fbpx
قلم وميدان

مصر: ما يجب أن تعرفه قبل إقرار الموازنة

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

 

ظل المعنيون بشأن الاصلاح السياسي والاقتصادي في مصر يعانون من طرق معالجة التعامل مع الخطة العامة والموازنة، إذ يتم عرضها بطريقة يصعب على البرلمانيين تفهمها ومناقشتها، كما أن رجل الشارع لم يكن يعبأ بتلك الأرقام التي لا يجد لها أثراً في حياته.

ولكن بعد الانقلاب العسكري 2013، وإقدام حكومات ثلاث باتخاذ إجراءات اقتصادية أدت إلى قسوة الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين، تغير موقف رجل الشارع إلى مزيد من التطلع لمعرفة المزيد من المعلومات حول الموازنة وما سيصحبها من إجرءات تؤدي إلى ارتفاع أسعار وسائل المواصلات والكهرباء والمياه والوقود، وكذلك ارتفاع أسعار الطعام والشراب، في ظل ثبات الأجور والمرتبات.

وإن كان هذا الاهتمام الحادث لدى رجل الشارع المصري، لا يقوده إلى دور إيجابي للمشاركة في إعداد هذه الموازنة التي تمول من الضرائب التي يدفعها، كما لا يشارك المواطن بشكل إيجابي لممارسة دور ضاغط على مجلس النواب لممارسة دوره الحقيقي في اعتماد ومراقبة الموازنة، ومناقشة الخطة.

ومنذ أيام بدأت وسائل الإعلام في ممارسة دور إلهائي، حول الموازنة العامة للدولة، باستعراض بعض الأرقام، مثل “الموازنة التريليونية”، أو حجم الإيرادات والمصروفات والعجز وغير ذلك. دون الحديث عن محاسبة أو استعراض ما تم خلال العام المالي الحالي الذي بقي منه قرابة ثلاثة أشهر.

أو حتى نتائج أعمال العام المالي 2015/2016، والذي تم رصد أعماله من خلال تقرير متابعة الأداء الاجتماعي والاقتصادي من قبل وزارة التخطيط والمتابعة والاصلاح الإداري، وتبين منه تراجع العديد من المؤشرات الاقتصادية لمصر(هذا التقرير متاح على موقع الوزارة)1.

ولذلك نرى أنه من الواجب أن نشير إلى مجموعة من الايضاحات يمكن من خلالها قراءة الموازنة العامة في مصر للعام المالي 2017/2018 بشكل صحيح، وبخاصة أن مصر مقبلة على أوضاع اقتصادية شديدة السلبية نتيجة الإدارة الاقتصادية الخاطئة. وفيما يلي بعض من هذه الإيضاحات.

 

1ـ الخطة أولًا:

يتم توجيه النقاش حول الموازنة وما بها من أرقام، سواء بالزيادة أو النقص، وننسى أمر مهم، وهو أن الموازنة العامة للدولة، ما هي إلا البرنامج المالي للخطة، ومن خلال الخطة يمكن الوقوف على النهج الاقتصادي لمصر، وطبيعة السياسات الإنمائية، والمالية والنقدية والتجارية والاستثمارية والتوظيفية. كما يمكن الوقوف على دور القطاع العام والخاص، والعلاقات مع العالم الخارجي.

لذلك لابد أن تحظى الخطة العامة باهتمام أكبر مما هو موجود الآن، والتأكد من أن الموازنة العامة، تلبي احتياجات الخطة، وأن ما يسند للقطاع الخاص في الخطة يتفق وامكانياته، ولا يعول عليه فيما هو فوق طاقته. وعلى مؤسسات المجتمع المدني أن ترجع لتقرير متابعة الخطة، وتنظر ما تم تنفيذه على مدار السنوات الثلاث الماضية، وفي ضوئه، يمكن قبول تقديرات موازنة 2017/2018 أو رفضها.

 

2ـ أثر التضخم

حسب ما نشرته جريدة الأهرام المصرية السبت 25 مارس 2017، فإن قيمة الانفاق العام بالموازنة تقدر بنحو 1.1 تريليون جنيه، ولذلك فموازنة مصر تريليونية لأول مرة. ولكن لابد من معرفة سبب هذه الزيادة في الإنفاق العام. فعند مراجعة قيمة الانفاق المقدر بموازنة العام المالي الحالي 2015/2016 يتبين أنه كان بحدود 864.6 مليار جنيه، أي أن الزيادة في 2018/2018 تقدر بـ 235.4 مليار جنيه وبنسبة تصل إلى 27.2%.

وإذا ما أخذنا معدل التضخم المعلن من قبل الجهاز المركزي للتعبئة العامة والاحصاء في الاعتبار، نجد أن الزيادة في حجم الانفاق العام تقترب من نسبة معدل التضخم البالغ 31%. فضلًا عن أن موازنة 2017/2018 ستكون أمام نفقات حتمية مختلفة هذا العام بسبب ارتفاع التزام خدمة الدين.

فلم تتوقف الحكومة عند سقف 74 مليار دولار للدين الخارجي في بداية يناير 2017، ولكن أحمد كوجك نائب وزارة المالية صرح لوكالة “رويترز” في 22 مارس 2017، بأن مصر تستهدف الحصول على 8 – 9 مليار دولار تمويلًا خارجيًا سواء من سوق السندات أو من المؤسسات الدولية خلال عام 2017.

وعند القراءة الصحية للخطة العامة للدولة أو الموازنة، فالأمر لا يتعلق بحجم الإنفاق، ولكن بالمردود الاقتصادي والاجتماعي لهذا الإنفاق، هل تم تخصيصه بطريقة صحيح؟ وهل سيتم تنفيذه بطرق سليمة بعيدًا عن البزخ الحكومي والفساد، وهل سيستهدف أكبر شريحة ممكنة من المجتمع؟

 

3ـ سوء التخطيط

يلاحظ أنه بعد الانقلاب العسكري 2013، أن مصر تتجه لما يُسمى في النظم الشمولية، بالتخطيط المركزي، حيث تم الدخول في مجموعة من المشروعات الكبرى (العاصمة الإدارية الجديدة، مشروع استصلاح 1.5 مليون فدان، مشروع المليون وحدة سكانية للاسكان الاجتماعي، مشروع تطوير محور قناة السويس) دون وجود دراسات جدوى، أو تدبير مصادر تمويل آمنة، تتفق وقواعد العمل بتلك المشروعات.

فهل سيتم الاستمرار في تمويل تلك المشروعات من الموازنة العامة للدولية في 2017/2018، وسيتم إدارجها ضمن مشروعات الاستكمال في الخطة العامة؟

خاصة وأن الأوضاع المالية بمصر شديدة السوء، ولا تملك مصر الدخول في مشروعات طويلة الأجل من حيث العائد. فضلًا عن أن تلك المشروعات التي تم طرحها على مدار السنوات الثلاث الماضية، نالت الكثير من الانتقادات من قبل المتخصصين، وأنها لم تحظ بمزيد من الدراسات في مؤسسات الدولة المتخصصة، وأن الجيش يستحوذ على تلك المشروعات في كافة مراحلها المختلفة، وكأن مؤسسات مصر بامكانياتها المختلفة قد تم اختصارها في مؤسسة الجيش.

 

4ـ الأبواب االخلفية

منذ عام 1991/1992 تم فصل الهيئات الاقتصادية ومؤسسات قطاع الأعمال العام عن الموازنة العامة للدولة، وأصبحت علاقاتها بالخزانة العامة، هي علاقة الفائض أو ما يتقرر لها من قروض ومساهمات، أي أن هذه المؤسسات والهيئات إذا حققت فائضاً من أرباح أو إيرادات أخرى تؤول إلى الخزانة العامة، وإذا كان لديها عجز تم تمويله من الموازنة أيضًا عبر القروض والمساهمات.

وقد يتخيل البعض أن العلاقة شبه منفصلة، ولكن الحقيقة أنها علاقة متصلة، تمام الاتصال، حيث إن هذه الهيئات والمؤسسات تم تكوين رؤوس أموالها من المال العام، وأن إداراتها بالكامل تتم عبر السلطة التنفيذية، وأن مجالس إداراتها وجمعياتها العمومية يتم اختيارها من قبل السلطة التنفيذية.

فضلًا أن لديها حجم ضخم من الاستثمارات، وأصبحت تُمثل عبئاً على الموازنة، ففي عام 2015/2016 تم تقدير ما تتحمله الموازنة من أعباء تجاه نحو 52 هيئة اقتصادية وخدمية بحوالي 24 مليار جنيه، ويرتفع الرقم في موازنة 2016/2017 إلى 37.5 مليار جنيه.

وإذا كانت الموازنة تتحمل هذه الأعباء فلما لا تناقش موازنات هذه الهيئات بمجلس النواب؟

الجدير بالذكر أن المرة الوحيدة في تاريخ البرلمان المصري الذي تم فيها تناول موازنات هذه الهيئات، كانت في عام 2013، خلال مناقشة موازنة 2013/2014 بمجلس الشورى، الذي تم حله بعد الانقلاب العسكري.

لنا أن نتخيل الشركات القابضة والتابعة، وهيئة قناة السويس والهيئة العامة للبترول، والهيئة العامة للاسكان والصرف الصحي وغيرها، كيف تدار؟ ومن يُحاسب القائمين عليها على تحقيق أهداف هذه الهيئات والشركات من عدمه؟

إن فتح هذا الباب يدر على الموازنة أموال يمكن اعتبارها الباب الخلفي للحكومة للتصرف خارج نطاق الموازنة العامة للدولة.

 

5ـ إهمال الدستور

نص ما سُمي “دستور مصر 2014″، والذي تم وضعه بعد الانقلاب العسكري 2013، على أن تخصص لبنود الصحة والتعليم ما قبل الجامعي، والجامعي، والبحث العلمي، ما يعادل نسبة 10% من الناتج القومي الإجمالي، وهو الأمر الذي تمت مخالفته في موازنة 2016/2017. وحسب ما تناولته وسائل الإعلام فإن الناتج المحلي الإجمالي يقدر بـ 4.1 تريليون جنيه، ويقترب الناتج القومي الإجمالي من هذا الرقم، فهل سيتم تخصيص نحو 400 مليار دولار في موازنة 2017/2018 للصحة والتعليم ما قبل الجامعي والجامعي والبحث العلمي؟

هذه حقوق دستورية، يجب عدم اغفالها عند قراءة الخطة العامة والموازنة للعام المالي القادم (2).

——————————–

الهامش

(1) وزارة التخطيط والمتابعة والإصلاح الإداري، تقرير متابعة الأداء الاقتصادي والاجتماعي خلال الربع الرابع والعام المالي 2015/2016، الموقع الرسمي، الرابط، تاريخ الزيارة 28 مارس 2017.

(2) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية”.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close