fbpx
قلم وميدان

من اصطفاف يناير إلى اصطفاف المشروع

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

قد يبدو العنوان مفاجئا. هل كان اصطفاف يناير معيبا؟ وهل أنتج سلبيات نعيشها؟ وهل بتنا في حاجة لتجاوزه بدل من الاستسلام للحنين للماضي الذي تمكن من زرعه وسقايته في قلوب كل محب لوطنه مصر؟ أسئلة يطرحها العنوان قبل أن نشرع في بناء الرؤية التي دفعت لصياغته على هذا النحو. ولكن قبل أن تتراكم تصورات افتراضية حول العنوان، لابد من القول بأن اصطفاف يناير كان اصطفافا مأزوما نسبيا برغم أنه كان أيضا حلما جميلا وأملا خلابا، ويعكس نبل وعمق قيمة الانتماء التي لم تتمكن إدارة مبارك بعنفها وعنفوان أمنها السياسي أن تنزعه من قلب الشباب المصري.
ذكر الحلم والأمل لا يجعل منه عرضا قريبا أو سفرا قاصدا في معرض الحديث عن ثورة يناير ومشروعها “العيش.. والحرية.. والكرامة الإنسانية”. فالشعوب الواهنة تحتاج في لحظات انسداد الأفق وظلمة الدرب إلى “حلم” قومي، وإلى صيغة “أمل” تنتشلها من التدحرج السرمدي مع “صخرة سيزيف” الأسطورية اليونانية. هذا ما جعل مفكرين يرون في “لحظة يناير” لحظة تحول تاريخي ومعرفي قبل أن تكون لحظة رفض لتوظيف إدارة يناير للخلاف من أجل دفع مشروع التخلف والتوريث.
سر قوة حلم أو أمل ” يناير” أنها مثلت تجسيدا لسعي القوى الاجتماعية والسياسية المصرية الحية لبلورة مشروع لتحريك “حالة الاستقطاب”، وإعادة بناء مركز جديد لها، بحيث لا يصير الاستقطاب في مصر ذي نزعة أيديولوجية، بل ليكون استقطابا ضد الاستبداد. واستمر سعي هذه القوى الحية منذ العام 2005 لجعل الاصطفاف يتمركز حول قضية الاستبداد؛ فإما أن تكون مع المستبد أو ضده، فانضم القضاة والمهنيون والعمال والطلاب لهذا الجهد، ما أسفر عن تحول “يناير”.
نشأت ظاهرة الاستقطاب في مصر تأسيسا على خلاف المرجعيات خلال العقود الثلاثة التي سبقت ثورة يناير، وكان هذا الخلاف أداة تستخدمها الدولة لتعزيز “مشروع الفزع”، حيث كانت السلطة تستخدم المرجعيات المختلفة لإفزاع ذوي المرجعيات الأخرى، ومن هنا أتى مصطلح “فزاعة الإخوان” و”فزاعة إلغاء المادة الثانية من الدستور” (مادة تنص على أن الشريعة الإسلامية أحد مصادر التشريع؛ تضمنها دستور مصر الصادر عام 1971). هذا النمط من الفزاعات بدأ مع تحالف النخبة الحداثية اليسارية مع الرئيس المصري جمال عبد الناصر ضد القوى التي وصفت جميعها آنذاك بالرجعية، واستخدم هذا المسمى للبطش بجماعة “الإخوان المسلمون”، ولم يلبث الرئيس السادات أن أتى بنمط تحالف جديد مع جماعة “الإخوان المسلمون” لموازنة النفوذ اليساري في المجتمع والجامعات والحياة السياسية؛ مع فارق نوعي بين طبيعة التحالفين، إلى أن حولت منظومة مبارك لعبة التوازنات السياسية هذه إلى أداة لتكريس السيطرة على السلطة، والتمكين لنخبته التي أنتجت حالة فساد تآكلت على إثرها الدولة، ما مثل مدخلا لتعديل بنية الاستقطاب المصري؛ ليتحول إلى ثنائية “ضد المستبد – مع المستبد”، وهو تعريف بُني بالسلب لا بالإيجاب، أي أنه لم يبن على مشروع للديمقراطية، بحيث ينقسم المجتمع على مشروع إيجابي، ولم يجد آنذاك من يطوره للصيغة التي طرحها المفكر المصري هشام جعفر في إحدى رسائله الهامة المسربة من معتقله في سجن العقرب” “إما ان تكون مع الديمقراطية أو ضدها”. فهل هناك من فارق بين التمركز حول قضية الاستبداد استقطابا وبين “التمركز حول مشروع ديمقراطي”؟!
الفارق كبير. فبالنظر للتاريخ القريب، قبل أكثر من سبع سنوات بقليل، وجدنا أن بناء الاستقطاب حول الموقف من الاستبداد ومشروع “مبارك” يدفع بالحراك الشعبي نحو حالة من الهدوء فور خروج هذا الأخير بتصريح 11 فبراير 2011، بتخليه عن منصب رئيس الجمهورية. حينها وجد “الميدان” نفسه أمام الامتحان الأكبر.
كان امتحان “التخلي عن رئاسة الجمهورية” أهم الامتحانات، حتى إنني أراه اهم من امتحانات عدة يقف عندها التيار المدني مثل لحظة الاستفتاء على التعديلات الدستورية أو حتى لحظة قرار الإخوان برفع نسبة المشاركة في عضوية مجلس الشعب عما كان متفقا عليه مع القوى المدنية، بل هي لحظة أهم حتى من قرار الإخوان بالدفع بمرشح رئاسي. “امتحان التخلي” كان أهم لأنه يجسد اللحظة التي لم يفكر بها الجميع حين اكتفوا برفع بنيان الاستقطاب حول الاستبداد وتعزيز صمود “مطلب إزاحة المستبد”، من دون التوقف برهة للتفكر فيما بعد لحظة “إزاحة المستبد”، وهي لحظة أرى أن التفكر فيها كان كفيلا بمنع هذه الأزمات، بما فيها أزمة التعديلات الدستورية.
ومع هذا “الامتحان”، انقسم الميدان بين السعي للمأسسة وبين الاستمرار في الميدان حتى تحقيق مطالب الثورة. وفي تقييمي، كانت المأسسة سبيلا لتوقي وابل من الأزمات بتنا جميعا نعرف حجمها منذ قررت روسيا التدخل في سوريا في سبتمبر 2015. غير أن تبعات بناء الاستقطاب المصري حول “إزاحة المستبد” بدلا من الاستقطاب حول “مشروع ديمقراطي” أسهمت في دحرجة كرة الثلج وصولا للحظة 30 يونيو التي لم تكن تداعياتها – بكل تأكيد –محسوبة جيدا من طرف الجميع.
أما التمركز حول مشروع ديمقراطي مدني، حيث إنه أولا يبني الوعي بضرورة العيش المشترك، وآليات إنتاج حلول للمشاكل التي تصاعدت خلال فترة مبارك. ولا يغيب في هذا السياق أن فترة انسداد الأفق المباركية دفعت الجميع للاستسلام لنمط التفاعلات الاستقطابي السائد، والذي خرج بالممارسة السياسية عن حيز دلالة السياسة بما هي سعي لإدارة انتفاع الناس بالموارد بما يصلحهم وينمي مواردهم، فاستحالت السياسة مع انسداد الأفق إلى نمط إدارة مصالح، وانتفاع بما يعود به الاستقطاب من عوائد الضوء الإعلامي والمنفعة المالية، ودعم روابط المصالح. بل إن الاستقطاب بدا في هذا السياق مدخلا لحصد مصالح سياسية كان من بينها عضوية المجالس التي يفترض بها ممارسة التشريع والرقابة، وبذل الدولة الدعم المالي للأحزاب النشطة في مجال الاستقطاب، وتوفير أجهزة الأمن سبل الاستقرار والتمكين الحزبي للقيادات التي تسهم في إزكاء هذا الاستقطاب، فضلا عن إلقاء فتات اقتصادية لرجال الأعمال المحسوبون على تيارات الاستقطاب في الأحزاب، وكل هذه صور رأينا مثيلاتها خلال فترة “مبارك”. ولم يكن الأمر يحتاج سوى خروج وزير الثقافة، أو ممثل معروف ليطلق تصريحا ما يهاجم به الحج باعتباره فلكلورا؛ أو الحجاب باعتباره تخلفا ليشتعل أوار الاستقطاب مجددا كلما خبا، أو بدا في الأفق توجه توافقي حول رفض ممارسات إدارة مبارك.
وإن لم يكن التمركز حول مشروع ديمقراطي مدعاة لاستلهام أدبيات العيش المشترك، فإن من شأن التركيز على هذا المدخل أن يسهم في بناء أنماط علاقات وتحوطات إيجابية في حيال “شراكة الوطن وأولوياتها”، من حيث تحديد ركائز القوة التي يملكها الأطراف المختلفون، وسيناريوهات ردود أفعالهم حيال المبادرات والسلوكيات التي يلجون بها للمجال العام، مع وضع سقف لاحتمالات الخلاف والتصعيد المتبادل، وتلافي آليات العنف اللفظي التي سادت المجال العام المصري خلال هذه الفترة بمختلف أنواعها من السباب والتحقير وحتى التكفير والشيطنة (1).

————-

الهامش

(1) الآراء الواردة تعبر عن كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المعهد المصري للدراسات

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. مقال جيد عميق الدلاله لمس عمق الأزمه التى ما زلنا نعانى منها فالإستقطاب الموجود فى مصر هو بين الإسلاميين عموماوالإخوان خصوصا وبين التيار العلمانى الذى لا يقر ديمقراطيه تفتح الباب للإخوان هم يحتاجون للإخوان فلا ديمقراطيه حقيقيه بدونهم وفى نفس الوقت لا يقر إستعادة النظام الديمقراطيى الذى أتى برئيس مصرى منتخب وهذا الإستقطاب الموجود هو الذى يعرقل الإصطفاف حول المشروع الديمقراطى ويمزق معظم التحالفات والعجيب أن هذا الإستقطاب موجود أيضا بين من يسمون أنفسهم بقوى المعارضه فى الخارج وهو إسم على غير مسمى لأنه يتبنى ديمقراطيه مفصله على مزاج هذا التيار وهى التى تعوق ايضا هذا الإصطفاف حول المشروع الديمقراطى محنة المصريين كانت على الدوام فى نخبهم أما الشعب الغلبان فلا حول له ولا قوه فكل ما يسعى اليه هم مجرد حياه تليق بالبشر ولو كانت فى حدها الأدنى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close