fbpx
قلم وميدان

مصر: قائد الانقلاب بين حالتين

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

 

يبدو غير سَوِيٍّ في وقفته؛ رغم كونه وسط جمهوره المُنتقى بعناية وحرسه الأكثر ولاءً؛ يُطلُّ في ملابسه المدنيّة المهندمة؛ ووجه بالغ التقلب من الابتسام ومحاولة التظاهر بـ”الثقة” إلى الانطفاء والعبوس بل “التجهم”؛ وفي كل الأحوال يظهر القلق العميق وافتقاد الأمان في عينيه.

في الحالة الأولى، تجده يُبسط من أي مشكلة مهما كانت كبيرة وكاشفة ودالة على فشله؛ وفشل نظامه في الإبقاء على مصر التي تمرد من قبل عليها؛ وعلى أول حاكم مُنتخب في تاريخ مصر والمصريين؛ وإن كان الحدث ضخماً، لا يمكن تمريره، يساوي غرق أكثر من مائتيّ روح من أهل بلده وآخرين، في مركب اشتملتْ على أُسرٍ كاملة في سابقة أولى، أجمعت أمرها وأسلمت قياداها إلى البحر المتوسط؛ وكان مقرراً أن تصل إلى إيطاليا؛ لولا غرق المركب بعد ساعات قليلة من انطلاقه لتحمله أضعاف سعته، غرق على بعد 12 كيلومتراً من مدينة رشيد، (21 سبتمبر/أيلول 2016) و90% ممن كانوا على ظهره شباب.

تجاه الحدث الأكثر من دال على تدهور أحوال المصريين، بدأ قائد الانقلاب العسكري خطابه بالوقوف دقيقة حداداً على أرواح الغرقى؛ هكذا بمنتهى البساطة بعدما رفض حرس الحدود التعاون مع مطالبيّه بالتحرك لإنقاذ الذين يصارعون المياه؛ وكذلك فعلت القوات المسلحة في تخلٍ له سوابق من قبل؛ بل قيل إن مجرد استخراج شهادات وفاة لشهداء محاولة الخروج من مصر، رفضته الدولة ليظل أمر الاعتراف بوفاة الأخيرين معلقاً لمدة عشر سنوات كاملة؛ وفق القانون المصري، قبل أن ينال أحد أقارب الغرقى، حقاً حكومياً من معاش أو ما شابه.. أو حتى تقسيم إرث إن كان لأحد هؤلاء (الغلابة) إرث يورث.

في الهواء الطلق بمشروع “غيط العنب” بالإسكندرية؛ كما يحلو لـ”السيسي” اللقاء بمريديّه أغلب المرات، في الهواء الطلق، ربما لضمان أمن وسلامة نفسه بالتوجه إلى أماكن بعيدة عن العمران، صعبة عصيّة على الاستهداف؛ وربما ليحاول أن يُثبت للعالم أنه ينجز مشروعات؛ وربما لأنه يكذب “الكذبة”، ويفتري على بلد يكاد يحتضر في عهد نُسِبَ إليه بقوة المدفع والرصاص والطيران الحربي مع الاعتقال والقتل والإصابة لشرفاء مصر؛ إلا قليلاً.. يكذب الكذبة بأن في مصر “محاولة” نهضة، ثم يصدقها.

لكن النسخة الأولى من “السيسي” في خطاب “غيط العنب” هي النسخة المكررة المختصرة في الخطابات المختلفة بنفس التفاصيل الدقيقة والأجواء الحذرة القلقلة، تجد الشخص “المبرراتي” الذي لا يعدم حيلة؛ ولا يفتقد دفاعاً عن “مصيبة” تسببت فيها شهوته، و”إجرامه” وتسببه في استشهاد وقتل وحبس ومطاردة ملايين المصريين؛ ثم خداعه لملايين آخرين وتمنيتهم بمعسول الكلام، من مثل ما قاله في ثلة من الممثلين والممثلات مساء 6 أكتوبر/تشرين الأول 2013م: “وبكرة تشوفوا مصر”، وفي نفس اليوم كان قد استشهد قرابة 60 مصرياً.

نسخة “سيسي/غيط العنب” الأولى التي تدور حول ادعائه الطيبة؛ وهي محاولة لا تكاد تغادر مركبة التذلل والنفاق إلى بقايا أتباعه من المصريين؛ أولئك الذين لا يخلو شعب منهم؛ ولكن حين تغيب منظومة الوعي يزدادون. وهو يقول إن حدودنا البحرية والنهرية تقارب 5 آلاف كيلومتر لا نستطيع حمايتها دون مساعدة المصريين؛ وهو يضيف كفاقديّ الشعور مخاطباً الراغبين في الهجرة؛ وترك مصر بأي صورة؛ وإن لم تكن شرعية: “ليه عاوزين تسيبونا وتزعلوا أهلنا”.

هذه الحالة ليست الحالة الطبيعية لـ”السيسي” بل إنه يحاول أن يُتمم ملامح “الفرعون” على نسق الآية الكريمة:( فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ..(54) سورة الزخرف.

على أن الانشغال الكامل بالرد على هذه “التفاهات” ليس مطلوباً بحال من الأحوال، فضلاً على التعرض إلى شعبنا بالقول بغفلته وطاعته هذه “الخزعبلات”؛ وإلا فإنه من البديهي أن “السيسي” نفسه الذي يقول هذه الكلمات هو الذي يسرق وينهب خيرات الوطن لحسابه الشخصي أولاً ثم لحساب كبار الجيش والمقربين إليه، مع الأجهزة الأمنية ودولاب الدولة المؤهل للسقوط من آسف شديد.

إن البسطاء من أهلنا يتحولون عملياً عن مناصرة السفاح كلّما ذاقوا من ويلات غلاء الأسعار؛ والتضييق عليهم في حياتهم وأرزاقهم؛ وإن تذكيرهم بالأمر، ليس غاية ولا وسيلة في حد ذاته؛ كما أن انتظار حراكٍ ينهي الانقلاب في مصر؛ ولو جاء في صورة ثورة “جياع” كما يحلم البعض بالكوابيس المضنية؛ سواء أكان الحالم من المهاجرين المطاردين أو غيرهم للعودة إلى مصر أو السلطة؛ فإن الحقيقة تقول بإن سقوط مصر الكامل، لن يعود بالفائدة على شريف، وربما تمناه “السيسي” والفسدة من متبعيّه، من باب إما أن “يحكموها أو يهلكوها”، وهي ذات “الفرية” التي ينسبها إلى معارضيّه!

إن المخلصين منوط بهم، بعد أكثر من 3 سنوات على الانقلاب، البحث عن مخرج مما حلّ بمصر، وعدم الاحتفاء بكلمات السيسي والتندر بها والاستهزاء عليها، إذ يبدو أن الأمر مقصود من ناحية قائد الانقلاب لإشعارهم بالرضا عن النفس، فيما الانقلاب باقِ على حاله، وهم باقون في منفاهم وتشرذمهم أحياناً، واعتقالهم ومطاردتهم أحيانًا.

أما صورة “السيسي” الثانية فمختصرها في نفس الخطاب لما انقلبت ملامحه إلى التهجم محاولاً إدعاء “السيطرة” ليقول إن الجيش جاهز للانتشار في مصر خلال 6 ساعات؛ وكأنه يستشعر خطراً سيحل بالبلاد كلها؛ ربما من نشر إشاعات تشيع الإحباط واليأس بين المصريين؛ وقد تحدث عن الأمر قبل “حديث الانتشار” المزعوم.

وله سوابق في التهديد في خطابات سابقة بناءً على ما “يحب التحذير منه” من مخاطر يراها، وتذكير بمذابح أراد الله أن تكون على يديّه بخاصة للإخوان؛ والصراخ بأنه لا يجد ما يعطيه، ولا يستطيع بيع نفسه. وفي الحال يعمد معدو البرامج والمذيعون في قنوات تنسب إلى الشرعية وإعلاميون بتلقف الكلمات والتأكيد على أن السيسي ضعيف ويعاني، وأن سقوطه وشيك.

في حالتيّه، “السيسي” غير صادق؛ وإنما يُداعب مشاعر البسطاء محاولاً الإبقاء عليهم في صفه؛ أو التلاعب بمعارضيّه لإشعارهم إما بقوته أو اهتزازه تحت نيّر ضرباتهم غير الموجودة أصلاً!

لا تصدقوا “هزليات” السيسي من “مشروع الفكة”، وتحويل دولاب العمل الحكومي المصري إلى الخامسة صباحاً، وركوب الدراجات بدلاً من السيارات، واللمبات الموفرة، وسيارات الخضار لعمل خريجي الجامعة”.

ولا تصدقوه حينما يتهجم ويذكر أن “المصريين سبب خراب مصر، وحروب 48 و56 و67 و1973م، وأنه يجني حصادها، ولا تصدقوا قوله “هتاكلوا مصر يعني”؛ “ممكن نبني آلاف المساكن في سنة”، وخزعبلات العاصمة الإدارية الجديدة، ونتائج مشروع تفريعة القناة، وهلم جراً ..

الحقيقة أن قائد الانقلاب يتلاعب بالمصريين من جميع الفئات والأنواع ويبذر المسكنات في طريقهم، فيما هو ماضٍ في طريقه؛ وهو مدرب على جميع أنواع الكذب والخداع وطبقات التمثيل.

إن قواعد التخطيط الصحيح للوصول إلى حل لمأزق مصر وشرفائها ومخلصيها لا يمر بحال من الأحوال بأكاذيب وادعاءات وأعمال المخابرات التي يقوم “السيسي” بها أمام الكاميرات، بل لها طرق أخرى من نفض الصفوف من المندسين والمُنتفعين؛ واستجلاب أفضل الخبرات للتخطيط ثم الشروع في التنفيذ؛ وكفانا انتظاراً لسقوط المدعو “السيسي” فإنما هو “حالة” لا شخص، حتى إن ذهب فسيبقى مشروعه الانقلابي، فلا أقل من محاولة المخلصين بناء مشروع واضح جلي في مواجهته.

كفى ما مر من وقت .. وأعيدوا تنظيم قرائتكم للواقع .. واعتمدوا خططاً واضحة.. وليكن مرور الوقت المقبل في فائدة أو انتظارها. (1).

———————-

الهامش

(1) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية”.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close