اقتصادقلم وميدان

مصر: الفحم ـ كارثة للفقراء وثروات للأغنياء

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

يعد استخدام الفحم من أهم الملفات والقضايا التى أثارت جدلًا في الآونة الأخيرة، ورغم وجود محاذير عدة من استخداماته في توليد الطاقة أو في مصانع الأسمنت نظرًا لأضراره البيئية الكثيرة – انبعاثات ثانى أكسيد الكربون من الفحم توازى ٥ أضعاف الانبعاثات من استخدام الغاز الطبيعي- ، فإن الحكومة تغاضت عن ذلك تحت وطأة أزمة الطاقة في العام الماضي بالإضافة الي انخفاض أسعاره مقارنة بمصادر الطاقة الأخرى، سواء الغاز الطبيعى أو المازوت أو مشتقات البترول الأخرى، وكذلك تحت ضغط ارتفاع عجز الميزانية الذى وصل إلى 370 مليار جنيه خلال العام المالي الحالي.

وبحسب تقرير صادر عن استخدامات مصانع الإسمنت للفحم خلال أوائل العام الماضي؛ فإن هناك ما يقرب من 19 شركة أسمنت بدأت في الاعتماد على الفحم كطاقة رئيسية بنسب تتراوح بين 85 و95% بعد الحصول على تراخيص استخدام الفحم، ويضيف التقرير، أن إجمالى استخدام مصانع الأسمنت للفحم الحجرى والبترولي، بلغت خلال عام واحد نحو 3.4 مليون طن بتكلفة إجمالية تجاوزت الـ 350 مليون جنيه. لكن المفارقة، أن أضرار الفحم هذه التى تغاضت عنها الحكومة، بحسب خبراء بيئيين، ترفع من كُلفة الأمراض عند المصريين، إضافة لتسببها في معاناة خزانة الدولة.

أولاً: التوسع في استخدام الفحم لتوليد الكهرباء:

تعتزم الحكومة التوسع في استخدام الفحم في توليد الكهرباء، إذ أعلنت الشركة القابضة لكهرباء مصر عن تلقى ٣ عروض عالمية للمنافسة على مشروع إنشاء أول محطة توليد كهرباء تعمل بالفحم، بمنطقة الحمراوين على ساحل البحر الأحمر، بقدرة ٦٠٠٠ ميجاوات.

كما تخطط وزارة الكهرباء لإنتاج ٧٠٠٠ ميجاوات من محطات تعمل بالفحم بحلول ٢٠٢٥، بجانب المشروع المزمع تنفيذه من جانب شركة النويس الإماراتية، كما تسعى للانتهاء من مراجعة التعاقد معها خلال العام الحالي، على أن يتم البدء فعليًّا في التنفيذ منتصف العام المقبل، في إطار الخطة التى تستهدف وزارة الكهرباء تنفيذها حتى ٢٠٣٥.

الغريب أنه بالتزامن مع إعلانات التوسع في استخدام الفحم في الكهرباء، يواجه أصحاب مصانع الأسمنت عقبات كبيرة، بعدما كشفت وزارة البيئة عن مجموعة من الاشتراطات البيئية الخاصة باستخدامه، والتى شملت التخزين وتحقيق الأمان أثناء استخدامه، وكذلك تحديد الكميات المستوردة، وعلى إثر تلك الضوابط أعلنت الشركة القومية عن إغلاق أبوابها، وصرح وزير البيئة، إن قرار الإغلاق جاء من مجلس إدارتها والجمعية العمومية للشركة، نتيجة عدم استطاعتها تنفيذ الاشتراطات البيئية التى وضعتها الوزارة، مشيرا إلى أن الشركة متوقفة عن الإنتاج منذ ٤ أشهر.

ثانياً: أهم الاشتراطات بالنسبة للاسمنت:

1ـ تحديد كمية الفحم السنوية المرخص بها على أساس ألا يزيد معدل استهلاك الطاقة الحرارية على ٤٠٠٠ ميجاجول لكل طن كلنكر الإسمنت الأسود، و٦٢٠٠ ميجاجول لكل طن كلنكر الإسمنت الأبيض.

2ـ يجب أن تتم جميع عمليات التحميل والتفريغ والتداول في منطقة التشغيل آليًا وبمعدات محكمة، ويكون تخزين الفحم في منطقة التشغيل بالكميات اللازمة للتشغيل لفترة لا تتجاوز ١٥ يومًا في أماكن مغلقة بداخل مخازن نصف كروية أو هناجر مكونة من مظلة و٣ جوانب مغلقة، أما الجانب الرابع فيكون مزودًا بستارة على هيئة شرائح تسمح بمرور المعدات.

3ـ أن تتم عملية طحن الفحم في أماكن مغلقة مع تطبيق إجراءات الحد من تلوث الهواء، ويجب تخزين الفحم المطحون في صوامع مع تركيب أجهزة رصد أول أكسيد الكربون داخل الصومعة، أما تغذية الأفران بالفحم المطحون؛ فيجب أن يتم باستخدام النقل الهوائى داخل أنابيب، كما يتم تعديل منظومة الحرق داخل الأفران من منظومة تستخدم وقودا سائلًا أو غازياً إلى منظومة تستخدم الوقود الصلب المطحون.

ثالثاً: أهم الاشتراطات بالنسبة للكهرباء:

1ـ أن يكون الموقع خارج منطقة الوادى وعلى سواحل البحر الأحمر والبحر المتوسط، ومراعاة المناطق ذات الحساسية البيئية وكذلك الأنشطة والمراكز السياحية، وحال التعذر والاختلاف في تحديد الموقع يتم العرض من وزير البيئة على رئيس مجلس الوزراء لاتخاذ القرار، ويجب استخدام نماذج التشتت للملوثات لتحديد الأماكن المتأثرة بالانبعاثات الغازية مع الوضع في الاعتبار الطاقة الإنتاجية المستهدفة عند اكتمال مراحل المشروع والتوسعات المستقبلية.

2ـ تتحدد كمية الفحم السنوية المرخص بها على أساس كفاءة لا تقل عن ٤٠ ٪، بحيث ألا يزيد معدل استهلاك الفحم على ٣٤٠- ٣٨٠ جرامًا لكل كيلو وات/ساعة، وباستخدام الغلايات، أما الشحن والتفريغ فيتم استقبال فحم توليد الكهرباء على أرصفة خاصة بالمحطة وتطبق معايير التفريغ من السفن.

رابعاً: لماذا الفحم على الرغم من الاكتشافات الضخمة للغاز الطبيعى في الفترة الأخيرة؟

الفحم يعد من أهم المصادر المولدة للطاقة بجانب الغاز والطاقة النووية، والتنويع بين هذه المصادر ضروري، فعلى الرغم من الاكتشافات الضخمة للغاز الطبيعى في الفترة الأخيرة، فإنه عمره قصير جدا، وقد ينتهي كحد أقصى خلال ٢٠ عاما، بحسب التقديرات العالمية، والنفط مثله تماما والطاقة المتجددة لا يزال أمامها الكثير من أجل بدء الاعتماد عليها، بينما يكفي الفحم العالم لمدة ٢٠٠ سنة مقبلة، بحسب تقديرات مجلس الطاقة العالمي، بينما الغاز والبترول قد يختفيان تماما من العالم خلال ٥٠ سنة مقبلة. وبالتالي فان “ندرة موارد الطاقة وضعف إمدادات الطاقة المتجددة من شأنه تقديم الفحم والطاقة النووية كمصدرين رئيسيين من مصادر الطاقة”.

خامساً: الفحم رضوخ لمطالب ومصالح الأغنياء:

وصف خبراء البيئة التوسع في استخدام الفحم بـ«الانتحار»، وأكدوا أن سعى الحكومة لاستخدام الفحم في الصناعة وتوليد الكهرباء، بمثابة رضوخ لمطالب ومصالح الأغنياء من الصناع وأصحاب الشركات، ورفضوا اعتبار الفحم كأرخص أنواع الطاقة وأوفرها، وعللوا ذلك بما يلي:

1ـ الدولة تفرط في حقوق الغاز بتوريده للمصانع بأسعار مدعمة بغير وجه حق، وبأقل من الأسعار العالمية نعطيه للصناعات كثيفة الاستهلاك مدعومًا.

2ـ الهدف من استخدام الفحم في الصناعات كثيفة الاستخدام للطاقة هو تحقيق هامش ربح أعلى، ولا يخدم سوى الصناع ويضر بصحة المواطنين..

3ـ يمكن أن نتخلص تماما من استخدام الفحم في الصناعة بالعمل وفق خطة ورؤية وطنية لترشيد استهلاك الكهرباء، وهو النهج الذي اتخذته دول أوروبا بالكامل في الآونة الأخيرة.

4ـ التوسع في استخدام الفحم في مصر مخالف للوثيقة الأفريقية الموقعة من قبل وزير البيئة قبل أيام قليلة في أديس أبابا، والتي توصى بدعوة الدول الأفريقية للتخارج من استخدام الفحم في الصناعة، مشيرا إلى أن الاشتراطات البيئية لاستخدام الفحم يجب أن تكون البداية للتخارج من استخدام الفحم(1 ).

———–

الهامش

(1) الآراء الواردة تعبر عن كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المعهد المصري للدراسات

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. مقال مفتاح وعنوان موفق لحائق مؤكده قد لا يدركها البعض – السياسه تنطلق قرارتها من منطلق المصالح مع محاولة القائمين عليها التجمل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *