fbpx
الخليجتقارير

مملكة الخوف: واقع المرأة في السعودية

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

شهد عام ٢٠١٧، الإعلان عن حزمة من القرارات تم تصديرها كان منها ما تم الموافقة عليه من السماح للمرأة السعودية بتمكينها من حقها في قيادة السيارات، وهو ما تم تقديمه وتروجيه اعلامياً حينها لصالح ولي العهد السعودي على أنه مؤشر هام يؤتى في إطار تبنيه واهتمامه لملف حقوق المرأة في السعودية.

استهدف القرار شريحتين، الأولى هي المجتمع الغربي وصناع القرار الأمريكي، والثانية هي شريحة المرأة والشباب في داخل المجتمع السعودي، وقد أتى القرار في ظل تصريحات متتالية من ولي العهد محمد بن سلمان أعلن فيها عن مزيد من الإصلاحات والتمكين للمرأة السعودية ضمن مشروعه السياسي للحكم (رؤية ٢٠٣٠).

ولكن وبشكل لم يتوقعه البعض شن جهاز أمن الدولة السعودي حملة من الاعتقالات الواسعة استهدفت الناشطات الحقوقيات اللاتي كن ينادين بحق المرأة السعودية في قيادة السيارات، ليتم اعتقالهن ليواجهن أبشع صور التعذيب داخل المقرات الأمنية بعد ما اعتقدوا أنه انتصار بإقرار السلطة لحقهن في قيادة السيارة، وليواجهن بعد هذا سلسلة من جلسات المحاكمة مازالت مستمرة حتى تاريخ إصدار هذا التقرير.

وبناء على هذه الحالة فقد ظهر التضاد ما بين الوعود والإجراءات التي نفذتها سلطات المملكة، ويعمل هذا التقرير على الاستكشاف والإجابة على الأربعة أسئلة التالية:

  1. لماذا اعتقلت السلطات الناشطات اللاتي نادين بحق قيادة المرأة؟ ولماذا أتت هذه الاعتقالات عقب إقرار حق المرأة في القيادة؟
  2. إلى أي مدى يمكن القول بأن استخدام التعذيب البدني والنفسي في مواجهة المرأة السعودية سلوك متبع داخل مقرات الاحتجاز يرقى لوصفه بالممنهج؟! وهل شهدت أنماط التعذيب تطور من حيث التوحش؟
  3. هل انتماء الضحايا الفكري والسياسي عامل في استخدام التعذيب من عدمه؟ بحيث تستبيح السلطات أجساد وأرواح معتقلات وتكتفي باعتقال أخريات دون تعذيبهن؟
  4. هل السلطات السعودية في العهد الجديد: جادة في وعودها المتعلقة بحقوق المرأة واتخاذ إجراءات تمكنها من حقوقها؟ أم أن العهد الجديد يؤسس لمملكة مختلفة من الخوف؟

ما قبل القرار: لمحة تاريخية

لم يكن المرسوم الملكي [1] الصادر في شهر سبتمبر ٢٠١٧ بالسماح بالمرأة السعودية بالقيادة داخل المملكة، إلا محاولة لإظهار أن المملكة في عهد ولي العهد الجديد محمد بن سلمان قد أصبحت أكثر انفتاحاً واستجابة للمطالب المجتمعية ومن تلك المطالب هو السماح للمرأة بالقيادة.

وكانت مطالب قيادة المرأة قد بدأت في الظهور للعلن منذ عام ١٩٩٠ ميلادي حينما قادت مجموعة من المواطنات السعوديات على رأسهن العديدات من حملة شهادة الدكتوراه الجامعية (وبلغ عددهن ٤٧ امرأة) السيارات بتاريخ ٦ نوفمبر بمدينة الرياض عاصمة المملكة وهذا قبل أن يتم إلقاء القبض عليهن وأخذ تعهد من عائلاتهن بعدم تكرار الفعل [2]، لتكشف الحادثة عن رغبة مجتمعية في الحصول على الحقوق الأساسية وهو أمر واجهته الدولة السعودية حينها بفتوى دينية رسمية تحرم قيادة المرأة للسيارة صدرت بتاريخ ٩ نوفمبر. أي بعد الحادثة بثلاثة أيام فقط، ولقد تم عقاب السيدات اللاتي شاركن في هذا الأمر حينها بالإيقاف عن العمل لمدة سنتين وثمانية أشهر بالإضافة لمنعهن من السفر لمدة ١٠ أشهر.

ولأن تحريم القيادة لم يكن مقنع من الناحية الدينية خصوصاً أن الهيئات الدينية في الدول العربية والإسلامية لم تحرم قيادة المرأة، فلقد تكررت المطالب بأشكال متعددة بعدها وكان منها ما أوصى به عضو مجلس الشورى محمد آل زلفة عام ٢٠٠٥ من إضافة مادة نظامية تجيز قيادة المرأة السيارة داخل المدن السعودية أسوة بالرجل وهذا خلال مناقشة مشروع نظام المرور [3]، ولكن ورغم التلميحات والوعود الرسمية في عهد الملك عبد الله إلا أن المملكة لم تشهد أي تغيير في هذا الأمر حتى أتى عام ٢٠١١ فبعد ثورات الربيع العربي تم إطلاق حملة باسم “سأقود سيارتي بنفسي” في شهر يونيو من العام نفسه، وشاركت في الحملة السيدة “منال الشريف” حيث شاركت مقطع مصور لها وهي تقود سيارة بمدينة الخبر ليتم اعتقالها [4] بعدها ثم الإفراج عنها ثم توقيفها ثم الإفراج عنها.

لاحقاً في عام ٢٠١٣ انطلقت حملة أخرى بعنوان “من حقي أن أقود”، ولقد حررت السلطات السعودية مخالفات للنساء اللاتي شاركن بالإضافة إلى احتجاز بعضهن وهذا قبل إطلاق سراحهن [5]، وقد كانت السيدة/ إيمان النفجان أستاذة اللغة الإنجليزية بجامعة الملك سعود أحد من تم توقيفهم حينها بعد مشاركتها، وتعاقبت بعد هذا المطالبات والمحاولات ومنها محاولة الناشطة “لجين الهذلول” عام ٢٠١٤ عندما قامت  بالقيادة من الإمارات إلى السعودية بعد استخراجها رخصة قيادة من الإمارات وحاولت الدخول بها إلى السعودية مستغلة اتفاقية دول مجلس التعاون الخليجي والتي تنص على سريان رخص القيادة في جميع دول المجلس ليتم توقيفها حينها قبل إطلاق سراحها لاحقاً.

وهكذا يتضح من الاستعراض السريع السابق أن مطلب قيادة المرأة في السعودية لم يكن بمطلب حديث بل له تاريخ من المطالبات داخل المجتمع، وأن ما قام به ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وصوره على أنه انتصار للمرأة هو أمر في حقيقته يمثل الاستجابة للحد الأدنى من حقوق الإنسان خصوصاً إذا علمنا أن السعودية كانت الدولة الوحيدة التي تمنع قيادة المرأة في العالم دون أسباب حقيقية.

خطوة إيجابية للأمام أم قناع مصطنع لمملكة رعب قادمة؟

حرص ولي العهد السعودي محمد بن سلمان على تقديم نفسه كرجل إصلاح قادم يتبنى منهج أكثر انفتاحاً في الحكم، وقد لاقت جهوده الأولية ترحيبا وارتياحا داخل أوساط الشباب وبعض الحقوقيين في السعودية ومنهم الناشطة “لجين الهذلول”، وظنت الأكثرية أن المرسوم الملكي الصادر في شهر سبتمبر ٢٠١٧ بالسماح بالمرأة السعودية بالقيادة داخل المملكة يمكن البناء عليه كخطوة للأمام لخطوات إصلاحية أخرى تعزز من حقوق المرأة والمجتمع السعودي، ولكن وبشكل غير متوقع في حينها وقبل موعد بدء قيادة المرأة بتاريخ ٢٤ يونيو  ٢٠١٨ [6][7]، شنت السلطات السعودية سلسلة من الاعتقالات الواسعة في صفوف الناشطات السعوديات اللاتي تصدرن حملات المطالبة بحقوق المرأة ومنهم الناشطة “لجين الهذلول”[8]، ثم أعقبت تلك الحملة بحملات أخرى لاحقة [9] استهدفت العديد من الشخصيات النسائية المعروفة رغم المكانة المجتمعية والأكاديمية لهم، بل ورغم المواقف المعتدلة لهن جميعاً ومنهن الأكاديمية السعودية المشهورة الدكتورة هتون الفارسي والتي كانت تحتفي بقرب السماح للمرأة السعودية بالقيادة بل ولديها تغريدة مثبتة في حسابها تثني فيها بشكل إيجابي على تفاعل وزارة الداخلية السعودية مع بلاغات لها [10]، لذلك كانت حملة الاعتقالات التي طالت الناشطات وما ترافق معها من تعذيب سبب في التساؤل حول:

لماذا اعتقلت السلطات الناشطات اللاتي نادين بحق قيادة المرأة؟ ولماذا أتت هذه الاعتقالات عقب إقرار حق المرأة في القيادة؟

تكمن الإجابة في دروس الربيع العربي التي استفادت منها الأنظمة القمعية في الوطن العربي، وكان على رأس تلك الدروس:

عدم السماح للنشطاء المحليين باكتساب قواعد جماهيرية متزايدة نتيجة تنفيذ السلطات لبعض المتطلبات اللاتي قد تصادف أن هؤلاء النشطاء قد طالبوا بها مما يؤدي إلى تنامي شعبيتهم محلياً وزيادة قدرتهم في اكتساب شرعية محلية مع تزايد قدرتهم على التواصل والتأثير السياسي الخارجي بشكل قد يحد من قدرات الأنظمة لاحقاً في قمعهم، أو على أقل تقدير يرفع من تكلفة أي خطوة ضدهم مستقبلياً.

لذلك كانت حملة الاعتقالات تهدف إلى الحد من حالة الشعور بالانتصار لدى الناشطات وغيرهم، بالإضافة إلى عدم السماح لهم بتقوية مكانتهم مجتمعياً ودولياً بشكل قد يسبب إزعاج أو تهديد لنظام الحكم القادم لولي العهد السعودي محمد بن سلمان.

وكالعادة وبتهم فضفاضة نقلت وكالة الأنباء السعودية سلسلة من الاتهامات نقلا عن المتحدث الأمني لرئاسة أمن الدولة حيث جاء في بيانه: “أن الجهة المختصة رصدت نشاطا منسقا لمجموعة من الأشخاص قاموا من خلاله بعمل منظم للتجاوز على الثوابت الدينية والوطنية والتواصل المشبوه مع جهات خارجية فيما يدعم أنشطتهم وتجنيد أشخاص يعملون بمواقع حكومية حساسة وتقديم الدعم المالي للعناصر المعادية في الخارج”[11].

وبهذه الاتهامات انضم إلى صفوف المعتقلين فئة جديدة من نشطاء حقوق الإنسان، وهي فئة لا يمكن تصنيفها على أنهم أصحاب توجهات إسلامية أو من أصحاب المعارضة السياسية للنظام الحاكم كما كان يحدث في عدة حملات اعتقال سابقة أشهرها حملة سبتمبر ٢٠١٧ والتي استهدفت مجموعة من أصحاب الفكر من الأكاديميين وعلماء إصلاحيين محسوبين على التيار الإسلامي.

ولكن ورغم تزايد حدة الآلة القمعية وأنماط الانتهاكات داخل المملكة، إلا أن هذا لم يمنع من تسرب ما يحدث من داخل أبنية التحقيق والمعتقلات إلى حسابات مواقع التواصل الاجتماعي والتي تحدثت عن تعرض المعتقلين بشكل عام ومن النساء بشكل خاص بالداخل لطرق شنيعة من التعذيب، وهي تسريبات بدأت تأخذ منحنى متصاعد من الزخم بعد حادثة اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشفجي داخل القنصلية السعودية في العاصمة التركية إسطنبول بتاريخ ٢ أكتوبر ٢٠١٨.

وهكذا يبدو أن موجة القمع الداخلية المغلفة بوعود إصلاحية داخل المجتمع السعودي لم تؤتِ ثمارها بالشكل المرجو. فلقد ساعدت إجراءات محمد بن سلمان القمعية وتزايد الشرائح المضارة منها إلى تنامي الفئة المطالبة بوقف الانتهاكات التي تطال المواطنين السعوديين، وقد ساعد في هذا عاملان مؤثران وهم:

  • الاستخدام النشط من قبل المواطنين السعوديين لمواقع التواصل الاجتماعي وتحديداً موقع “تويتر”، مما ساهم من قدرتهم على الاعتراض وفضح الانتهاكات والتواصل مع بعضهم البعض وتواصل الآخرين معهم.
  • تورط النظام السعودي في قمع ثورات الربيع العربي بالإضافة إلى تورطه في الحاق الضرر للعديد من الدول المجاورة بالإضافة إلى حصاره لدولة قطر، وهو ما جعله في حالة عداوة قد تكون هي الأولى في تاريخه مع الكثير من شعوب المنطقة العربية الساعية للتغيير، وهو أمر أوجد مساحة عالية من التفاعل مع ما يحدث في الداخل السعودي، وقد عزز هذا انهيار الصورة النمطية التي كان النظام السعودي يصور بها نفسه كنظام حامي للدين.

تعذيب المرأة: نمط جديد أم منهجية تتطور

على مدار الثلاثة أشهر الأولى من عام ٢٠١٩، تتبعنا ما تم نشره حول تقارير تعذيب الناشطات السعوديات ومن هذا ما كتبته علياء الهذلول شقيقة لجين في صحيفة نيويورك تايمز [12] هذا بالتوازي مع شهادات قمنا بجمعها من نشطاء محليين وغيرهم لتوثيق كل ما مرت به الناشطات من تعذيب وتحرشات جنسية [13]، وهذا بغرض دراسة أنماط التعذيب البدني والنفسي التي تم استخدامها وهل هي سلوك متكرر ومتبع نستطيع من خلاله أن نقول إنه سلوك ممنهج وليس سلوك فردي؟ وإن كانت الإجابة بنعم، فهل هناك سوابق في حالات التعذيب ضد المرأة؟ وهل شهدت أنماط التعذيب تطورا من حيث التوحش؟

لذلك قسمنا هذا القسم من البحث إلى ثلاثة اجزاء:

  • الجزء الأول: حددنا فيه عدد ٣ عينات من الناشطات اللاتي تم اعتقالهن في عام ٢٠١٨ وهذا بغرض تحديد هل هناك نمط متكرر في حالات التعذيب بشكل ممنهج؟ أم أن حالات التعذيب كانت نتيجة سلوك فردي كما تدعي السلطات السعودية؟
  • الجزء الثاني: وحددنا فيه عدد ٢ عينه من السجينات القديمات بتهم تتعلق بالإرهاب، وهذا بغرض معرفة هل هناك سوابق في حالات التعذيب ضد المرأة؟
  • الجزء الثالث: استخلاص النتائج من استعراض الجزء الأول والثاني لمعرفة هل تطورت أنماط التعذيب وما أسباب ذلك.

الجزء الأول: توثيق لثلاث حالات وتحديد هل هناك أنماط ثابتة للتعذيب أم انها كانت سلوك فردي؟

الحالة الأولى “لجين هذلول عبد الله الهذلول”:

ناشطة حقوقية، تم اعتقالها يوم الثلاثاء الموافق ١٥ مايو ٢٠١٨، لتتعرض للإخفاء القسري لمدة قاربت الشهرين، ولاحظنا استخدام أنماط التعذيب والإيذاء النفسي التالية معها:

– ايداعها في الحبس الانفرادي.

– الصعق بالكهرباء.

– التهديد بالقتل وإذابة جسدها ثم صرفه في مياه الصرف الصحي.

– إجبار الضحية على تناول الطعام بشكل قسري في نهار شهر رمضان.

– الجلد بالعقال [14] حيث تم ضربها به على الفخذين وأجزاء أخرى من جسدها.

– محاولة التجريد من الملابس والتصوير.

– محاولة التحرش الجنسي عبر محاولة العناق التقبيل بالإكراه.

– الإيذاء النفسي عبر التهديد المستمر بالقتل والاغتصاب.

– إجبار زوجها الفنان الكوميدي فهد البتيري على تطليقها.

– قيام وسائل الاعلام السعودية بتشويه سمعة الضحية ومن اعتقل معها، حيث تم وصمهم اجتماعياً بتهم الخيانة والتآمر ضد مصلحة الوطن.

وقد نتج عن ذلك تدهور حالتها النفسية، معاناتها من رعشة مستمرة في قدمها ويدها بعد ظهورها، بالإضافة لعدم قدرتها على السير بشكل طبيعي، ووجود بعض آثار التعذيب البدني على جسدها.

انتهاكات متعلقة بمسار العدالة القضائية:

– التستر على ما ارتكبته الأجهزة الأمنية من جرائم بحق لجين، حيث أصدرت النيابة العامة بتاريخ ١ مارس ٢٠١٩ (بعد اعتقال قارب 10 شهور)، بيانا زعمت فيه أن الضحية والنشطاء المعتقلين لم يتعرضوا للتعذيب وأن جميع حقوقهم مكفولة ويتمتعون بها وفق النظام الإجرائي بالمملكة، وأعلنت أنها انتهت من التحقيقات مع المتهمين وسيتم إحالتهم إلى المحكمة بلائحة الاتهامات مع تعمد إغفال تعذيبهن وإكراههن في مقرات أمن الدولة، وما تعرضن له من تعذيب وحشي.

الحالة الثانية “إيمان محمد فهد النفجان”:

عملت كأستاذة اللغة الإنجليزية بجامعة الملك سعود للعلوم الصحية، مهتمة بقضايا المرأة السعودية، اعتقلتها قوات تابعة لرئاسة أمن الدولة السعودية يوم الثلاثاء الموافق ١٥ مايو ٢٠١٨، لتتعرض للإخفاء القسري لما يقارب الثلاثة الأشهر، ولاحظنا استخدام أنماط التعذيب والإيذاء النفسي التالية معها:

– الصعق بالكهرباء.

– الإيهام بالغرق بوضع قطعة من القماش مبتلة بالمياه على وجها وخنقها بها.

– محاولة التحرش الجنسي المستمر.

– الجلد بالعقال على القدمين والساقين، وركل جسد الضحية بالأقدام.

– تصوير الضحية اثناء تعذيبها واستخدام هذا في أذية الضحية نفسياً.

– التعذيب النفسي عبر إيهام الضحية بأن عليها أن تختار بين السجن مدى الحياة أو القتل.

– إيداع الضحية بالحبس الانفرادي لعدة شهور.

الحالة الثالثة “عزيزة محمد اليوسف”:

من أبرز الأصوات الحقوقية التي نادت بحقوق المرأة وتمكينها من حقوقها الضائعة، والتي تصدرت حملات (من حقي أن أقود السيارة)، (أنا ولية نفسي) النسائية.

اعتقلت الدكتورة عزيزة على يد قوات تابعة لرئاسة أمن الدولة يوم الثلاثاء الموافق ١٥ مايو ٢٠١٨، ليتم إيداعها بأحد مقرات جهاز أمن الدولة السعودي المخصص للتعذيب وهذا بمدينة جدة، لتتعرض للإخفاء القسري، ولقد لاحظنا استخدام أنماط التعذيب والإيذاء النفسي التالية معها:

– تعمد وضع الضحية في حالة انهيار نفسي عبر إخبارها أثناء التحقيق معها، بأن جميع أفراد أسرتها قد قتلوا في حادث سيارة، قبل أن يخبروها بعد عدة ساعات أنها كانت مجرد مزحة!

– الصعق بالكهرباء.

– الإيهام بالغرق بوضع قطعة من القماش مبتلة بالمياه على وجها وخنقها بها.

– سب الضحية وتعمد محاولة اهانتها.

– الجلد بالعقال على القدمين والساقين.

– إيداع الضحية بالحبس الانفرادي.

يتضح باستعراض الحالات الثلاث السابقة أن هناك نمط ثابت ومتكرر ومتعمد في الاعتقال والتعذيب بشكل لا يمكن اغفاله، نظراً للعوامل التالية:

– الضحايا أصحاب مكانة اجتماعية متميزة كما أن بعضهن معروفات في الأوساط الدولية، وهي معرفة تمنع أي موظف أمني سعودي من التحرك لاعتقالهن إلا وفق أوامر قادمة من الديوان الملكي السعودي مباشرة.

– عمليات الاعتقال للحالات المرصودة تمت في نفس اليوم ١٥ مايو ٢٠١٨، وكانوا ضمن حملة اعتقالات واسعة لاعتقال الكثير من الناشطات السعوديات، مما يدل على منهجية ومركزية وسلطة متخذ قرار إصدار أمر الاعتقال.

– تشابه طرق التعذيب وأنماطها للضحايا الثلاث، مما يدل على سلوك ممنهج وليس عشوائي أو فردي.

وأخيراً جاء قرار النيابة العامة بتاريخ ١ مارس ٢٠١٩ والذي زعم أن الناشطات المعتقلات لم يتعرضن للتعذيب وأن جميع حقوقهن مكفولة ويتمتعن بها وفق النظام الإجرائي بالمملكة، ليكشف أن هناك أوامر عليا من الديوان الملكي بالتغطية على جرائم التعذيب التي حدثت، وهذه الأوامر لا يملك إصدارها والتحكم بها إلا ولي العهد السعودي الذي تنتهي عنده رئاسة الأجهزة الأمنية السعودية.

الجزء الثاني: توثيق لحالتين من السجينات القديمات بتهم تتعلق بالإرهاب، بغرض معرفة هل هناك سوابق في حالات التعذيب ضد المرأة في المملكة العربية السعودية؟

الحالة الأولى “هيلة القصير”[15]:

في الخمسينيات من عمرها، وتعتبر أولى المعتقلات في السجون السعودية بعد القبض عليها في شهر فبراير ٢٠١٠ من منطقة بريدة بإمارة القصيم، وقد تم اتهامها بدعم جماعات إرهابية، ليصدر بحقها حكم بالسجن لتصبح أول امرأة سعودية يتم اعتقالها وسجنها في هذا الحين على خلفية اتهامات متعلقة بالاضطرابات الداخلية السعودية التي حدثت بعد حرب الخليج الأولى، ومن المتوقع ألا يتم الإفراج عنها قبل عام ٢٠٢٥.

وبغض النظر عن صحة الاتهامات من عدمها، فلقد حرصنا على محاولة التواصل مع بعض المصادر التي تابعت قضيتها ضمن قضايا أخرى في ذلك الحين ومطابقتها مع بعض النتائج التي استطعنا تحصيلها من مجموعات خاصة على تطبيق التواصل تليجرام، وقد استطعنا توثيق التالي:

– تعرضت السيدة “هيلة القصير” للاختفاء القسري لأكثر من ١٥ يوما.

-تعرضت للإيذاء النفسي من سب وتهديد لها.

– دعاوى بأنها أجبرت على خلع الحجاب [16].

– إيداعها في الحبس الانفرادي.

– تعمد المعاملة السيئة لها من قبل السجانات.

ونتيجة لذلك خاضت السجينة إضرابا عن الطعام في عام ٢٠١٣، وهذا قبل أن يتم نقلها لمستشفى الأمن العام وتغذيتها قسرياً في ديسمبر من نفس العام.

أيضاً لم يتم مراعاة تأثير الوصم الاجتماعي على أسرة المعتقلة، حيث قامت وسائل الإعلام السعودية بتعمد تشويه صورة المعتقلة بشكل أدى إلى إلحاق الضرر النفسي والمجتمعي بابنة الضحية واسمها “رباب”.

ورغم ذلك لاحظنا أن الضحية قد حصلت على تضامن شعبي بمنطقة سكنها وهو ما يدل على سمعتها في هذا المكان، حيث شهدت إمارة القصيم مظاهرات سلمية في شهر أغسطس ٢٠١٢ طالبت بإطلاق سراح المعتقلة وآخرين.

الحالة الثانية “مي عبد الرحمن الطلق”:

اشتهرت بأنها أول من قامت بتنظيم أول اعتصام نسوي سلمي في السعودية في عام ٢٠٠٧، أمام سجن المباحث العامة في مدينة بريدة، بعد أن أبلغت المسؤول الأمني حينها (إبراهيم المهنا) بنيتها الاعتصام وعدد من النساء بعد أن ضاقت بهم السبل، حيث أنها ومنذ اعتقال زوجها/ عبدالملك المُقبل في عام ٢٠٠٢ بدون محاكمة وهي تناضل من أجل حريته، أيضاً قامت الضحية في شهر مارس عام ٢٠١٣، بالاعتصام رفقة أخريات أمام المحكمة الكبرى والسجن العام بمنطقة بريدة ودار الفتيات، وسمي هذا الاعتصام بـ (اعتصام ديوان المظالم)، ورفعت المعتصمات والضحية لافتات منها (الشعب يريد تحرير السجون)، لتقوم قوات الأمن باختطافها وإخفائها قسريا بتهمة الاعتصام والتجمع الغير قانوني، قبل أن يتم إطلاق سراحها.

وفي عام ٢٠١٤ قررت وفي تحول مفاجئ أن تهرب إلى دولة اليمن برفقة أطفالها ليتم توقيفها والقبض عليها في شهر أبريل من نفس العام، ليتم الحكم عليها بالسجن ١٣ عاما.

وقد استطعنا توثيق بعض الانتهاكات التي تعرضت لها كالتالي:

– التعذيب بشكل أدى لخلع كتف الضحية.

– عدم إعطائها راحة أثناء التحقيق معها لأداة الصلاة.

– محاكمتها محكمة استثنائية غير مستقلة وفاقدة للاختصاص.

– قيام هيئة المحكمة بتهديدها في الجلسة المنعقدة بتاريخ ٣ نوفمبر ٢٠١٤، حيث تم أخبارها بأنها ستدخل السجن وزوجها سيخرج وذلك أثناء مناقشتها وسؤالها عن الفعاليات التي نظمتها من أجل إطلاق سراحه خصوصا وأنه لم يحاكم أو يصدر بحقه أية أحكام ولم تتم إدانته.

– حبس الضحية في زنزانة انفرادية ولمدد مطولة، حيث قضت ٤ سنوات في سجن الحائر، قبل ن يتم نقلها لسجن الطرفية في مدينة بريدة.

– الضغط على الضحية بأطفالها، ومن ذلك لاحقاً منع زيارتهم لها وهو ما اشتكت منه في زيارة لعضوات مجلس الشورى في عام ٢٠١٥ [17].

يتضح باستعراض الحالتين السابقتين أن هناك نمط قديم من الاعتقال والتعذيب بدأ بالتطور ليطال النساء منذ عام ٢٠١٠، ولكن كان يتم تغليف تلك الانتهاكات أنها فردية وتتم في إطار مكافحة الإرهاب.

الجزء الثالث: استخلاص النتائج من استعراض الجزء الأول والثاني لمعرفة هل تطورت أنماط التعذيب وما أسباب ذلك.

يتضح من مقارنة الجزء الأول والثاني أن أنماط التعذيب شهدت تطورا غير مسبوق، وهو ما نرجعه للأسباب التالية:

– أدى الصمت وعدم إدانة الانتهاكات التي تمت بحق النساء في عام ٢٠١٠ وما بعده في قضايا متعلقة بالإرهاب وفق مزاعم الداخلية السعودية، إلى تطور أنماط التعذيب لاحقاً حتى طالت قطاعات أكبر من النساء.

– بالمقارنة بين عهد وزير الداخلية وولي العهد السابق محمد بن نايف، وولي العهد السعودي الحالي محمد بن سلمان، لاحظنا أن الأول كان أكثر ذكاء في إدارة الأجهزة الأمنية وما يحدث بداخلها، كما أنه كان يراعي البعد الداخلي وتأثير تسرب الانتهاكات على المجتمع السعودي.

– لاحظنا نمط من السادية في التعذيب والتلذذ به في حالات الاعتقال التي تمت عام ٢٠١٨، وهو ما ينم على نمط مضطرب من الشخصيات الأمنية.

– لاحظنا في تواصلنا مع عدد من النشطاء المحليين، تأثر العاملين في جهاز أمن الدولة السعودي ببعض أفلام الرعب الأمريكية، حتى أن أفراده يطلقون أسماء سينمائية على مقرات التعذيب ومنها اسم “قصور الرعب”.

–  أيضاً وفق أكثر من خمس شهادات حصلنا عليها، تمت عمليات التعذيب تحت إشراف سعود القحطاني المستشار في الديوان الملكي والمقرب من ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وكان يقوم بتصوير بعض عمليات التعذيب مع ذكر أنه يفعل ذلك لنقلها لولي العهد، كما أنه وفي مرة قام بالرد على استغاثة أحد الضحايا بقول (لا أحد فوقنا، حتى الله).

– كانت أغراض التحقيق والتعذيب في جزء منها تهدف إلى التدمير النفسي للضحايا بشكل يؤثر على قدراتهم العقلية مستقبلاً.

– وثقنا في حالة واحدة أن إحدى الضحايا طُلب منها أثناء الاستجواب أن تعمل لصالح جهاز الأمن السعودي، على أن تكون مهمتها استدراج الناشطات السعوديات من الخارج.

– تم استخدام سجن الذهبان وسجن الحائر كمقار احتجاز غير قانونية.

وباستعراض ما سبق يتضح أن الجهاز الأمني السعودي وأفراده لا يخضعون لأي محاسبة مجتمعية حقيقية، وأن شهرة الضحايا من عدمه أو انتماءاتهم وقناعاتهم الفكرية لم تحمهم من التعذيب.

أيضاً لاحظنا أن شهرة بعض الضحايا لم تؤدِ إلى حمايتهن من التعذيب، ولكن الضغط الإعلامي أدى لاحقاً إلى وقف التعذيب، وفي بعض الحالات أدى هذا إلى الإفراج عن بعضهن مثل (إيمان النفجان، عزيزة اليوسف)، ولكن هذا لم يمنع السلطات السعودية من اعتقال ابن عزيزة اليوسف بعد الإفراج عن والدته، وأيضاً استمرار اعتقال لجين الهذلول ومنع والدها ومن لا يزال من أفراد أسرتها بداخل السعودية من السفر.

وبناء عليه فإننا نستطيع القول بأن:

  • جرائم التعذيب في المملكة العربية السعودية تتم بشكل ممنهج وتستخدمها السلطات مع جميع النساء باختلاف انتماءاتهم الفكرية (إسلامية، ليبرالية، عروبيه) وأيضاً في القضايا المتعلقة بالإرهاب أو القضايا المتعلقة بأنشطة ومطالبات حقوقية.
  • لا يتم وضع اعتبار لعمر الضحية أو مكانتها الاجتماعية.
  • شهدت صور التعذيب تطورا مُرعبا بالمقارنة بين أولى الحالات اللاتي تعرضن للإيذاء النفسي والتشويه الإعلامي والحرمان من العلاج بتهم تتعلق بالإرهاب، وبين حالات الناشطات المعتقلات أعوام ٢٠١٧ و٢٠١٨.
  • شهد عهد ولي العهد محمد بن سلمان توسع في تخصيص مقرات احتجاز غير قانونية لتعذيب الضحايا، وكان من بين الأسماء التي أُطلقت على تلك المقرات (قصور الرعب – استراحات الضباط).
  • نتيجة الضغط الدولي الذي تم على المملكة العربية السعودية بعد عملية اغتيالها للصحفي السعودي جمال خاشقجي، ونتيجة للعديد من الحملات الصحفية الخارجية للتضامن مع الناشطات المعتقلات، عدلت السلطات السعودية عن قرارها بإحالة الناشطات السعوديات من المحكمة الجزائية المتخصصة (محكمة الإرهاب)، وأمرت بإحالتهن للمحكمة الجزائية بالرياض.

خاتمة

لا يمكن القول أن السلطات السعودية في عهد ولي العهد محمد بن سلمان جادة في وعودها المتعلقة بحقوق المرأة، بل إن ما يعكسه الواقع هو ما نخشاه وهذا من خلال ما تم رصده من انتهاكات وتعذيب ممنهج بحق النساء، وهي انتهاكات تخالف ملف الإصلاحات الذي تم وصفه بأنه أحد أولويات ولي العهد محمد بن سلمان في مشروعه (رؤية ٢٠٣٠)، وهو ما يدل على أن ولي العهد ينظر إلى ملف المرأة كملف تسويقي فقط لصالح الحصول على مباركة من الساسة الغربيين للوصول إلى كرسي الحكم، وأنه وفي حال تمكنه من الوصول لسدة الحكم فإن المملكة العربية السعودية قد تشهد تدهورا غير مسبوق في ملف الحقوق والحريات.

ونختم هذا التقرير بمن آمنت بأن الربيع سيزهر من جديد، الناشطة السعودية “نوف عبد العزيز الجريوي” والتي تم اعتقالها في شهر يونيو ٢٠١٨ بعض تضامنها مع الناشطات المعتقلات اللاتي ورد ذكرهن في هذا التقرير، وكان مما كتبته: “لن أذعن لأي سلطة، لن أداهن أي مسؤول، ولم أدر ظهرا لأي مظلوم، وكفى بهذا شرفا”[18].


الهامش

[1] – BBC: ملك السعودية يصدر أمراً تاريخياً بالسماح للنساء بقيادة السيارات داخل البلاد، بتاريخ ٢٧ سبتمبر ٢٠١٧، الرابط.

[2] – Documentary: Saudi Women Driving initiative 1990, Link

[3] – قيادة المرأة للسيارة بالسعودية.. محطات وتطورات، الجزيرة نت، الرابط

[4] – The guardian, YouTube Saudi woman driver faces further 10-day jail term, link

[5] – السعودية تحرر 15 مخالفة لسيدات قدن سياراتهن خلال حملة “من حقي أسوق”، المصري اليوم، الرابط

[6] – صدور أمر سام باعتماد تطبيق أحكام نظام المرور ولائحته التنفيذية بما فيها إصدار رخص القيادة على الذكور والإناث على حد سواء، وكالة الأنباء السعودية، الرابط

[7] – شاهد.. إصدار أول رخصة قيادة لسيدة بالسعودية، العربية نت، الرابط

[8] – من هن السعوديات المعتقلات بتهمة “التجاوز على الثوابت الدينية والوطنية”؟، BBC، الرابط

[9] – حملة اعتقالات جديدة تستهدف الناشطات السعوديات، الجزيرة نت، الرابط

[10] – تغريدة من حساب الدكتورة هتون الفارسي تثني فيه بتاريخ ١٧ فبراير ٢٠١٨ على مجهود وزارة الداخلية السعودية في التفاعل مع بلاغاتها، الرابط

[11] – من هن السعوديات المعتقلات بتهمة “التجاوز على الثوابت الدينية والوطنية”؟، BBC، الرابط

[12] – My Sister Is in a Saudi Prison. Will Mike Pompeo Stay Silent?, New Work Times, link

[13] – لمزيد من التفاصيل أنظر:

– نشطاء: تحرش جنسي بمعتقلة سعودية، الحرة، الرابط

– Saudi women’s rights campaigner who has been ‘tortured and sexually harassed in prison’ goes on trial, Independent, link

[14] – العقال هو حبل ذا مواصفات خاصة يستخدم في تثبيت غطاء الرأس للرجال في الزي السعودي الوطني.

[15] – صورة للحظة اعتقالها من أحد الصفحات التي تحدثت عن قصة اعتقالها، الرابط

[16] – لم نستطع التأكد من صحة هذا الادعاء لقدم المعلومة المذكورة

[17] – موقوفة سعودية تقابل عضوات الشورى بخمارها، أخبار ٢٤، الرابط

([18]) الآراء الواردة تعبر عن أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن المعهد المصري للدراسات.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
كلمات مفتاحية
السعودية بن سلمان المرأة حقوق الإنسان
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. سجل مرعب من انتهاك حقوق المرأة ، يدل على أن المملكة وللأسف تعيش في العصور التي قبل الميلاد

    إلا أنني وبناء على ما تم رصده في التقرير لا ألوم الحكومة السعودية بقدر ما ألوم الشعب السعودي الذي حط من قيمة نفسه بإذعانه لهذه الانتهاكات ومباركاته لها في العلن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close