fbpx
دراسات

مقاصد ومعايير التنمية: رؤية تأصيلية من المنظور المقاصدي (2)

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

ضمن ما قمنا على عرضه من تفعيل منظومة “المدخل القيمي” التي اعتبرنا المقاصد حافظة لمفرداتها وواصلة بين عناصرها، استعرضنا آنفاً مقاربات تراثية في معمار هذا المدخل الذي رأينا تفعيله وتشغيله بصدد التنمية: مقاصد ومعايير، وقدمنا ضمنها مقاربة ابن خلدون حول المقاصد والسنن، وكذلك مقارنة الشاطبي حول المقاصد، ورأينا استكمال منظومة المدخل السباعي في مقاربات خمس:-

أولاها- مقاربة “التنمية في العالم الإسلامي” من خلال الرؤية الكلية للعالم والنماذج المعرفية.

ثانيها- البنية الإنمائية والعمرانية في الشرعة والتي قدمنا فيها رؤية عبد المجيد النجار حول “فقه التدين” و”الشهود الحضاري”.

ثالثها- القيم التأسيسية والأساسية الحاكمة والهندسة العمرانية والإنمائية، وقدمها سيف عبد الفتاح في “مدخل القيم” وكذلك قدم فتحي عثمان بعض عناصر ضمن “القيم الحضارية في رسالة الإسلام”.

ورابعها- تأصيل منهاجي لمفهوم الأمة في الإسلام “الأمة القطب” والفاعلية العمرانية. قدمتها د. منى أبو الفضل في منظورها الحضاري “الأمة القطب”.

أما خامسها- والأخيرة فإنها تتعلق بالحضارة عناصر القابلية وأصول الهندسة الحضارية والإنمائية.

الأولى- مقاربة “التنمية في العالم الإسلامي”: ضياء الدين سردار، “الرؤية الكلية وعملية التنمية والأمة”:

  • يقارب سردار قضيته تلك في إطار الربط بين رؤية الإسلام الكلية، والمعرفة والعلم والوسائل التقنية وعملية التنمية، ويهتم بالرؤية الحضارية الكلية، وينطلق من قواعد مترابطة بين مفاهيم ترتبط جميعها بالعملية التنموية.
  • المعرفة -وفق سردار- لا يمكن فصلها عن التصور العالمي والنظام العقدي الذي تمتد فيه جذورها، وإن الإبستمولوجيا أو نظرية المعرفة هي النواة المركزية لأي تصور عالمي. وهي في نظر الإسلام العامل الذي يحدد الممكن وغير الممكن إسلامياً، أي ما يمكن معرفته، أو ينبغي أن يعرف، وما يمكن معرفته ولكن يفضل تجنبه، وما لا يمكن معرفته نهائياً. إن الإبستمولوجيا تعمل على تحديد المعرفة والتمييز بين فروعها الرئيسية، وتعيين مصادرها وإقامة حدودها، إن إمكانية وكيفية المعرفة هو التساؤل المركزي للإبستمولوجيا، ولكنها ليست مجرد تساؤلات فلسفية، وإنما لها علاقة قوية بالواقع الملموس. إن الإجابة على هذه التساؤلات لها آثار مباشرة على مختلف جوانب النشاط البشري، كما تقرر نوعَ المجتمع المراد بناؤه، وما يؤثر على رؤية التنمية.
  • إن المصطلح القرآني “العلم” الذي عادة ما يترجم بـ”المعرفة”..، وقد صاغ العلم نمط الفكر والبحث الإسلاميين وحدد كيف يمكن للمسلمين تحسين نظراتهم للواقع، وإقامة مجتمع عادل وتطويره. والعلم هو الذي يربط المجتمع الإسلامي بمحيطه ويعطى للإسلام حركيته وحيويته.. وقد يغيب عن الكثيرين الدور الرئيسي الذي تلعبه الإبستمولوجيا في تكوين المجتمع، وإهمال الإبستمولوجيا في الكتابات الإسلامية المعاصرة، ومن ثم غياب تقدير المعنى الحقيقي لمفهوم وقيمة “العلم” ناتج في الغالب عن النمط المعرفي السائد الذي عزا  إلى نفسه دوراً عالمياً.
  • إن اكتشاف إبستمولوجيا إسلامية معاصرة لا يمكن أن يبدأ بالتركيز على الفروع القائمة، ولكن بتطوير باراديمات paradigms داخل التعبيرات الخارجية الرئيسية للحضارة الإسلامية، العلم والتكنولوجيا، السياسة والعلاقات الدولية، الأنساق الاجتماعية، والنشاط الاقتصادي، التنمية الريفية والحضرية –التي يمكن دراستها وتطويرها وفق الاحتياجات والواقع المعاصر.. إننا نحتاج.. نوعين من الباراديمات (معرفية وسلوكية).
  • إن العلم لا يرتبط بالعبادة فقط، بل يجمع القيم القرآنية الأخرى مثل الخلافة “والعدل” “والاستصلاح”، فمثلاً إذا كان الارتباط بين العلم والعبادة يعني بأنه لا يمكن طلب العلم مع خرق صريح لأوامر الله. وكذا “فإن الارتباط بين العلم والخلافة يحول الطبيعة إلى مجال مقدس”، إن الإنسان بصفته خليفة الله في الأرض فهو المسؤول عن هذه المنة ولا يمكنه طلب المعرفة على حساب الطبيعة (ولا بلوغ التنمية على حسابها)، بل على العكس من ذلك –بصفته مسئولاً عنها- فهو يسعى لفهمها، ليس بهدف السيطرة عليها، بل عرفاناً وتقديراً لآيات الله. إذن فدراسة الطبيعة تؤدي إلى نتيجتين: فهم للعالم المادي وتدبّر للحقائق المعنوية. إن هذا الارتباط بين “العلم” و”العدل” و”الاستصلاح” يضمن أن المعرفة تطلب لإشاعة المساواة والعدالة الاجتماعية والقيم، والتي تزيد من رفاهية المجتمع الإسلامي وازدهار ثقافة (التنمية الاقتصادية والثقافية).
  •   وحري في هذا السياق أن تكون أحد مهمات البحث الإسلامي أن تتوجه الطاقة لإبداع باراديمات وأنساق إسلامية متميزة حيث يمكن أن ينجز العمل حول الاحتياجات العاجلة ومتطلبات المجتمعات الإسلامية.
  • في هذا السياق تبدو الرؤية الكلية للنموذج المعرفي الإسلامي تتكون ضمن عناصر (التوحيد، الرؤية للإنسان، الرؤية للكون والبيئة، الرؤية لتفاعلات وجوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية والعبادية، أصول العلاقات الاستخلافية، الآخرة محرك وحافز للفاعلية وتكريس عناصر المسئولية والحساب)، إن هذه الرؤية تكون نماذج معرفية، ونماذج سلوكية.
  • إنه من الواجب تفعيل هذه الرؤية ضمن إمكانات “الأمة” كمفهوم جامع وشامل (الدول ذات الأغلبية الإسلامية- المؤسسات الإسلامية الدولية ..إلخ)، وبما يحقق عناصر التعبئة –لموارد الأمة المادية وقدراتها وطاقاتها المعنوية والثقافية. وتحقيق أهداف اقتصادية تنموية (معدل النمو – التصنيع – التشغيل الكامل – التوزيع العادل للدخل – تعديل موازين المدفوعات لصالحها)، بينما يجب أن تهدف المنظمات الإسلامية لزيادة درجة التضامن من خلال (زيادة الوعي بالانتماء للأمة كإطار أشمل يعلو الولاءات الجزئية – تحقيق درجة أعلى من التماسك الفردي والالتزام بقيم الإسلام الحضارية على المستوى الجماعي وتقليل تغلغل الثقافات الأجنبية في الثقافة الإسلامية- ربط المؤسسات الإسلامية بحاجات ومصالح الأمة ككل – خلق وإنشاء مؤسسات إسلامية وظيفية جديدة متخصصة كي تؤدي وظائف عبر قومية توحد الأمة ككل – تزكية روح التضحية في سبيل مرضاة الله سبحانه وتعالى).
  • يتحفظ سردار في إطار هذه الرؤية على مفهوم التحديث الغربي وما يتولد عنه من رؤية تنموية؛ ذلك أن كل المجتمعات وطبيعة الحياة، وعيشها في الزمان حديثة، ويرفض كافة النعوت التي تستخدم في وصم المجتمعات الإسلامية خاصة في التأليفات الكلاسيكية الغربية، مثل البربرية، أو مجتمعات العصور الوسطى، ذلك أن تقسيمات العصور بدت متولدة لوصف مراحل التاريخ الأوربي، الذي عمم تلك التصنيفات ضمن رؤيته المركزية إلى العالم كله، فالحداثة وفق هذا تعبير عن نموذج مثالي ترتئيه الحضارة الغربية، ومسار تجسده المجتمعات الصناعية المتطورة، والمجتمع الإسلامي عليه ألا يتقبل عناصر هذه الرؤية المركزية. ورغم بروز جملة من الانتقادات لنظرية الحداثة وعمليات التحديث، ومفهوم التنمية التحديثية إلا أن هذه النظرية استمرت تأثيراتها في مجال التنمية وارتبط ذلك بهيمنة مفهوم المثاقفة acculturation الذي لم يَعنِ ضمن الاتجاه الانتشاري إلا تبني الثقافة الغربية أو فرضها على المجتمعات التقليدية، وصارت التنمية ضمن هذا السياق لا تعني سوى مرادفة لعمليات التغريب occidentalization وهي عملية وظاهرة معقدة وليست بسيطة.
  • اهتم سردار ضمن مقاربته بكيف يمكن أن نحرك مفهوماً للتنمية ضمن نموذج إسلامي مغاير؛ ذلك أن العبرة ليست فقط في تحقيق الأهداف، وإنما مكمن الأمر أنه طالما كان النموذج غربياً ولّد أدوات وسياسات غربية، ومن هنا وجب الاهتمام بعناصر المدخل الثقافي والأخلاقي للتنمية وفي إطار ارتباطه بالتغيير الاقتصادي.
  • إن أي استراتيجية تنموية حضارية ضمن سياقات النموذج الإسلامي يجب أن تكسر هيكل السيطرة العالمي، وتضع حلولاً للمشاكل التي تعاني منها دول العالم الثالث النامية، فإن هذه الدول ومنها العالم الإسلامي لا يمكن أن تكتسب مكانة مستقلة في النظام الدولي، طالما استمر هيكل القوة الدولية القائم على تبني نظريات تنموية واستراتيجيات –لا تنبع كما لا تتفق- مع الهيكل الثقافي والاجتماعي السائد في العالم الثالث.
  • إن مفهوماً جديداً للتنمية يجب أن نحرص على تأسيسه وتأصيله يتكون من: إشباع الحاجات الأساسية –الاعتماد على الذات- العدالة الاجتماعية –الأصالة الثقافية. والجمع بين هذه العناصر والتفاعل فيما بينهما عملية في غاية الأهمية.

– الاعتماد على الذات يجب أن يؤخذ على مستويين:

مستوى إسلامي بين الدول الإسلامية بعضها البعض (الأمة).

ومستوى يتحرك داخل البعد الوطني، كل دولة على حدة.

– أما الأصالة الثقافية فإنما تنبع من أن مشاركة الشعوب ودعمها في الإسهام ضمن عملية التنمية ومجالاتها، لابد أن تتضمن عناصر مهمة تسمح لهم بالسيطرة على مقدراتهم ومستقبلهم، ويرتبط كل ذلك بضرورة الاهتمام بالأصالة الثقافية cultural authenticity والتي تعني –ضمن ما تعني- احترام القيم والتقاليد الخاصة بكل مجتمع، شريطة أن تمثل هذه العناصر فاعلية في حل الإشكالات التي تواجهها الشعوب وتحديات زمانها الذي تعيشه.

إن سردار وفق هذه الرؤية وتلك المقاربة يحرك أكثر من عنصر ضمن فهم علاقة الإسلام بالتنمية أهمها:

  • أن النماذج المعرفية والرؤى الكلية هي التي تولد أنماط التنمية ونماذجها، وأهدافها، وتحدد عناصرها ومنظوماتها.
  • أن النموذج المعرفي الغربي إذا ولّد مفهوم الحداثة ونموذج التحديث فإنه خرج لتحقيق مطالبه واحتياجاته وفق خبراته، وأن النموذج المعرفي الإسلامي فضلاً عن رؤيته الكلية للعالم (للإنسان والكون والحياة) لابد أن يُولَّد رؤية مغايرة للتنمية.
  • أن تسكين مفهوم التنمية ضمن منظومة قيمية وثقافية، وضمن معاني الخلافة والعدل والاستصلاح، لابد أن يخرج معنى متميزاً للتنمية وعملياتها المختلفة المرتبطة بها.
  • أن عناصر التنمية لا يجب أن ينظر إليها ضمن حدود الدولة الوطنية أو القومية، بل يجب أن تمد ببصرها إلى أفق الأمة ضمن تفعيل مؤسساتها ونماذجها القيمية، وعلاقاتها التعاونية والبينية، وأن تحرك معنى الاعتماد على الذات ضمن دائرة الأمة الواسعة وكذلك مفاهيم الأصالة الثقافية.

الثانية- البنية الإنمائية والعمرانية في الشرعة.

هذه مقاربة أخرى ممثلة في هذا المقام ضمن المقاربات التي تشير إلى منظومة المدخل السباعي، إنها واصلة بين عناصر مهمة: بين الشرعة وفقه التدين، وتصل بين الفهم والتنزيل، وتصل بين كل ذلك والشهود الحضاري (عوامله وفقهه ومشاريعه). إنها رؤية متكاملة، تعبر عن كيف أن استدعاء أحد عناصر هذه المنظومة يدعو بقية عناصرها على نحو أو آخر تتساند وتتعاضد تعاضداً عضوياً وبنيانياً وكيانياً، لتعبر عن كل كمالات الشريعة الرافعة في هذا المقام.

 الشهود الحضاري للأمة الإسلامية

عوامل الشهود الحضاري
فقه التحضر الإسلامي
مشاريع الإشهاد الحضاري
المشروع السلفي
المشروع التحرري
مشروع الإحياء الإيماني الشامل
كشف العوائق
سلطان الإنجاز
التغير الحضاري
سداد الفكر
رشاد الاعتقاد
ارتفاق الكون
الشهادة على الناس
الخلافية لله
العوامل العامة للتحضر

عناصر فقه التدين فهماً وتنزيلاً، والشهود الحضاري للأمة ضمن عناصر تتعلق بالشرعة الرافعة، تخرج من حال الإخلاد إلى الأرض والتثاقل، إلى حال النهوض والإحياء والاستنفار، هل يمكننا التعرف على ملامح فقه التنمية بين فقه التدين وفقه الفهم وفقه التحضر الإسلامي وعملية شهوده من بين العناصر الواصلة والمتكافلة؟ بين هذه العناصر يولد فقه التنمية:

فقه التحضر الإسلامي
فقه الفهم
فقه التدين

الشهود الحضاري

إنها محاولة لفهم (الخصائص التكوينية للشرعة، ونظرية الحكم، ونظرية التكليف، والقواعد الكلية) على ارتباط فيما بينها، الخصائص باعتبارها عناصر بنيانية في نسق الشريعة العامة فتولد نظرية في الأحكام مشتقة عنها، مؤسسة على قاعدة منها، ونظرية الأحكام تجد تأسيسها في نظرية التكليف التي تنصرف إلى منظومة الأفعال وبيان قيمها وأوزانها، وفي هذا الإطار قد تتضح العلاقة الواصلة والرابطة الوثيقة بين سمات الشرعة وخصائصها الكلية البنيانية من جانب، وتأسيس نظرية الحكم بكل مجالاتها وتفريعاتها من جانب ثانٍ، وتأصيل كل ذلك على أصل التكليف (الإنسان مكلف)، ومن جانب ثالث فإن كل ذلك هو الذي حرّك الفاعليات التأصيلية والتنظيرية والتقعيدية لصياغة عناصر التفاعل ضمن عناصر معادلات كلية، وقواعد أصولية وفقهية، فصيغت في عبارات ذهبية قصيرة جامعة، يسهل تسكين الأمور الجزئية فيها ورد الأمور الفرعية إلى أصولها وقواعدها رداً جميلاً يتسم بالوعي والتدبر والبصيرة.

إن قواعد الضرر على سبيل المثال والقاعدة العُمدة في نظريته “لا ضرر ولا ضرار”، وتتساند معها قاعدة “الضرر يزال”، هي من القواعد الناشئة عن تفاعل الخصيصة الأساسية من خصائص الشرعة كسمة بنيانية من سماتها (اليسر ورفع الحرج)، والتي تملك تأثيراتها بدورها على النظرة التكليفية للإنسان (الاستطاعة والوسع والطاقة)، أحوال الضرر والضرورة، ولا شك أن هذا وذاك يؤثر بدوره في نظرية الأحكام التي تراعى الاختلاف وجهاته المتنوعة (الإنسان، المكان، الزمان، الأحوال)، في إطار “المصلحة” كفكرة بنيانية في الشرعة. فالشريعة مدارها على المصالح، حكمة كلها، رحمة كلها، عدل كلها، ومن مراعاة المصالح تنبع أصول سمات أخرى تتسم بها الشرعة من “الصلاحية” كسمة أساسية تصف الشرعة، و”الإصلاح” كهدف ومقصد تأسيسي وعمراني لفكر الإنسان وحركته.

وفق هذه الرؤية التكاملية ورؤية الشريعة كالجملة الواحدة، يمكننا -ومن غير عنف أو اعتساف- الحديث عن فقه التدين التنموي وشروطه، وفقه الفهم التنموي وقواعده، وفقه التنزيل التنموي وعناصره ومراحله وأشكاله وتجلياته وآلياته ووسائله، وهي أمور كلها يمكن أن تولد عناصر التكليف الإنمائي والعمراني، وعناصر فهم الواقع التنموي متوسلاً آلات فهمه، والبحث في خبراته ضمن الذاكرة الحضارية، ومفاصل فهم الواقع الإسلامي التنموي الراهن بكل عوائقه ومسهلاته بكل تحدياته واستجاباته. كل ذلك موصولاً بفقه التنزيل التنموي والعمراني ومتطلباته من: صياغة العقيدة التنموية، والصياغات الإنمائية في الشرعة، وفقه الإنجاز التنموي: شروطه في الوعي والسعي، وقواعده في المرحلية والتدرج، في الجماعية والحشدية.

“الإنماء والعمران” دائر بين عناصر الاستخلاف والشهادة والارتفاق الكوني، وعملية الشهود الحضاري العمراني يجب أن تنهض بكل العوامل المتعلقة: بكشف العوائق الإنمائية، وتأسيس أصول الرشد والوعي الاعتقادي الإنمائي، وما يولده من سداد الفكر والتنظير، وعالم الأفكار والمفاهيم التي ترتبط بالمجال الإنمائي والعمراني، وإرساء حالة النفير الحضاري الإنمائي بما يمكن أن يترجم على أرض الواقع في سلطان الإنجاز وفاعلياته في عمليات التفكير والتغيير والتسيير والتدبر والتدبير والتأثير المولدة لحال التمكن الحضاري الإنمائي والعمراني إعمالاً للشهود وتأصيلاً وتمكيناً له.

وضمن تفعيل منظومة القواعد الإنمائية تبرز لدينا، منظومة قواعد الضرر والضرورة، والتي تعبر عن فحص الواقع بما يشتمل عليه من مناطق الضرر والضرار التنموي، والتعامل معها بعناصر المنع الوقائي، أو الدفع الآني عند وقوعه، أو الرفع بعد الوقوع، ضمن عمليات وآليات لمواجهة الضرر أو الضرار الإنمائي.

الثالثة: القيم التأسيسية والأساسية الحاكمة والهندسة العمرانية والإنمائية

في إطار هندسة المنظومة السباعية (العقيدة الدافعة، والشرعة الرافعة، والقيم التأسيسية والأساسية الحاكمة، والأمة الجامعة، والحضارة الفاعلة الشهادة، والسنن الكلية القاضية والمقاصد الكلية الحافظة والحاضنة)، تقع هذه المقاربة التي تجعل من القيم منظومة كاملة وإطاراً مرجعياً ومدخلاً معرفياً وتنظيرياً وتطبيقياً، وهي قراءة تحاكي القراءة في كل ما يتعلق بالشريعة أو ارتباطاتها “كالصورة الواحدة” أو “الجملة الواحدة” في شكل يحرك عناصر هندسة منظومة القيم، وما يتبعها من عناصر هندسة عمرانية وإنمائية.

الفكر السياسي الذي تعامل مع الأصول واستلهم منها تأصيل قيمه الكلية التأسيسية والأساسية هو في الحقيقة مجموعة من القيم؛ بمعنى نسق المثاليات التي وضعت أصولها تلك الحضارة وارتبطت بها وجوداً وعدما، وكل فكر.. لابد أن يشتمل على تلك المجموعة من القيم التي تميزه من حيث انتمائه الحضاري، كل حضارة تملك وجوداً خلاّقاً وتؤمن بوظيفتها التاريخية الحضارية والمعنوية .. عليها أن تعلن ولو لاشعورياً عن ذلك المبدأ الذي منه وبه تتحدد جميع القيم الأخرى، والذي بدوره يصير علماً وشعاراً للوجود الجماعي.

القيم الحاكمة خاصة قيم التأسيس منها، ترتبط بالأصول العقدية، كما ترتبط بما يمكن تسميته بالوسط القيمي المحقق لعناصر تنزيل الشرعة بكل إمكانات الحفظ العمراني، كما تواجه كل خروج عن أصول الشرعة والشرعية. القيم كذلك تشير إلى الأمة فتحرك أصل مقصدها الذي يتمثل في التوحيد (أمة التوحيد)، والتزكية (الإنسان) والعمارة (الكون) والفاعلية (الحياة)، تعبر بذلك على أحقية الأمة بعملية الشهود الحضاري المؤسس على خيرية الأمة ووسطيتها،.. والتزام هذه الأمة بالقيم الأساسية من عدل ومساواة واختيار وشورى وأمر بمعروف ونهي عن منكر يشير –وبحق- إلى أمة القيم .. وهي كذلك تشير إلى حضارة القيم ونظام قيمها الذي يشكل “خاتمها الحضاري” المميز والمتميز، وخاصيتها الأكيدة “أمة وسطاً” تحرك العدل لتجعله القيمة العليا في نظامها القيمي؛ لتقيم حضارة التوسط والاعتدال، وتجعل من القيم التأسيسية قواعد لعملية العمران الحضاري والإنمائي (التوحيد والتزكية والعمران).

والقيم -في ارتباطها بالسنن- تؤكد ارتباطاً وثيقاً، فإن للتزكية المرتبطة بالتنمية سننها، وللعمران الذي يشكل مُخّ العملية الإنمائية سننه، ونسق عطاء السنن -بدوره- يتمسك بعناصر القيم الحاكمة فهي محكومة بالعدل الإلهي الذي يجعل سنن الفعل والتغيير مرهونة بشروطها، ومن جنس الوعي بها والسعي من خلالها.

ومنظومة القيم وكذا المقاصد الحاضنة لها تتعانقان في وحدة كلية تحرك عناصر الحفظ صوب كمالات قيمة التوحيد كقيمة مركزية، وقيمة العدل كقيمة عليا تحفظ الدين وتقدمه على بقية المقاصد لاشتماله على مناطات الحفظ لكل المجالات الأخرى، والحفظ لا يمكن فهمه إلا في سياق قيمة العدل التي تحقق تلك المقاصد في حق النفس والغير، الفرد والجماعة جميعاً، وهي محكومة في المراتب بميزان يتعلق بفقه الأولويات والموازنات والتزاحم، ميزان عدل يقدم الضروري على الحاجي، والحاجي على التحسيني.

القيم كمنظومة وشبكة تعبر عن صلة واتصال ضمن شبكة علاقات لا تشذ فيها القيمة أو تتوه عن محاضنها الكلية أو مساراتها الأساسية والكلية، إن عناصر البينات العمرانية والإنمائية والتي تجد مصدرها في الكتاب المرجعي التأسيس (القرآن والسًّنة)، والميزان التنموي والعمراني موصول بإنزال الحديد كرمز للقوة فيه بأس شديد ومنافع للناس، إذ تتفاعل كل هذه العناصر ضمن حركة عدل حامية ودافعة ونافعة، ومانعة من الاعتداء والعدوان بما تحققه من عناصر بأس، وفي كل الأحوال تهيئ عناصر البناء العمراني وحركته وتؤصل عناصر التزكية الإنسانية، في حركة موصولة دائماً وأبداً، ابتداء وانتهاء بالتوحيد.

إن “الدين القيّم”، “دين القيّمة”، “دينا قَيِماً”، “الصراط المستقيم”.. تحرك الجوهر القيمي للدين: إيمان بالله يعمر دنيا الناس، وعقيدة تخلق حضارة، وعبادة تربي مجتمعاً. إن باب القيم الإنمائية والعمرانية، من أهم أبواب هندسة العمران ومعماره. والقيم الحضارية ومنظومتها التي تتفاعل وتفعل، وحينما نحيل إلى بعض عناصر منها (أساس القيم الحضارية في رسالة الإسلام: كرامة الإنسان، العقل وطلب العلم وتوفير بيئته ووسائله: قيمة حضارية وتنموية، والعمل: واجب شرعي، وعمارة الأرض: من مسئولية الإنسان الذي جعله الله فيها خليفة وأميناً عليها) قيم عمرانية وحضارية. ومجالات العمل الإنمائي والعمراني كلها مكفولة برعاية الشرعة وقيمها، وقيمتها في كفايتها وبلوغ مقصود الأمن، والوعيُ بالزمن والوقت ضمن عناصر المعادلة الحضارية قيمة تنموية غاية في الأهمية، ويحتاج بناء الحضارة حركة عمرانية هادفة وسعي تنموي، إلى وعي بالزمن من جهة، وطاقة “دينامية” تملأ الزمن بالحركة الحية المتجددة التي تتباين مجالاتها وأساليبها وفقاً لظروف الواقع المتغير واحتياجاته على هدى من أنساق القيم الإسلامية..! إنه معمار القيم الذي يشيد عناصر بناء عمراني وإنمائي.

الرابعة- تأصيل منهاجي لمفهوم الأمة في الإسلام “الأمة القطب” والفاعلية العمرانية

تبدو تلك المقاربة -ضمن نسق المقاربات- تتحدث عن أهم فاعل ودافع في آن، في عملية عمران الأمة. إن علوم العمران يمكن تسميتها كذلك بعلوم الأمة، والأمة هي أمّ الكيانات الجماعية التي عرفتها هذه المنطقة الحضارية، وبالتالي تكون على رأس هذه الظواهر الاجتماعية السياسية التي تدعو إلى البحث والنظر.

مهمة الباحث المتفقّه وفق هذه المقاربة تحويل الأمة-موضوعاً من “ظاهرة” إلى “مفهوم”… والارتقاء بالأمة من مستوى الوجدانية إلى مستوى المدركات العقلية (الوعي)، أو قُلْ: لنجمع -في توازن محمود- بين حيز المحسوسات والمدركات، الحيز الوجداني والحيز العقلي، “ونكون بذلك في سبيل ترشيد شعورنا وتحويل انفعالات لاشعورية إلى تفاعلات واعية إرادية، ومن جانب آخر نكون في سبيل إكساب سلوكنا المنطق العقلاني والواعي الإرادي، تلك الأبعاد المعنوية والقيمية التي تضفي عليه ذلك المعنى الإيجابي والمضمون الأخلاقي الذي لا يستوي بدون أي منهما التطور الحضاري للإنسان..”. بين  الوعي بالأمة (إدراكاً ووجداناً) والوعي العمراني (وعياً وسعياً) عناصر تفاعل وجدل لا يمكن إنكارهما.

وضمن هذه المقاربة من المهم أن نجد أصولاً تفسيرية لموجات التجاوب والأصداء التي أحدثتها الديار المجاورة لها.. وعالم الأحداث، “والذي يستوقف النظرَ (المشاهِدَ الباحِثَ)، هو ظاهرة التواتر والتوارد العجيبة للأحداث والانفعالات التي تملكت أرجاء هذه البقاع، وكأن هناك محركاً أعظم “مايسترو” أو مخرِجاً لها يدير الأمور ويسند إلى كلًّ دورَه.. وهذا هو أقرب إلى حس المؤمن وإلى التداعي المنطقي لديه، وكأنه إزاء جسد منسجم الأعضاء: قلباً وأطرافاً، حتى إذا ما انفعل عضو فيه إذا بالعصب يوصل الانفعال إلى سائر الأعضاء، وكأنه مصداقاً للأحاديث النبوية الشريفة التي تصور الجماعة الإسلامية في تماسك عضويّ مُحكَم مكين: “المسلم للمسلم كالبنيان المرصوص يَشُد بعضه بعضاً”، و”مثل المؤمنين في توادّهم (وتراحمهم) كمثل الجسد (الواحد) إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالحُمى والسهر..”

وإشارة إلى ذلك “كان طبيعياً أن يقودنا النظر والمشاهدة إلى التدبر والتفكر حول ظاهرة استوقفت البصر وحرّكت البصيرة؛ لننتقل من واقع الإطار الحركي المعاصر إلى استخلاص المعاني منه وتجريد المفاهيم وتأصيلها في نطاق العقل المجرّد والمنطق العلمي، بحثاً عن تعليل وتفسير لظاهرة (الأمة) كجماعة حضارية سياسية على هذا القدر من الاستمرارية والتواصل، وعلى أوثق ما تكون من الأوامر والتجانس رغماً عما أصابها من ضعف ووهن بضياع الأسباب المادية والنظامية التي تمثلها وتقوم على مصالحها وتحفظ لها شريعتها وعزتها”.

الانتقال بالأمة من ظاهرة موضع المشاهدة والمعاينة إلى مفهوم قابل للتأصيل والتجريد، تتخذ من فكرة “الأمة القطب” محوراً للبحث.

الوحدانية: توحيد الخالق ووحدة الخلق وتنوع عالم المخلوقين

وبين حيوية التنشئة الجماعية في الإسلام بما يحقق ويكرس دورة الدفع الذاتي المتجددة واصلة بين الأمة الفرد، والجماعة الأمة، فإن الأمة بهذا الاعتبار

الوسط في التحريك المفهومي والجغرافي   إمكانات شهودية
الشاهدة (الشهود الحضاري)   مقصد الفعل الحضاري للأمة
استقطاب وبؤرة جذب المركز والكيان (صفة بنيانية)
جامعة – دافعة – رافعة                   حقيقة جوهرية تتعلق بالقصد
الخيرية وشروطها                  صفة تحصيلية

بين الأمّة والإمام والأمّ (جذر لغوي واحد)، غالب أمرها هادف إلى القصد (الأَمّ). الأمّة والقدوة والأمّ أدوار مهمة في

عملية التنشئة في الأمة والحفاظ على كيانها الحضاري الاجتماعي. الأمة بهذا الاعتبار، ليست كياناً فحسب، أو صفات وسمات، بل هي وظائف وأدوار وسياسات هذا ما يجعلنا نربط بين هذه المقاربة المتعلقة “بالأمة” وبين عملية “التنمية” يصل بينهما فعل “الأَمّ” و”القصد”، وهو ما يعبر عن امتداد وتواصل الاهتمام، ضمن مشروع فكري ومعرفي.

إنها التنمية حينما تعبر عن مفهوم حضاري، وإنها المرأة حينما تكرس المنظور المعرفي الحضاري: “الأمة”، مفهوماً وإدراكاً، وعياً وسعياً، هي “الضامّة” و”الجامعة” لعناصر هذا العمل والرؤية، والاتصال والتواصل فيما بينهما حفظاً للكيان الاجتماعي الحضاري (بنياناً وحفظاً وإنماء وارتقاء).

الخامسة­- المقاربة الخاصة بعناصر القابلية: (مالك بن نبي)، أصول الهندسة الحضارية والإنمائية

  • أول المفاتيح التي يقدمها بن نبي ضمن عناصر الرؤية التنموية والعمرانية يقع ضمن تصنيفه لعوالم الوجود البشري وما يحيط به من عالم أفكار وعالم أشخاص وعالم أشياء،… ثم الناظر لهذه العوالم، وهو شبكة العلاقات الاجتماعية، وما يتولد عن ذلك من عوالم علاقات وأحداث ومواقف وتفاعلات في كامل عناصر الساحة الحضارية، وعناصر الوجود لدى مالك يتحرك -وقبل ذلك يؤسس- على أفكار أولية لتحقيق أهداف يحددها عالم الأشخاص، من خلال وسائل من عالم الأشياء في ظل شبكة العلاقات الاجتماعية تنظم هذه المنظومة، وتحقق عناصر التمايز والاختصاص بين مجتمع وآخر وزمان وآخر.
  • إن عالم الأفكار وما يولده من منظومة ثقافية ومفاهيمية –يتحدد بناء عليه مدى فعالية الحضارة وعمرانها ومدى قوة المجتمع، ومدى فاعلية المجتمع. فكلما كانت شبكة العلاقات الفكرية أكثر انسجاماً، كانت شبكة العلاقات الاجتماعية أكثر تماسكاً وتفاعلاً، وكانت الفاعلية الاجتماعية والحضارية والعمرانية أكثر، والعكس صحيح.
  • ووفق هذه الرؤية فإن أخطر العوالم هو عالم الأفكار، فالأمم قد تفقد عالم الأشياء وكثيراً من عالم الأشخاص، ولكنها تستطيع استئناف دورها الحضاري والعمراني، طالما ظل عالم الأفكار فعالاً وقوياً وحيّاً، مثل ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية.
  • المفتاح الثالث، ضمن رؤية مالك، ذلك التمييز -ضمن معادلاته في الفعالية الحضارية والعمرانية- بين مجرد الوجود ومعاني الحضور، فالأمم قد توجد مكتفية بذاتها منغلقة على نفسها، منعزلة عن وسطها، أو مفعولاً بها غير فاعلة، موضوعاً يقع عليه الفعل وليس لها تعلق بمعاني الفاعلية الحقيقية؛ وهي بهذا المعنى موجودة لا حاضرة، وحضورها يعني ضمن ما يعني العمران الهادفَ والحضور الفاعلَ، بما يفيد ذلك الحضور في طرح نموذج للعالم، وتجاوز الذات للآخر، ومحاولة الإسهام بفاعلية في عمارة الإنسان وتحقيق عناصر الشهود على العالمية، فالحضور -وفق هذه الرؤية- لدى مالك مشاركة وفعالية وشهود، وليس انفعالاً وتلقياً، أو انغلاقاً وتقوقعاً.
  • المفتاح الرابع يكمن في معادلة مالك العمرانية والحضارية وما يشتق منها من رؤية للإنماء والتنمية؛ وذلك في إطار التمييز الذي أكد عليه من ضرورة التفرقة بين المعادلة البيولوجية والمعادلة الاجتماعية والحضارية والعمرانية. فالمعادلة الأولى يشترك فيها جميع بني الإنسان بحكم كونهم جنساً واحداً من مصدر واحد، ولكن المعادلة الثانية تصوغها الثقافة والخبرة الاجتماعية والتاريخية. ومن ثم فلكل مجتمع معادلته الاجتماعية الخاصة به، وفي تفاعل بين العام والخاص: الخصوصية الحضارية والعالم المحيط، والتي تحتاج (هذه المعادلة) إلى فهم ووعي حتى يحسن التعامل مع المجتمع بنياناً وعمراناً وإصلاحاً. وبدون فهم المعادلة الاجتماعية تنتج الأفكار والخطط عكس مقصودها. وهو بهذا لم يدعُ لخصوصيات مغلقة أو مكتفية أو هويات منعزلة أو متنافرة، وإنما دعا إلى ضرورة فهم الكيانات الاجتماعية والحضارية وبنيانها العمراني ووظائفها الإنمائية، وفهم خصوصيتها وعدم الانسياق وراء المعادلة البيولوجية، والتي قد تفترض وحدة بني البشر وتحاول أن تعمم عناصر فرض ثقافة واحدة أو نظم اقتصادية واجتماعية. الحضارة وعمرانها هي تفاعل (إنسان + زمان + تراب)، والتفاعل بين هذه العناصر جميعاً عوامل أساسية في بناء الحضارات وتشكيل المجتمعات.
  • يقدم مالك أيضاً عناصر فكرة مهمة، وهي التمييز بين الصحة والصلاحية، إن النظرية أو الفكرة وصحتهما لا تعني صلاحيتهما، وأنه قد تكون الأفكار والنظريات صحيحة ولكنها غير صالحة، وقد تكون صالحة في سياق حضاري وغير صالحة في سياق آخر. كما يميز بين عناصر الأفكار وتأثيراتها، فمنها الأفكار الميتة، ومنها المميتة والقاتلة، ومنها الأفكار الفاعلة، والأفكار المخذولة. فتصنيف الأفكار تابع لوظائفها وأدوارها.
  • أما الفكرة المفتاحية الجامعة لعناصر القصور العمراني فهي تلك المعادلة الجامعة بين “الظاهرة” و”القابلية لها” في تمييزه بين “الاستعمار والقابلية للاستعمار”، ورأى أن الاستعمار ما كان ليحقق أهدافه لولا عناصر القابلية له داخل المجتمعات، ومن ثم يمكن تصور هذا التعامل الجامع بين الظاهرة والقابلية لها، في سياق جامع بين تفاعل الخارج مع الداخل، وفي إطار أن الداخل أهم شرط في فاعلية تأثير الخارج. عناصر مهمة تؤثر في الرؤية العمرانية في كل عناصرها ومستوياتها ومعادلتها.

مالك ضمن هذه الرؤية يحرك عناصر معينة لمنهج النظر إلى المعادلة العمرانية وما يتولد عن ذلك من منهج تعامل وتناول، وذلك ضمن تصور العلاقة بين الإسلام والتنمية. التنمية -وفق هذا التصور- لابد أن تستطرق فيها كافة العوالم (عالم الأفكار والأشخاص والأشياء)، وأن عالم الأفكار يقوم بالدور الأكبر في عناصر رؤيتها ومبادئها وأنماطها وغاياتها، كما يتأكد أن عناصر التنمية لا تنبع إلا من الداخل بالأساس، وأن شروط الداخل هي التي تحرك العملية التنموية، وأن عناصر التبعية للخارج لا تأتي إلا من قابليات الداخل، والتي تقوي من عناصر التحكم الخارجي وهيمنته ضمن معادلة الاستخفاف والهيمنة ضمن العلاقة الفرعونية المستبدة. } فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ{ [الزخرف: 54].

هذه الرؤية تحدد جوهر هذه العلاقة بين الإسلام والتنمية وأهم العناصر والشروط المتحكمة بها وفيها.

معايير وقياسات التنمية

رؤية نقدية من خلال المنظور المقاصدي

مقاربة حازم حسني حول قياسات فاعليتة الجسد السياسي
مقاربة كمال المنوفي حول قياس العلاقة بين الإسلام والتنمية
مقاربة العيسوي دراسة في مفهوم التنمية ومؤشراتها
مقاربة تقريري التنمية الإنسانية العربية بين الحاجات النابعة وصناعة الحاجات التابعة

ضمن هذه النقطة الثالثة، وضمن الحديث عن قضية (المعايير) و(القياس) و(المؤشرات)، يبدو لنا ضرورة التعرض لمقاربات أربع مهمة:

نحاول فقط استعراض الإشكالات التي تحيط بمثل محاولات بناء المعايير وتوليد عملية المؤشرات منها واستخدام ذلك ضمن عملية القياس الكمية للتنمية، فيما أسميناه، “إغراء التكمية”.

وضمن هذه الرؤية نقدم رؤية نقدية للنموذج المقاصدي لمحاولات القياس التي قامت عليها دراسات وتقارير حول التنمية. هذه الرؤية النقدية ليست إلا مقدمة لرؤية بنائية لتقريرٍ للتنمية الإنسانية وفق هذا المنظور المقاصدي، ضمن محاولات بحثية من الواجب الاهتمام بتأسيسها من ناحية المقاصد التي تتغياها والمعايير التي تتبناها، والمقاييس التي تستخدمها، هذه ليست إلا مؤشرات أولية لدراسات مفصلة حول هذا المقام.

إلا أنه قبل الشروع في هذا، فإننا يجب ملاحظة الواصلة بين المقاصد والوسائل والسياسات، والتي غالباً ما تولد قضية “المعايير” و”قياسات” التنمية؛ وهو أمر يشير إلى “النماذج الكامنة” خلف تلك المعايير والقياسات حينما نتواصل مع أكثر من عنصر مهم وجبت مراعاته في هذا المقام:

* منظومة المعايير والمقاييس وارتباطها بعناصر النماذج الكلية، سواء كانت تلك النماذج كامنة أو ظاهرة.

* قضية كفاية المؤشرات والمعايير، وهي الكفاية التي تتعلق بالتطبيق الفعال لها في:

  • التأسيس على عموم مساحة الظاهرة التنموية.
  • فاعليات القياس المعتمد على نسخة بناء المؤشرات.

* والقضية الثالثة تتعلق بصدق المؤشر في الدلالة على الظاهرة أو الظواهر موضع البحث.

– خاصة أن ظاهرة التنمية بهذا الاعتبار تملك في داخلها “إغراء التكمية” والذي يشكل سلاحاً ذا حدين في هذا المقام:

حده الأول- يتعلق بالانحياز لعملية الترجمة الرقمية وعملية التكمية والقياس الكمي، وجعلها هدفاً في حد ذاته لا وسيلة بحثية تسهم في وضوح “الظاهرة” وكشف المستور بها.

ويتكافل مع ذلك المعضلة البحثية التي يفرضها هذا الأمر من جراء تفاوت عناصر الظاهرة ومفاصلها في قابليتها للقياس هذه الرؤية –مع اعتبار القياس الكمي هدفاً لا وسيلة- يمكن أن تغفل عناصر مهمة ضمن ظاهرة التنمية يصير التغاضي عنها أو الالتفاف عليها، عملاً لا منهجياً يؤثر في دراسة الظاهرة وبيان تكويناتها، فضلاً عما يترتب عن الخطأ الذي يطال العمليات المنهجية الأخرى (التحليل –التفسير – التقويم).

ويترافق مع هذا التصور وذاك البحث عن مؤشرات العموم في منطقة أو مناطق تتعلق بالظاهرة التنموية وعناصر خصوصيتها؛ وهي أمور تحدث أخطاء من الناحية العلمية والبحثية والمنهجية من تعميم الخاص، أو تخصيص العام في الظاهرة من دون مسوغ.

إن المعايير التي تولد مؤشرات القياس لابد أن تملك حُجية منهجية من ملائمتها للظاهرة ذاتها فيما يمكن تسميته بعناصر “اللياقة المنهجية”، ويقع في مقدمة عناصر هذه الملاءمة مراعاة “عموم المؤشرات وتعميمها”، و”خصوص تلك المؤشرات”، المؤشرات في بعض جوانبها لابد أن تملك “هوية”، والظاهرة ما اختلف زمانها ومكانها وأحوالها وإنسانها لابد أن تملك من جهات الاختلاف تلك فضلاً عن عالم مرجعيتها ونماذجها وأفكارها، خصوصية لا يمكن إنكارها أو تجاهلها أو إغفالها.

هذا العنصر الأخير يشير ومن أقرب طريق إلى حالة أقرب إلى “أيزو” “ISO” المؤشرات، أو إن شئت الدقة: محاولة تعميم المؤشرات في سياق عولمي، نشهد ذلك في كثير من التقارير والمؤتمرات للأمم المتحدة، وهو أمر قد يهمل -ومن كل طريق- الوحدة في سياقات التنوع، وعناصر تعددية ثقافية وأنساق حضارية وأنماط مجتمعية لا يمكن بحال تجاهلها.

إن جملة العناصر اللامنهجية، والتي أشرنا إلى ترافقها واستصحابها بعضها البعض قد تحرك عناصر نموذج هو أقرب ما يكون إلى ما يمكن تسميته “اللهو بالتكاثر”، هذا اللهو والإلهاء بالتكاثر الكميّ أمر من الخطورة بمكان ضمن نماذج تشير إلى معاني “الحياة الطيبة الآمنة المطمئنة” كحالتين متناقضتين تعبران عن نماذج تنموية لابد أن تختلف عناصر مرجعيتها وأصول تكويناتها وأسس مقاصدها ومعايير مؤشراتها وقياساتها. حالة لا منهجية تتطلب عملاً منهجياً رصيناً يأخذ في الاعتبار أصول مناهج نظر وتعامل وتناول تحقق مقاصدها البحثية والعلمية والتطبيقية.

أما الحد الثاني- فإنه من الضروري لظاهرة مثل “التنمية” تتعلق بأصول “عمليات إنجاز”، فإنها تفرض عملية التحديد لهذا الإنجاز أو مخرجات العمليات التنموية، وإمكانات قياسها، سواء كان ذلك عن طريق مؤشرات كمية ما أحسنت رصد ووصف الواقع، أو مؤشرات كيفية مناسبة وملائمة تأخذ في اعتبارها كل عناصر الخصوصية التي أشرنا إليها، مقاربات مهمة نستعرضها الواحدة تلو الأخرى توضح إشكالية القياس.

(1) أسطورة إسار بروتيوس: قياس فاعليات الجسد السياسي: الحقيقة والأسطورة:

أسطورة مهمة قد يكون لها دخل ونحن نحاول تفسير الكيفيات التي يمكن أن نقيس بها فاعليات الجسد السياسي، إنها تعبر عن أسطورة إسار بروتيوس، وما وجدنا مفهوماً في حقل العلوم الإنسانية والاجتماعية، صار التعبير عنه باللغة الرقمية والأدوات الكمية أكثر من “التنمية”. إن من يتحدث عن التنمية بلا أرقام هو في العرف الأكاديمي لا يتحدث عن التنمية، وصار التكميم أسطورة في ذاته، وغاية كبرى يجب الوصول إليها. وذلك ضمن سياقات جعلت “عدّاد التنمية” يحصى كل شيء، أما إذا كان هذا الشيء لم يقبل أو يتقبل ما يفعله العدّاد فهو لا أهمية له، بل وفي بعض الأحيان غير موجود. وبدت المؤشرات التنموية تقوم بعملية استبعاد لكل ما لا يدخل عدَّاد التنمية أو لا يقبله. إن الكائن الأسطوري بُروتيوس عجوز البحر الذي جاء ذكره في أُوديسة هوميروس في النشيد الرابع من الأوديسة، يروى القائد فيلاس قصته مع عجوز البحر، ذلك “المصري الخالد” “بروتيوس”، صاحب القول الحق الذي يملك قدرة خارقة على معرفة الحقيقة، وعلى رؤية الماضي والحاضر والمستقبل، لكنه لا يبوح أبداً بما يعرف إلا لمن ينجح في السيطرة عليه وترويضه، وقد كان فيلاس في طريق عودته لدياره بعد انتهائه من حرب طروادة حين احتجزته “الأقدار” هو ورجاله في جزيرة فيروس المصرية التي تقع في عُرض البحر عند مصب “نهر مصر” حيث كانت تقوم مدينة ضخمة تناقلت الروايات في الأزمنة الغابرة أنها كانت أجمل موانيء العالم القديم، وأنها كانت ذات شهرة ذاعت في الآفاق قبل أن يمحوها من الوجود زلزال مدمّر لم يُبق لها سوى أسرار الدهر التي خلّفها في أرضها الزمان الذي كان.

وفي روايات أخرى غير الأوديسة، جاء ذكر بروتيوس كملك مصري قديم قيل إنه كان يحكم فيروس قبل أن تزول من الوجود، وأن السماء كانت قد وهبته الحكمة والعلم ونفاذ البصيرة، حتى يبدو بروتيوس هوميروس بعثاً مجسداً له يخرج من البحر كل يوم على هيئة فُقمة عجوز يقود قطيعه بوفاء إلى جزيرة فيروس.

وما أن ينتهي من عد القطيع حتى يلقي العجوز بجسده في سكينة في مكان لا يحيد عنه كأنه يستلهم من أرضه أسرار الزمان!، في هذه اللحظة، بعد أن ينتهي العجوز من “عَدّ القطيع” يمكن لأي إنسان أن يستنطقه الحقيقة ليعرف منه الإجابة عن أي سؤال يريد إجابته، ولكن بشرط أن تكون لهذا الإنسان القدرة على أن يخضع الفُقمة العجوز لإسار لا يُفلت منه، فالصدوق الذي لا ينطق إلا حقاً..، له في ذاته حقيقة مرعبة، تتمثل في قواه الأسطورية التي يلجأ إليها كلما ساقت إليه الأقدار كمينا يريد به من أقامه أن يستنطقه، فيأخذ بروتيوس في التحول والتشكل بأي شكل يريد حتى يتمكن من التخلص من إساره، وينجح بذلك في إخفاء الحقيقة عن من أراد انتزاعها منه، أما إذا ثابر الباحث عن الحقيقة واستمسك بإساره الذي يسيطر به على الوحش الذي يُبَدَّل صورته، فإن الوحش يعود إلى الصورة التي كان عليها وهو يقود قطيعه، ثم يبدأ في الإجابة عن كل سؤال يطرحه عليه صاحب الإسار. وهكذا نجح القائد فيلاس في الخروج من المأزق الذي دفعته إليه الأقدار بعد أن كاد في لحظة يأس أن يستسلم لها قبل أن يعرف بأمر بروتيوس من ابنته “إيدوتة” حورية البحر التي تعاطفت معه!

مارس بروتيوس على الفكر العلمي القائم على الملاحظة نفوذاً كبيراً: فأرنولد توينبي كان يرى أن عيّنة من عشرين إلى ثلاثين حضارة إنسانية تكفي لإجراء دراسة مقارنة تسمح باستخلاص الملامح التي تعطي للتاريخ هيئته. لكن انتهى في نهاية دراسته إلى أن التاريخ بطبيعته “بروتي” الهيئة. فما يكاد الإنسان يستوعب الملامح التي تبدو بها هيئة التاريخ حتى تسارع هذه الهيئة بتغيير ملامحها. كما كان يفعل بروتيوس، وكلما مرّ الزمان وأضاف التاريخ لنفسه جديداً فإن هيئته تغير من ملامحها، حتى لتغدو ملامح الهيئة الجديدة التي يصير عليها التاريخ غير ذات شبه بملامح هيئته القديمة التي كان عليها، بروتيوس كان إذاً رمزاً أسطورياً للعُذرية المعرفية التي لا تمنح نفسها إلا لمن يملك إسار الإمساك بها ويكافح في سبيل السيطرة على إسارها.

إسار بروتيوس هو “القياسات” التي تمكّن رجل الدولة والباحث السياسي من الإمساك بالجسد السياسي، وأداته لفض أختام العذرية المعرفية التي يجاهد هذا الجسد في الحفاظ عليها، فطبيعة الجسد السياسي تجعله أكثر امتناعاً مما يتصوره الكثيرون، ولا يمنح نفسه لصائديه إن هم تركوا أنفسهم يُخدعون بتلك الأجساد الوهمية التي يتخذ الوحش العجوز هيأتها ويبدو على صورتها.. وهو وراء كل هذه الأشكال يخفي حقيقته بإظهار ما يخالفها، فلا يصل إليها إسار قوي يحيط بصاحبها.. إسار لا يتخاذل حين يبدأ الوحش العجوز في التشكّل بغير ما كان يبدو عليه. وقد  بحث الأقدمون في فنيات صناعة هذا الإسار الذي يتعامل مع جسد لا يكفي عن التغيُّر والتبدُّل، كما بحثوا في مواطن وضع هذا الإسار حول جسد لا يبقى على حال واحدة، وجميعها أمور يقترح د. حازم حسني أن يضمها ذلك العلم الذي يُطلق عليه اسم “الدراسات البروتيومترية” أو علم قياسات الجسد السياسي.

على أن يُتخذ في الحسبان طبيعة الظواهر وتشكلها، والمفاهيم وتطورها، وعمق الظواهر وعدم الوقوف عند سطوحها، وتبدل عناصر الواقع وتجلياته، فإن فهم التشكّل وعدم الانخداع بالأعراض والبحث في العوامل، يحكم عناصر القياس بل يطور أدوات بحثية ومنهجية تحقق المقصود، إلا أن “عبادة الأدوات” و”الوسائل” قد يخفى عناصر الحقيقة. فإن الصورة التي تتداعى في الأذهان الحائرة، وهي تتكامل مع أدوات طلمسية، هي “صورة المباخر المصنوعة من المعادلات لا المعادن، تغذيها الأرقام بدلاً من البخور.. فتنكشف حقائق لم تكن لتُرى وهي في مكامنها داخل أنسجة الأرقام المحترقة.. إن القياسات يجب أن تكون في خدمة التطبيق، وليس التطبيق في خدمة القياسات، عناصر معادلة يجب أخذها في الحسبان.

ماذا تتركه هذه القصة من إشكالات حول قياس التنمية، وقياس العلاقة بين الإسلام والتنمية.

(2) مقاربة الإسلام والتنمية: دراسة ميدانية (كمال المنوفي) محاولات بحثية كمية لدراسة العلاقة:

تعود أهمية هذه المقاربة إلى أنها قد تطرقت إلى العلاقة المباشرة بين الإسلام والتنمية، ولكن في إطار قياس هذه العلاقة بين الإسلام والتنمية ضمن دراسة ميدانية. وهذه المحاولة تتسم بالريادة في هذا المقام، إلا أنها -من جانب آخر- مثلت الإشكالية التي عبر عنها إسار بروتيوس في تخفي الظاهرة، وتشكلها المتنوع، وتبدل تجلياتها مع كل وقت وآنٍ، فإذا كان الأمر يتعلق بالظاهرة التي تربط بين عنصرين مهمين في إطار البحث في العلاقة فيما بينهما، فإن الأمر أكثر صعوبة وأشد تخفياً. ومن أهم ميزات هذه الدراسة ما كشفت عنه من إشكالات تتعلق بعملية القياس، والمؤشرات وبناء المفاهيم، والدراسة الكمية للعلاقات، والربط بين أمرين ليسا من نفس الجنس (الإسلام والتنمية)، والاتجاه الإجرائي الذي ارتبط بالمدرسة السلوكية في دراسة الظواهر الاجتماعية والسياسية، واستخدام المؤشرات كأداة منهاجية في قياس المتغيرات وبناء المفاهيم.

وليس من هدف عرض هذه المقاربة التوجه للدراسة وعرضها عرضاً تفصيلياً، أو العرض للمناهج المستخدمة وتطبيقها، أو استعراض النتائج والتعميمات التي وصلت إليها. ولكن غاية الأمر أن نحدد عناصر إشكالية القياس للعلاقة بين الإسلام والتنمية، والمتطلبات المنهجية التي يمكن أن تشير إليها دراسة من هذا النوع للإمساك بإساربروتيوس، والقدرة على التعامل مع الظاهرة وفض أختامها بالعمق الواجب والدقة اللازمة. ذلك أن انتقال القياس من دائرة الوسائل إلى دائرة الغايات مثَّل بحقٍ أهم عناصر قصور التوجه الذي أراد قياس العلاقة. وأهم عنصرين يجب التوجه إليهما بالبحث الدقيق والفحص العميق:

  1. القياس واللياقة المنهجية وحدود التعامل الكمي.
  2. التعامل مع الظاهر المحسوس والاكتفاء به.

ويولد هذان العنصران إشكالات بحثية مشتقة من مثل:

– أن يتحدد استخدام القياس وفق أصول اللياقة المنهجية أو التكافؤ المنهجي بين الأداة والظاهرة بما يحقق عناصر الملاءمة البحثية والمنهجية، فمن أهم الشروط لذلك قابلية الظواهر المقاسة لعملية القياس وتعبيرها عن وحدات موضوعية يمكن ترتيبها وتدريجها وقياسها والتعبير عن نتائج ذلك كمياً ورقمياً، أما إذا لم تتحقق هذه الخواص في وحدة القياس، صار القياس وهماً.

– حل إشكالية نفلت بعض الجوانب الأساسية لتلك الظواهر الاجتماعية، خاصة في حال تعلقها بسياقات القيم والثقافة من إطار القياس؛ لأنها بطبيعتها تتحدى القياس، وليس الحل في إغفالها، أو الاعتساف بصددها وتحديد مؤشرات قابلة للقياس ولكنها لا تتعلق التعلق المباشر بالعامل موضوع البحث. إن إغفال هذه الجوانب في القياس يعني أن نتائج القياس منقوصة وقاصرة وغير كافية، بل وربما -وبفعل هذا العامل في بعض الخبرات- يمكن أن تكون النتائج مقلوبة وغير صحيحة بالمرة.

* إن عناصر اللياقة المنهجية تلزم الباحث الذي اتخذ القياس أداة، ومن المؤشرات أسلوباً، ومن التحديد الإجرائي اتجاهاً، أن يقوم بمناقشة نظرية حول:

1- كفاءة المؤشرات وقدرتها على مباشرة الظاهرة وقياس أهم مفاصلها التكوينية، وحال ثباتها أو تثبيتها، وحال تحريكها ضمن وسطها.

2- كفاية المؤشرات؛ أي عدد المؤشرات الذي يصلح لتغطية مساحات الظاهرة المختلفة، ومساحات العلاقات المحتملة.

* أحدها يتعلق بالكيف والأخرى تتعلق بالكمّ، ثم هناك العلاقة البينية بين الكم والكيف، أي حينما يتحول الكم إلى كيف في إطار مؤشرات نوعية، مثل: كثافة المؤثر وعلاقة ذلك بعملية التأثير، والتفاعل الكمي الذي يخرج دائرة التفاعل من مجرد الجمع ضمن متوالية حسابية، ولكن التحول نحو المتوالية الهندسية، قضايا تستحق التأمل والنقاش والبحث، إذا ما أريد لهذه الأداة فاعلية في التطبيق والتعميم.

فلا شك أن تمحيص مقولة الإسلام كمعوق للتنمية “ليس عن طريق تلمس وعرض حجج ورؤى الكتابات التي تدافع عن الإسلام من منظور فقهي شرعي، وإنما عن طريق الاحتكام إلى قاعدة من البيانات التجريبية، ذلك أن التوصل إلى استنتاجات حول حقيقة علاقة الإسلام بالتنمية بمعنى هل يعيقها أم يساعد عليها أم أنه عامل محايد، لا يكون بالجدل الفكري والنظري، وإنما باتباع منهجية عملية جوهرها الجمع المنظم لبيانات واقعية مع إخضاعها للقياس.

هذا الجهد وهذه المحاولات المنبثقة عن تلك المقولة لا شك تملك بعضاً من الشرعية في القيام بها وعليها، إلا أن علينا دائماً ألا نجعل تلك المقولة السابقة هي نقطة البدء، من دون التفكير فيما قبل ذلك من دراسات الجدوى البحثية والمنهجية وأصول التعامل المنهجي مع موضوع من مثل العلاقة بين الإسلام والتنمية.

وهو أمر على صعوبته لا يُرفض بإطلاق، ولكن قد يكون من الصواب ترشيد الممارسة البحثية وفق قواعد منهجية منضبطة، نرى ضرورتها، خاصة حينما يتعلق الموضوع بالإسلام: “فإن الأخطاء المنهجية المرتكبة تحال على أصل الدين بسهولة ويسر –عن قصد أو غير قصدٍ- والقائم بالقياس قد لا يتهم نفسه أو أدواته بالتقصير أو عدم الكفاية والكفاءة، إلا أنه نتيجة لذلك يرتكب خطأ علمياً وبحثياً، إن الدراسات الميدانية يجب أن تقوم بدراسة مبدئية حول “فقه المعلومات” التي تعتمد عليها ووسطها، ومدى الاطمئنان إليها في ذاتها، والتأكد من مدى صحة الاعتماد عليها، وطرائق تحليلها والجمع فيما بينها.

والمقام قد لا يتسع بالبحث في كل إشكالات أدوات القياس، ولكن يظل ذلك من الموضوعات التي تستأهل الاهتمام من الجماعة العلمية والبحثية.

(3) مؤشرات التنمية: معايير وقياسات

(التنمية في عالم متغير: دراسة في مفهوم التنمية ومؤشراتها) (إبراهيم العيسوي)

تقع أهمية هذه المقاربة في ذلك الجانب الرصدي والتقويمي لما لحق بمفهوم التنمية ومؤشراتها من تغيرات، خلال النصف الثاني من القرن العشرين (القرن الماضي)، وذلك ارتباطاً بما شهده العالم خلال تلك الفترة من أحداث ووقائع عملية وتطورات في النظريات والأفكار بوجه عام، واتصالاً بما مرّ به “العالم الثالث” من تجارب وخبرات على اختلاف حظها من النجاح أو الفشل بوجه خاص.

ووفق رؤية كاتبها فإنه “.. يطرح.. قضية التنمية من منظور (شامل) و(واسع) يفتح الباب للنظر في العلاقة بين التنمية وعدد من القضايا ذات الصلة، مثل التبعية والاستقلال، والفقر وتوزيع الدخل والعدل الاجتماعي، والحريات والمشاركة، والتقدم العلمي والتكنولوجي، والتنمية البشرية، والتنمية المطردة، وإدارة شئون المجتمع والدولة، والتخطيط واقتصاد السوق، وبرامج التكيف الهيكلي والليبرالية الاقتصادية الجديدة، والعولمة. وفي ضوء هذا المفهوم الواسع والشامل للتنمية تقدم تلك المقاربة عرضاً تحليلياً ونقدياً لطائفة كبيرة ومتنوعة من المؤشرات التي يمكن استعمالها في قياس مدى التقدم نحو غايات التنمية.       

 يتضح من هذا البناء للمؤشرات التنموية وشمولها مع الاتساع الحادث في مفهوم التنمية أن تلك المحاولة أرادت –ضمن عملية القياس- لنفسها أن تكون على ذات الدرجة من التنوع والشمول بما يغطي الاتساع والامتداد والتنوع والتعدد الحادث في مفهوم التنمية.

ورغم ذلك فقد تحركت هذه المحاولة -مع التعبير عن محاولاتها للتنمية الشاملة والمطردة- إلى مناطق قابلة للتأشير والقياس، وظلت الجوانب المعنوية غير محددة في صياغة المؤشرات إن لم تكن مهملة. وفي هذا المقام فلنا أن نذكر أن الجوانب المعنوية لمفهوم التنمية في التصور الإسلامي يملك امتداداً أكبر وتنوعاً أشد تجب مراعاته عند بناء المفهوم، كما أن جوانبه المعنوية والقيمية والأخلاقية التي تمثل دائرة يصعب التأشير عليها أو القياس لبعض مكوناتها. وقد تتعامل الرؤى البحثية والمنهجية مع هذه الدائرة بالإغفال تحت دعوى عدم قابلياتها للقياس. وكأن القياس لا يهتم  في هذا المقام إلا بما تُحسِن الأداة ذاتها قياسه بغض النظر عن قيمة المُقاس.

وعملية التأشير من المهم ألا ترتبط بصورة حتمية بالقياس والرقم، ذلك أن عملية التأشير الكيفي يمكن توظيفها في هذا المقام، فإن مؤشرات نوعية الحياة لن تكون بالضرورة وبنفس الصياغات إذا تكلمنا عن “الحياة الطيبة” والتأشير لها وعليها.

فضلاً عن ذلك فإنه من المهم أن نتذكر ما قاله علال الفاسي -في بعض كتبه- عن الأرقام والتعويل عليها بالمطلق؛ إذ يؤكد أنه “بين الأرقام تتوه القضايا الكبرى”. فضلاً عن ذلك تعتبر عملية التأشير وباعتمادها على الصياغات المادية للمجالات المراد قياسها، بل وتحويل المعنوي إلى مادي قابل للقياس من المسائل الخطرة والقضايا المنهجية الحرجة، فإن ذلك مزلة أفهام وأقدام ومنزلق منهجي يجب الفطنة إليه. كل ذلك قد يقع ضمن حجاب على الجوهر القيمي لعملية التنمية من خلال “اللهو” و”الإلهاء بالتكاثر”.

(4) التنمية الإنسانية العربية: أي تنمية .. وأي إنسان؟

تقارير التنمية الإنسانية العمرانية

تحت عنوان “خلق الفرص للأجيال القادمة” صدر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في بداية صيف 2002م، تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2002م، ويعتبر هذا التقرير أول تقرير إقليمي من نوعه، حيث اعتاد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي منذ عام 1990م على إصدار تقرير سنوي عن التنمية البشرية في العالم، بهدف تقييم حالة التنمية من منظور يركز على الإنسان، ويضع توسيع قدرات الإنسان وخياراته وفرصه في صلب عملية التنمية، كما يساعد البرنامج الدول على إعداد تقارير للتنمية الوطنية. هذا التقرير أثار الكثير من النقاشات والحوارات داخل الوطن العربي وخارجه، وخاصة بين المثقفين والأكاديميين والسياسيين، مما  يؤكد أهميته وتميزه، إضافة إلى أهمية القضايا المثارة من خلال النتائج التي توصل إليها. وكانت حلقته الثانية على ذات المنهج وعلى نفس الدرب؛ إذ قُدَّم تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2003م.

وظلت المناقشات يغلب عليها الطابع الأكاديمي والمنهجي والبحثي والعلمي، وبدت الملاحظات رصينة تستأهل التوقف، كما تستدعي الحوار والنقاش حولها وحول محتواها، خاصة إذا ما أشارت إلى عيب منهجي يجب سدُّه، أو منزلق بحثي يجب تجنبه. إلا أن التقريرين ألقى بهما في أتون السجال السياسي، وذلك مع إصدار الرئيس الأمريكي بوش مبادرته بشأن مشروع “الشرق الأوسط الكبير” أو “الأكبر”، كما أعلن وزير الخارجية الألماني (فيشر) مبادرة أخرى بهذا الشأن نالت موافقة كلًّ من بريطانيا وفرنسا. وقد استندت المبادرتان على النتائج التي توصل إليها (تقريرا التنمية الإنسانية العربية لعام 2002 و2003)، مما يسلط الأضواء مرة أخرى على هذين التقريرين. وصدّر الجميع ديباجة أي مشروع إصلاحي بمقتطفات من التقرير.

وثارت النقاشات تحمّل التقريرين المسئولية السياسية والأخلاقية عن هذا الاستخدام من قبل مشروع لمنطقة الشرق الأوسط، تداولته الألسنة بالنقد، وإثارة الشبهات حوله، والتي انتقلت بدورها إلى نزعة اتهامية للتقرير ذاته. ولكن هذه النزعة خرجت عن حد التناول الأكاديمي والمنهجي، إلى التناول السياسي، واختلطت السجالات السياسية بالحوار الأكاديمي، وانتقلت ساحته من المجالات الأكاديمية إلى مجالات إعلامية وصحافة سيارة.

وهذا ما حدا بالدكتور نادر فرجاني (المؤلف الرئيسي للتقريرين) للرد في برنامج لقناة الجزيرة الفضائية، ومقال مهم في صحيفة الحياة، يحاول تبديد الظلال الأيدلوجية والتسييسية التي صارت تلفّه بعد إعلان “مشروع الشرق الأوسط الكبير”.

وصدّر فرجاني مداخلته “بأن الشيطان حتى يصل إلى غرضه الخبيث قد يتلو آيات من الإنجيل”، في إشارة منه إلى إساءة استخدام التقريرين من قبل الولايات المتحدة الأمريكية في مشروعها.

وأكّد في مقالته في صحيفة الحياة الصادرة في 19/2/2004.. أن المشروع الأمريكي في استناده على ما توصل إليه تقرير التنمية الإنسانية العربية من نواقص في المجتمع العربي كان يستجدي المصداقية التي يفتقدها هذا المشروع، وأنه أساء استغلال التقرير، وأن المشروع الأمريكي إنما هو محاولة مكشوفة لتوريط أوربا في المخططات الأمريكية.

إلا أن بعض الباحثين العرب لا يزال يرى أن تقريري التنمية الإنسانية العربية لعامي 2002 و2003 قد زود أمريكا وكذا أوربا بمادة خصبة لاستخدامها في طرح مشروعاتها من أجل إعادة ترتيب المنطقة العربية بما يخدم مصالح الغرب. وليس أدل على ذلك أن تقرير التنمية الإنسانية العربية قد اعتمد على بيانات وإحصاءات الأمم المتحدة والبنك الدولي، وأجرى مقارنات بين أوضاع البلاد العربية وأوضاع بلدان أخرى  متقدمة، في حين أن هذه المقارنة غير صحيحة، خاصة أن الوطن العربي خضع في مجموعه لاستعمار الدول المتقدمة لفترة طويلة، مما أدى إلى تجميد تطور المجتمع العربي خلال تلك الفترة.

وكذلك اعتمد تقرير التنمية الإنسانية العربية –في رأي البعض- على بيانات غير موضوعية ومضللة لتقرير مؤسسة Freedom House” في مجال تقييم وضع الحريات السياسية في الوطن العربي، وقد استخدم الرئيس الأمريكي عبارات من نفس التقرير في بيانه الذي نص على “أن إسرائيل البلد الوحيد في الشرق الأوسط الذي صُنف بأنه حر..”.

وبالإمكان ضمن هذه المحاولة أن نرصد فئات اتجاهات نقد التقريرين، والتي دارت حول محتواه وقضاياه، ومنهجه، وأدواته، ومرجعيته، وأهدافه ومقاصده.

  • التضليل بالأرقام وبوسائل أخرى.
  • موقع الرؤى الكلية من التقرير وإضفاء الحجية على التقرير (حول الدين والمعرفة).
  • صعوبة تحديد مفاهيم شائعة (إقامة مجتمع المعرفة).
  • التحفظ على مفاهيم التقرير واستخدام بعض الأدوات (التباس المفاهيم والمشروع البديل).
  • التغريب والاغتراب في تقرير التنمية الإنسانية العربية.
  • الداخل والخارج، واختزال العولمة، وظواهر اللاجئين ومناهج التناول.
  • الاقتصاد الريعي وسوء توزيع الدخل.
  • انعكاسات التحصيل العلمي ونقص المعرفة على التنمية الإنسانية.
  • أسباب تأخر الأمة: سؤال معرفي وضرورة منظور حضاري.
  • الاحتياجات النابعة والتابعة. –الأجندة الذاتية والأجندة التابعة.
  • المسكوت عنه في تقرير التنمية الإنسانية.
  • رؤية نقدية حول دعوة تقرير التنمية الإنسانية (2003) إلى صحيح الدين.
  • الخضوع للمنهج السائد في المؤسسات الدولية لرؤيتها للتنمية وطرائق قياسها.
  • تقرير التنمية ومصاعب توصيف الواقع.

ورغم جلاله قدر هذه الانتقادات وحجية استناداتها العلمية والمنهجية، إلا أنها ظلت –إلا قيما ندر- جزئية، تتناول جانباً من هنا أو هناك، ولكن معظم هذه الانتقادات لم يجمعها ناظم معرفي يشكل مستوى مهمّاً في ممارسة الرؤى النقدية والذي يتعلق “بنقد النماذج المعرفية”، والذي يتسم ببناءات معرفية كلية بما يحيل إليه من الرؤى للعالم الكامنة فيها، وأنساق التحليل والتفسير وأنساق عالم المفاهيم، فضلاً عن الأجندة البحثية التي تحددها الإشكالات الأجدر بالتناول التي يفرضها النموذج ويشير إليها.

ضمن هذا المقام يمكن –وعلى هذا المستوى- أن نقدم عناصر أولية لنقد نماذجيًّ معرفي، من خلال النموذج المقاصدي.

تشكل هذه التقارير (التنمية الإنسانية العربية) عملاً علمياً بُذل فيه مجهود بحثي مهم، يشير إلى واقع التنمية الإنسانية، إلا أن علمية هذا التقرير لا تمنع –كما أسلفنا- قابليته للمراجعة.

إن النموذج المقاصدي يحدد الأجندة من خلال الضرورات الثابتة للإنسان، هذه الضرورات تشكل المجالات التي ينصرف إليها العمل التنموي والعمراني بغرض ترقية وعمران الإنسان العربي والمسلم، بل الإنسان في مطلق الإنسانية.

هذه الضرورات تتعلق بمجالات خمسة يقمن كيان الإنسان: الدين والنفس والنسل والعقل والمال

هذه الفئات التي تحرك رؤية للتنمية الإنسانية الحضارية المتكاملة، ومن ثم بدا التقرير ضمن أجندته يحددها من خلال أجندة تابعة لا نابعة، متغيرة حسب الاهتمامات العالمية والعولمية ضمن “موضات” أو “سياسات كونية أو عالمية”. الأجندة التابعة من أخطر المسائل التي تشير إلى نموذج معرفي كامن لا يرى في عناصر الاهتمام أو حركة الإصلاح إلا ضمن قضايا وإشكالات أجدر في التناول فيه، صناعة الاهتمام، وصناعة الصورة، وصناعة الإشكالات والقضايا، ضمن عملية تصنيع كبرى يمكن أن تدخل في باب التوهمات أكثر من دخولها في باب الضرورات والإشكالات الحقيقية.

وإذا كان هذا أمر المجالات –وخلل التصور فيه- وخريطة الضرورات والحاجيات الثابتة أو أقرب إلى ذلك والنابعة، فإن الخلل كذلك يطول ميزان الأولويات، وعملية الموازنات والترجيح عند التزاحم، عمليات مهمة حينما نتحدث عن “مجتمع المعرفة” على نسق استخدام المجتمعات الغربية وإهمال أو إغفال أو تهميش القضايا الحقيقية في “الأمية الأبجدية”، و”الأمية الثقافية”، و”الأمية الدينية”، المشاكل التي تتعلق بغزو الأفكار (القاتلة) التي تهدم كيان المجتمع وكيان الفرد، هذا مجتمع المعرفة الذي نريد، يتحرك ضمن ضرورات الكيان وحاجاته النابعة.

إن تسميم سلم الأولويات والخلل النابع عنه وفيه، إنما يدخل في عملية “صناعة الحاجات ضمن نظرية الاستهلاك”، قد يؤكد ذلك المفارقةَ والفجوةَ بين معايير الجودة العلمية في التعليم وحال مدارسنا وجامعاتنا الحقيقي الذي يؤكد عناصر أزمة بنيانية في المجال التعليمي، وكذلك الهوة بين مجتمع المعرفة وموضات “الحكومة الإلكترونية”، والتي تشير إلى “نظام للعمل والأداء والإنجاز” وحالة من الظواهر العشوائية. إن المشكلة الحقيقية: المنظومية في مجتمعات عشوائية.

وتصيبني حالة من الفكاهة السياسية حينما نرى الإعلان عن أجهزة حاسوب ضمن شعار “كومبيوتر لكل مواطن” ضمن عملية نفاق شديد، وحجابٍ خطير لكمّ المشاكل الحقيقية في إعلان تلفزيوني فيه: “يتخطف فلاحو مصر -منتهزين الفرصة- الكومبيوتر المقسّط”، في إطار مسخِ الكلمات: “افتح الويندوز يا عمدة”، “يابنت Shutdown”. نموذج مريب لصناعة حاجات متوهَّمة، وبناء صورة غير حقيقية، تتعامل مع فكرة “التمثيل” بكل قُبحها.

وإذا كان هذا أمر المجالات والأولويات، فإن نظرية الحفظ قد تحيلنا إلى ضرورة بناء مؤشرات الحفظ الحقيقية، والتي تدل على مستويات الحفظ المختلفة (حفظ الابتداء- وحفظ البقاء- وحفظ البناء، وحفظ الأداء، وحفظ الارتقاء والنماء)، عمليات بعضها من بعض، وتحرك عناصر مؤشرات للحفظ السلبي (دفع المضرة) ضمن معالجات تتعلق بإدارة الأزمات على سبيل المثال، والحفظ الإيجابي (جلب المنفعة).

ومن المهم كذلك أن نشير إلى الطريقة التي يحيلنا إليها النموذج المقاصدي في وصف ورصد الواقع والتعرف على قسماته الأساسية (المجال النوعي، المجال الإنساني، الزماني، المكاني..) وطرائق التعامل معه بالقياس. إن نفي القضايا من خلال عدم صلاحيتها أو عدم قابليتها للقياس عمل لامنهجي قد يتحكم في عملية اختيار القضايا وطرائق دراستها.

إن عمليات الانتقاء في وصف الواقع وأزماته ومشكلاته وتقديم الحلول لها ليست عمليات تتعلق بهوى الباحثين، ولكن من المهم أن نملك معايير في تحديد أوزانها وتسكينها ضمن خريطة قراءة الواقع.

إن عمليات الاجتزاء التي تصل إلى حد التقسيم للقضايا من مثل الاهتمام بعملية ما أُسمى “تمكين المرأة”، إنما يعبر عن خيارات عولمية. دراسة الأسرة كوحدة تحليل والاهتمام بالأسرة في العملية الإنمائية، والبحث عن فاعليات المرأة الحقيقية في بناء الأمة والمجتمع.

إن اتباع أجندة تابعة في بنودها ومحاولة الإيحاء بواقع موجود لها، أو استثمار بعض مؤشرات الواقع، ثم البحث في عملية الإصلاح لهذه المشكلات، إنما يعبر عن إصلاح مخروق أو -في أحسن الأحوال- هامشٍ يتغاضى عن مفاصل المشاكل الحقيقية وإصلاح متوهّم، أو الإصلاح المخروق كما يشير إلى ذلك مصطفى صادق الرافعي. إن ذلك قد يعد في أحد مساراته الترويج لنمط إصلاحي بعينه، واختيار نموذج ما من النماذج التنموية.

كذلك من الضروري رؤية الواقع ضمن وسط عشوائي تتحرك فيه الظواهر، كما أنه من الضروري تفحص عناصر التشوّه الهيكلي في نماذج التنمية، والبحث في شرعية النظم العربية تكويناً وممارسة، وليس مجرد التأشير عليها بالحريات السياسية. كذلك فإنه من الضروري النظر في عناصر التشوّه الهيكلي وفي السياسات المتعلقة بالنظام الدولي المتحكم في عمليات التنمية. إن النظم التي تتحرك صوب حراسة التخلف وإهدار الإمكانية تترافق مع نظام دولي يحرس في كثير من المؤسسات المتحكمة به تنمية التخلف، أو إضفاء طابع تنموي مظهري تدل على ذلك مبيعات السلاح، وافتعال الصراعات، وغير ذلك كثير مما يجب الوقوف عنده والبصر به وبتأثيراته.

وفي سياق النقد المعرفي لهذا التقرير ورغم ما دافعَ به مؤلف التقرير (د. نادر فرجاني) عن استخدامه وإساءة استخدامه من جانب “مشروع الشرق الأوسط الكبير”، فإن منهج التقرير وقضاياه وأجندته، كانت من نفس اهتمامات الغرب ومنتوجاته المعرفية والعلمية والاجتماعية، وهو ما لاقى توافقاً على الأقل في الموضوعات والتوجّهات…. وهي أمور يجب الفطنة إليها.

ولنتخيل أن التقرير قد دَعَى إلى مقاومة التبعية الخارجية والبيئة الدولية والداخلية، وتمكين هذه الدول لبعض أنظمة استبدادية، فإن بوش لم يكن ليفكر في أن يستند إليه في مقولاته أو أفكاره حول الشرق الأوسط الكبير، ويجعله واحداً من شبكة إسناداته المرجعية.

ومن المهم كذلك أن نشير إلى نقدٍ يحيل المنظومة الإنسانية إلى اليأس، ونقد يدفع إلى النفير والتعامل مع مشكلات الأمة الحقيقية، ضمن خريطة أولويات مبينة ومحددة وضمن وصف لمفاصل الواقع وخريطته بدقة والتعامل معها بالمناهج والأدوات اللائقة.

خاتمة: نحو بناء مقاصدي لتقرير الإنماء العربي والإسلامي: “تقرير النفير”

محاولة لاقتراح معمار لتقرير بديل

ضمن هذا التصور المقاصدى الذي يسهم في وضع أجندة للبحث والاهتمام، ويحدد ويعين الإشكالات الأجدر بالتناول، يمكن هندسة التقرير في خمسة أقسام:

الأول- يتعلق بحفظ الأصول المتعلقة بالأنساق الدينية والسياسات المتعلقة به (السياسات –المؤسسات) – المكانة العالمية ضمن رؤية العالم الكلية- الحالة القيمية والأخلاقية –العناصر التربوية المتعلقة بالدين- الحالة الدينية والعناصر التي تشير إلى “الأمة” في هذا المجال.

الثاني- حفظ الأصول المتعلقة بإنماء النفس وعمرانها (الحقوق الفردية التأسيسية)، محاولة تأسيس رؤية قياسية لمؤشرات الكرامة الإنسانية – التنمية الأخلاقية والنفسية البشرية، الإطار المادي للحاجات والضرورات الأساسية (المسكن والمطعم والأمن).

مؤشرات بناء نفسية العزة، ونفسية المجاهد القادر على الممانعة والمواجهة. البحث في أحوال البناء النفسي للأمة (الوهن) و(العزة).

الثالث- حفظ الأصول المتعلقة بتنمية النسل وعمرانه، وتحويل الكمّ إلى نوع يحقق قيمة إضافية للأمة، مؤشرات الكثرة الغثائية في الأمة، عناصر التنمية البشرية الحافظة للنسل، حقيقة النظرة المالتوسية للسكان والنسل وإعفاء النظم من قياسات الأداء والإنجاز، الأسرة وعمليات التمكين، الحالة الاجتماعية وآثارها في عملية العمران والإنماء البشري –رصد الظواهر الصاعدة في الكيان الاجتماعي والجماعي (التفكك الأسري- تبدل أنماط وعقود الزواج – عمليات الإدمان وتدمير إضافة النسل النوعي للطاقة البشرية والفعالية التنموية)، عمليات التنشئة وفق المعايير التي تحدد السياسات المتبعة ومدى فاعليتها في تحويل الإضافة الكمية لإضافة نوعية.

الرابع- حفظ الأصول المتعلقة بإنماء وعمران العقل، في إطار البحث في الحالة الفكرية والثقافية والعلمية والبحث العلمي، والإعلام، وثورة الاتصال والمعلومات، الحالة العقلية ومناهج التفكير ضمن دراسات كيفية –تنمية القدرات والأصول العقلية، الذاكرة التراثية والحضارية وإحياء التراث الناهض بالأمة- الوعي الجماعي ومؤشراته الداعمة للذاكرة الجماعية، دراسة أنماط الخطاب حول الإشكالات المختلفة، دراسة عالم المفاهيم والأفكار والخرائط الفكرية وتوجهاتها ومساراتها، دراسة عالم الرموز والشعارات، دراسة السياسات الثقافية وتوجهاتها، والبحث في تأسيس ثقافة التنمية، والتثقيف العمراني، والجانب المعنوي المتعلق بالأمة، الرسالة الحضارية والوظيفة المعنوية، التكوين الثقافي والعقلي لفُتوّة الأمة (الشباب)، الشباب وتمكين الأمة.

الخامس- الحفظ المتعلق بالأصول المادية وعالم الإمكانيات المؤسسة لعمليتي الإنماء والعمران: “حفظ المال” عنوان رمزي على عالم الإمكانات المادية وإمكانات استثمارها، وحال هدرها والحاجات الأساسية وقدرات تحقيقها –عمليات الإنجاز المتعلقة بالتنمية الاقتصادية، السياسات التوزيعية وعناصر العدل الاجتماعي:

  • ضرورة إعمال نظرية الحفظ ضمن مؤشرات كمّية في إطار توليد مقاييس متكاملة ومتكافلة ومتساندة.
  • إمكانات الخروج من نموذج “اللهو بالتكاثر” في التأشير لقياس التنمية (تقويض النموذج المقاصدي)، النموذج المقاصدي يمكن تفعيله: كنموذج إرشادي، نموذج وصفي ورصدي، نموذج تقويمي.
  • ميزان الألويات ومحاولة التعرف على القضايا الجوهرية: الوزن – الأولوية، معايير الوزن، وذلك ضمن محاولات بحثية كمية وكيفية.
  • منظومة الضرورات والمعايير المحدّدة للضروري (مقولة ابن القيم: إعطاء الواجب حقه من الواقع والواقع حكمه من الواجب).
  • ملاحق: خرائط وجداول الوهن – خرائط الإمكانات – خرائط الهدر – نماذج الفاعلية وإمكانات الإصلاح – النماذج الانتفاضية والمقاوِمة والنموذج العمراني ونماذج عقلية العزة.

الأمة في العالم: الجداول الإحصائية – الأقليات المسلمة رصد المشاكل والقدرات.

العالم في الأمة: عالم الأحداث، الأفكار، الأشخاص، الأشياء، النظم، الرموز.

الأمة في التقارير الدولية: محاولات لإرساء منظور نقدي.

المتابعة الدائمة لقضايا القدس والصراع العربي/الإسرائيلي.

هذه بعض من مقترحات حول بناء “تقرير النفير” الذي يهدف إلى استنفار طاقات الأمة، ويكشف عن مصادر طاقاتها الحقيقية، ويقدم العوائق التي تتمثل في مظاهر يجب رصدها من دوائر الضرر والضرار في الأمة. من المهم أن تقوم عليه مؤسسات قاصدة الأمة ونهوضها.

وفي النهاية فإن هذا البحث المفتوح حول التنمية من منظور مقاصدي، ربما كان من الواجب فيه استدعاء مقاربات أخرى، ومحاولة إقامة الجدل فيما بينها، والَجدْل بينها ونسجها، إلا أن الوقت والمقام لا يتسعان لذلك.

 مراجع البحث

  1. سيف الدين عبد الفتاح، مدخل القيم: إطار مرجعي لدراسة العلاقات الدولية في الإسلام، الجزء الثاني من مشروع العلاقات الدولية في الإسلام ( نادية مصطفى: مشرف عام)، (القاهرة، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1419هـ/ 1999م)، أصول الفقه الحضاري 275-279، النموذج المقاصدي 447-547.
  2. سيف الدين عبد الفتاح، دراسة الظاهرة السياسية من منظور إسلامي (النموذج المقاصدي: حالة بحثية)؛ بحث مقدم إلى الندوة المصرية-الفرنسية التاسعة : “العلوم السياسية والاجتماعية: الآفاق والتوقعات”، (القاهرة: 19-21 فبراير 2000).
  3. سيف الدين عبد الفتاح، المدخل المقاصدي وفقه الواقع، في بحوث ومناقشات الندوة الدولية الافتتاحية لمركز الأمير عبد المحسن بن جلوي للبحوث والدراسات الإسلامية بعنوان (نحو فقه سديد لواقع أمتنا المعاصر)، الشارقة، أكتوبر 2002م،/ شعبان 1423هـ.
  4. سيف الدين عبد الفتاح، مدخل لفهم “فتاوى الأمة”، حولية أمتي في العالم، العدد الخامس، الجزء الأول، (القاهرة: مركز الحضارة والدراسات السياسية، 1424هـ/ 2003م)، ص ص 535- 594.
  5. سيف الدين عبد الفتاح، الإسلام والتنمية، ضمن: المساعدات الخارجية والتنمية في العالم العربي رؤية من منظور عربي وإسلامي، تحرير: محمد صفي الدين خربوش، (عمان، الأردن، المركز العلمي للدراسات السياسية، 2004)، ص ص 11-70.
  6. سيف الدين عبد الفتاح، الإشكالات النظرية للعلاقة بين الإسلام والتنمية في آسيا، ضمن الإسلام والتنمية في آسيا، تحرير: ماجدة علي صالح، القاهرة، مركز الدراسات الآسيوية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، (جامعة القاهرة، 1999)، ص ص 19-80.
مقاصد ومعايير التنمية رؤية تأصيلية من المنظور المقاصدي (1)

مقاصد ومعايير التنمية رؤية تأصيلية من المنظور المقاصدي (1)

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close