fbpx
ترجمات

مصر: بين تقشف الشعب ونعيم الجيش

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

نشر موقع ميدل إيست آي في 25 نوفمبر 2018، مقالاً كتبه توم ستيفنسون، وهو مراسل مستقل يقيم في القاهرة، بعنوان: “بينما يعاني المصريون من التقشف، ينثر السيسي المال على الجيش”. وقد قام المعهد المصري بترجمة المقال كاملاً على النحو التالي:

بينما يستعد عبد الفتاح السيسي لإقامة أول معرض للأسلحة في مصر، يقول المحللون إن الشعب المصري لا يستفيد من إنفاق السيسي ببذخ على الجيش. ففي أوائل ديسمبر المقبل، من المتوقع أن تهرع شركات الأسلحة العالمية إلى القاهرة. حيث سيجتمع ممثلو مئات من شركات الدفاع الدولية على مدى ثلاثة أيام مع جنرالات مصر لينقلوا أحدث ما صنعوا إلى أحد أكبر مشتري الأسلحة في العالم.

وسيقام أول معرض للأسلحة في مصر (EDEX 2018 ) في الفترة من 3 إلى 5 ديسمبر في مركز المعارض الدولي الجديد في البلاد، وهو امتداد من الكتل الخرسانية في الصحراء فيما يُسمى العاصمة الإدارية الجديدة للبلاد، والتي تقوم الحكومة المصرية ببنائها في ضواحي القاهرة بتكلفة تقدر بـ 300 مليار دولار، ويجمع الحدث بين اتجاهين لسياسة عبد الفتاح السيسي في إدارة البلاد: إنشاء الدولة مشاريع إنشائية واسعة النطاق، والإنفاق ببذخ على الجيش.

ففي السنوات الخمس التي أعقبت الانقلاب العسكري الذي أوصل حكومة السيسي إلى السلطة في عام 2013، ارتفع الإنفاق العسكري بنسبة 215 بالمائة مقارنة بالسنوات الخمس السابقة على الانقلاب. فقد اشترت البلاد أسلحة تُقدر بـ 6.6 مليار دولار، مما جعل مصر تصبح ثالث أكبر مستورد للأسلحة في العالم بعد الهند والمملكة العربية السعودية. وفي الوقت نفسه، شرعت الحكومة المصرية في إقامة مشاريع إنشائية كبرى يصفها كثير من منتقديها بأنها مشاريع هلامية غير مدروسة. وبالإضافة إلى المدينة الإدارية الجديدة، فقد قامت الحكومة بعمل تفريعة جديدة لقناة السويس بقيمة 8 مليار دولار.

وتستمر تكاليف الإنفاق الحكومي الضخم في تصاعد مستمر. ففي أوائل نوفمبر 2018، أعلن البنك المركزي المصري أن إجمالي الديون الخارجية للبلاد تجاوزت 92 مليار دولار، بزيادة قدرها 17.2 في المائة في السنة. وتضاعفت تقريباً الديون الخارجية منذ عام 2015. ويبلغ إجمالي ما تدفعه الدولة الآن لسداد فوائد الديون حوالي 30 مليار دولار سنوياً، أي ما يعادل 38 في المائة من ميزانية الحكومة في الفترة 2018-2019.

الديون تتصاعد بسرعة الصاروخ

تعترف الحكومة المصرية بتفاقم مشكلة الديون. ففي سبتمبر 2018، صرح محمد معيط وزير المالية بأن تكاليف خدمة الديون أصبحت “مشكلة كبيرة”. وقد أدى الإنفاق على المشروعات الضخمة إلى ارتفاع ديون مصر؛ حيث يقول أحمد غنيم، وهو اقتصادي ودبلوماسي مصري: “إن مشكلة مصر كانت دائما ارتفاع الدين الداخلي، لكننا نشهد على مدى السنوات الثلاث الماضية ظهور مشكلة حقيقية في ارتفاع معدل الديون الخارجية”.

كما تتزايد الشكوك حول حكمة الإنفاق العسكري الباهظ للحكومة. حيث شملت عمليات الشراء الأخيرة طائرات مقاتلة وسفن برمائية للميسترال وفرقاطات من طراز (FREMM )، والتي تقوم البحرية المصرية بتشغيلها باستخدام أنظمة متهالكة. وتثير المشتريات الكبيرة من الأسلحة البحرية بشكل خاص عاصفة من الجدل؛ حيث تعتبر الحملة العسكرية الرئيسية التي تقوم القوات المسلحة المصرية بشنها حالياً هي معركة ضد التمرد المسلح في شمال شبه جزيرة سيناء. (وليس في البحر)

ومع ذلك، يقول بعض الخبراء العسكريين إن عدم الاستقرار في بلاد المشرق العربي بالإضافة إلى اكتشاف الهيدروكربونات دفع الحكومة إلى تحويل تصوراتها عن التهديدات المحتملة تجاه شرق المتوسط ​​والبحر الأحمر، الأمر الذي قد يفسر رغبة الحكومة في تحديث سلاح البحرية.

وقال محلل عسكري مصري لـ “ميدل إيست آي” رفض الكشف عن هويته: “المشكلة هي أنهم يسيئون إدارة هذا التوسع في تحديث الأسلحة”. “لذا فمن المرجح أن ينتهي بهم المطاف إلى مجرد تقديم استعراض لامتلاك الأسلحة لا معنى له بدلاً من بناء بحرية قادرة على القيام بعمليات قتالية طويلة الأمد”.

التقشف من نصيب الفقراء فقط

وفي الوقت نفسه، فإن الاقتصاد المصري يعاني من السقم الشديد. ففي نوفمبر 2016، طلبت مصر من صندوق النقد الدولي حزمة من القروض تُقدر بـ 12 مليار دولار لإنقاذ اقتصادها، وإعادة التوازن إليه، وتفادي حدوث انهيار اقتصادي كارثي.

فرض هذا البرنامج، الذي لم يحظ بأي شعبية في مصر، نظام تقشف مالي تم بموجبه تخفيض دعم الطاقة والمواد الغذائية، وخصخصة الشركات المملوكة للدولة، وخفض نسبة العمالة بالخدمة المدنية، وتعويم الجنيه المصري، مما أدى إلى انخفاض حاد في قيمة العملة.

وفي 7 نوفمبر، أعلنت الحكومة أن سعر تذاكر المترو في القاهرة سترتفع مرة أخرى في ديسمبر. وكان قد تم تنظيم احتجاجات كبيرة في المرة الأخيرة التي ارتفعت فيها أسعار المترو، في شهر مايو، ضد هذه الإجراءات مما أدى أدت إلى الكثير من الاعتقالات في صفوف المحتجين. وفي 11 نوفمبر، قال وزير التموين علي المصيلحي أيضاً إن الحكومة ستسحب بطاقات التموين الغذائية من بعض العاملين في القطاع العام. وفي يونيو، رفعت الحكومة المصرية أسعار الغاز بنسبة 50 في المائة.

وفشل برنامج التقشف الحكومي بشكل كبير في تلبية احتياجات 50 في المائة من المصريين يعيشون قرب خط الفقر أو تحته، كما صرح عبد الحميد مكاوي، الخبير الاقتصادي في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، وهي جماعة بحثية حقوقية.

وقد قال مكاوي في تصريح لـ ميدل إيست آي “أضف إلى ذلك انخفاض الفرص في خلق الوظائف والبطء في حركة الصادرات؛ ولا يصب النمو في مصر في صالح الفقراء بسبب إجراءات التقشف المالي، وتقليص الإنفاق على التعليم والصحة والخدمات العامة”.

وقد دعم صندوق النقد الدولي، الذي أوصى بهذه التغييرات أصلاً، خطوات الحكومة التقشفية. وقال الصندوق في أحدث تقييم لبرنامج مصر: “لا تزال خطة الدمج المالي للسلطات تمضي في المسار الصحيح”.

لكن على الرغم من الإشادة من صندوق النقد الدولي، فإن اقتصاد مصر يعاني في الواقع من حالة من “عدم اليقين والتقلب”، كما صرح أسامة دياب، وهو زميل غير مقيم متخصص في قضايا التنمية والقضايا الاقتصادية في معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط. وقال دياب أيضاً: “إن ارتفاع مستويات التضخم والزيادات غير المسبوقة في أسعار المرافق العامة أثرت سلباً في معظم المصريين جراء تطبيق هذا البرنامج”.

الاقتصاد المتداعي

وتشير تقديرات المنظمة الدولية للهجرة إلى أن الاقتصاد المصري بحاجة إلى توفير 750 ألف وظيفة جديدة كل عام لدعم الزيادة السكانية في البلاد. لكن الاقتصاد فشل في خلق فرص عمل تُذكر، وظلت مستويات البطالة عند حوالي 10%. وقد عانت كبريات الشركات البلاد أيضاً. فمنذ العام الجديد، انخفض مؤشر البورصة المصرية الرئيسي (EGX 30 )، بنسبة 7.41 في المائة.

بينما حقق الاقتصاد هذا العام نمواً متواضعاً بالنظر إلى خط الأساس المنخفض الذي نجم عن السنوات التالية للانقلاب العسكري عام 2013. وفي الفترة ما بين 2017 و1918، بلغ معدل النمو لإجمالي الناتج المحلي في مصر 5.3 بالمائة، وهو أعلى معدل خلال عقد من الزمن.

لكن التضخم تجاوز النمو بكثير. ففي أكتوبر، وصل التضخم إلى 17.7 في المائة – وهي زيادة تعتمد على الارتفاع السريع في الأسعار التي شهدتها البلاد على مدار العامين الماضيين، والتي شهدت تضاعف التضخم إلى أعلى مستوى له منذ 30 عاماً بلغت أكثر من 30 في المائة في عام 2017.

وتتوقع وزارة المالية المصرية نمواً أقوى للناتج المحلي الإجمالي بنسبة 6.5 إلى 7.3 بالمائة خلال السنوات الثلاث المقبلة، وهو ما من شأنه أن يدعم خطط الحكومة. لكن خبراء الاقتصاد يشككون في إمكانية استمرار الارتفاع في معدلات النمو.

وقالت علياء المهدي، أستاذ الاقتصاد في جامعة القاهرة: ” هذه أرقام متفائلة. آمل أن تكون صحيحة، لكن القضية هي أن الاستثمار في الناتج المحلي الإجمالي ما زال منخفضاً للغاية في مصر”.

وتبلغ نسبة إجمالي الاستثمار إلى إجمالي الناتج المحلي في اقتصاد مصر حالياً ما يقارب 15 في المائة، وهو رقم متواضع لبلد منخفض الدخل يطمح إلى تحقيق معدلات نمو مرتفعة. ومن أجل الحفاظ على توقعات النمو التي تريدها الحكومة المصرية، فإنه يجب أن يرتفع إجمالي الاستثمار إلى أكثر من 20 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وفقاً لما صرحت به المهدي.

وقالت مهدي في تصريح لـ ميدل إيست آي: “علينا العمل على زيادة مستوى الاستثمار في الاقتصاد لنرى النمو الحقيقي، والطريقة الوحيدة للقيام بذلك هي تشجيع المستثمرين المحليين وكذلك المستثمرين الدوليين أصحاب الأموال الساخنة”.

التعويل على الغاز

تأمل الحكومة المصرية أن يكون أحد القطاعات الرئيسية في البلاد، وهو صناعة الغاز، هو الحل لمشاكلها. ففي يوليو الماضي، زعمت وزارة البترول أن مصر ستكتفي ذاتياً في مجال الغاز (في حين كانت مستورداً لكل احتياجاتها من الغاز في عام 2014).

وتهدف السلطات إلى زيادة الإنتاج في حقل زهر البحري لإنتاج الغاز، والذي يقع على بعد 200 كيلومتر شمال بورسعيد في مياه البحر الأبيض المتوسط ​ ، ليمثل حصة كبيرة في الاقتصاد المصري. وفي أكتوبر، قال وزير البترول طارق الملا أن حقل زهر يمكن أن ينقذ الحكومة بتوفير ما يصل إلى ثلاثة مليارات دولار في السنة.

ومع ذلك، فإن تقريراً خاصاً صدر عن بنك الاستثمار المصري سي أي كابيتال، والذي نشره أصلاً على موقع مدى مصر، يقدر أن الاكتفاء الذاتي من الغاز في مصر سوف يستمر لمدة لا تزيد عن عامين قبل أن تعود البلاد مرة أخرى إلى استيراد الغاز.

وقال غنيم، الخبير الاقتصادي والدبلوماسي: “لا أعتقد أن التطورات في قطاع الغاز يمكن أن يكون لها تأثير كبير على الاقتصاد”. وأضاف: “لقد كانت تصريحات الحكومة دائماً متفائلة بشكل مفرط حول وجود اكتشافات جديدة للنفط والغاز ولم يتحقق ذلك أبداً على أرض الواقع، حيث كان يهدف إلى تخفيف العبء على الشعب المصري”.

وقالت مهدي، الأستاذ بجامعة القاهرة: “من غير المرجح أن يكون الغاز هو مفتاح الحل لإصلاح الاقتصاد المصري،” وأضافت: “لا يمكن أن تعتمد مصر على مورد واحد، مثل الدول المنتجة للنفط” (* ).


(*) الآراء الواردة تعبر عن كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المعهد المصري للدراسات

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. اولا الحرب في سيناء ليست حرب علي تمرد مسلح بل هي حرب علي الارهاب كما تحارب امريكا وبريطانيا والجيش العربي السوري العظيم الارهاب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close