الخليجترجمات

مقتل خاشقجي والصراع داخل الأسرة السعودية

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

نشرت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية الثلاثاء 27 نوفمبر 2018، مقالاً لديفيد اجناتيوس، المتخصص في الكتابة عن الشؤون الخارجية في الصحيفة، وذلك بعنوان: “مقتل خاشقجي يعود إلى صراع شرس داخل الأسرة السعودية”. وقد قام المعهد المصري بترجمته كاملاً على النحو التالي:

يرجع القتل الوحشي الذي تعرض له جمال خاشقجي داخل قنصلية بلاده بإسطنبول اكتوبر الماضي إلى الصراع المحتدم على السلطة داخل العائلة الحاكمة السعودية، وهو ما ساعد على تغذية جنون العظمة والتهور لدى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وأدى في النهاية إلى مقتل خاشقجي وتقطيع جثته.

بدأت المشاهد الأولى لهذا الصراع العائلي تظهر في يناير 2015 داخل جناح خاص بكبار الشخصيات بمستشفى بالرياض، بينما كان الملك عبد الله في فراش الموت. ووفقاً لشهادة أدلى بها أحد السعوديين الذين كانوا داخل المستشفى آنذاك، فإن أبناء الملك عبد الله وحاشيته تأخروا قليلاً في إبلاغ الأمير سلمان بن عبد العزيز، ولي العهد حينها، بأن الملك قد فارق الحياة – ربما حدث ذلك عن عمد أملاً في السيطرة على خزينة المال المحفوظة داخل البلاط الملكي لضمان استحواذ جناح الملك عبد الله داخل العائلة الحاكمة على مواقع أكثر قوة.

ويُشبه الصراع الشرس الدائر داخل أسرة آل سعود خلال السنوات التالية إلى حد كبير أحداث المسلسل الخيالي “لعبة العروش”. وامتدت تداعيات هذا الصراع إلى الولايات المتحدة والصين وسويسرا وبلدان أخرى، حيث كان أقوى جناحين داخل العائلة المالكة يتنافسان من أجل السيطرة على السلطة. ومع تصاعد التوتر، تجرأت عناصر داخل البلاط الملكي حول محمد بن سلمان، الابن المدلل للملك الجديد، على محاولة اختطاف أحد أعضاء جناح الملك الراحل عبد الله في بكين في عملية شديدة العدوانية وقعت في أغسطس 2016، والتي ظهرت وكأنها محاكاة لمشهد مثير من أحد أفلام التجسس.

وشيئاً فشيئاً أخذ غضب وعدوانية محمد بن سلمان يتصاعد تجاه أولئك الذين اعتبرهم أعداء له في السلطة. وابتداء من ربيع عام 2017، شرع فريق من عملاء الاستخبارات السعودية، وثيق الصلة بالبلاط الملكي، في ترتيب عمليات لخطف المعارضين في الخارج والداخل، وذلك وفقا لتصريحات أدلى بها خبراء أمريكيون وسعوديون. وكان المعتقلون يُحتجزون في مواقع سرية. واستخدم السعوديون مع المعتقلين أساليب استجواب شديدة القسوة، وهو تعبير لطيف يستخدم للدلالة على التعذيب، من أجل انتزاع الاعترافات منهم. وكانوا أيضاً يُجبرون على التوقيع على تعهدات بعدم الكشف عن تفاصيل ما حدث معهم أثناء الاحتجاز، وإلا فإنهم سيدفعون ثمناً باهظاً مقابل ذلك.

وقد رُويت هذه الدراما الواقعية لي بشكل مباشر أثناء إجرائي لسلسلة من المقابلات الصحفية مع خبراء بارزين من السعوديين والأمريكيين والأوروبيين، في الولايات المتحدة وخارجها، خلال الأسابيع التي تلت وفاة خاشقجي. وكان لدى هذه المصادر معرفة مباشرة بالأحداث ولكنهم طلبوا عدم الكشف عن هويتهم لحساسية الأمر على المستوى الدولي. وتم التأكد من دقة هذه المعلومات من خلال مصادر أمريكية عليمة. وهو ما يساعد في تفسير هذه الدوامة من الغضب وغياب القانون، والتي أدت في النهاية إلى القتل الوحشي لجمال خاشقجي، الصحفي السعودي الذي كان يكتب مقالات رأي في الواشنطون بوست عن الشؤون الخارجية، عندما دخل قنصلية بلاده في اسطنبول في الثاني من أكتوبر الماضي.

وخلاصة القول، بالنسبة إلى الخبراء الأمريكيين والسعوديين الذين راجعوا النتائج الاستخباراتية، أن: خاشقجي قُتل على يد فريق أُرسل من البلاط الملكي في الرياض، وهو جزء من مجموعة تم إعدادها قبل 18 شهراً من أجل التنفيذ السريع لمثل هذه المهمات. وقد استفز نشاط خاشقجي الصحفي وعلاقاته بقطر وتركيا ولي العهد السعودي الذي كانت توجهات حكمه المطلق تزداد ضراوة، فأصدر في يوليو 2018 أمراً “بإعادته” للمملكة، وهو أمر لم تفهم مغزاه أجهزة المخابرات بالولايات المتحدة سوى بعد ثلاثة أشهر، بعد اختفاء خاشقجي في قنصلية بلاده بإسطنبول.

وقد راقبت الولايات المتحدة عن كثب هذه الحرب الداخلية الوحشية في الأسرة الحاكمة. حيث أصبح جاريد كوشنير، صهر ومستشار الرئيس ترامب، مستشاراً مقرباً من محمد بن سلمان. وزار كوشنر بن سلمان في أواخر أكتوبر 2017 في رحلة خاصة، لم يكشف أي منهما عن أي تفاصيل حول المحادثات التي تمت بينهما حينها، ولكنه يُرجح أنها تناولت المكائد والصراعات الدائرة داخل العائلة المالكة. وبعد أسبوع من زيارة كوشنر للسعودية، في الرابع من نوفمبر، قام بن سلمان بترتيب ما يمكن وصفه بأنه كان انقلاباً داخلياً في العائلة المالكة، فقام باعتقال أكثر من 200 من الأمراء السعوديين ورجال الأعمال واحتجزهم في فندق ريتز كارلتون في الرياض. وقد تم التخطيط لهذه الاعتقالات بعناية من قِبل أقرب الموالين لمحمد بن سلمان داخل البلاط الملكي.

وجاء على رأس قائمة أعداء بن سلمان في انقلاب فندق ريتز كارلتون الأمير تركي بن ​​عبد الله، وهو الابن الطموح للملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز، والذي قام في وقت سابق بالتعبير عن مخاوفه بشأن قرارات بن سلمان الخاطئة أثناء اتصالات له بالمسئولين في الولايات المتحدة والصين. ولا يزال الأمير تركي قيد الاحتجاز حتى الآن، وتوفي كبير مساعديه العسكريين، اللواء علي القحطاني، أثناء احتجازه في فندق ريتز كارلتون في العام الماضي.

الصراع على وراثة العرش

بدأت الدسائس والمؤامرات تُحاك داخل القصر في مطلع يناير 2015، عندما شهدت الحالة الصحية للملك عبد الله تدهوراً كبيراً – حيث كان قد أصيب قبلها بعام واحد بسرطان الرئة وفقاً لتشخيصات تداولتها آنذاك تقارير إخبارية. فتم نقله على الفور بواسطة طائرة هليكوبتر من منتجعه الصحراوي في روضة خريم إلى جناح لكبار الشخصيات في مستشفى الحرس الوطني السعودي بالرياض، محاطاً بأبنائه ومساعديه في القصر. وعندما دخل الملك في غيبوبة، حاول البلاط الملكي الحفاظ على التطورات الجديدة لمرضه القاتل بعيداً عن الأضواء في ظل تكهنات كثيرة تحيط بمسألة وراثة العرش، بما في ذلك احتمالية أن يصبح ابن الملك عبد الله، الأمير متعب، رئيس الحرس الوطني، هو الملك الجديد.

وعندما جاء الأمير سلمان بن عبد العزيز، ولي العهد حينها، إلى المستشفى في 23 يناير، سأل الحاضرين قائلاً: “أين أخي؟”، فأخبره خالد التويجري، رئيس الديوان الملكي آنذاك والمؤتمن على أموال الأسرة المالكة، أن الملك عبد الله “مستريح” في سريره، بينما كان عبد الله في الواقع قد فارق الحياة، وفقا لرواية سعودي كان متواجداً بالمستشفى في ذلك الوقت لكنه طلب عدم ذكر اسمه. وعندما علم الملك الجديد سلمان بالحقيقة، غضب غضباً شديداً، وقام بتوجيه لطمات شديدة لرئيس الديوان الملكي خالد التويجري تردد صدى وقعها في جميع أرجاء ممر الجناح الذي كان يرقد فيه عبد الله داخل المستشفى. وقد تم إقالة التويجري من منصبه بعد ذلك وكان ضمن من تم توقيفهم واحتجازهم في فندق ريتز كارلتون في نوفمبر 2017؛ وهو الآن يخضع لما يمكن وصفه بالإقامة الجبرية، بعد سداده للجزء الأكبر من الأموال التي جمعها بشكل غير شرعي في عهد الملك عبد الله، حسبما أفادت مصادر سعودية بذلك.

ويقول طارق عبيد، وهو مسؤول تنفيذي في مجال الأعمال في السعودية وكان يقدم المشورة لمعسكر الملك عبد الله داخل الأسرة المالكة: “لقد جرّ خالد التويجري الويلات على أبناء الملك عبد الله”.

كان أفراد العائلة المالكة يتجسسون على بعضهم البعض بينما كان صراع على خلافة العرش يلوح في الأفق. وقد صرح أحد أبناء الملك عبد الله بأنه كان يتم التنصت على هواتف العديد من كبار الأمراء. ومن جهتهم قام معسكر عبد الله في القصر بشراء جهاز صيني الصنع يمكنه الكشف بشكل خفي عن معلومات سرية عن الهواتف في نطاق 100 ياردة دون الحاجة للوصول إلى تلك الهواتف بشكل مباشر. كانت أجهزة المراقبة تُخبأ في طفايات السجائر وغيرها من الأدوات المتناثرة حول القصور في الرياض بهدف التجسس على ما يُحاك من مؤامرات سياسية ونقل ما يتردد بين أفراد العائلة من القيل والقال.

وكان سعود القحطاني – وهو محام سابق متعطش للمال وعضو سابق في القوات الجوية – شديد الولع بممارسة القرصنة ومراقبة وسائل التواصل الاجتماعي؛ وساعد الملك سلمان وابنه محمد بن سلمان في تعزيز سلطتهما خلال الأشهر الأولى من تولي سلمان للسلطة. كان معسكر سلمان يشك في البداية في القحطاني لأنه كان قد عمل مع التويجري كأحد مساعديه في البلاط الملكي منذ أوائل العقد الأول من القرن الحالي. وتم حينها استجواب القحطاني وتعرض للضرب في الأيام الأولى من صعود سلمان على العرش، حسب تصريحات أدلى بها مصدر مطلع من داخل القصر. لكن سرعان ما أثبت القحطاني ولاءه لمحمد بن سلمان، ودعمه في سعيه للانتقام ممن يتصور أنهم أعداءه.

وبصفته مديراً لمركز الدراسات والشؤون الإعلامية بالبلاط الملكي، كان القحطاني يُغذي باستمرار شكوك بن سلمان حول المنافسين المحتملين له والمخططين للانقلاب عليه. حيث حرص القحطاني على جمع ما يلزمه من الأدوات والأسلحة السيبرانية لاستخدامها نيابة عن محمد بن سلمان في التجسس على خصومه. ففي يونيو 2015، تواصل مع مجموعة إيطالية غامضة تعرف باسم “فريق القرصنة” من أجل الحصول على أدوات سرية لمراقبة الإنترنت. وفي 29 يونيو 2015، بعث القحطاني برسالة لرئيس فريق القرصنة قال فيها: “إن الديوان الملكي السعودي (مكتب الملك) يود أن يدخل في تعاون مثمر معكم وأن يطور شراكة طويلة واستراتيجية معكم”.

وقد خلص المحققون السعوديون والأمريكيون إلى أن القحطاني، بصفته قائداً للعمليات المتعلقة بالمعلومات، قد ساعد في ترتيب جريمة قتل خاشقجي.

سياسة العائلة المالكة

بدأ فريق الملك سلمان ممارسة سياسات متشددة داخل الأسرة الحاكمة منذ الأسبوع الأول من توليه السلطة. ففي أواخر يناير 2015، أزاح مرسوم ملكي اثنين من أبناء الملك السابق عبد الله، تركي ومشعل، عن إمارتي الرياض ومكة على التوالي. وترك هذا الإجراء جرحاً لم يندمل أبداً. وتم تنصيب بن سلمان، 29 سنة فقط آنذاك، كوزير للدفاع. وعُين محمد بن نايف، الابن الوديع لوزير الداخلية السابق القوي، والمفضل لدى وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، نائبا لولي العهد الامير مقرن بن عبد العزيز الذي كان رئيساً سابقاً للمخابرات السعودية.

قام سلمان وولده محمد بن سلمان بتشديد سيطرتهم على مقاليد الأمور في أبريل 2015. فتم إزاحة الأمير مقرن كولي للعهد ليحل محله محمد بن نايف. (وبعد مرور عام على ذلك، أعطى الملك لـ “مقرن” يختاً فاخراً بطول 280 قدماً كهدية وداع … بالإضافة إلى امتيازات وإكراميات أخرى، وفقاً لسعودي على دراية بما يجري داخل العائلة). وأصبح محمد بن سلمان بعد ذلك نائباً لولي العهد، ليدخل رسمياً على خط خلافة العرش.

وعلى الرغم من عدم بلوغه 30 عاماً في ذلك الوقت، كان محمد بن سلمان شخصاً مكيافيلياً يهدف للوصول إلى أهدافه بأي وسيلة كانت، وكان ممن شجعوه على ذلك النهج محمد بن زايد، ولي عهد أبو ظبي والرئيس الفعلي للإمارات العربية المتحدة، والشيخ طحنون بن زايد، وهو مسؤول رفيع في المخابرات الإماراتية قام بزيارات متكررة لليخت الذي يمتلكه محمد بن سلمان في عطلات نهاية الأسبوع خلال العام الأول من تولي المنصب. كان محمد بن سلمان معروفاً في الرياض بأنه شخصية متهورة، حيث قام في أيام صباه بتهديد أحد المسؤولين عن تسجيل الأراضي كان يرفض نقل ملكية قطعة أرض كان الأمير الشاب يريدها، وذلك من خلال إطلاق طلقات رصاص تحذيرية في الهواء لإخافته.

وفي حين أعلن محمد بن سلمان رغبته في تطوير المملكة، إلا أنه كان أيضاً مصاباً بجنون العظمة وكان شديد الريبة تجاه خصومه، مثل أبناء الملك عبد الله، وكذلك محمد بن نايف؛ وفيما بعد، تصاعدت شكوكه حول التهديد الذي يمكن أن يمثله الصحفي خاشقجي الذي لا يخضع لرقابته.

كان من المفترض أن تُمثل علامتا تحذير ظهرتا في سبتمبر 2015 تنبيهاً واضحاً للمراقبين بأن محمد بن سلمان كان “أميراً سعودياً يمكنه أن ينطلق بالمملكة للأمام – أو أن يقودها إلى الهاوية”، كما جاء في عنوان مقال لي كتبته عام 2016:

– كان جوزيف ويستفال، السفير الأمريكي في الرياض، قد سافر في ذلك الشهر إلى جده، يريد مقابلة محمد بن نايف، ولكنه تم تحويل مساره في المطار وتم دفعه لمقابلة محمد بن سلمان بدلاً من ذلك – مما أثار التساؤلات حينها حول ولي العهد الفعلي للبلاد.

– وفي نفس الشهر، زار مسؤول مخابرات سعودي قديم يدعى سعد الجابري مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية آنذاك جون برينان في واشنطن، خلال زيارة خاصة للولايات المتحدة. ولأن الجابري، الذي كان مستشاراً مقرباً لمحمد بن نايف، لم يخبر سلمان عن تلك الرحلة، فقد تم طرده من منصبه لدى عودته مباشرة، وهو الآن يعيش في المنفى.

كان أفراد جناح عبد الله يراقبون محمد بن سلمان وهو يُحكم قبضته على مقاليد السلطة التي كانت في أيديهم يوماً ما. ويُذكر أن برينان وأعضاء آخرين في إدارة أوباما كانوا غير مرتاحين بشأن محمد بن سلمان. وتعاقدت مجموعة من أبناء الملك عبد الله مع شركة استشارية استراتيجية رائدة في واشنطن، لجمع معلومات حول الديناميكية الجديدة في العلاقات الأمريكية السعودية.

كانت اللقاءات في هذا الصدد بمثابة مؤامرة سرية، كما كان يتصورها محمد بن سلمان. فعلى مدى عدة أيام في مايو 2016، التقى الأمير تركي بن ​​عبد الله وأقرب مستشاريه، رجل الأعمال السعودي طارق عبيد، بمجموعة من مسؤولي وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ووزارة الخارجية السابقين في جناح بفندق فورسيزونز في جورجتاون. وقد رافقهم في ذلك اللواء علي القحطاني، المستشار العسكري والحارس الشخصي لتركي وأبناء الملك الراحل الملك عبد الله – وقد لقي علي القحطاني حتفه في العام التالي بعد احتجازه في فندق ريتز كارلتون بالرياض.

وقد التقيت بالمجموعة ذاتها في هذا الفندق أيضاً، عندما كنت أجمع المعلومات عن الملف الشخصي الذي كنت أكتبه عن محمد بن سلمان. أتذكر أن الأمير تركي كان حذرا في تعليقاته. وأعرب عن قلقه إزاء الحاجة إلى مزيد من التوازن في السياسة السعودية، لكنه لم يقترح أي تغييرات في الحكم.

ووصف عبيد، في مقابلة أجريت معه، الاتصالات التي أجراها تركي بن عبد الله في مايو 2016 بواشنطن قائلاً: “كانت الاجتماعات هذه من أجل الحصول على تقييم استراتيجي حول وجهات نظر الولايات المتحدة عن المملكة ومكانتها، من خلال مسؤولي الدفاع والأمن القومي المطلعين في الولايات المتحدة”.

جاء محمد بن سلمان إلى واشنطن في الشهر التالي، في يونيو 2016، من أجل لقاء الرئيس باراك أوباما ومسؤولين آخرين. وحتى ذلك الحين، كانت الإدارة الأمريكية محايدة بشكل مدروس تجاه التوتر المتصاعد في العائلة المالكة، في ظل وقوف ولي العهد ونائبه في مسارات شبه تصادمية أمام بعضهما البعض. لكن أوباما كان منبهراً برؤية بن سلمان للسعودية 2030التي جلبها معه وخططه عن الطاقة التي كانت على رأس أجندته الإصلاحية. وبعد زيارة يونيو هذه، كانت الولايات المتحدة تميل نحو الأمير الشاب الذي كان يحمل توجهات إصلاحية.

لعبة السلطة

احتفظت أسرة عبد الله ببعض العلاقات الخارجية المهمة، خاصة في آسيا. وفي عام 2016، أصبحت تلك الأمور متشابكة بشكل كبير مع أجندة محمد بن سلمان الخارجية.

سافر خالد عبيد إلى شانغهاي في يوليو 2016، للتحضير لمشاركة تركي بن ​​عبد الله في اجتماع المنتدى المالي الدولي، الذي كان سيعقد هناك في سبتمبر، قبل أيام قليلة من موعد اجتماع قمة العشرين الذي كان سيعقد في هانغتشو. وحيث كان محمد بن سلمان سيحضر قمة مجموعة العشرين، فإن خطة تركى لحضور اجتماع المنتدى المالي الدولي حملت إشارة إلى التنافس الدائر داخل السعودية. وأقام عبيد في جناح بفندق في شبه الجزيرة الصينية، وكان في الغرفة المجاورة له يقيم اللواء علي القحطاني.

ثم بدأت الأمور تتخذ منحىً مثيراً للقلق، ونقلت هذه الأحداث عدة مصادر سعودية وسويسرية وأمريكية:

كان عبيد هو مبعوث الأمير تركي في مشروع تجاري مهم. وكان تركي قد وافق على استثمار ما لا يقل عن عشرة ملايين دولار في صندوق تنمية يطلق عليه “مجموعة تمويل طريق الحرير”، يديره “شان لي” وهو رئيس تنفيذي للمجموعة كان قد تخرج من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، حسب المعلومات المتاحة على الموقع الإلكتروني للمجموعة. وكان تشن يوان، وهو زعيم صيني رفيع المستوى، يقف وراء مبادرة طريق الحرير، حيث كان قد ترأس بنك التنمية الصيني في الفترة من 1998 إلى 2013 وكان والده كذلك أحد مؤسسي الحزب الشيوعي الصيني.

وعندما سافر عبيد إلى بكين في أوائل أغسطس 2016 للتفاوض على شروط استثمار الأمير تركي هناك، كان عليه حضور لقاء كبير في فندق بارك حياة الفخم، حيث دعاه جون ثورنتون، رئيس مجموعة تمويل طريق الحرير، للاجتماع معه على العشاء هناك. كما دعا ثورنتون مايكل كلاين، وهو مصرفي استثماري في نيويورك، أُشيع في ذلك الحين أنه كان مستشاراً رئيسياً لمحمد بن سلمان في خطته لجمع ما يصل إلى 100 مليار دولار من خلال طرح عام أولي لبعض أسهم شركة أرامكو السعودية – لمواجهة أزمة الميزانية في المملكة الناتجة عن انخفاض أسعار النفط. (عموماً، لم يتمكن كلاين من تمثيل المملكة في هذه الصفقة، وأُسندت المهمة حينها إلى مصرفيين آخرين). التقى كلاين مع عبيد لفترة وجيزة ثم غادر، حسب إفادة المتحدثة باسمه وثورنتون.

وخلال اجتماع فندق بارك حياة مع مجموعة تمويل طريق الحرير، حذر عبيد من الاكتتاب العام في شركة أرامكو السعودية من خلال فرض معايير الإفصاح الغربية، وأعرب عن تخوفه من أن يكون لهذه الخطوة تأثير كبير على الأمن القومي السعودي من خلال إضعاف قبضة العائلة المالكة على السلطة، حيث كانت أرامكو لفترة طويلة من الركائز الرئيسية لحكم المملكة. وبديلاً عن ذلك، قال عبيد، إن على الصينيين أن يجمعوا أموالاً من خلال العمل مع السعوديين على صفقة مقايضة لتداول بعض المخزون الضخم من سندات الخزانة الأمريكية مقابل النفط السعودي. وفي معرض انتقاده لخطة الخصخصة التي يتبناها محمد بن سلمان أمام المجموعة الاستثمارية الصينية، كان عبيد، في الواقع، يحث الصينيين على دعم النظام السعودي التقليدي الذي كان تحت حكم الملك عبد الله والملوك السابقين يحافظ على الاستقرار والأمن.

وقال كلاين عبر المتحدثة باسمه أنه خلال محادثته القصيرة مع عبيد، لم يناقش قط صفقة المقايضة على النفط أو خصخصة شركة أرامكو السعودية. وقال ثورنتون في مقابلة عبر الهاتف أن عبيد قدم مقترح مقايضة النفط لكنه لم يتذكر من كان حاضراً أثناء ذلك: “لم أعتبرها ولو لثانية واحدة فكرة جادة”. ووفقاً لأحد المسؤولين التنفيذيين في مشروع طريق الحرير طلب عدم ذكر اسمه، فإن تركي وعبيد لم يكونا أبداً مستثمرين فعليين في هذا المشروع.

وربما يكون انتقاد المستشار المالي لأبناء الملك عبد الله لخطة الخصخصة التي وضعها بن سلمان قد تم نقلها إلى الرياض. فبعد أسبوع أو نحو ذلك، بدأ عبيد في تلقي وابل من المكالمات من الأرقام السعودية التي لم يتعرف عليها ولم يرد عليها. وفي نهاية الأمر، وبحسب مصدر مطلع، تلقى عبيد مكالمة من خالد حميدان، رئيس المخابرات العامة السعودية. وأخبره حميدان أن البلاط الملكي يأمر بعودة عبيد الى المملكة العربية السعودية على الفور. فأجابه عبيد أنه بحاجة إلى التشاور مع رئيسه، الأمير تركي، بخصوص ذلك.

وبحسب المصدر المطلع، اتصل الأمير تركي بحميدان وسأله عما إذا كان الملك سلمان قد أمر شخصياً بعودة عبيد. ويقال إن تركي قال لرئيس المخابرات: “إذا كان الملك هو الذي طلب ذلك، فسأطلب أنا شخصياً من طارق عبيد العودة إلى الوطن الآن.” وحينما تمت الإجابة بأن الأمر ورد من البلاط الملكي، نصح الأمير تركي عبيد بالبقاء في الصين.

وفي 21 أغسطس، دعا “شان لي” عبيد للحضور إلى بكين للتباحث في مكتبه بـ “شركة طريق الحرير للتمويل” والتي تقع في مركز ينتاي في قلب وسط المدينة، حسبما ذكر أحد المصادر. كانت بقعة عصرية متميزة، خصوصاً الفرع الجديد لفندق بارك حياة الجديد. وقال “لي” إن عبيد قد يجتمع أثناء الرحلة مع تشن يوان عراب مشروع طريق الحرير.

وبعد ظهر يوم 25 أغسطس، طار عبيد من شنغهاي إلى بكين على متن طائرة خاصة. وعندما هبطت الطائرة، تم نقل عبيد إلى منطقة نائية في المطار، حيث كانت بانتظاره طائرة تحمل علامة “HZ-ATR ” وقد دلت الحروف “HZ ” على أنها طائرة سعودية، حسبما أفادت بعد ذلك مصادر سعودية وسويسرية مطلعة تم اطلاعها على القضية.

وعندما غادر عبيد طائرته، أوقفه أكثر من 40 رجل أمن صيني يرتدون ملابس مدنية. ويقال إن قائد المجموعة، كان يتحدث بالعربية، قد قال لعبيد: “نحن وزارة أمن الدولة. هل ستتعاون معنا؟ ” وعندها استسلم عبيد. وتم تغطية رأسه وجسده باستخدام كيس ضيق لدرجة أنه لم يتمكن من رؤية أي شيء أو أن يتحرك دون مساعدة؛ ثم تم نقله بعد ذلك إلى منشأة تحقيق في مكان ما في بكين وتقييد يديه إلى كرسي.

وأكد مصدر في المخابرات الصينية أن عبيد كان ممولاً للإرهاب وكان يُعد مؤامرة بالتعاون مع متشددين باكستانيين لعرقلة قمة مجموعة العشرين المقرر إجراؤها في الشهر التالي، حسبما ذكر مصدر مطلع على القضية. وسأله المحقق: “أين تُخفي الإرهابيين؟ “أين تُخفي رجال الميليشيات الباكستانية؟” واحتج عبيد على ذلك وقال إنه ليس لديه أي فكرة عما يتحدثون عنه، وأنهم قبضوا على الرجل الخطأ. ولكنه مع ذلك تعرض لجلسات استجواب طويلة ومؤلمة.

ولحسن الحظ، فعندما كان الفنيون التابعون لوزارة الأمن الصيني يقومون بفحص الآي باد والهاتف الخلوي الخاص بعبيد للتحقق من هذه المعلومات من خلال مصادرهم الخاصة، فاكتشفوا الحقيقة بسرعة، وخلص الصينيون إلى أنه قد تم بالفعل ارتكاب خطأ ضد عبيد: فقد أعطاهم المسؤولون السعوديون معلومات كاذبة عن عبيد لإلقاء القبض عليه كإرهابي وترحيله إلى المملكة.

وبحسب مصدر مطلع، فقد قال أحد كبار ضباط وزارة الأمن الصينية لعبيد: “انظر، لقد كان هناك خطأ. شخص ما في بلدك اتصل بنا قبل خمس دقائق من وصولك إلى بكين وقال إنك كنت إرهابياً يمول هجوماً يستهدف قمة مجموعة العشرين”. وأوضح له المسئول الصيني الأمر قائلاً: “أنت عالق في لعبة قوة في بلدك بين أميرين قويين”.

كان ضباط المخابرات الصينية غاضبين من تعرضهم للخداع ورتبوا لعبيد أمور السفر بسرعة إلى شنغهاي وتولوا حمايته طيلة مدة إقامته في الصين.

في هذه الأثناء، كان السعوديون، الذين كانوا يأملون في خطف عبيد في بكين، غاضبين من أنه أفلت من قبضتهم. فأرسلوا عملاء لهم للبحث في فنادق بكين، بحثاً عن الرجل المحسوب على جناح الملك عبد الله في الأسرة المالكة. وفي شنغهاي، تلقى عبيد اتصالاً من الجنرال يوسف بن علي الإدريسي، نائب رئيس المخابرات السعودية، وطلب منه العودة إلى بكين ليلحق بالطائرة السعودية التي تم إرسالها لاصطحابه، حسب مصدر مطلع على القضية. واتصل عبيد مرة أخرى بالأمير تركي للتشاور معه في هذا الأمر، وبدوره اتصل الأمير تركي بالإدريسي. وبحسب مصدر مطلع، قال له تركي: “إذا أراد الملك ذلك، فسيتم ذلك. ولكن باسم من تتحدث في هذا الأمر؟ ولكن الإدريسي قدم إجابةً غامضةً حول من أمره بإرغام عبيد على المغادرة القسرية للصين. وبقي عبيد في شنغهاي تحت حراسة مشددة من وزارة أمن الدولة الصينية لمدة أسبوع آخر.

ولأن عبيد كان لديه جواز سفر سويسري، فإنه تلقى الحماية أيضاً من القنصلية السويسرية في شنغهاي. وتؤكد رسالة وردت من القنصل السويسري العام فرانسواز كيلياس زيلويجر إلى محامي عبيد بتاريخ 11 يناير 2017 يقول نصها: “بالإشارة إلى مسؤوليتكم القانونية عن السيد طارق عبيد، أبلغكم أن القنصلية السويسرية العامة قد وفّرت مزايا لوضع عبيد تحت الحماية القنصلية”.

وصل الأمير تركي إلى الصين في 30 أغسطس وتحدث في اجتماع منتدى التمويل في الأول من سبتمبر. كما تم تصويره مع الرئيس شي جين بينغ. ووصل بن سلمان للمشاركة في قمة مجموعة العشرين التي انعقدت في هانغتشو في 4 و5 سبتمبر. وفي أثناء هذا الوقت، كان عبيد على متن طائرة الأمير تركي الخاصة المتوجهة إلى سويسرا. وتابع الصينيون الأمر للتأكد من وصول عبيد بأمان إلى جنيف. وبمجرد وصوله هناك، خضع عبيد على الفور للعلاج في عيادة متخصصة بسبب الإصابات التي لها في الصين، بحسب مصدر سويسري.

فشل محرج

تحدث محمد بن سلمان في اجتماع مجموعة العشرين حول خطته الإصلاحية ورؤيته للسعودية 2030 لتحديث المملكة. ولكنه كان غاضباً عندما علم بفشل الإدريسي المحرج في جهود الترحيل السري القسري لعبيد من الصين، حسب التقارير في هذا الصدد.

وﻋﻨﺪﻣﺎ ﻋﺎد إﻟﻰ المملكة، أﺟﺮى محمد بن سلمان “ﺗﺤﻘﻴقاً” ﻓﻲ اﻟﺤﺎدث. وتم إقالة الإدريسي نائب رئيس المخابرات. وقد تم استبدله لاحقاً الجنرال أحمد العسيري – وهو الرجل الذي قامت السلطات السعودية فيما بعد بطرده من منصبه للاشتباه في ضلوعه في تقديم الدعم للتآمر على قتل خاشقجي في اسطنبول. وأرسل السعوديون بعد ذلك وفداً خاصاً إلى الصين للاعتذار عن سوء استخدام قنوات المخابرات في قضية عبيد.

وأعرب مسؤول سعودي مقرب من محمد بن سلمان استياء المملكة، وذلك في حديث خاص له مع مواطن سعودي آخر، قائلاً: “لقد كانوا في غاية الحرج بسبب خطأ الإدريسي. أقصد أن السعودية كانت محرجة من هذا السلوك . . . لقد ارتكب [الإدريسي] خطأً. لم يكن يجب عليه فعل ذلك”.

وتعليقاً على الاتهام الباطل الذي وُجه إلى عبيد بأنه إرهابي، قال: “كان هناك إساءة واضحة لاستخدام السلطة من قبل عصابات غير مؤهلة، لكنني لا أعتقد أن تعليمات ولي العهد كانت تريد لهذه الأحداث أن تتم بالشكل الذي تمت به”.

لكن من الواضح أن بلاط محمد بن سلمان الملكي لم يتعلم الدرس. فقد تصاعدت الشكوك حيال من يتصورونهم أعداء لهم، وتعمقت رغبتهم في إحكام السيطرة المطلقة على مقاليد الأمور فقط. وابتداء من ربيع عام 2017، بدأ السعوديون في تفعيل برنامج سري لخطف المنشقين واحتجازهم في مواقع سرية، وفقاً لخبراء أمريكيين وسعوديين مطلعين. واشتمل البرنامج على “فريق النمور” وهو فريق خاص يعمل بالتعاون مع مركز الدراسات والشؤون الإعلامية في البلاط الملكي برئاسة القحطاني. وقد ساعد أيضاً تركي آل الشيخ، وهو مستشار آخر مقرب من محمد بن سلمان، في الإشراف على مواقع الاحتجاز والاستجواب، وفقاً للخبراء الأمريكيين والسعوديين.

وزاد الانقلاب الداخلي الذي قام به محمد بن سلمان ضراوة في العام الماضي، عندما بدأ ولي العهد يعرب عن خشيته أن تكون حياته مهددة. وفي يونيو 2017، تم عزل محمد بن نايف من منصبه كولي للعهد وحل محمد بن سلمان محله. وفي نوفمبر، بعد أسبوع من زيارة كوشنر للسعودية، قام محمد بن سلمان بتوقيف أعدائه من الأسرة المالكة، وعلى رأسهم تركي بن ​​عبد الله، وتم احتجازهم في فندق ريتز كارلتون.

وكان من بين المعتقلين بعض كبار الأمراء والأثرياء في المملكة. وبعد أن استأنف فندق ريتز كارلتون أعماله الفندقية المعتادة، تم نقل محتجزين جدد إلى مواقع سرية.

وتم أيضاً اعتقال عدد من نشطاء حقوق المرأة السعودية في مايو 2018، أي قبل شهر واحد من إزالة محمد بن سلمان الحظر المفروض على قيادة النساء للسيارات. ويقول نقاد بن سلمان إن ولي العهد لم يكن يرغب في أن تستفيد الناشطات السعوديات من خطواته الإصلاحية. وكانت إحدى الناشطات في صدمة كبيرة بسبب المعاملة القاسية التي تعرضت لها حتى أنها حاولت الانتحار، وفقاً لأحد الناشطين في مجال حقوق الإنسان، وبحسب ما ورد، فإن محاولة إنتحار الناشطة كانت عن طريق محاولة قطع أوردة معصمها باستخدام شفرة حلاقة.

وبقي عبيد في سويسرا. وهو يخضع الآن للتحقيق هناك وفي الولايات المتحدة للاشتباه في دفع مبالغ مالية بطريقة غير شرعية من صندوق الثروة السيادية الماليزي المعروف بـ ( 1MDB )، لشركة (Petro Saudi International )، التي أسسها تركي بن ​​عبد الله وطارق عبيد. ولكن لم يتم حتى الآن توجيه اتهامات ضد عبيد بارتكاب أي خطأ.

 جنون العظمة القاتل

ما يزعجنا حول قصة التنافس داخل العائلة السعودية هو أنها ساعدت في إثارة جنون العظمة الذي أدى في النهاية إلى مقتل خاشقجي.

لماذا لم يوقف أحد هذه السلسلة من الأخطاء المميتة؟ إن الاختطاف الفاشل لعبيد في الصين يشبه بشكل مخيف مقتل خاشقجي في اسطنبول. ففي كلتا الحالتين، أراد السعوديون إسكات الناقد الخارج عن نطاق سيطرتهم. وعندما فشلت الاتصالات الأولية، حاولوا القيام بعملية سرية غير قانونية، وفي كل مرة تحت إشراف نائب رئيس المخابرات، الذين لهم صلات وثيقة بالبلاط الملكي. وفي كل مرة، يثبت أن نائب رئيس المخابرات هو الرجل الذي يتم تقديمه ككبش فداء. حيث لم تظهر أدلة قوية في كلتا الحالتين توثق دور بن سلمان في ذلك.

ويبدو أنه تم ترتيب كلتا العمليتين من قِبل خلية خاصة داخل البلاط الملكي، حيث كان سعود القحطاني المشرف الرئيسي عليهما، وليست المخابرات السعودية. وهو ما يطمئن المسؤولين الأمريكيين، الذين يرون في حميدان، رئيس المخابرات، وعبد العزيز الهويريني، رئيس جهاز الأمن الداخلي، المعروف باسم المباحث قيادات رئيسية لتحقيق الاستقرار.

ولعل أكبر اختلاف بين القضيتين هو أن عبيد لا يزال حياً يُرزق الآن في إحدى ضواحي جنيف، بينما مات خاشقجي وتم تقطيع أوصاله، ولا يزال مكان جثته المقطعة مجهولاً.

وقد اعتقل المدعي العام السعودي 18 سعودياً في القضية، من بينهم ماهر مطرب، وهو ضابط مخابرات سابق وعمل في بعض الأحيان كحارس شخصي لمحمد بن سلمان، حيث اتهمه المسؤولون السعوديون بأنه كان قائد الفريق الذي قتل خاشقجي. وقد تم فصل كل من القحطاني والعسيري من وظيفتيهما؛ ويُعتبر القحطاني من بين 17 سعودياً أصدرت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات ضدهم بسبب دورهم المزعوم في اغتيال خاشقجي. وجاء في بيان وزارة الخزانة أن القحطاني “كان جزءاً من تخطيط وتنفيذ عملية القتل” وأن “ماهر مطرب” هو المنسق والمنفذ للجريمة.

ويعتقد كل مراقب سعودي تحدثت معه أن محمد بن سلمان قد يبقى في السلطة، على الرغم من الغضب العالمي تجاهه بسبب مقتل خاشقجي. أقرب شيء إلى ما يمكن اعتباره “الدليل الدامغ” على تورط بن سلمان في قضية خاشقجي هو أن القحطاني قد تبادل رسائل متعددة معه في اليومين اللذين يحيطان بقتل الصحفي. ولكن ما لم يتم الكشف عن هذه الرسائل، فقد يكون من المستحيل إثبات وجود ارتباط لابن سلمان بالجريمة.

ويدعونا جنون العظمة الوحشي لبلاط محمد بن سلمان الملكي في الرياض إلى استحضار موقف بغداد أيام كانت تحت حكم صدام حسين.. إن الضوء الذي يتم تسليطه على مقتل خاشقجي يمنح المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة فرصة أخيرة لتجنب الانزلاق نحو مستنقع من الاستبداد يجتاح المنطقة تماماً كما حدث قبل ذلك أيام صدام حسين.

ويحكم آل سعود المملكة وأياديهم في بعض الأحيان ملطخة بالدماء. وعلى الولايات المتحدة الأمريكية الحليف الإستراتيجي للسعودية الالتزام بتهدئة تلك الصراعات الدائرة داخل العائلة السعودية الحاكمة قبل أن تتسبب في إحداث بالغ الضرر بالسعودية والعالم أجمع.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *