fbpx
تقديرات

مصر: مبادرة حجي والتحولات الإقليمية والدولية

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

 

الاستقرار والتنمية مفاتيح تعول عليها كل من أوروبا والولايات المتحدة، وبقدر ما إن وجود ظهير غير معادي لدولة الاحتلال الصهيوني يهم الولايات المتحدة ضمانا لأمن دولة الاحتلال، فإن مصر فعالة اقتصادياً مهمة لذات الغرض، وبخاصة مع ولايات متحدة ترغب في الانسحاب من الإقليم، وتقود من خلف الخطوط Leading from Behind، ولا ترغب في وصول الأوضاع في بلد مثل مصر إلى مربع صفر التنمية، ما يعني فرصة لعودة اتجاهات اكثر راديكالية لقيادة المشهد السياسي. وفي نفس الوقت، فإن أوروبا ترغب في مصر نامية، لا يدفع الفقر أبناءها الذين تجاوزوا 90 مليونا للهجرة، في توقيت يبلغ فيه تعداد الشريحة العمرية الأقل من 15 سنة منهم 31.3% من إجمالي عدد السكان1، بينما تبلغ نسبة البطالة بينهم 40% بحد توصيف صحيفة الإيكونوميست البريطانية2.

وبما أننا قد أتينا على ذكر الإيكونوميست، فإن حملة إعلامية ضخمة شنتها المجلة البريطانية الاقتصادية الأبرز في المملكة المتحدة، وذلك في ذكرى احتفال إدارة 3 يوليو بافتتاح التفريعة المكملة لقناة السويس، حيث حملت المجلة في عنوانها كلمة دالة على موقف، حيث حملت عنوان “تدمير مصر”. واتهمت المجلة إدارة 3 يوليو بتدشين مثل هذه المشروعات وإنفاق المليارات عليها بدون دراسة عوائدها وفرصها ومخاطرها. ولم تمض أيام حتى تبع الإيكونوميست في حملتها شبكة بلومبرج الإخبارية، والتي تعد من أهم الشبكات المعلوماتية الاقتصادية الأمريكية، ونحت بلومبرج نفس المنحى، وإن حملت عنوانا أكثر دلالة تمثل في “انهيار اقتصاد مصر خطأ السيسي”3.

ويمكن القول بدرجة من الاطمئنان أن هذين الموقعين من المواقع القريبة من الدوائر المركزية لصنع القرار الاقتصادي الغربي، وأن توجهات هذه الدوائر المركزية مقربة من صانع القرار السياسي الغربي، إن كان في أوروبا أو في الولايات المتحدة، وأن استخدامها تعبيرات بمثل هذه “القسوة”، مع إشارة لرأس السلطة ومسؤوليته عن تردي الأوضاع الاقتصادية بهذه الصورة، يعد إشارة إلى أن الأوضاع الاقتصادية في مصر تحتاج مراجعة جادة، وأنها باتت تحت المجهر، تماما كما أعلنت وزارة الخارجية بالمملكة المتحدة وضع مصر على قائمة الدول الخاضعة لمراقبة أوضاع حقوق الإنسان4.

في هذا السياق، جاءت “مبادرة الفريق الرئاسي 2018″، والتي بدأت بالتشكل حول مبادرة تنموية طرحها د. عصام حجي، مستشار رئيس الورزاء المصري السابق حازم الببلاوي، والعالم المصري بوكالة ناسا الفضائية، والأستاذ بعدد من الجامعات الأوربية والأمريكية، وهي المبادرة التي طورها عدد من الرموز التي التفت من قبل حول العالم المصري د. محمد البرادعي، المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، والذي سبق له أن خاض نفس الخبرة، مع فارق بسيط يتمثل في أن د. محمد البرادعي رشح نفسه للرئاسة، في حين أن “مبادرة الفريق الرئاسي 2018” لم تتضمن مثل هذه الخطوة استنادا لاعتبارات قانونية تتعلق بازدواجية جنسية د. عصام حجي.

وفي هذا السياق، تعمل هذه الورقة على فحص “مبادرة الفريق الرئاسي 2018″، مع معالجتها في سياقها من التحولات الدولية.

أولا: البيئة الدولية والإقليمية وإدارة 3 يوليو:

يتداول قادة الرأي في مصر منذ مارس 2016، نقلا عن دبلوماسيين مصريين وعرب وقيادات إعلامية غربية ما سمي بمباحثات الغرف المغلقة حول مستقبل مصر، في إطار ما تشهد هذه الدولة المحورية من اضطراب قيادة واضطراب أداء اقتصادي أفضى إلى تدهور وشيك. وخلال الأيام القليلة الماضية بدا الموقف العربي يتبلور بصورة أكثر وضوحا، بعد أن حفلت الفترة الماضية من المفاوضات الخليجية المصرية بخلافات ورفض خليجي تسليم مصر أية مبالغ سائلة، فضلا عن اتجاهها لاشتراط تحصيل فوائد تكافئ معدلات الفائدة على الإقراض العالمي، إن لم تكن تتجاوزه.

في السطور التالية نوضح ملامح الإطار الدولي والإقليمي الذي يؤطر “مبادرة الفريق الرئاسي 2018”.

1. تقرير الإيكونوميست والموقف البريطاني:

جاء ملف الإيكونوميست عاكسا لأوضاع السياسية في المملكة المتحدة، بخلاف تقرير بلومبرج الذي يبدو أنه مقدمة أكثر منه تعبيرا عن موقف سياسي. تضمن الملف تحليلاً عاماً للأوضاع الاقتصادية في مصر، يغلب عليه الطابع الفكري الاقتصادي وإن استند لجملة من الأرقام المجملة، والتي تعكس قراءة في مجمل ما سبق نشره من تقارير عن أداء الاقتصاد المصري، حيث لفت لمؤشرات تداعي الاقتصاد الكلي، وإهمال إدارة 3 يوليو للإصلاحات الاقتصادية – الاجتماعية، والتركيز على المشروعات الكبرى التي يرغب بها رأس السلطة في مصر في تعزيز صورته، في الوقت الذي ابتلعت فيه هذذه المشروعات أموالا طائلة من دون أن تضيف قيمة تذكر للاقتصاد المصري، فضلا عما قامت به هذه الإدارة من سحق المجتمع المدني، أفقد المجتمع الرغبة في التواصل مع دعاوى الترشيد.

تقرير الإيكونوميست جاء في أعقاب تبدلات وتحولات في الموقف الرسمي البريطاني، وليست سابقة عليه. تلك التحولات التي طالت مواقف رئيسة الوزراء البريطانية الجديدة ووزير خارجيتها.

2ـ موقف رئيسة الوزراء البريطانية:

كشف الكاتب المصري عبد الله السناوي واقعة تأخر رئيسة الوزراء البريطانية الجديدة تيريزا ماي بأكثر مما هو “طبيعي” و”لائق” فى الرد على طلب الرئيس المصري إجراء اتصال لتهنئتها. فرئيسة الوزراء التي تولت مهام منصبها في 13 يوليو 2016، لم ترد على طلب الرئيس المصري بإجراء هذا الاتصال لنحو ثلاثة أسابيع. وكان تقرير الإيكونوميست، فرصة للكاتب المصري للإشارة لهذه الواقعة5.

ويوضح السناوي نفسه عمق الإهانة التي تلقاها السيسي بقوله: “كانت تلك جلافة دبلوماسية من رئيسة وزراء بلد عهد عنه العناية بالأصول والتقاليد”. الواقعة التي تحدث عنها السناوي، نشرت على موقع وزارة الخارجية البريطانية، حيث أشار الموقع إلى أن مكالمة رئيسة الوزراء البريطانية مع الرئيس السيسي حدثت في الثالث من أغسطس6، أي بعد 21 يوما بالتمام. وفي صورة دبلوماسية، فإن رئيسة الوزراء أكدت للسيسي أن حكومتها ستعمل عن كثب مع الحكومة المصرية لمتابعة التطورات في ملف السياحة البريطانية، والتطور في إجراءات تامين مطار شرم الشيخ، كما أشارت إلى أنها ستعمل على ضمان توسع الاستثمارات البريطانية في مصر. ولفتت كذلك إلى حيوية ازدهار مصر في دعم استقرار منطقة الشرق الأوسط.

المعروف عن ماي أنها براجماتية، وأنها تميل للتعامل مع القوى الفاعلة إقليميا. وتعد ماي من أطول الوزراء فترة خدمة في منصب وزارة الداخلية البريطانية. وتنظر ماي بعين الريبة إلى حالة الهجرة الوافدة للولايات المتحدة، برغم انها من أكبر داعمي البقاء في الاتحاد الأوروبي، لكنها اختارت لمنصب وزارة الخارجية الوزير بوريس جونسون، عمدة لندن السابقن والمعروف بمواقفه الحادة ضد المسلمين.

حملت المهاتفة المتأخرة بين ماي والسيسي إمارات تحفظن تجاوزت تأخر مدة الرد على طلب الاتصال، إلى التريث مع مصر فيما يتعلق بقضية السياحة البريطانية وعودتها التي اشترطت باطمئنان الحكومة البريطانية لإجراءات تأمين مطار شرم الشيخ. كما أنها أبدت قدراً أقل من التحفظ مع الحديث عن أهمية ازدهار مصر في دعم استقرار المنطقة، لكن الموجز الذي أفاد به مكتب رئيسة الوزراء لم يفد أكثر من “المعرفة” و”التأكيد”، وهو ما يعني ترك الملف المصري لوزارة الخارجية، مع نزع التحفظ تماما حيال الحديث عن الاستثمارات البريطانية في مصر وإمكانات التوسع فيها.

3. الخارجية البريطانية وحقوق الإنسان المصري

موقف رئيسة الوزراء لم يكن الأخير، بل تبعته خطوة ثانية في نفس الشهر. ففي منتصف يوليو 2016، أعلنت حكومة المملكة المتحدة عما أسمته “خطوة تغيير” في علاقاتها مع مصر بسبب القلق المتنامي حول الأوضاع الحقوقية في البلد الواقع شمالي إفريقيا. التقرير الذي أصدرته وزارة الخارجية وشؤون الكومنولث البريطانية حمل عنوان “دولة الأولوية في حقوق الإنسان”، ولفت في ديباجته إلى أن الأوضاع الحقوقية في مصر ما زالت تنحدر من سيئ إلى أسوأ. وذكر التقرير أنه في جلسات مارس، أعرب حكومة المملكة عن قلقها تجاه مصر بموجب البند الثاني من جدول الأعمال في تقرير المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان. وتضمن التقرير إشارة لجلسة يونيو، والتي اتخذت فيها المملكة المتحدة قرارًا بوضع مصر تحت البند الرابع لجدول الأعمال (الذي يقضي بضرورة تركيز مجلس حقوق الإنسان انتباهه على أوضاع حقوق الإنسان)7.

4. وزير الخارجية البريطاني وموقف من مصر:

خلال المؤتمر الصحافي الذي عقد في العاصمة البريطانية لندن الثلاثاء 19 يوليو، عقب مباحثات الوزير البريطاني مع وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، قال وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون: “ينبغى الانشغال والتركيز بشكل أكبر على القضايا العالمية، والتعامل الجيّد معها ومحاولة الوصول إلى حلول واقعية، وعلى رأسها الوضع فى اليمن والأزمة المتصاعدة فى مصر”8. كرر جونسون عبارته الخاصة بمصر مرتين. وبرغم هذا التكرار، تعلقت بعض الصحف المصرية بتفسير صحيفة “ديلى ميل” البريطانية، والتي نشرت أن عددا من الصحفيين الحاضرين للمؤتمر قد فسّروا تصريح وزير الخارجية البريطاني باعتباره “زلة لسان”، ونشرت أن وزير الخارجية كان يقصد تركيا ومحاولة الانقلاب الفاشلة بحديثه9.

وفي رد فعل لما نشرته “ديلى ميل” أصدرت وزارة الخارجية البريطانية بيانا أكدت فيه أن «جونسون» تعمّد الحديث عن مصر، وأنه يقصدها، لكن البيان لم يوضح طبيعة الأزمة التى قصدها.

وبرغم أن ذكر مصر ومشكلاتها جاء عرضيا، إلا أن سياقه يشير إلى أن موقفا مما يحدث في مصر قيد التشكل. فقد جاءت عبارة وزير الخارجية البريطاني في معرض الرد على تساؤل حول اعتذاره لبعض المسؤولين حول العالم عما كتبه حين كان مراسلا صحافيا، فإجاب: “أظن أننا يمكننا أن نستهلك وقتا طويلا بصورة مريعة في نقاش حول أمور تتعلق بقضايا خطيرة كتبتها على مدار 30 عاما، وهي كلها بنظري نصوص نزعت من سياقاتها”، وأضاف: هناك مشاكل خطيرة أمامنا اليوم. فهناك أزمة إنسانية، ومشاكل حقيقية في مصر على أجندتنا الليلة، وبالطبع هناك الأزمة المستمرة في اليمن”.

I’m going to take – I’m going to – I’ll give you some time to think about that, John. (Laughter.) Just on the second point first, James, look, I mean, we – I think we could all spend an awfully long time going over lots of stuff that I’ve written over the last 30 years of some serious issues, and all of which in my view have been taken out of context, but never mind. There’s some serious issues before us today: a humanitarian crisis, real problems in Egypt on the agenda tonight, and of course, the continuing crisis in Yemen10.

واللافت في تصريحات وزير الخارجية إشارته إلى أن هناك مشاكل في مصر على “أجندتنا الليلة”. وبعيدا عن التفكير بالتمني، فإن تأويلا قد يعرض لتصريح الوزير، وذلك بالرغم من تأكيد وزارة الخارجية البريطانية لاحقا أن وزير الخارجية كان يعني مصر بالفعل. إلا أن نفس العبارة يمكن اعتبارها امتدادا للجملة المقتبسة من نفس تصريحه “هناك مشاكل خطيرة أمامنا اليوم”، ويشفع لذلك أن وزير الخارجية كان كاتبا حتى عام 2005، ولم يدخل عالم السياسة قبل 2001.

غير أن اللافت أن ردود فعل صحف مصرية محسوبة على جهات سيادية حرصت على تكريس صورة لوزير الخارجية البريطاني باعتباره “كثير زلات اللسان”11، وهو ما بدا ترجمة غير دقيقة لتعبير “تصريحات مثيرة للجدل” الذي استخدمته صحيفة “ديلي ميل” البريطانية.

5. توجيه أغسطس حول حقوق “الإخوان المسلمون”:

في مطلع أغسطس، أصدرت الحكومة البريطانية كتاب معلومات وتوجيه حول الإخوان المسلمين، تضمن تأكيدا على استعداد الحكومة البريطانية تلقي طلبات اللجوء السياسي من مجموعة الإخوان المقيمين في المملكة المتحدة، بالإضافة لقيادات الصف الأول، والإعلاميين المحسوبين على الجماعة، والذين يلاقون اضطهادا بسبب مواقفهم وحقوقهم في التعبير12. وبرغم بعض التحفظ الذي تضمنه كتاب التوجيه الأخير، إلا أن قيمة الكتاب الأساسية تتمثل في تعديل صيغة خطاب “تقرير جنكينس”، والذي صدر في ديسمبر 2015، وكان متحفظا حيال جماعة الإخوان تحت ضغط اللوبي الخليجي، وإن لم يصفها بالإرهاب، إلا أنه وصفها بأنها كانت ممرا أيديولوجيا لمن يرغب في ممارسة عمل جهادي13. فكتاب المعلومات والحقوق أعلن بطريقة عملية أن المملكة المتحدة لا تعتبر الإخوان تنظيما إرهابيا، وإن أعلن تحفظه حول الصف الثاني، لكنه لفت إلى أن طلبات لجوء الإخوان تدرس لكل حالة على حدة.

6. الولايات المتحدة بين بلومبرج ونيويورك تايمز

الحديث عن اتجاه عواصم غربية للاجتماع في الغرف المغلقة لبناء رؤية للتعامل مع احتمالات الانهيار في مصر ليس حديثا جديدا، حيث سبق لكتاب مصريين أن سربوا اخباراً من هذا القبيل في قمالاتهم وأعمدتهم، وكان أولهم الكاتب الناصري عبد الله السناوي في مقاله “كلام على الحافة”14، والذي نقل فيه على لسان الإعلامي “أندرو نايت”، رئيس مجلس إدارة مجموعة التايمز ثم التليجراف، بدايات التململ من إدارة 3 يوليو في مصر، أولا بسبب الأداء الاقتصادي السلبي، وثانيا بسبب عدم القدرة على لعب دور إقليمي مكافئ لمكانتها التاريخية. ولفت السناوي – في مقاله – إلى أن ما بلغه من هذا الإعلامي النافذ أن هذين المبررين، ضمان الاستقرار عبر أداء اقتصادي متزن، ولعب دور إقليمي في التوقيت الذي تتجه فيه قوة عالمية بوزن الولايات المتحدة بالاكتفاء بالقيادة من الخلف، وترك مساحة للقوى الإقليمية للعب دور أكبر في إدارة قضايا الإقليم وهمومه، هذا المبرران هما الأساس الذي يقوم عليهما الدعم الغربي لإدارة 3 يوليو، وأن انعدام قدرة هذه الإدارة على مباشرة هذين الدورين يعني ضرورة العمل على استبدالهما.

وعلى الصعيد الأمريكي، فإن الدور الأول، والخاص بالفاعلية الإقليمية تحدثت عنه من قبل صحيفة نيويورك تايمز، والتي نشرت في مطلع أغسطس 2016 تحليلا للكاتب البارز “ليام ستاك”، حمل عنوان “مصر المكفهرة ترقب نفوذها الدولي وهو يتلاشى”، حيث انطلق من تعليق السيسي على وضع بلاده التي يراها “شبه دولة” وليست “دولة بكل ما تحمله الكلمة من معنى”. وينقل ستاك عن إسكندر العمراني، مدير مشروع شمال أفريقيا بمجموعة الأزمات الدولية، أن واشنطن باتت ترى مصر باعتبارها مشكلة وليست مصدرا لحلول أزمات الإقليم. ويضيف ستاك على لسان العمراني أنه باستثناء رغبة الهيئات العسكرية والبنتاجون في تجاوز الروتين فيما يتعلق باستخدام قناة السويس، فإنه بات واضحا أن عناصر متعددة في إدارة أوباما لا تبالي بالسيسي ولا بنظامه ولا بمنظومة عمله القمعية في الداخل المصري15. ودلل ستاك على تراجع الدور المصري بعدة دلالات إقليمية، معللا هذا التراجع بضعف القوة الاقتصادية، وتلاشي القوة الناعمة.

ولعلنا نعود إلى المؤتمر الصحافي الذي أعقب زيارة وزير الخارجية الأمريكي جون كيري للعاصمة البريطانية لندن، حيث اضطر كيري للتدخل للدفاع عن وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون بعد هجمة زملائه الإعلاميين عليه بسبب تضاؤل لياقته، وذلك بقوله: “من الواضح أن المملكة المتحدة بعد نتيجة الاستفتاء ملتزمة مع الأمم المتحدة وحلف الأطلسي بجعل العالم أكثر أمانًا”16. اللافت أن جون كيري لم يعقب على استخدام جونسون لكلمة “مصر” التي أولها البعض بأنها تعني تركيا، أو كلمة “أجندة الليلة” التي ذكر فيها أن مصر مطروحة على أجندة الليلة مع كيري.

ومع وضوح الموقف البريطاني عبر متتالية من المسالك الدبلوماسية، كان مفهوما أن تطلق صحيفة الإيكونوميست صرختها حول “تدمير مصر”. ومال بعض المراقبين لتفسير مشهد وضوح الموقف البريطاني بالنظر للغموض الذي شاب الموقف الأمريكي بالنظر إلى اتجاه الولايات المتحدة للتراجع عن القيادة المباشرة للإقليم، وترك الساحة للمملكة المتحدة المسؤولة دوليا عن المنطقة بحكم الاستعمار السابق، والاستثمارات الضخمة، والاستخبارات الأكثف17.

وبرغم الرصانة النسبية لتحليل أحمد نصار، إلا أن الولايات المتحدة لم تتراجع عن الحضور، وربما كانت “مبادرة الفريق الرئاسي 2018” إحدى الترتيبات، برغم عدم وجود ما يثبت دعم الإدارة الأمريكية لهذه التجربة. غير أن الذراع الإعلامي الأمريكي نطق اقتصاديا عبر شبكة بلومبرج بعد نطقه سياسيا عبر نيويورك تايمز.

دخلت وكالة بلومبرج الإخبارية الأمريكية على خط القصف، لافتة لتلقي نظام عبدالفتاح السيسي – الذي أطاح بالرئيس الإسلامي المنتخب قبل ثلاث أعوام (على حد وصف التقرير) – لعشرات المليارات من الدولارات كمساعدات، ونفى إمكانية رصد تأثير مثل هذه المساعدات بالنظر لحال الاقتصاد المصري. كما لمز لتوالي تحطم الطائرات، وأثر ذلك بالإضافة للاحتكارات العسكرية على تراجع السياحة والبطالة والعجز التجاري، كما لفت لوقوع “معظم اللوم” مباشرة على السيسي الذي بدد حزم المساعدات السابقة في مشاريع مشكوك في جدواها بما في ذلك توسعة قناة السويس، مما ترك القليل من الأموال للإنفاق على البنية الأساسية الحيوية.

وفي صيغة تهكمية، أشار التقرير لحسن الحظ في التخلي عن حلم السيسي ببناء عاصمة مالية جديدة بتكلفة 45 مليار دولار. ونوه التقرير لضرورة إنهاء الحملة ضد المجتمع المدني، والاتجاه نحو إنتخابات رئاسية عادلة وحرة18. ويبدو أن قرض صندوق النقد يمثل قرض الفرصة الأخيرة في هذا الصدد حتى يونيو 2018.

التأكيد على أن الموقف المتحفظ تجاه إدارة 3 يوليو لا يعني بالطبع اتجاه الدول الغربية للتخلي عن مصر، ولا لقصف عمر إدارة السيسي، لكنه محض تحفظ مفاده سوء إدارة الموارد، قد يتطور لتحفظ كامل في لحظة ما تعقب تصرفا آخر ضمن القائمة الطويلة للسلوكيات سلبية النتائج. إلا أن الصيغة الإماراتية لرسالة الاحتجاج تبدو أكثر وضوحا.

7. سخط الإمارات من السر إلى تويتر

تحدثت افتتاحية الإيكونوميست عن ضجر دول الخليج من إدارة السيسي الاقتصادية، وأشارت لوجود اتجاه لإعادة النظر في علاقات الإعانة مع مصر بشكل كلي.  تقول الافتتاحية: “حتى ممولو مصر من الدول الخليجية بدأوا يفقدون الصبر. وعاد المستشارون الإماراتيون لبلادهم مستشيطي غضبا من تصلب البيروقراطية ومن القيادة متحجرة العقل التي تظن أن مصر لا تحتاج نصيحة من دولة حديثة عهد، أو “أشباه الدول” الخليجية التي تمتلك نقودا مثل “الأرز”، على نحو ما بدا في التسريب المسجل الذي تضمن صوت السيسي وأحد مساعديه”. وتستطرد الإيكونوميست في موضع آخر من نفس الافتتاحية “على دول الخليج أن تدعم إجراء مصر للتغييرات التي يطلبها صندوق النقد، وعليهم منع بعض الأرز عن مصر إذا ما أصر السيسي على اتجاهه”19.

غير أن هذا المنهج ليس وليد هذه الأيام. ففيما يتعلق بالإمارات، نجدها قد اتخذت موقفا منذ أكثر من عامين، حين أصرت على أن تكون إدارة المعونات الإماراتية من خلال وزير مفوض في مصر هو د. جاسم سلطان، حيث رفضت الإمارات أن تمنح مصر سيولة نقدية، بالنظر لخبرة الدولة المصرية في تغيير أوجه إنفاق المعونات القادمة من الدول الشقيقة، والعدول عن توجيهها لما يخدم شعور المواطن المصري بالرضا. والحقيقة أن هذا المنحى لم يكن منحى الإمارات وحدها، حيث شهدت العلاقات مع السعودية نفس الاتجاه في مفاوضات المنح والمعونات والقروض الميسرة20.

كان الجديد في الموقف الإماراتي تغريدات كتبها الدكتور عبد الخالق عبد الله مستشار ولي العهد الإماراتي، حيث غرد على حسابه بموقع التواصل الاجتماعي “تويتر” يثني على تقرير مجلة “الإيكونوميست”، ويقدم النصح باسم “عواصم خليجية معنية بمستقبل الاستقرار في مصر” للسيسي بالإنصات لما نصح به تقرير الإيكونوميست من عدم الترشح لفترة رئاسية ثانية21. اللافت الأساسي في تغريدة الأكاديمي الإماراتي أنه لم ينتق من تقرير مجلة الإيكونوميست سوى نصيحة المجلة للسيسي بألا يترشح للرئاسة مجددا. وفسر أستاذ العلوم السياسية المصري أحمد دراج التويتة باعتبارها تعبير عن “وجود غضب خليجي على الوضع الاقتصادي المصري، لاسميا أن دول الخليج ‏تقدم الدعم المادي لمصر ولا تجد مقابل، سوى مزيدًا من التدهور، واختفاء القيادة الاقتصادية المصرية من ‏المشهد”.‏ وواضح من تصورات المراقبين أن عداء محمد بن زايد لجماعة الإخوان لا يعني قبوله بدعم لا محدود لمصر لا تساعد نفسها، ورئيس ليس لديه استعداد للاستماع لنصائح وخبرات إدارية واقتصادية أثبتت قدرة على إدارة دول ومؤسسات اقتصادية ناجحة عبر العالم.

ثانيا: مبادرة حجي ودلالات المواقف الدولية والإقليمية

كان مهماً أن يحاط هذا السياق بـ”مبادرة الفريق الرئاسي 2018″، ما يفتح الباب للتساؤل حول وجود ارتباط بين هذه المبادرة وتغير السياقات. وفيما يلي نلقي نظرة على ملامح المبادرة، ونحلل علاقتها بالسياق الإقليمي والدولي.

1. مبادرة الفريق الرئاسي 2018:

“مبادرة الفريق الرئاسي 2018” انطلقت من عكس كل ما يميز المنظومة السياسية المصرية الراهنة، وإن كان بمفهوم بناء وليس بمفهوم المخالفة. فبقدر ما تتبلور إدارة 3 يوليو على شخص واحد، وتقوم على تحزب مبني على شيطنة فصيل “الإخوان المسلمين”، وتعتمد على إلحاق كل مخالف للنظام بهذه الفئة المستبعدة أو المقصاة، وتتكئ على المؤسسة العسكرية كأداة سياسية واقتصادية مهيمنة، وفوق كل ذلك كله تتأسس على حالة عشوائية في بناء رؤية الحركة وتفتقر إلى البرنامج، بقدر هذا كله، تتجه “مبادرة الفريق الرئاسي 2018” في وجهة مخالفة تماماً.

تقوم “مبادرة الفريق الرئاسي 2018” على البرنامج كخطوة أساسية وتأسيسية، بل إن أحد أبرز الانتقادات التي وُجهت لها خلال فترة ما بعد طرحها في أول أغسطس 2016،، أنها غامضة سياسيا إلى حد كبير، ويرجع ذلك إلى أن تأسيس هذه المبادرة كان تأسيسا برامجيا يناقض تماما تأسيس تجربة 3 يوليو 2013. ونشر عالم الفضاء المصري الفرنسي د. عصام حجي، في صفحته على شبكة التواصل الاجتماعي فيسبوك بيانا حمل عنوان “مبادرة الفريق الرئاسي 2018″، وجاء في البيان أن أطروحته تمثل “مبادرة مصرية سلمية مفتوحة للجميع يتكاتف كل أعضائها تحت راية موحدة لمحاربة الفقر والجهل والمرض، ويكون العدل والتعليم والصحة الأساس لتحقيق طموحات المصريين في أن تصبح مصر دولة مدنية ذات اقتصاد قوي تستطيع من خلاله أن تحفظ كرامة الجميع”.

ووفق منطوق بيانه، فإن المبادرة «تطرح مشروعًا رئاسيًا قوامه التعليم ونشر روح التسامح ووقف حالتي الانهيار الاقتصادي والاحتقان الاجتماعي، وتقدم رؤية شاملة للتغيير في سبيل النهوض بمصر من خلال خطة متكاملة تقوم على 5 محاور وهي:

الأول: تطوير المؤسسات التربوية والتعليمية والثقافية.

الثاني: تطوير الاقتصاد ومحاربة الفقر والبطالة.

الثالث: حرية وتمكين المرأة وتطوير قانون الأحوال المدنية.

الرابع: المساواة الدينية الكاملة وغير المشروطة.

الخامس: تطوير قطاعات الصحة بكل مرافقها.

وأضاف حجي في بيانه أن هذه المحاور “تنفذ عبر برنامج زمني من 4 سنوات، ويستعان في تنفيذها بالخبرات المصرية في الداخل والخارج، وبوضع الأولويات لها في الموازنة العامة للدولة، وتكريس كل العوائد الداخلية والمساعدات الخارجية لمدة 4 سنوات فقط لهذه القضايا الخمس”.

كما أفاد البيان أن هذه “المبادرة ستنسق مع جميع القوى المدنية القائمة حاليا في مصر، وذلك للتوافق على أن تكون المحاور المذكورة أعلاه على رأس مهام الفريق الرئاسي الذي سيتفق عليه المجتمع المدني المصري لخوض إنتخابات الرئاسة في أقل من عامين حتى 2018”. كما أشار لاتجاه “نخبة المشروع لتوسيع نطاق التشاور للوصول لتشكيل وزاري معلن مرافق للفريق الرئاسي كجزء من المبادرة، لوضع خطوات سريعة لتصحيح المسار الذي طالبت به ثورة 25 يناير وهذا البرنامج الذي يمثل مطالب كل مصري”22.

حوار هالة البناي حول المبادرة:

في حوار لصحيفة “المصريون” المصرية مع هالة البناي، التي تصدرت مهمة إدارة مبادرة الفريق الرئاسي، وكنت من قبل مستشارة للدكتور محمد البرادعي، وإحدى مؤسسي حملة “تمرد”، والتي تحدثت أكثر من مرة، وبصورة “درامية”، عن ندمها على خطوة تأسيس مبادرة “تمرد”، في هذا الحوار تحدثت “البناي” عن عدم محاور تخص الحملة، يمكن إيجازها فيما يلي23: إنهاء سياسة تمزيق وتفتيت المجتمع ولمّ شمل الفرقاء من المجتمع المدنى والأحزاب. التصالح مع جماعة الإخوان المسلمين وكل المصريين في إطار من تكريس مبدأ التسامح السياسي. بناء الاتوافق المجتمعي والالتفاف حول برنامج وليس على شخص بعينه. القضاء على الحكم العسكري. القضاء على العشوائية فى القرارات والتي باتت تهدد مصر في وجودها. دعم أي تغيير سلمى ورفض العنف السياسي.

وكان لافتاً أن يكون أول حوار لمديرة “مبادرة الفريق الرئاسي 2018” مع موقع يوصف بأنه إسلامي، بالرغم من أن أصداء المبادرة الأبرز أتت من مواقع معروفة بعلمانيتها مثل موقع مدى مصر24.

وخلال الفترة الماضية، وبعد إطلاق هذه المبادرة، انشغل فريقها بحملتين، أولاهما حملة وجودية تتعلق بتكثيف التواصل مع القوى السياسية المصرية. وثانيتهما حملة سياسية تتمثل في الاتجاه لبناء حملة توقيعات لمواجهة حملة توقيعات مد فترة رئاسة السيسي لثماني سنوات25.

2. مبادرة الفريق الرئاسي والسياقان الدولي والإقليمي

في إطار التزامن، يمكن الخروج بعدد من التصورات والسيناريوهات التي تمثل سياق علاقات “مبادرة الفريق الرئاسي 2018″، وهذه السيناريوهات والمسارات تتمثل فيما يلي:

(أ) من خلال مطالعة المشهد السياسي، يمكن القول بأن “مبادرة الفريق الرئاسي 2018” ليست الوحيدة التي طرحت خلال الفترة الماضية، وإن كانت أكثر المبادرات إثارة للمجال العام، برغم أن كل من تعاطوا معها وصفوها بالغموض، وهو ما يمكن عزوه لأغراض تسويقية. ومن هذه المبادرات26:

* في شهر مارس الماضي، أعلن حمدين صباحي، المرشح الرئاسي السابق، عن مبادرة بعنوان “لنصنع البديل الحقيقي” عبر بيان نشره على صفحته على فيسبوك جاء فيه عدد من المبادئ العامة لذلك البديل، وموقّع من اللجنة التحضيرية لتوحيد القوى الوطنية المدنية. وفي أعقابها انهمكت “اللجنة التحضيرية” في أعمال دمج حزب الكرامة الناصري مع التيار الشعبي.

* صرّح مصدر سياسي مُطّلع لأحد المواقع الإعلامية المصرية (موقع مدى مصر) أن هناك مجموعة من المهتمين بالمجال العام، متنوعة الخبرات، من سياسيين ومهنيين من التيار المدني، تجتمع منذ عدة أشهر لوضع برنامج سياسي أولًا قبل الاتفاق على مرشح للانتخابات الرئاسية المقبلة في ٢٠١٨.

* ظهرت على شبكات التواصل الاجتماعي حملة تحمل اسم “اختار رئيسك ٢٠١٨”، حمل بيانها التوضيحي على صفحتها على موقع فيسبوك أنها “تعمل علي إعداد رؤية وبرنامج متكامل يجمع خططا استراتيجية ومشروعات اجتماعية واقتصادية قبل تحديد أسماء المرشحين المحتملين القادرين على تنفيذ ذلك البرنامج. ويبلغ عدد متابعي الحملة نحو 45 ألف مستخدم لفيس بوك27.

ويلاحظ على هذه الحملات أنها جميعها، باستثناء حملة المرشح الرئاسي الأسبق حمدين صباحي، وإلى حد ما حملة د. عصام حجي، تتسم بالغموض، حيث لا يعرف القائم على الحملة، كما لا يعرف ملامحها البشرية على وجه التحديد. ولعل إحباط حملة “لنصنع البديل الحقيقي” وقف وراء اتسام بقية الحملات بالغموض، حيث إن انغلاق المجال العام المصري بصورته الراهنة لا يسمح ببلورة بديل، ولا يتيح المجال لأي بديل لبلوغ مرحلة النضج.

(ب) لا يبدو من التحليلات المتاحة باللغات العربية والإنجليزية ما يشير لوجود ترتيبات تربط حملة الفريق الرئاسي 2018 بتوجه عالمي أو إقليمي. ويمكن القول بشكل عام إن الحملة قد لا تكون مرتبطة عضوياً بتغير مواقف حكومات غربية أو إقليمية، لكنها استفادت أو تسعى للاستفادة من وجود مثل هذا التغير النسبي في الموقف الدولي والإقليمي. وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن أحد أهم مصادر إحباط الحالة المدنية في مصر قدرة إدارة 3 يوليو على إحداث اختراق في مناخ رفض العصف بحقوق الإنسان في مصر، وهو الاختراق الذ حدث عبر تيار من الرشوة الاقتصادية للدول الغربية، تمثل في عقد محطة الضبعة مع روسيا، وتعاقدات الطاقة مع شركة سيمنز الألمانية؛ بالإضافة لصفقة الغواصات الفرنسية، وتعاقدات الغاز مع إيني الإيطالية؛ والتي لا تبدو مهددة بقضية الطالب جوليو ريجيني كما هو الحال بالنسبة لموقف بريطانيا الحقوقي. وعلى ذكر بريطانيا، فإن النظام المصري حاول رشوتها كذلك عبر تعاقدات بريتيش بتروليم البريطانية لاكتشاف النفط في الصحراء الغربية، وهو التعاقد الذي تأجل لفترة بسبب انهيار أسعار النفط، هذا فضلا عن صفقات شراء الرافال والميسترال والطائرات الرئاسية من شركات فرنسية.

(ج) يبدو أن بروفايل مبادرة “الفريق الرئاسي 2018” يوافق البروفايل الذي تنطلق منه الدول التي أبدت تحفظات قد ترقى لحالة التحولات النسبية في مواقفها، حيث إن هذه المبادرة تأتي على خلفية مصالحة شاملة، كما تتبنى وجهة نظر تنموية مستدامة، وتحمل بذور مواجهة تمدد النفوذ العسكري في المجال العام، وبخاصة المجال الاقتصادي، والتي كان آخرها إسناد مهام تطوير البطاقات التموينية للمؤسسة العسكرية28، برغم وجود 3 شركات كبرى في مصر متخصصة في هذا السياق.

ولا يعني توافق بروفايل المبادرة مع الرؤية الغربية أن هناك ترتيب بالضرورة. فطرح البديل عن د. عصام حجي وخلفيته الليبرالية، وتولي شخصية ليبرالية مثل هالة البناي إدارة المبادرة يجعل من الطبيعي حدوث هذا التوافق، فالجميع ذوي مرجعية ليبرالية ومن الطبيعي أن تنتج هذا البروفايل.

كما لا يفوتنا أن أي بديل يطرح نفسه في مصر لابد وأن يكون بديلا قائما على درجة من التوافق مع تصورات القوى الدولية لنمط أمن الإقليم وتصور هذه القوى لطبيعة الاستقرار المنشود له. فالاتصال، بين المبادرة والقيادات الغربية قادم، إن لم يكن قد تم بالفعل.

وفي هذا الإطار، تجدر الإشارة إلى أن تحول بعض المواقف الغربية لا يعني التخلي عن إدارة 3 يوليو، حيث من الواضح ان ثمة اتفاق على منحها فرصة أخيرة قبل سحب الشرعية عنها، وهي الفرصة الخاصة بمتوالية القروض الأخيرة بين مصر وصندوق النقد الدولي، والتي لا يمكن أن تتم من دون ضوء أخضر أمريكي، فضلا عن السندات الدولارية الجاري طرحها خلال هذه الفترة.

(د) تمثل مبادرة حجي أحد سبل الضغط على إدارة 3 يوليو، فالاداء السلبي لهذه الإدارة قد ينظر إليه باعتباره نتاج شعور هذه الإدارة بعدم وجود تهديد لمسار حكمها، أو لتيقنها بانعدام وجود بديل، بالنظر لعملها الدؤوب لتجريف المجال العام، تماما كما كانت إدارة مبارك تفعل. وفي هذا الإطار، فإن كان هناك نوع من التواصل والتحفيز لتشكيل هذه المبادرة، وهو ما لم تتوافر أدلة بعد على حدوثه، فإن هدفه الأول هو توفير حافز لإدارة 3 يوليو للاتجاه نحو مزيد من الحوكمة والفاعلية، وإلا فإن تواصل مزيد من رفع الدعم عن إدارة 3 يوليو يعد إشارة للمجتمع المدني المصري بالتفاعل ودفع التكلفة الاجتماعية لاستبدال إدارة 3 يوليو بأخرى كفء.

والمحصلة في الحالتين واحدة، فمصر تحت إدارة 3 يوليو ستكون خاضعة للرؤية العالمية لمتطلبات أمن ومستقبل الإقليم، كما أن استبدال إدارة 3 يوليو سيعني وجود إدارة تكنوقراطية أكثر كفاءة، وأكثر انكفاء على الذات بعد توريط إدارة 3 يوليو مصر في شبكة مديونية مركبة ستكون عاملاً هاماً من عوامل استهلاك طاقة أية إدارة مدنية جادة في “إنقاذ مصر”، بما لا يتيح لها أن تنخرط في مغامرات إقليمية.

(هـ) تمثل المبادرة أحد روافد الحراك الداخلي، وهو الحراك الذي يمكن القول إن سقفه هو تمتع إدارة 3 يوليو بدرجة عالية من درجات اختراق وحماية ودعم المجتمع الدولي والإقليمي. وانكشاف هذا الدعم سيحفز المجتمع المدني على تشكيل مزيد من المبادرات، وربما يكون البديل الأكثر استعدادا هو بديل تحالف “التيار الشعبي” مع “حزب الكرامة”، وهو التحالف الذي ستدعمه حاجة المجتمع المصري بعد 2018 لخطاب عدالة اجتماعية وثورة توزيع موارد. ويبقى أن غطاء د. عصام حجي للمبادرة، “مبادرة الفريق الرئاسي 2018” سيكون مصدر قوة لها من باب اتصالاته الدولية، وقدرته على توفير موطئ قدم داعم لمصر قيد التشكل لا تسمح لها إمكانياتها في 2018 بأن تلعب دورا إقليميا بارزا يكفل توفير دعم مالي لها.

خاتمة

بشكل عام، يعد السياق أهم من المبادرة، فالمبادرة قد يتوفر لها بدائل في حالة سماح السياق. والسياق هو الذي يفرض احتمال نجاح المبادرة، وهو الذي قد يرجح استمرار إدارة 3 يوليو في حال قومت أداءها والتزمت بوصفة صندوق النقد، والتي لم يتبق لها غيرها كأداة لدعم الاستمرار، كما أنها في نفس الوقت أداة خنقها في حال لم تنجح في تعويم السفينة المصرية حتى موعد الاستعداد للانتخابات الرئاسية القادمة.

وفي هذا السياق، لم تثبت – حتى الآن – علاقة المبادرة بأي تغير في المواقف الدولية تجاه إدارة 3 يوليو في مصر، لكن هذا لا يمنع من التواصل معها باعتبارها مشروع بديل قائم، أو استخدامها كأداة ضغط على إدارة 3 يوليو لتقويم أدائها. وتظل المبادرة مشروعا ضمن مشروعات جاهزة لطرح نفسها على طاولة البدائل في حال فشلت إدارة 3 يوليو في ضبط أدائها خلال العام المقبل (29).

—————————-

الهامش

(1) مدحت وهبة، الإحصاء: 31.3% من سكان مصر أقل من 15 سنة.. و4.3% منهم فوق الـ65 عاما، صحيفة اليوم السابع، 11 يوليو 2016.

(2)The editor: The ruining of Egypt, The Economist, 6 Audust 2016.

(3)Editorial Board, Egypt’s Failing Economy Is Sisi’s Fault, Bloomberg, 16 August 2016.

(4) Alex MacDonald, UK announces ‘step change’ in approach to Egyptian human rights, Middle East Eye, 23 July 2016. http://www.middleeasteye.net/news/egypt-huamn-rights-1674629752

(5) عبد الله السناوي، رسائل الإيكونوميست، بوابة الشروق المصرية، 9 أغسطس 2016.

(6)Press release, PM phone call with President Sisi of Egypt: 3 August 2016, Prime Minister’s Office.

(7)Alex MacDonald, UK announces ‘step change’ in approach to Egyptian human rights, Middle East Eye, 23 July 2016.

(8) مروة مدحت، وزير خارجية بريطانيا تحدث عن «مصر» وقصده «تركيا».. وما اعتذرش!، صحيفة الوطن المصرية، 21 يوليو 2016.

(9)Matt Dathan, Egypt crisis? What Egypt crisis? Foreign Secretary Boris Johnson appears to confuse the African state with Turkey during meeting with US secretary of state John Kerry, Daily Mail, 19 July 2016.

(10)Remarks by John Kerry, Joint Press Availability With U.K. Foreign Secretary Boris Johnson, US Department of State Website, 19 July 2016.

(11) مروة مدحت، مصدر سابق.

(12)Home Office, Country Information and Guidance, Egypt: Muslim Brotherhood, August 2016.

(13)House of Commons, Muslim Brotherhood Review: Main Findings, December 2015.

(14) عبد الله السناوي، كلام على الحافة، بوابة الشروق المصرية، 9 مارس 2016.

(15)Liam Stack, A Gloomy Egypt Sees Its International Influence Wither Away, New York Times, 2 August 2016.

(16) داليا عريان، الجارديان: تصريحات جونسون السابقة تحرجه أمام كيري، صحيفة العين الإماراتية، 20 يوليو 2016.

(17) أحمد نصار، هل تغير موقف بريطانيا من السيسي والإخوان؟، ساسة بوست، 16 أغسطس 2016.

(18)Editorial Board, Egypt’s Failing Economy Is Sisi’s Fault, Bloomberg, 16 August 2016.

(19)The editor, The ruining of Egypt, The Economist, 6 Audust 2016.

(20) سمير فهمي، السعودية تريد مشروعات «ترتبط بالمواطن المصري»، بوابة مصر العربية، 13 مارس 2016.

(21) سمر مدحت، “لغز التغريدة الإماراتية المثيرة”.. مستشار ولي عهد أبو ظبي يشيد بتقرير “الإيكونوميست”.. لماذا لم ‏تطلب الخارجية المصرية توضحيًا لـ”النصيحة الخليجية” الغامضة؟، جريدة الدستور المصرية، 11 أغسطس 2016.

(22) انظر نص البيان على صفحة المبادرة

(23) حوار دينا العوفي، مديرة مبادرة «الفريق الرئاسي»: سنقصي السيسي، صحيفة المصريون، 17 أغسطي 2016.

(24) مصطفى محيي، بعد مبادرة “حجي”.. من يفكر في انتخابات الرئاسة ٢٠١٨؟، موقع مدى مصر، 7 أغسطس 2016.

(25) غادة بريك، مبادرة عصام حجي تجمع توقيعات لرفض مد فترة رئاسة السيسي، بوابة مصر العربية، 8 أغسطس 2016.

(26) مصطفى محيي، بعد مبادرة “حجي”.. من يفكر في انتخابات الرئاسة ٢٠١٨؟، إشارة سابقة.

(27) للاطلاع على رابط الحملة: https://www.facebook.com/EgyptSelects/

(28) وكالات، إسناد منظومة بطاقات التموين الذكية لـ”الإنتاج الحربي”، بوابة الوفد الإليكترونية، 16 أغسطس 2016.

(29) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية”.

 

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
Close
زر الذهاب إلى الأعلى
Close