fbpx
ترجمات

مصر تنزلق بشكل خطير بعيداً عن الديمقراطية

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

نشرت صحيفة الإندبندنت البريطانية في 16 أبريل 2019، مقالة للدكتور عمرو دراج، وزير التخطيط والتعاون الدولي السابق، بعنوان: “مصر تنزلق بشكل خطير بعيداً عن الديمقراطية بينما يدعم الغرب ديكتاتورية السيسي”، وجاءت على النحو التالي:

لا يوجد أي احترام “لإرادة الشعب” في مصر اليوم – في الوقت الذي ينشغل فيه المجتمع الدولي بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي

مع نهاية هذا الشهر (إبريل)، ربما يُصبح الجنرال عبد الفتاح السيسي بحكم الأمر الواقع حاكماً للبلاد مدى الحياة. حيث سيُغيّر التعديل الدستوري الذي مرره البرلمان المصري يوم الثلاثاء مدة الولاية لرئاسة الجمهورية (من 4 إلى 6 سنوات – ويتيح ترشحه مرة أخرى بعد انتهاء الحد الأقصى له في الحكم لفترتين). وبذلك ستسمح هذه التعديلات للسيسي البقاء في السلطة حتى عام 2030 على أقل تقدير، يكون عندها قد بلغ من العمر 76 عاماً.

وتمنح هذه التعديلات الجنرال السيسي سلطات لا يمكن تصورها في حكم البلاد. وتتيح لجيشه المتخم أصلاً هيمنةً أكبر على الاقتصاد وتُعطيه سلطة مراقبة المجال السياسي في حال تعرض “الطبيعة المدنية للدولة للتهديد” – مهما كان المعنى المقصود من وراء ذلك.

والأسوأ من ذلك أن التعديلات تمنح السيسي سيطرة كاملة على تعيين القضاة والمدعي العام، مما يمكّنه من الاستمرار في العصف بالحريات التي تكفلها الديمقراطية والتي عملنا نحن الشعب المصري بجد من أجل استردادها بعد سقوط حسني مبارك.

وعلى الرغم من ذلك، يلتزم المجتمع الدولي الصمت حيال هذا الأمر.

فخلال الأسبوع الماضي فقط، وفي تحرك يهدف إلى تعزيز “الشراكة الاستراتيجية” بين الولايات المتحدة ومصر، استضاف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب السيسي “صديقه العظيم”، على حد تعبيره. وبالأمس، تحدثت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل مع السيسي عبر الهاتف للتشاور بخصوص عدم الاستقرار السياسي في ليبيا والسودان. هذا هو الرجل الذي يحكم بلادنا بقسوة متزايدة وهوى متبع من خلال دائرة صغيرة من المستشارين العسكريين المتملقين.

ولم يمض وقت طويل على اجتماع القادة الأوروبيين بكل أريحية مع السيسي في قمة شرم الشيخ. وهناك، جلس الأوربيون على طاولة واحدة مع رجل يسحق النشطاء، ويعدم المعارضين، وقد أوصل اقتصاد مصر إلى حافة الانهيار. وعندما سأل هؤلاء القادة السيسي عن نظامه القاتل، أجابهم بقوله إنهم لا يدركون أن هناك “اختلافات ثقافية” بين العالم العربي وأوروبا.

وأظهر القادة الأوربيون رضاهم وتقبلهم للكذبة التي طالما رددها طغاة الشرق الأوسط لهم مراراً وتكراراً – ومؤدى هذه الكذبة بوضوح أن “الديمقراطية ليست نظاماً عالمياً بقواعد ثابتة، بل يتغير حسب اختلاف الثقافات”.

وخلال اليومين القادمين، سيتم طرح التعديلات الدستورية على الجمهور من خلال استفتاء شعبي. ولكن إذا كنا نتابع ما كان يحدث على مدى السنوات الست الماضية، فلابد أن نعي أن السيسي لن يتنازل أبداً عن سيطرته لصالح الشعب.

ففي عام 2018، أُعلن فوزه في الانتخابات الرئاسية بأغلبية ساحقة، بنسبة 97 في المائة من الأصوات. لكن الأمر كان يشكل فضيحةً: فقد كان خصم السيسي (الوحيد الذي سُمح له بخوض الانتخابات أمام السيسي) من بين أنصاره، بينما سُجن جميع منافسيه الآخرين، وكان رئيس لجنة الانتخابات تحت سيطرته، وتم إسكات ائتلاف كان يدعو إلى مقاطعة الانتخابات.

ولهذا السبب، أطلقنا الأسبوع الماضي، كمجموعة من المصريين ننتمي إلى خلفيات سياسية واجتماعية متنوعة، حملة موسعة للتصويت الإلكتروني ضد التعديلات الدستورية المقترحة، حملة “باطل”، وهي طريقة جديدة قُدمت للناس (للتعبير عن رأيهم) على طريق الكفاح من أجل حماية الديمقراطية وحرية التعبير في مصر.

وعلى الرغم من الهجوم الإلكتروني الشامل على حملة “باطل” من قِبل النظام، فقد حصدت الحملة أكثر من 100,000 توقيع في أول 48 ساعة فقط، وبلغت الأصوات المشاركة في رفض التعديلات حتى كتابة هذه المقالة أكثر من 285,000 توقيع.

والسؤال الذي يطرح نفسه في ظل هذا القمع التام لحرية التعبير في مصر، والذي يغذيه ويؤججه إبراز التهديد المستمر للعنف: ماذا تنتظر الدول الغربية أن يحدث أكثر من ذلك لكي تستيقظ؟ فالمبادئ والمعايير التي يرفضها السيسي أو يُفسدها هي نفس القيم والمبادئ التي تمثلها وتتفاخر بها هذه الدول.

ويُعتبر الدستور هو أساس النظام والاستقرار، وربما يُدرك الأمريكيون ذلك أفضل من شعب أي دولة أخرى. ويتساءل المرء عن رأي الشعب الأمريكي إذا حاول رئيسهم تحريف أو تعديل الدستور الأمريكي.

لكن هذا ما نراه يحدث في مصر الآن. ففي الوقت الذي ينشغل فيه المجتمع الدولي بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وفي ظل الأهمية التي يوليها للديمقراطية والحق في أن يكون لك صوت، فإن هذه المبادئ نفسها تحتضر في مصر اليوم. حيث لا يُسمح أبداً بحرية التعبير أو إبداء الرأي، ولا يوجد أي احترام “لإرادة الشعب”.

الديمقراطية هي حق إنساني، يوجد في ثنايا الدستور المعمول به في أي دولة ناجحة. ولا يمكن تجاهل غيابه بكل بساطة بحجة وجود “اختلافات ثقافية”. وعلى أولئك الذين يفاخرون بالديمقراطية أن يعرفوا ذلك جيداً.

لا ينبغي تجاهل الأهمية التاريخية لهذا اليوم: فنظراً لافتقار “القادة مدى الحياة” في كل من الجزائر والسودان لأي رؤية للمستقبل، فقد رأوا مؤخراً أن الشعب الذي قمعوه لفترات طويلة قد أطاح بحكوماتهم. لقد عانى هؤلاء القادة لفترة طويلة من “وهم استبدادي”؛ أخذهم بعيداً عن مبادئ الديمقراطية، فتوهموا أن أعمارهم الممتدة عبر الأجيال ستحميهم وتضمن بقاءهم في الحكم مدى الحياة.

وباعتبار مصر الجار الشمالي للسودان، وأنها أكبر دولة في العالم العربي من حيث عدد السكان، فإن نفس الأسباب التي أدت إلى الاستياء في الخرطوم موجودة بالفعل في القاهرة. والحيوية التي أدت إلى تدفق جحافل الناس لملء ميدان التحرير في عام 2011 لا تزال موجودة، في الوقت الذي يُشدد السيسي من قبضته على الحكم في دولة تمثل أكبر نموذج للحكم الاستبدادي غير المستقر في العالم. والآن، وعلى امتداد شواطئ البحر الأبيض المتوسط ، فإن انفجار الأوضاع في مصر سيؤدي إلي عواقب وخيمة لن تقتصر على العالم العربي فحسب، بل ستتخطاه لتشمل العالم بأسره [1].


[1] الآراء الواردة تعبر عن أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن المعهد المصري للدراسات.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close