اقتصادتقارير

مصر: أزمة الاسمنت وهيمنة العسكر

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

يبدو أن صناعة اﻷسمنت في مصر، ودعت عصرها الذهبي على اﻷقل لعدة سنوات مقبلة؛ نتيجة الأوضاع التي يشهدها السوق، حالياً، والمتمثلة في تراجع ربحية الشركات، ووجود طاقات إنتاجية معطلة؛ نتيجة ضعف الطلب.
وفقاً لدراسة أعدها أحد بنوك الاستثمار، فإنَّ إجمالي الزيادة في الطلب، خلال العامين الحالي والمقبل، يعادل 72% فقط من الطاقة اﻹنتاجية التي سيضيفها مصنع واحد مملوك للقوات المسلحة سيُفتتح الشهر المقبل، ورغم ذلك لا تزال الدولة ماضية في خططها ﻹضافة مزيد من مصانع اﻷسمنت، وهو ما سيرفع الطاقات الإنتاجية الفائضة خلال السنوات الخمس المقبلة، اﻷمر الذي قد يضغط على عوائد الشركات المنتجة، إن لم تكن هناك حلول أخرى مثل التصدير.
يتفق الجميع في السوق، حالياً، على الشكوى من اﻷسعار، فالمنتجون يشتكون ارتفاع أسعار المواد الخام والرسوم الحكومية والوقود المتمثل في الفحم والمازوت، بينما يشكو المستهلكون والتجار الارتفاعات المتتالية في سعر بيع اﻷسمنت والتي باتت تحدث بشكل أسبوعي تقريباً.
توقع بنك الاستثمار سى آى كابيتال، أن يظل انعدام التوازن في سوق صناعة اﻷسمنت قائماً على مدى السنوات المقبلة وحتى 2022، رغم توقعاتهم المتفائلة بنمو الطلب، وبرر ذلك بأنه حتى بعد ارتفاع الطلب بنحو 3.9 مليون طن في 2018 و5.6 مليون طن في 2019 فإن الزيادة مجتمعة تمثل 72% من الطاقة الإنتاجية لمصنع وزارة الدفاع الجديد، بخلاف أن أي ارتفاع في الطلب بداية من 2020 ستكون مصحوبة بزيادة الطاقة الإنتاجية بعد دخول انتاج الرخص الجديدة السوق.
ووفقاً لهذه التقديرات فالطاقات المعطلة داخل قطاع الأسمنت سترتفع من 27% خلال العام الماضي إلى 33% خلال 2018 على أن تتراجع إلى 19% بحلول 2020، ورجحت ارتفاع مخزون الكلنكر خلال الفترة من 2018 إلى 2022 بنحو 8.6 مليون طن ليصل المخزون التراكمى إلى 15.7 مليون طن بحلول 2022 تعادل نحو 21% من إجمالي الطلب متوقعة أن تتفاقم الضغوط على الصناعة خلال الاجل المتوسط والطويل، وأضاف التقرير، إن التوازن في جانبي العرض والطلب يبدأ بعد 5 سنوات لكن مخزون الكلنكر سيستمر في الضغط على ربحية القطاع.
كما أشار التقرير إلى أن أسعار الأسمنت ارتفعت خلال 2017 بنحو 20% في حين أن تكلفة الإنتاج زادت بنحو 37% للمنتجين الذين يتبعون سياسة تشغيلية متكافئة، ما يعكس عدم قدرة المنتجين على تمرير زيادة الأسعار للمستهلكين، وتوقع نمواً هامشياً في أسعار البيع للمستهلكين خلال السنوات الخمس المقبلة مدفوعة بمزيد من الارتفاع في التكلفة لتحافظ على نسبة الأرباح قبل احتساب الفوائد والضريبة والاستهلاك إلى إجمالي الإيرادات بين 15 و20% للمنتجين الذين يعملون بكفاءة تشغيلية مرتفعة وأقل من 15% لأصحاب الكفاءات التشغيلية الأقل.
وقد استبعد «سى آى كابيتال» أن تسهم أي زيادة أكبر من المتوقع في الطلب في تحريك الأسعار بوتيرة أعلى، في ظل ارتفاع تكاليف التشغيل وتراكم المخزون في القطاع ما يحد من ربحيته، وتوقع التقرير تراجع حاد في الأسعار مع نهاية الربع الأول في 2018 في ظل بداية إنتاج مصنع وزارة الدفاع الإنتاج، لكن موقف المنتجين الآخرين بخفض الإنتاج والمعروض وحده القادر على الحد من تراجع الأسعار.
وأشار «سى آى كابيتال»، إن تخفيضه لتوقعات سعر صرف الدولار إلى 17.7 جنيه بدلاً من 15.3 جنيه خلال 2018، رفع تقديراته ﻷسعار المستهلكين وأسعار التكلفة. وأضاف أن صناعة الأسمنت تعانى تخمة في المعروض سترتفع حدتها مع افتتاح مصنع الأسمنت الخاص بوزارة الدفاع الذى تم الإعلان عنه في يوليو 2016 وبدأ تشغيله أواخر العام الماضي بمنطقة بنى سويف أى انها جغرافياً في منتصف مصر تقريباً ما يسهل وصوله للعملاء في جنوب مصر ومحافظات الدلتا والقاهرة المزدحمة بالسكان.
وتوقع بنك الاستثمار أن يرفع المصنع الطاقات الإنتاجية الحالية بنحو 18.3% لتصل إجمالى الطاقات الانتاجية إلى 85 مليون طن سنوياً خلال العام الحالى مقابل نمو أضعف في الطلب عند 57 مليون طن فقط، وتستحوذ بذلك وزارة الدفاع على 23.2% من الطاقات الإنتاجية في قطاع الأسمنت بإجمالي 20.4 مليون طن سنوياً وتوقع التقرير أن تتراجع النسبة إلى 22.5% خلال 2022.
ورجح التقرير أن يبدأ المصنع بإنتاج 20% من طاقته فقط خلال العام الحالي على أن يصل إلى أقل من 60% بحلول 2020 وتوقع أن يوجه جميع انتاجه لمشاريع البنية التحتية الحكومية.
وأشار إلى أن الأهم من انتاج المصنع هو طريقة إدارته حيث أن وزارة الدفاع تعتمد على الكميات لقيادة أسعار السوق، موضحاً أن إدارة مصنع العريش الذي تصل طاقته الإنتاجية نحو 7.3 مليون طن سنوياً وينتج بنحو 55% من طاقته مقابل 73% متوسطات السوق ويبيع بأسعار أقل من السوق بنحو 2% خلال الفترة بين 2012 و2017.
وقال التقرير، إنه في ظل تسارع وتيرة تخمة المعروض خلال العام الماضي، درست بعض الشركات الكبرى ترشيد الإنتاج وخفضه لحماية الربحية، لكن صغار المنتجين تعاملوا بشكل معاكس واستمروا في تشغيل كامل طاقتهم الإنتاجية واستمروا في سعيهم لزيادة حصصهم السوقية على حساب الربحية.
ورغم أوضاع السوق غير المشجعة استمر 8 من إجمالي 20 منتجاً في تشغيل 100% من طاقتهم الإنتاجية خلال الشهور التسع الأولى من 2017 ما ساهم في خفض هامش الأرباح قبل الضرائب لأقل من 20% للمصانع ذات الكفاءة التشغيلية مقابل من 35 إلى 40% خلال الفترة نفسها من العام الماضي.
وتوقعت أن يسهم زيادة الطاقات الإنتاجية بنحو 6 ملايين طن سنوياً بنهاية 2020 في ظل منح هيئة التنمية الصناعية 3 رخص اسمنت في نوفمبر 2016 لإنتاج 6 ملايين طن مع سعى هذه الشركات لتعويض الإنفاق الاستثماري الكبير وامتلاكها طاقات تشغيلية، وأشار إلى أن 2 من أصحاب الرخص الجديدة هي جنوب الوادي والسويدى للأسمنت يمتلكون مصانع تعمل بكامل طاقتها الإنتاجية، ما يرجح سيناريو إغراق السوق بأكثر من احتياجاته.

التحسن المتوقع في جانب الطلب العام الحالي لن يعوض التراجع الكبير خلال 2017:

قال التقرير، إن معدلات الطلب مدعوم في معظمه من الطبقة ذات الدخول المحدودة والمتوسطة التي تأثرت بتآكل قوتها الشرائية بعد التعويم تراجعت، وانخفض الطلب على الأسمنت بنحو 7.5% خلال الشهور التسعة الأولى من 2017، ولم تنجح المشروعات الكبرى في تنفيذ المرحلة الأولى من العاصمة الإدارية في تعويض التراجع في الطلب، وقدر إجمالي الطلب في 2017 بنحو 53 مليون طن مقابل 56.4 مليون طن في 2016، بتراجع قدره 6%.
ساهمت المنافسة الشديدة وتراجع الطلب في ارتفاع مخزون الكلنكر بعدما تم إضافة نحو 4.2 مليون طن خلال الشهور التسعة الأولى فقط من2017 ليرتفع المخزون التراكمى إلى 6.4 مليون طن بنهاية سبتمبر الماضى ومن المرجح أن ترتفع إلى 7.1 مليون طن بنهاية 2017، وتوقع التقرير ارتفاع الطلب خلال العام الحالى بنحو 7.3% على أن ينمو بنحو 9.9% خلال 2019، وهو يعكس الطلبات المؤجلة للأسمنت منذ 2011 بعدما توقف استهلاك القطاع عن النمو منذ 2011، وأوضح أن ارتفاع الطلب سيأتي مدعوماً بتدفق الاستثمارات مع الخفض المتوقع لأسعار الفائدة بنحو 6% خلال 2018، إلى جانب اتيان الإصلاح الاقتصادية ثمارها لتمويل الحكومة والتحسن التدريجى في معدلات البطالة وتحسن الأجور.
وفقاً لدراسة أعدتها شعبة الأسمنت، مساهمة القطاع في الناتج المحلى ارتفعت في العام 2016 إلى 22% مقابل 17.5% في 2006، و13.6% في عام1999، وأوصت الدراسة بإعادة النظر في هيكل التكلفة الصناعية، خاصة في الكميات التي تتجه نحو التصدير للقدرة على المنافسة في الأسواق الخارجية.

أهم أسباب ارتفاع التكلفة:

ارتفاع سعر الوقود بسبب تعويم العملة، والذي أدى أيضًا إلى ارتفاع الجمارك، وارتفاع أسعار المواد الخام بسبب قانون الثروة المعدنية ورسوم الطرق المتزايدة، وضريبة القيمة المضافة التى رفعت الضريبة إلى 14% مقابل 5%.
أيضًا، ساهمت ارتفاع أسعار الفائدة على القروض إلى 23% خلال الفترة الماضية في ارتفاع التكلفة، بخلاف وجود تكاليف إضافية مثل رسم الطفلة، والتأمينات الاجتماعية، وقانون المحاجر الجديد.
زادت أسعار «المازوت» على مصانع الأسمنت عقب «التعويم» مرتين، الأولى من 1500 إلى 2500 جنيه في الطن، والثانية في شهر يونيو من العام الماضي بقيمة 1000 جنيه إضافية في الطن، كما زادت أسعار الفحم عالميًا بنسبة تتخطى 30% خلال النصف الأخير من العام الماضي، لتصعد إلى 200 دولار في الطن، مقابل 153 دولارًا قبلها.
أغلب المصانع توقفت عن استخراج المادة الخام للأسمنت من الجبل محليًا (الكلنكر)، وتوجهت للاستيراد، فهو منخفض التكلفة بالمقارنة مع الاستخراج المحلي، ارتفع سعر طن الكلنكر مؤخرًا بقيمة تتخطى 200 جنيه، ليصعد في الأخير إلى 650 جنيهًا من أرض المصنع، وتختلف تكلفة النقل من شركة لأخرى، وتتراوح في النهاية بين 70 و170 جنيهًا على أقل وأقصى تقدير.
فرضت لجنة الخطة والموازنة في البرلمان، 100 جنيه عن كل طن من الطفلة التى تستخدمها مصانع إنتاج الأسمنت، وتتولى مأمورية الضرائب المختصة تحصيل هذا المبلغ من المصانع.
البعض يري أن زيادة الأسعار بصورة غير مُبررة، وان المصانع خفضت الطاقات الإنتاجية لديها لتعطيش السوق والقدرة على تحريك الأسعار، ليتخطى سعر الطن في النهاية حاجز ألف جنيه من أرض المصنع، كما إن استيراد الأسمنت لن يكون بديلاً للمنتج المحلى حتى وإن ارتفع السعر في مصر عن الأسعار العالمية، فأغلب المصانع المحلية تابعة لشركات دولية، ولن يقدموا عروضا مناسبة للمحافظة على أعمالهم في مصر، ويبلغ متوسط الأسعار العالمية للأسمنت يبلغ 55 دولارًا في الطن أى نحو 973 جنيهًا، والأسعار في السوق المحلى ستتخطى 1100 جنيه في الطن وقت البيع للمستهلكين.
تُسيطر 4 شركات أجنبية على قطاع الأسمنت، تتقدمهم «لافارج» الفرنسية بعد شراء مصانع بنى سويف، والإسكندرية، والمصرية للأسمنت، ومجموعة «السويس» التى استحوذت على مصانع السويس، وحلوان، وطرة، وتسيطران على 65% من الإنتاج المحلى، وتستحوذ شركتا «سيمور» البرتغالية و«سيميكس» المكسيكية على 22% من اﻹنتاج، وتتوزع الحصة المتبقية على باقى الشركات المحلية التى تضم شركة واحدة حكومية، هى القومية للأسمنت، وشركتان تابعتان للقوات المسلحة.
في ظل الازمة تستعد هيئة التنمية الصناعية لإعادة طرح 11 رخصة أسمنت رمادي خلال الفترة المقبلة، لاستكمال ما تبقى من طروحاتها في العام قبل الماضي، وتعمل حاليا على الإجراءات النهائية بشأن الرخص الجديدة.
كانت الهيئة قد طرحت 14 رخصة في يناير من العام 2016، وكان بمثابة الطرح الثانى من نوعه منذ العام 2007، بطاقة إنتاجية تصل إلى 28 مليون طن بواقع مليونى طن عن كل رخصة، واشترطت أن يوفر المستثمرون احتياجاتهم من الطاقة.
وأعادت الهيئة طرح الرخص المتبقية في العام الماضى، وسحبت 7 شركات كراسات الشروط، لكنها لم تتقدم بأوراقها للحصول على رخص جديدة
وتتركز أماكن طرح الـ14 رخصة في محافظات (مطروح، وجنوب سيناء، وبنى سويف، والوادى الجديد) بواقع رخصة لكل واحدة، و(السويس، والمنيا، وأسوان، وقنا، وسوهاج) رخصتان.
تبلغ مصانع الأسمنت في مصر 24 مصنعًا بواقع 4 مصانع في القاهرة و2 في الإسكندرية و5 في السويس و5 في بنى سويف و2 في المنيا و2 أسيوط ومصنع بقنا ومصنع بأسوان و2 بشمال سيناء.
السوق سيستقبل إنتاج 4 رخص جديدة خلال العامين المقبلين، وجميعها يركز على الأسواق الخارجية، نظرًا لكفاية السوق المحلى من الإنتاج.

تصدير الأسمنت:

توجد ثلاثة عوامل رئيسية لنجاح تصدير الاسمنت :
خفض أسعار الطاقة المقدمة للمصانع، والتى ارتفعت أكثر من مرة بعد قرار تحرير أسعار الصرف في نوفمبر من العام 2016.
العامل الثاني في نجاح التصدير يتمثل في دعم التصدير، ورغم أنه يوجد أنباء عن تحمل الحكومة 50% من قيمة النقل لأسواق ليبيا والعراق، لكنه دعمًا غير كاف، كفاءة المنتج المصري جيدة وتستطيع المنافسة، لكن التكلفة في الخارج مازالت أقل بكثير، ويجب أن تكون لدينا الأفضلية بدعم الحكومة.
العامل الثالث، يتمثل في توفير دراسات عن الأسواق المجاورة، وحجم احتياجاتها الفعلية، من خلال مكاتب التمثيل التجارية، بالتعاون مع بعثات تجارية تضم أعضاء من مجالس إدارات المصانع.

خاتمة:

في إطار الاستعراض السابق، تبرز مجموعة من التساؤلات، تشكل الإجابة عليها ضوابط حاكمة لمسار أزمة الأسمنت في مصر، وتداعياتها المستقبلية، ومن ذلك: لماذا دخل الجيش في صناعة لا تعاني أية مشاكل ولماذا يربك ويحتكر ما هو قائم بالفعل؟ ولماذا تُصر الحكومة على طرح رخص كثير للاسمنت وتضرب بالبعد البيئي عرض الحائط؟ وأين الأزمة الحقيقية وراء ارتفاع الأسعار رغم وفرة الإنتاج؟
وهنا يمكن القول إن الرخص الجديدة، خاصة للجيش، ستزيد من الإنتاج بصورة أكبر من استيعاب السوق فاين سوجه فائض الإنتاج، كما أن أحد اهم الأسباب التي تروجها مصانع الاسمنت كسبب لارتفاع الأسعار هي رسوم الطرق وهي التي يتحكم فيها الجيش وستعفي منه الشركات التابعة له، ما سيسبب خسائر للشركات الأخرى (1 ).

————–

الهامش

1 الآراء الواردة تعبر عن كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المعهد المصري للدراسات

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *