيجة صعود أبي أحمد إلى الحكم عام 2018، وبسبب المتغيرات الجيوسياسية والتحولات السياسية التي شهدها القرن الأفريقي، التي أنهت دوامة العنف والسياسات الكيدية المتبادلة بين دول المنطقة، فإن تدخلات إثيوبيا في الانتخابات المقبلة ستكون محدودة، وربما ستكون الرئاسة الإثيوبية داعمة للرئاسة الصومالي الحالي، نظراً للعلاقات الجيدة بين أديس أبابا ومقديشو، إذ تعلن الأخيرة عن حيادها عن أزمة سد النهضة بين القاهرة وأديس أبابا، وهو موقف صومالي جديد يعكس مدى متانة العلاقات بين الأطراف الإثيوبية والصومالية، نظرا  للمصالح السياسية والاقتصادية المتبادلة بينهما.

أما جيبوتي وكينيا، فأدوارهما وتدخلاتهما في الشأن الصومالي متفاوت، حيث تواجه جيبوتي حالياً ضغطاً داخلياً بسبب ثورات جيبوتية كفورة البركان تجاه سياسات الرئيس اسماعيل عمر جيلي، التي يرى كثيرون أنها امتداد طبيعي للأنظمة الدكتاتورية التي أفقرت شعوبها في المنطقة العربية، ونتيجة لتلك الضغوط الداخلية، فإن إمكانية تدخل جيبوتي في الانتخابات الصومالية المقبلة غير وارد، وبات دورها منحصراً فقط على المصالحة بين الأطراف الصومالية، وآخرها المفاوضات التي جمعت بين رئيس صومالي لاند موسى بيحي، والرئيس الصومالي محمد عبدالله فرماجو في جيبوتي منتصف حزيران/ يونيو الماضي.

كينيا، تبدو خلافاتها السياسية ونزاعها الحدودي البحري مع مقديشو، ستدفعها لتبني سياسات عدائية تجاه الترويكا الحاكمة في الصومال، التي اكتسبت شعبية لمواجهتها للتدخلات الكينية في المستنقع الصومالي، ومن المفترض أن تدعم نيروبي الأطراف السياسية المعارضة، وخاصة رئيس الوزراء الأسبق عمر عبدالرشيد علي شرماركي في حال ترشحه للانتخابات المقبلة، هذا فضلاً عن الوقوف إلى جانب أحمد مدوبي رئيس ولاية جوبالاند الذي يعارض بشدة النظام الرئاسي في الصومال، وهذا مايجعل التدخل الكيني في الصومال قبل الانتخابات وبعدها، سلبياً بامتياز.

آفاق التسوية وسيناريوهات المستقبل

تعتبر التسويات والمصالحات في السياسة الصومالية شأناً داخلياً متجددا ومرادفاً لأي تطور سياسي تحققه البلاد، فعدم توفر مصالحة حقيقية بين القبائل الصومالية، إجتماعياً وسياسياً، لن تتكلل جهود السياسة بالنجاح، فالأزمات السياسية الراهنة تنحصر في مجملها على تقاسم السلطة، وخاصة بين القبائل الكبيرة، فالتطور السياسي اللافت في البلاد، جاء من خلال تنازلات و تسويات سياسية ساهمت في إنجاحها الجهود الدولية والإقليمية، وهو ما يجعل تلك الجهود حالياً ضرورية لتقويم بوصلة السياسة الصومالية من جديد، للحؤول دون فشل سياسي وأمني في البلاد.

تستمر الجهود السياسية حالياً في مقديشو، لإيجاد مخرج من الأزمة الراهنة، ومن المرتقب أن تنظم الحكومة الصومالية مؤتمراً تشاورياً مع رؤساء الولايات الفيدرالية في إقليم جلمدغ منتصف شهر يوليو/تموز الجاري، وذلك لتحديد صيغة وآلية مشتركة لتنظيم الانتخابات الرئاسية والتشريعية، هذا إلى جانب تنظيم لقاءات مع الأحزاب السياسية المعارضة، للاتفاق على ترسيم مصير سياسي ونموذج انتخابي مشترك، والحد من تأثيرات الازمة السياسية الراهنة على الأمن واقتصاد البلاد. (16)

وتتجه البلاد في الوضع الراهن، أمام سيناريوهات عدة حول تنظيم الانتخابات الرئاسية والتسويات منعاً لتفاقم المعضلة السياسية الحالية، ومنها:

السيناريو الأول: إجراء انتخابات في موعدها:

يعتبر هذا السيناريو الأكثر ترجيحاً في الفترة الحالية، فتأجيل الانتخابات لايصب في مصلحة أحزاب المعارضة السياسية، ولا رؤساء الولايات الفيدرالية، وخاصة كل من رئيسي ولايتي جوبالاند وبونتلاند، إذ ترفض المعارضة تمديد فترة الحكومة الصومالية، وتصر على تنظيم انتخابات توافقية بين الأطراف السياسية في البلاد، وتعقد آمالها على الفوز من الرئاسة الحالية، في حال وافقت على اجراء الانتخابات في موعدها، وهذا ما سيكون بمنزلة انتحار سياسي للرئاسة الصومالية، ففكرة تأجيل الانتخابات إلى عامين لن تجد قبولاً سياسياً من المعارضة، وهو ما سيُعقّد الوضع في الصومال سياسياً، إذا أصرت الحكومة على تأجيل الاستحقاق الانتخابي، وهذا ما سيعرض البلاد لقلاقل سياسية وفوضى أمنية.

السيناريو الثاني: التمديد وتشكيل حكومة ائتلاف مع المعارضة:

يعد هذا السيناريو، الأقل ممكناً في الوضع الراهن، فقادة الحكومة الصومالية لن ترضى بدخول شراكة مع المعارضة السياسية، وتأليف حكومة مشتركة، تعمل معها في تنظيم انتخابات عامة “الصوت الواحد” في غضون عامين، بينما قادة أحزاب المعارضة، لا يريدون الجلوس في طاولة واحدة مع قيادات الحكومة الصومالية، وهو ما سيزيد حدة الخلافات السياسية في البلاد في المرحلة المقبلة، وتعقتد أطراف المعارضة أن تأجيل الانتخابات يعطي الحكومة الصومالية نفساً أكثر ومتسعاً أطول يمكنها من ترتيب بيتها من الداخل، وهذا الموقف يتشارك فيه الأحزاب مع رؤساء الولايات الفيدرالية في البلاد.

السيناريو الثالث: بقاء الوضع على ما هو عليه:

هذا السيناريو هو الأرجح حالياً في البلاد، وخاصة إذا تأزمت الأوضاع سياسياً في البلاد ودون أن تحقق المشاورات السياسية والمؤتمرات نتائج إيجابية لتجنيب البلاد مزيداً من الفوضى السياسية، وذلك دون الاتفاق على شرعنة التمديد للسلطة الحالية وبقاء الحكومة الفيدرالية كما هي، فضلاً عن عدم الاتفاق على نموذج انتخابي واحد بسبب تحديات داخلية وتدخلات إقليمية ودولية لها تأثيرات قوية وسياسات متناقضة تجاه الصومال. 

الخلاصة

في نهاية المطاف، يقف الصومال اليوم على مفترق طرق من الصراعات السياسية، ويواجه حزمة من التحديات وتأثيرات التدخلات الدولية والإقليمية والعربية، ناهيك عن ظروف أمنية تتمثل في وجود حركة الشباب في جنوب ووسط البلاد، وتنظيم الدولة الإسلامية “داعش” في شماله، إلى جانب أزمات اقتصادية وإنسانية يواجه بسببهما نحو ثلث سكان البلاد (4 مليون)  (17)أزمة نقص الغذاء، فتحدي تنظيم الانتخابات الرئاسية في الصومال، بات بمنزلة هاجس يقلق كثيراً من المواطنين، ويتخوفون من تفجر صراعات سياسية جديدة في البلاد، تنال من التحسن الأمني الذي مكّن المغتربين من العودة إلى البلاد وفتح مشاريع استثمارية كبيرة، فانتقال السلطة عبر الانتخابات في بعض الدول الأفريقية مكمن تهديد لاستقرارها أمنياً وسياسياً (18)، وهذا ما ينطبق تماماً على الصومال، الذي لن يكون بمنأى عن الصراعات السياسية، إذا لم يوفق الفرقاء على تغليب المصلحة العامة بدل المصالح الشخصية والفئوية.

المراجع

  1. الشافعي أبتدون، مستقبل الصومال بقيادة الرئيس الجديد فرماجو، مركز الجزيرة للدراسات، شوهد، 2 يوليو/تموز 2020 في، الرابط
  2. الصومال: حسن شيخ محمود من أكاديمي مجهول الى رئيس للبلاد، بي بي سي عربي، شوهد 2 يوليو/ تموز 2020 في، الرابط
  3. د.عبدالباسط شيخ ابراهيم، الانتخابات الصومالية : جرح جديد في الجسد المعلول، مركز مقديشو للبحوث والدراسات، شوهد 3 يوليو/تموز 2020 في، الرابط
  4. الشافعي أبتدون، الصومال قبل انتخابات 2020: خريطة الأحزاب السياسية وتحديات الداخل والخارج، مركز الجزيرة للدراسات، شوهد 3 يوليو / تموز 2020، في الرابط
  5. نظام الأغلبية البسيطة (الفائز الواحد / الصوت الواحد) هو نظام الأغلبیة البسیطة وله تسمیات عدیدة كنظام الفائز الأول، ونظام الأغلبية النسبية، ونظام الأغلبية ذو الدور الواحد. وبموجب هذا النظام یفوز بالانتخاب المرشح الذي یحصل على أكبر عدد من الأصوات، حتى لو كان مجموع عدد الأصوات التي حصل علیها باقي المرشحین یزید على عدد الأصوات التي حصل علبها هذا المرشح. وهذا النظام هو الذي طرحته لجنة الانتخابات المستقلة.
  6. Lacagta doorashooyinka Soomaaliya ee 2020/21 ku baxaysa oo la shaaciyey,Caasimadda.com, accessed on 7/20/2020, at  link
  7. Mareykanka oo Doorashada Soomaaliya Ku taageeraya Lacag gaareysa 6 Milyan oo Dollar, Mustaqbal Radio, accessed on 7/20/2020, at link.
  8. هي قاعدة عشائرية يتم التوزيع بموجبها على المناصب السيادية في الصومال، وهي العشائر الكبيرة در، ودارود، وهوية، ودغل ومرفلي وتحصل على نسب متساوية من الحصص (61×4=244،) بينما الكتلة الخامسة ستحصل على نصف حصة (31 عضواً).
  9. Xaliima yarey” si doorasho qof iyo cod ah loo qabto waqti dheeri ah ayaa loo baahan yahay, Somali National Television, accessed on 03/07/2020,at  link
  10. الشافعي أبتدون، عن جدلية الانتخابات الصومالية، صحيفة العربي الجديد، شوهد 4 يوليو/ تموز 2020، في الرابط
  11. عبد الرحمن عيسى، قراءة في المشهد السياسي والانتخابي في الصومال: تطلعات وتوقعاتن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، شوهد، 4 يوليو/تموز 2020 في، الرابط
  12. عمر فارح، من هو طاهر محمود جيلي وزير الإعلام الصومالي الجديد ؟، الصومال الجديد، شوهد 4 يوليو/ تموز 2020، في الرابط
  13. مستقبل نظام الحكم في الصومال في ضوء الانتخابات الرئاسية المقبلة، مركز الإمارات للسياسات، شوهد 5 يوليو/تموز 2020، في الرابط
  14. الشافعي أبتدون، التدخل الأجنبي وتأثيره في مسار ومصير الرئاسيات الصومالية المقبلة، مركز الجزيرة للدراسات، شوهد 5 يوليو/تموز 2020 في، الرابط
  15. جلال سلمي، ماهو القوس الهلال الأفريقي التي تسعى تركيا لبنائه، ترك برس، شوهد 6 يوليو/ تموز 2020 في، الرابط
  16. Somali Official Says Somaliland Deal with UAE Corrupt, Illegal, VOANEWS.COM, accessed on 06/07/2020, at, link
  17. رؤساء الولايات الإقليمية يعلنون عقد اجتماع طارئ في طوسمريب، مقديشو بريس، شوهد 6 يوليو/تموز2020 في، الرابط
  18. نور جيدي، الجفاف يلقي بـ 4 ملايين صومالي بين أنياب المجاعة، وكالة الأناضول، شوهد 20 يوليو/تموز 2020 في، الرابط
  19. Expanded Participation Model: Alternative for Somalia’s 2020 One-Person One-Vote Plan, Heritage Institute for Policy Studies, accessed on 07/07/2020, at: link
قاعدة عسكرية مصرية في أرض الصومال المحددات والأبعاد

قاعدة عسكرية مصرية في أرض الصومال: المحددات والأبعاد

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close