fbpx
تحليلاتمجتمع

مسلسل الاختيار: بين طبيعة الرسالة وفشل الوسيلة

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

مسلسل الاختيار: بين طبيعة الرسالة وفشل الوسيلة

الإعلام من أهم الأدوات التي تملكها النظم لترويج رسائلها لكافة مواطنيها، حيث تحاول من خلاله رسم صورة ذهنية معينه لدى الجمهور لكي يقتنع بممارستها تجاه كافة الأحداث. ويُعتبر سلاح الإعلام من أقوى الأسلحة خاصة في عصرنا الحديث؛ ذلك لأن الإعلام يعمل على تشكيل الأفكار وصياغة المعتقدات، وهي الأسس التي تحرك الشعوب. وكما يقول الناشط الأمريكي مالكوم إكس: (وسائل الإعلام هي الكيان الأقوى على وجه الأرض.. لديها القدرة على جعل المذنبين أبرياء وجعل الأبرياء مذنبين.. وهذه هي السلطة لأنّها تتحكم في عقول الجماهير)[1]؛ فالمنتصر ومن يملك زمام الأمور هو من يكتب التاريخ، بل ومن الممكن أن يزوِّره أيضاً، وعلى مر التاريخ زُوِّرت أحداث ووقائع لأن من كتبها كان هو المنتصر.

النظام المصري الذي تمكّن وأحكم سيطرته على الدولة المصرية بعد انقلابه، في 03 يوليو 2013م، على أول تجربة ديمقراطية شهدتها مصر، استخدم الأعمال الدرامية لترسيخ أفكاره وبث رسائله المختلفة لكافة قطاعات الشعب من المدنيين والعسكريين. حيث عمل النظام العسكري في مصر على إحكام قبضته على شركات الإنتاج الإعلامي حتى إنه الآن الذي يرسم خططها وأفكارها، وذلك بعد سيطرته على كافة الملفات الأمنية والعسكرية والاقتصادية داخل مصر.

ففي موسمي المسلسلات الرمضانية 2020 و2021، اللذين اكتظت بهما الأعمال الدرامية، عملت هيئة الشئون المعنوية تحت قيادة اللواء أ.ح أحمد فتحي خليفة من خلال أحد أذرع النظام الإنتاجية “سينيرجي للإنتاج الفني” التي كان يرأس مجلس إدارتها تامر مرسي[2]، على إصدار نسختين من مسلسل الاختيار، لترسيخ بعض رسائل وأهداف النظام، والتي سنتـناولها على النحو التالي:

مسلسل الاختيار 1:

كانت النسخة الأولى من مسلسل الاختيار في موسم 2020م؛ وتناول النظام في ذلك الجزء الأحداث التي تشهدها سيناء، والمواجهات التي تتم بين قوات الجيش المصري وبعض الجماعات المتمردة التي تتخذ من أرض سيناء مركزاً لها منذ سنوات، وذلك لإظهار الأعمال البطولية التي تقوم بها قوات الجيش المصري  في سيناء[3].

وركّزت هيئة الشئون المعنوية في مسلسل الاختيار 1 على الهجوم المُحكم الذي نفذته عناصر تنظيم “ولاية سيناء” على كمين مربع البرث، الذي كان يتولى قيادته العقيد الكفء أحمد منسي، وحاولت إظهار الأمر على أنه عملية بطولية لقوات الكمين الذي نسف هيكله بالكامل، وأزهقت أرواح أغلب ضباط وجنود الكمين، على رأسهم العقيد أحمد منسي قائد الكمين، وكرؤية عسكرية يمكن الإشارة إلى بعض النقاط:

  • من منظور عسكري، وفي التقييمات العسكرية التي تجرى بعد الحروب أو المداهمات، لم أر تقييماً وصف عملية أبيدت فيها أغلب قوات الكمين، وتم تدمير هيكل الكمين بالكامل، على أنها عملية عسكرية بطولية لقوات الكمين الذي تمت تصفيته إلا في حالة الإغارة على كمين البرث.
  • مربع البرث كان بؤرة نشطة للجماعات المسلحة المتمردة، ولذلك استحدث الجيش نقطة البرث حتى يكون على مقربة من تلك البؤرة، ومن المفترض أن يقوم جهاز المخابرات الحربية قبل اتخاذ ذلك القرار بجمع كل المعلومات عن إمكانيات التنظيم حتى يتم تأسيس كمين له القدرة على مواجهة تلك الجماعات التي تتمركز في تلك المنطقة.
  • ما تم في عملية الإغارة التي شنّتها عناصر تنظيم “ولاية سيناء” على نقطة ارتكاز البرث في يوليو 2017م، يدل على أنه لم يكن لعدد أفراد قوات الكمين من ضباط وجنود ولا درجة تسليحهم القدرة على مواجهة عناصر التنظيم المتواجدة في تلك المنطقة، وهذا يسمي “فشل استخباراتي”.
  • عند التقييم العسكري لحالة الإغارة على نقطة ارتكاز البرث، يجب محاسبة ومساءلة من تولوا ملف إعداد وتجهيز كمين البرث قبل نقل بعض قوات الكتيبة 103 صاعقة إلى مربع البرث، ولا يجب أن يعرض الأمر على أنه عمل بطولي، في حين أنه يُقيَّم عسكرياً على أنه كارثة حقيقية.
  • تأخرت قوات الدعم في الوصول لإحباط الهجوم على كمين البرث، وهذا ما أدى لإبادة الكمين بشكل كامل وقتل أغلب عناصره. والمتتبع لعمليات الإغارة التي تشنها الجماعات المسلحة المتمردة على كمائن الجيش المصري في محافظة شمال سيناء، سيرى أن الدعم يصل متأخراً في أغلب الإغارات التي تمت على الكمائن، وهذا يدل على ضعف كفاءة الرؤية العسكرية المصرية في نصب الكمائن، وطرق ربطها ودعمها، وهذا ما يُطلق عليه العسكريون “عشوائية التخطيط”.

مسلسل الاختيار 2:

في موسم 2021م، واستغلالا لما سُمي حالة “النجاح” التي حققها الجزء الأول من مسلسل الاختيار1، قامت هيئة الشئون المعنوية بإنتاج الجزء الثاني من المسلسل تحت اسم “الاختيار 2”، حيث عمل هذا الجزء على تحسين صورة الشرطة المصرية بشكل أساس، والتي كانت أحد أسباب اندلاع ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011م، والتي أصبحت ممارساتها أكثر سوءاً بعد يوليو 2013م. وعمل المسلسل على تحسين صورة ضباط جهاز الأمن الوطني، الذين قاموا بأبشع الممارسات تجاه المواطنين بمختلف توجهاتهم بعد يوليو 2013م. والمتابع للوضع الحقوقي في مصر سيرى إلى أي مدى وصل وضع حقوق الإنسان على يد هؤلاء الضباط، الذين يدينون بكل الولاء لنظام السيسي.

كانت أهم رسائل مسلسل الاختيار2، هي تبرئة السيسي من مجازر فض اعتصامات المدنيين السلميين في رابعة العدوية والنهضة، ووصمها بأنها اعتصامات لميليشيات مسلحة، وهذا زعم النظام الدائم. فالسيسي يحاول طمس أي معالم لتلك المجازر بشتى الطرق؛ فبعد نجاح انقلابه بعامين تقريباً (تحديداً في 30 يونيو 2015)، أمر بتغيير اسم ميدان رابعة العدوية إلى ميدان هشام بركات، وذلك لمحو آثار الجريمة التي ستظل تطارده مهما طال الزمن.

ستظل مشاركة قوات الجيش في عمليات فض الاعتصامات نقطة سوداء في تاريخ العسكرية المصرية؛ حيث أطلق الجيش الرصاص على أبناء شعبه بسبب خلافات سياسية كان عليه البعد عنها. وعمد المسلسل على إظهار أن قوات الشرطة هي التي قامت بالفض فقط، وتعمد طمس حقيقة أن قوات الجيش شاركت في تلك العمليات؛ وعلى عكس ذلك، فقد شاركت قوات الجيش بشكل أساسي في عمليات فض اعتصامات ميداني “رابعة والنهضة”. وجدير بالذكر أن اللواء إيهاب سلوم قائد الفرقة “9 مدرعة نطاق عمل المنطقة المركزية العسكرية” في ذلك الوقت، كان هو مسئول القوات التي قامت بفض ميدان النهضة في ميدان الجيزة؛ وقد تمت مسائلته بعض الفض بسبب تبكيره لعملية الفض قبل الميعاد المحدد، ونفذ الفض قبل اشتباك القوات لفض ميدان رابعة طبقاً للخطة التي كانت موضوعة آنذاك. حاول المسلسل طمس تلك الحقائق لتبيض وجه الجيش وقائده الأعلى عبد الفتاح السيسي، ولكن التاريخ والأذهان سجلوا تلك الفاجعة وستظل مشاهدها تذكرنا بماضٍ أليم.

وبشكل عام، لم تكن عمليات فض الاعتصامات التي نفذتها قوات الجيش والشرطة بذلك الشكل اللين البسيط الذي حاولت أن تُظهره الشئون المعنوية في المسلسل؛ حيث هناك وفيات من السيدات وكبار السن، ولا يعقل تصور أن هؤلاء كانوا يحملون السلاح، كما أراد المسلسل أن يصور أن كل من قُتل كان مسلحاً، فإطلاق النار كان عشوائياً بناء على تعليمات المسئولين باستخدام القوة المفرطة.

واستمرارا لحالة الانشقاق المجتمعي الذي يحرص عليها السيسي ونظامه دائماً، كونها حالة تؤمّن استمرار نظامه، قامت السلطات المصرية باستغلال الحالة التي صنعتها الدراما الموجَّهة من أجل تنفيذ أحكام مغلظة بخصوص الأحداث التي وقعت في مركز كرداسة والتي وصفها البعض بأنها “ملتبسة“، وذلك لتوسيع تلك الفجوة، بحثاً عن مصلحة النظام فقط دون النظر للصالح العام.

الرسالة الهامة التي عمل مسلسل “الاختيار 2” على بثِّها، كانت تسليط الضوء على الضباط الذين رفضوا ما تم في يوليو 2013، وقاموا بسلك طرق خشنة لمواجهة النظام، وذلك لتشويهم والتأكيد على ذلك المعنى كرسائل للضباط لعدم سلك طريقهم.

إن الممارسات التي مارستها القيادات العسكرية بعد 03 يوليو 2013م، أدت إلى اقتناع بعض المنتمين إلى المؤسستين العسكرية والشرطية، بأنّ العمل الجهادي هو أسلوب ووسيلة من وسائل التغيير، حيث كانت هذه الوسيلة أحد الطرق التي تبناها بعض ضباط الجيش والشرطة لإحداث ذلك التغيير. والمعروف أن هناك بعض الضباط الذين تبنوا العمل الجهادي في مصر خلال السنوات الماضية، فانضم بعضهم إلى جماعات مسلحة، ومنهم من أسس كيانات مسلحة لمواجهة النظام؛ ومن هؤلاء الضابط هشام على عشماوي مسعد، والضابط عماد عبد الحميد الذي نفذ عملية الواحات في أكتوبر 2017م “التي أُقيل بعدها رئيس الأركان الفريق محمود حجازي، صهر السيسي، ورئيس جهاز الأمن الوطني اللواء محمود شعراوي”، والضابط وليد بدر، وهذا ما تم التركيز عليه في جزئي المسلسل.

ولكن في الجزء الثاني تم التركيز بشكل أساسي على مجموعة ضباط الداخلية خريجي دفعة 2012م، الذين انضموا للجماعات المسلحة في سيناء لمواجهة النظام، وهم الضابط حنفي محمد جمال والضابط محمد جمال عبد العزيز، والضابط خيرت سامي عبد الحميد محمود السبكي، والضابط إسلام وئام أحمد حسن.

مسلسل الاختيار بين طبيعة الرسالة وفشل الوسيلة-1
منشور تابع لوزارة الداخلية المصرية ونشرته بعض وسائل الإعلام

القول الفصل هنا، أن إغلاق كل السبل الدستورية والقانونية لتحقيق التغيير يدفع البعض لسلك طرق أخرى لصناعة التغيير المطلوب.

أخيراً:

الجيوش لم تؤسس لكي تحكم ولا لكي تواجه المظاهرات السياسية وتوجه رصاصها لصدور أبناء شعوبها من أجل مشاكل سياسية لا هي من دوره ولا وظيفته. ولم تؤسس الجيوش لإقامة المصايف والنوادي، أو الاستحواذ على الجوانب الاقتصادية المدنية. الجيوش دورها حماية البلاد من التهديدات الخارجية التي تهدد الأمن القومي، حيث تُسلَّح الجيوش وتنفق الأموال الطائلة على فروعها من أجل ذلك.

إقرأ أيضاً: الاختيار٢: عندما ينقلب السحر على الساحر، الرابط البديل


الهامش

[1] على أبو حبلة، أهمية الإعلام في تطور الشعوب وتحولات السلطة والسيادة، صحيفة الدستور الأردنية، تاريخ النشر 26/8/2020، تاريخ التصفح 25/5/2021، الرابط: https://bit.ly/2Sl7ti1

[2] بعد استبعاد مرسي.. «المتحدة للخدمات الإعلامية» تستعين برجال البنوك والاستثمار وتطرح جزءًا من أسهمها في البورصة بعد 3 سنوات الرابط

[3] جدير بالذكر أنه منذ عام 2011م، وإلى وقتنا الحالي، قام الجيش المصري بسبع عمليات عسكرية ضد المتمردين في شمال سيناء، وهي على الترتيب كالتالي (عملية نسر1، عملية نسر2، عملية حق الشهيد 1، عملية حق الشهيد 2، عملية حق الشهيد 3، عملية حق الشهيد 4)، ثم كانت أخر تلك العمليات هي العملية الشاملة التي كلّف بها السيسي الفريق محمد فريد حجازي في أواخر عام 2017م، وأعطى له ثلاثة أشهر حتى يتم التخلص من المتمردين في شمال سيناء، ولم تكتب للعملية النجاح كسابقيها، وإلى الآن تستمر المواجهات بين الجيش المصري والجماعات المسلحة في سيناء، وإلى الآن يفقد الجيش المصري أفراده الأكفاء على يد بضع مئات من المتمردين.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close