fbpx
دراسات

من الاتصال إلى التواصل المؤسسي: النماذج والأنساق

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

من الاتصال إلى التواصل المؤسسي

يقول المهدي المنجرة: “أشرفت سنة 1970 على تسيير حلقة دراسية بـ : « London School of Economics » لها صلة بالعلاقات الدولية والبحث الإجرائي، وكتبت حينها كتابا بعنوانThe United Nations System: An Analysis وبزغ هذا المشروع من قناعة مؤداها أنه بمقدورنا دراسة الأنساق الاجتماعية من خلال مقاربة منهجية”. كان قد سبق لي العمل لبضع سنوات في إطار نظام الأمم المتحدة. وكنت حينها متأثرا على المستوى المفاهيمي، بأعمال العالم البيولوجي Von Bartalaney، مؤلف كتاب “On Systems” الذي ظهر سنة 1942، ويشرح فيه، ضمن أشياء أخرى ظاهرة الـ ” Feed Back” (التغذية الراجعة – التفاعلية)، وفيه يقول في صيغة وجيزة وعميقة: “هنا حيث توجد الغاية يوجد النسق”[1].

وقدم يورغن هابرماس[2] في مشروعه الفلسفي[3] فكرة العالم المعيش[4] كفكرة مكملة لمفهوم العقل التواصلي «Communicational Reason » [5] مرتبطة بمفهوم المجتمع، لكونها تشكل سياق الفعل الاجتماعي. وحاول البحث عن الوظائف التي يقوم بها العقل التواصلي لإقامة عالم متنوع الأبنية” يوحد بين المجتمع والعالم المعيش”[6].

في حين اِقتبس “غريغوري باتسون”، صاحب إيكولوجية الفكر « Vers une écologie de l’esprit »، من بعض الفلاسفة الأنطولوجيين (الوجوديين) والفينومونولوجيين (الظاهراتيين) “كهيدجر” و”ميرلوبونتي” و”كارل ياسبرز”، مسلمة أنه لا يمكن للإنسان ألا يتواصل. واستحالة عدم التواصل فكرة قديمة حديثة[7]، وقياسا على كون التواصل صيرورة ينتج فيها المشاركون ويتقاسمون المعلومة من أجل تفاهم متبادل تم طرح الفكرة التالية: “تعقد الوضعية التفاعلية أمر لا نقاش فيه، واختزالها في متغيرين أو أكثر يشتغلان بطريقة خطية عمل مجاني”[8].

تأثر الناس لزمن طويل بنظرية علم النفس التجريبي القائلة بوجود خصائص مميزة للأفراد، من قبيل النزعة القيادية، يتميزون بها بمعزل عن السياق الذي ينتجهم، إلى أن تم طرح فكرة تدعو لتجاوز الخطاب بمعانيه الظاهرة والمضمرة: ” كل يصل إلى هويته انطلاقا ومن داخل نسق من الأماكن يتجاوزه…”[9].

الخاصية المشتركة بين التصورات الموظفة، أن كلا من أصحابها حاول بحكم مستوى العمق الفكري المكتسب، عن طريق المزج بين الاطلاع الواسع والتجربة، وما تمخض عنهما من وجاهة الأبحاث والدراسات والنظريات: توظيف مفهوم التواصل كوسيلة وكغاية في حد ذاتها، لتحقيقها. يسعى الإنسان جاهدا لنسج علاقات تؤسس لفضاء مشترك. والنسق بتعبير المنجرة والعالم المعيش بتعبير هابرماس، يؤثر ويتأثر، ينسف خطية التواصل. وفي خضم التفاعل بين مكوناته تبرز معالم الهوية. فكلما وجد الباعث تشكل النسق. واستدعت غايات التواصل التفاعل كوسيط بينهما. يستدعي هذا الأخير( التفاعل) إعمال ملكة الفكر، عبر التساؤل عن طرفي التواصل، كمعطى أشمل أو مكونات التواصل إن صح التعبير. وللفهم والتبسيط لابد من اعتماد التدرج.

 تعودنا في الدراسات الأولى التي تناولت مفهوم الاتصال أن كل عملية اتصالية إنسانيه؛ كانت اجتماعية أو اقتصادية أو إدارية، وكيفما كان مضمونها، ومهما تعدد أطرافها؛ لا يمكن أن تخرج عن العناصر الرئيسية المكونة لها: المرسل، والرسالة، والقناة، والمرسل إليه أو المستقبل ثم الوجهة أو الهدف. ومتى ما كانت هذه العناصر التأسيسية حاضرة في كل عملية اتصال، كان من اللازم التعرض لها بنوع من التركيز والتعامل معها بنوع من الحذر. ذلك لما يحيط بها من خطر الانزلاق في حقول معرفية أخرى، على اعتبار أن الاتصال شكل منذ زمن بعيد موضوعا خصبا وشاسعا لدى مختلف المتخصصين في مجال العلوم الإنسانية وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا (علم الإناسة) والسياسة واللغة، وفي المجالات التطبيقية كالصحافة والإشهار والإعلام والإعلانات، وكذلك في مجال العلوم البحثة كالفيزيولوجية والرياضيات والهندسة.

لكن الإشكالية الرئيسية التي نحاول معالجتها في هذه الورقة تتمحور حول فكرة:  هل نحن بصدد الحديث عن علم للاتصال أم علم للتواصل؟ هل يقتصر الأمر على مجرد تباين في الاستعمالات المفاهيمية بين بلدان المغرب العربي وبلدان المشرق بعد استيراد المفهوم الغربي وترجمته إلى العربية؛ أم أن الأمر يتعداه إلى اختلافات جوهرية طرأت على المفهوم في مراحل تشكله؟  ثم ما علاقة علم التواصل بالمقاربة النسقية وبالتنظيم المؤسسي.

وقبل التعرض لنماذج التواصل. نشير إلى أن الأسس الأولى لهذا العلم قديمة. لا يرتبط وجودها بأبحاث المنظرين والفلاسفة المقدمة في هذا المجال. فالديانات السماوية سبق وأن أشارت إلى ذلك في صيغ مختلفة، كقصة النبي موسى وهارون الوزير (رجل التواصل بامتياز كما يفضل ذلك لوسيان سفيز “Lucien Sfez” مع فرعون). ثم، نطلع على عناصر عملية التواصل الخمسة مع مجيء الإسلام (المرسل+ المستقبل+ القناة+ الرسالة + الهدف)، بصيغة (الخطيب /الخطبة)،(الرسول/ الرسالة).

أما تأسيس الفلاسفة والعلماء فقد بدأ منذ آلاف السنين مع “أرسطا طاليس” و”أرسطو”[10] وقد أشار  الأخير لنفس المفاهيم التي سبق ذكرها:1-الخطيب 2- الجمهور 3- الخطبة[11]،  إلا أن التواصل عند المنظرين الأوائل لم يتجاوز مجرد إرسال المعلومات من المصدر إلى الوجهة أو الهدف. ليتطور فيما بعد كما ستعكس ذلك النماذج الآتية:

المحور الأول: نماذج التواصل

هناك توجهان رائدان في علم التواصل، النموذج الخطي (فقرة أولى) ثم النموذج الدائري ( فقرة ثانية)، ويجدر بكل باحث متخصص، الاطلاع عليهما لفهم صيرورة التطور التي رافقت تشكل المفهوم في اتجاه التأسيس للمقاربة النسقية في علم التواصل( فقرة ثالثة) .

 الفقرة الأول : النموذج الخطي (Schéma Linéaire)

كلف كلود شانون « Claude Channaon » بدراسة المشاكل المتعلقة بمردودية خطوط الهاتف. وبلور نظريته المعروفة بنظرية المعلومة  L’information » «Théorie Deمن خلال دراسته لعملية إرسال المعلومات عندما كان يشتغل مع فيلسوف الاتصال “ويفر”. وذلك لإعطاء نوع من المصداقية لنموذجه الذي تبنته لمدة طويلة مجموعة من الباحثين في مجال W.Weaver الاتصالات. وقد انصب اهتمام هذا المنظر من الدرجة الأولى على كيفية انتقال المعلومة من المرسل إلى المرسل إليه، دون تعرضها لأدنى تغيير. وفق ما يعكسه الشكل التالي:

من الاتصال إلى التواصل المؤسسي النماذج والأنساق-1

La Source : Denis Benoit[12].

طبقا لهذا النموذج، يختار مصدر المعلومات رسالة مرغوبة من بين عدة رسائل أخرى، ثم يرسلها إلى المرسل إليه عبر قناة. كما أن مصدر المعلومات يضع في اعتباره وجود تشويش، قد يحدث نتيجة عدة عوامل معنوية أو نفسية أو ميكانيكية. حيث إن حدوث الضوضاء يجعل الرسالة تتضمن بعضا من التحريفات (Distortions). الشيء الذي يجعل عدم التأكد أمرا واردا. أما المرسل إليه فيقوم بتحويل الإشارة إلى رسالة ويوصلها إلى وجهتها بعد معالجتها.

 إذن، يقتصر التواصل بهذا المعنى على مجرد إرسال للمعلومات من المصدر إلى الوجهة، في شكل علامة، ثم ترميزها من قبل المرسل، وفك ترميزها من قبل المرسل إليه، مع احتمال تعرض الرسالة إلى بعض التحريفات.

اعتبر الباحثان. وفق هذا النموذج، المصدر والرسالة والهدف وحدات مجردة، غير مرئية وواقعية. لا يمكن أن تؤثر على مسلسل التواصل بالشكل الذي قدماه إلا عند تواجدها فعليا. هذه النتيجة منطقية إلى حد ما لأن الباحثان استبعدا منذ البداية طرفي العملية التواصلية، واهتما بإرسال الرسالة كعملية فقط من جوانبها التقنية. على الرغم من أن المصدر والوجهة حاضران، ولا يمكن أن تتم العملية التواصلية بدونهما.

في المقابل، لم يكن “Le bit” – الذي يمكن تحديده كحدث ينتج عنه زوال التردد أمام اختيارين يتوفر حلهما على نفس احتمال الوقوع – سوى أداة عملية لقياس الفعالية المادية ووسيلة للحساب الاقتصادي.

اِعتبر كلود شانون، المهتم بالمسائل التطبيقية، أن المعلومة بالأساس كمية قابلة للملاحظة والقياس. ولا يمكن مؤاخذته على وضعه المعلومة داخل عالم فيزيائي معقلن. فمعنى المعلومة لا يمكن نكرانه، بل يتم ربطه بالسياق الاجتماعي والأنثروبولوجي. حيث لا ينجز التواصل لوحده بل ينجز المعنى أيضا.

يعتقد إدغار موران “E. Morin” بهذا الصدد، أن نظرية شانون المتعلقة بالمعلومة، تخفي العنصر الاجتماعي والأنثروبولوجي الذي تفرضه هي نفسها:” وبما أن الجرد بواسطة (le bit) لا يعكس سوى عدم احتمال التنظيم (الخطابي والمنتج للمعنى) وليس التنظيم ذاته، فإنه يجعلنا غير قادرين على التمييز داخل نفس المجموعة غير(المحتملة).( المكونة من حروف وكلمات) بين وضع منظم (خطاب ورسالة وقصيدة)، وتجاوز عن طريق الصدفة[13]. إن العملية الرقمية غير المهتمة بالمعنى، ليست محايدة مع ذلك.

 إن الترميز المحدد من طرف كلود شانون، بحذفه لتشويش الخط، باسم العقلانية والدقة والكونية والفعالية، قد يجازف بالقضاء على الواقع عبر تدشينه لحكم المعلوميات الصورية.

لقد ارتبطت نشأة الخطاب التنظيري والتحليلي للتواصل، بنموذجي كلود شانون ووارين وويفر Claude » Shannon Et Warn Weaver » ، الذين ارتكزا على قياس رياضي جبري للمعلومة كوحدة يمكن تقليصها إلى حدها الأدنى، كي تنخفض تكلفة نقلها عبر التلغراف[14].

المثير، أن [النموذجين] وجد لهما، على الأقل في المغرب، منبرا في الجامعة، فصار يدرس ويدرس بهما. وذاع تداولهما في الأوساط المثقفة كوسيلة منهجية لمقاربة الأدب والفن، والإعلام والبيداغوجية. من دون الانتباه إلى أصلهما التلغرافي الآلي، غير الملائم لحاجة المحلل نفسه في التواصل اليومي[15]. لقد ألغى التواصل الخطي دور الفرد كعلاقات وإحساس وقيمة وثقافة[16].

هارولد لازويل  » « Harold Lasswell(1902-1978)، المتخصص في العلوم السياسية، أعتبر من الأوائل الذين اهتموا ب التواصل الجمعي « Communication De Masses » تبنى النموذج الخطي للتواصل فقدمه من خلال الإجابة على الأسئلة الآتية: من؟ ( المتصل). ماذا يقول؟ ( الرسالة). كيف أو عبر أية قناة؟ لمن؟ (المرسل إليه). بأي أثر؟

توضح عملية التواصل على الشكل التالي:

من الاتصال إلى التواصل المؤسسي النماذج والأنساق-2

La Source :Daniel Bougnoux Et Harold Lasswell[17] .

تركز الدراسة العلمية لمعطى التواصل على عدة أسئلة؛ فالمتخصص في “من Qui ” يهتم بدراسة العوامل التي تتحكم في عملية التواصل، ويسمى ذلك بالتحليل الضبطي أو التنظيمي، والمتخصص في “ماذا يقول Dit Quoi”؛ يهتم بتحليل المضمون. بخلاف الذي يدرس المذياع أو الصحافة أو السينما أو أدوات الاتصال الأخرى فيسهم في تحليل وسائل الإعلام. أما المهتم بدراسة الأشخاص المرسل إليهم المستهدفين من قبل وسائل الإعلام فيوظف تقنية تحليل الجلسات. ثم تقنية تحليل الآثار، إذ كنا أمام تحليل آثار المضمون أو الرسالة[18].

يقدم النموذجان السابقان وضعيات مختلفة ومنفصلة تماما عن كل سياق، يجعل من الأفراد وحدات مجردة وغير مرئية ومنفصلة عن محيطها ووسطها الاجتماعي والثقافي. في حين أنها في تواصل مستمر مع عدة مجموعات: قد تكون أسرة أو جماعات عمل أو جمعيات أو وسط مهني. ولها نصيب من القيم والأخلاق والعادات والتقاليد وقواعد أخرى. تسمى بمجموعات الانتماء”Groupes D’appartenances”. هناك مجموعات أخرى تمثل ما يسمى بالنموذج المرجعي ” Modèle De Références”. لذلك فإن طريقة التعامل مع هذه المجموعات تؤثر في طريقة التواصل مع الآخرين، ومع المجموعات نفسها. وانطلاقا من قيمها يمكن الحكم على الفرد في بعض الجوانب السلوكية[19].

 الفقرة الثانية: النموذج الدائري Schéma Circulaire:

الجديد في المفاهيم حسب هذا النموذج[20]. إضافة السياق” Contexte” والارتجاع أو الارتداد” Feed Back”. بالنسبة للأول، (السياق)، تم تجاوز تلك النظرة لعناصر التواصل كوحدات مجردة ” Entités Abstraites” ( نموذج كلود شانون وويفر)، أو كوحدات خارج عملية التواصل أو غير حاضرة (نموذج هارولد لازويل). بمعنى أن الأفراد لا يرتبطون بمجموعات الانتماء ونماذجهم المرجعية.

 أعطى نموذج ريلي “Reley”( 1959)- من أوائل من أشار للوجود القوي للمستوى الاجتماعي في عملية التواصل- الاهتمام للأفراد والعلاقات التي تربطهم بالمجموعات التي ينتمون إليها، والتي تنمو وتتطور ضمن سياق اجتماعي متداخل.

 يظهر السياق بشكل جلي في التواصل الجمعي. حيث يتم التعامل مع أطراف العملية التواصلية كأعضاء اجتماعيين “Sujet Sociaux”.

وعن الارتجاع، قام نربرت وينر “Norbert Winer” بتعديل النموذج الخطي بإعطائه الأولوية لمفهوم الارتجاع، كنتيجة لأبحاثه حول علم التوجيه أو التحكم “Cybernétique”[21]، بقوله: ” لقد ربطت التواصل بالتحكم”. وهو ما صححه إدغار موران بقوله: ” لقد جعلت السبرنتيقا التواصل تابعا للتحكم”[22].

بالنسبة لوينر فالقصد أن النموذج المعلوماتي للحوار. يجهل معنى حقل “رجع الصدى” الجدلي بين قطبين. فهو يشتغل في حقل ما هو وظيفي ولا يبحث عن المعنى. ذلك أن الآلة التي تدرب على الحوار بواسطة برنامج جيد، لا تهيئ المرء بتاتا للدخول في صراع المعنى القائم في العلاقات الإنسانية التي تسعى، عند محاولتها، تجاوز التفاهات إلى نزع الاعتراف بالغيرية والتقدم نحو المعرفة الجدلية بأسرار الحياة[23].

أما القصد عند موران هو أن السبرنتيقا في ارتباطها الفعلي بنقل وبتبادل المعلومات، تقوم بتحويل هذه المعلومات إلى برنامج، وتمنح الآلة سلطة استخدام ومراقبة العمليات والتحكم فيها (تخزين الحسابات وعمليات منطقية). وبدل أن تقوم بعملية التجميع وتعطي الأولوية للتواصل، فإنها تصبح ” علم التحكم بواسطة التواصل وليس علم التنظيم التواصلي”.

لم يفقد هذا الاختلاف طرح وينر صلابته. فقد أسهم في إحداث قفزة نوعية في الفكر التواصلي، حيث تحليل التواصل شكل خطوة في الانتقال من المفهوم التقليدي للتواصل إلى المفهوم أو المقاربة النسقية للتواصل. إذ المصدر والوجهة يؤديان وظائف مختلفة في إطار مسلسل تواصلي دائري ” Processus De Communication Circulaire “.

نوضح هذا النموذج على الشكل التالي:

من الاتصال إلى التواصل المؤسسي النماذج والأنساق-3

La Source : Jen Pierre, Jak Jabes[24] .

يشكل الارتجاع بحسب الخطاطة وسيلة للرقابة، أي أنه يخبر أي نظام تواصلي، آلي أو إنساني أو اجتماعي، بنتيجة عمله. لا يساعد فقط على مراقبة الآثار، بل يصحح المعطيات حتى تصبح أكثر فعالية.

تكمن أهمية الارتجاع بهذا المعنى، في كون الباحثين، انتقلوا من مرحلة التواصل إلى مرحلة التفاعل ” Interaction “، بالمرور من النموذج الخطي إلى مفهوم المسلسل الدائري. تشبه هذه الدلالة في مفهوم التواصل إلى حد بعيد ، ثنائية (اتصال/ تواصل) التي تعبر عن الانتقال حسب اعتقادنا من النموذج الخطي إلى الدائري.

 الفقرة الثالثة: نحو نظرة نسقية للتواصل[25]

تعد الانتقادات والمؤاخذات التي تم إدراجها في سيرورة التواصل، من الأسس التي اعتمدها المنهج النسقي لتجاوز الرؤية التلغرافية للتواصل، نحو رؤية أكثر إنسانية،[26] بلورتها الدراسات الأنثروبولوجية على يد “غريغوري باتيسون” الأب الروحي لمدرسة بالو آلطو[27].

يمكن اعتبار مفهوم الإجبار المزدوج”Double contrainte”[28]، مدخلا جوهريا لفهم الفكر النسقي الذي طورته المدرسة السابقة، والذي استعمل في العلاج النفسي. حيث يعتبر التواصل أساس أي خلل قائم داخل النسق العائلي، والاجتماعي.

أخد المنهج النسقي على سبيل المثال لا الحصر، بالإضافة إلى مفهوم “الإجبار”، عن “السبرنيطيقا” مفهوم الارتداد[29] إذ ليس إلا ردا على الاعتقاد أن التواصل يتحقق بمجرد أن يرسل (أ) خطابا أو رسالة إلى (ب)؛ ذلك أن المعنى المنتظر أو المبتغى ليس سابقا لفعل التواصل، ولا يمكنه أن يبرز إلا إذا وقع فعل العودة على الخطاب نفسه. فإذا اعتبرنا النسق، الذي يعتبر الأفراد جزءا منه، كصندوق أسود لا يمكن فهم العمليات المعقدة التي تتم داخله، أصبح من الواجب الانتباه إلى ما يدخل إليه (Input)، أي المعلومات التي” تحقن” داخله، وما يخرج منه (Output)، أي ردود الأفعال التي تصدر عنه. هذا ما يعادل عملية الإرسال والاستقبال.

أضاف (المنهج النسقي) على الرياضيات، مفهوم “العلاقة” (Relation)[30]، وعلى نظرية الدينامية الحرارية مفهوم الاتزان(Homéostasie)[31]. عناصر شكلت روح منهج مدرسة “بالو آلطو”. وأسهمت في توسيع فهم وإدراك المقاربة النسقية المجسدة ليس فقط على مستوى العلاقات الاجتماعية بل كذلك في إطار العلاقات التفاعلية مع كل التنظيمات والمؤسسات.

1- المدخل النسقي: مدخل النظم

تعتبر “المدرسة النسقية” من أهم وأحدث المدارس التي تعرضت إلى دراسة التنظيم المؤسسي، ويعد لي برتلونفي “Lee Bertalanffy” من أوائل من وضع تصورا للأنساق في ميدان التنظيمات سنة (1937). ثم توالت بعد ذلك الدراسات بواسطة عدد كبير من المفكرين ابتداء من الخمسينات. يمكن ذكر(Blau1955)، (Parson1949) Selznigk1949))، لتشمل المؤسسات الاقتصادية، من الناحية السوسيولوجية (الاجتماعية) ومن الناحية النظرية والوظيفية التقنية. وعرفت هذه النظرية تطورا سريعا نظرا لغزارة الأعمال بها والاستعمالات الواسعة لها وانتشار مفاهيمها بسرعة. خاصة أن البيئة الخاصة بالمؤسسة كانت تعرف تطورا سريعا جدا في ذاك الوقت. ما جعلها تهتم بالجوانب التنظيمية للمؤسسة والعلاقات مع البيئة والأهداف والاستراتيجيات وتسيير الموارد البشرية.

2- التنظيم حسب المدرسة النسقية

 التنظيم[32] (المؤسسة)[33]:” نسق يتكون من عدة أجزاء وأنساق فرعية، مرتبطة ببعضها البعض. ويحدث بينها تفاعل. هو عبارة عن علاقة ديناميكية تتواجد بين المركبات الداخلية لكل تنظيم، تضاف لها العلاقة الخاصة بالتبادل مع البيئة”.

حصر هذا التعريف مفهوم (التنظيم) في نسق مغلق. مستقل ذاتيا، لا يحدث بينه وبين البيئة الخارجية أي تفاعل. لكن تطَوّر، لتصبح المؤسسة فيما بعد نسقا يستورد بعض العناصر من محيطها ثم تتم عملية تحويلها وتصديرها مرة أخرى للبيئة. لهذا فكل مؤسسة تنظيم يجب أن تدرس على أساس أنها نسق مفتوح.

3- مميزات المؤسسة كنسق مفتوح

 تتميز المؤسسة كنسق مفتوح باعتمادها المتبادل على البيئة الخارجية وتداخلها معها من حيث تبادل التأثير والتأثر. يتضح ذلك من خلال الخطاطة التالية[34]:

من الاتصال إلى التواصل المؤسسي النماذج والأنساق-4

– المداخل: تستمد المؤسسات وتتلقى معطيات من البيئة المحيطة، تتمثل في التنظيم والموظفين والمعلومات والتكنولوجيا.

 – المخارج: المنتوج النهائي الذي يتم إنتاجه، كان سلعة أو خدمة. وسيتم طرحه للعموم.

خلاصة القول إن المؤسسات كنسق مفتوح، تأخذ مداخلها من البيئة الخارجية. وفي الوقت نفسه تصدر مخرجاتها. مما لاشك فيه أن البيئة المحيطة تحوي عدة أنواع بيئية كالبيئة السياسية والاقتصادية والمادية والفنية. لذلك يجب على المؤسسات أن تستجيب للتوقعات التي تمليها ظروف المجتمع. حتى تضمن لنفسها البقاء والاستمرار والاستقرار والتطور. من هذا المنطلق، يعتبر النسق التواصلي من أهم مدخلات المؤسسة. غدا يؤثر في أهدافها وسياساتها وأساليب عملها ونتائجها.

المحور الثاني: التأصيل المفاهيمي

تنبع أهمية التركيز على التحديد المفاهيمي اللغوي والاصطلاحي لبعض المفاهيم ضمن هذه الورقة في الوصول إلى نسق اصطلاحي متسق وموحد يربط الجانب التنظيري بالجانب الاصطلاحي، خاصة وأننا أمام مفهوم متجدد ويتطلب قدرا من الدقة في الدلالة، فقد يدل المصطلح على أشياء كثيرة وفي الوقت ذاته لا يدل على شيء محدد، ما يصعب ربط الشيء باسمه، وبالتالي العجز عن إتيان القول المحكم الدقيق المتفق عليه.

الفقرة الأولى: ماهية التواصل/ الاتصال

في الاستعمالات المعرفية والعلمية باللغة العربية نجد مصطلحين تواصل واتصال، يتم التعبير عنهما كترجمة مرادفة للمصطلح اللاتيني . «Communication» إذا كان هذا الأخير يتضمن عدة معان واستعمالات متنوعة دون تمييز سوى من خلال المجال الذي يستعمل فيه، فإن توفر مصطلحين في الاستعمالات باللغة العربية، يسمح بنوع من التمييز على المستوى المفهومي. ذلك من حيث ما قد يفيد به كل مصطلح في خصوصيته من ظواهر وسيرورة وتصور. على اعتبار أن بين المفاهيم والظاهرات علاقة متبادلة. ثم إن وجود هذين المصطلحين بمثابة إغناء في القاموس العربي، لذلك. فإن تمييز مجال الاستعمال بينهما، استدعته بالأساس شروط معرفية تجعل من المفهوم أداة ومقولة تسمح بتصنيف الوقائع والسلوكات. خصوصا أن عالمنا العربي مازال يعيش على إيقاع جدل هامشي في تقدير العديد من خبراء الاتصال. يتعلق الأمر بترجمة المصطلح الذي تلقيناه من الغرب، أهو تواصل أم اتصال ؟ هذا من جهة، ومن جهة أخرى فعادة ما تتم الإشارة لمصطلح الاتصال عند المشارقة (خاصة مصر) ككناية عن التواصل، وبالمقابل يستعمل مصطلح الإعلام للإشارة إلى مفهوم الاتصال[35].

الأهم بالنسبة لنا ليس المرادف، بل المفهوم (Concept). تشمل اللغة العربية عددا من وحدات التعبير والمفردات من قبيل: واصل وتواصل (فاعل، تفاعل)، والمصدر من وصل الشيء وصلا وصلة، أي وصل = ربط = جمع = انتمى، الوصل ضد الهجران، وكذلك هو خلاف الفصل.[36]

 تقر بعض المواقف والأطروحات[37]، بأن التواصل يعني تبادل أفكار ومعلومات وآراء بين طرفين أو عدة أطراف أو جهات معينة مهما كان عددها، قل أو أكثر. والمراد هنا تحديدا هو غير الاتصال. فالاتصال وإن كان يفيد الربط بين شيئين أو شخصين أو عدة أشخاص، يتضمن معنى السلطة والعنف الرمزي. وفي جانب آخر يفيد إعطاء الأمر وإصدار التعليمات. فعلى العكس من ذلك: التواصل يفيد معنى التفاعل والتبادل والمشاركة والمساواة والتأدب.

أما من الناحية الاصطلاحية، وبعيدا عن متاهات الحقول المعرفية المختلفة، فالتواصل مجموع الأدوات التي تجمع بين طرفين مختلفين (مرسل ومستقبل) من أجل الوصول إلى تحقيق أهداف معينة ترتبط بالغاية المنشودة المراد الوصول إليها.

فإذ كان الاتصال يرتبط باتجاه أحادي يجعل الطرفين مختلفين: الأول مرسل بالضرورة والثاني مستقبل لزوما. من ثمة نجد أن في الاتصال رغبة من أحد الطرفين باتجاه الآخر. قد يستجيب هذا الآخر ويتفاعل معها، أو أنه يرفض ولا يبادل تلك الرغبة. كما قد يصرف لهذا التفاعل كعلاقة ميكانيكية. فإن التواصل أكثر قوة من هذا المفهوم، لأنه عملية تفاعلية بين طرفين: الأول مرسل والثاني مستقبل. قد يتحول المرسل مستقبلا والمستقبل مرسلا في خضم التفاعل والتخاطب بينهما. وهذا ما تم تأكيده عبر سيرورة التطور المعبر عنها عند إدراج نظريات التواصل.

الفقرة الثانية: التواصل المؤسسي

 يرىLucien Sfez  أن موضوع التواصل داخل المنظمات له بعض الخصائص المتناقضة. فمن جهة مفهوم التواصل ومفهوم المنظمة وكيفما كان المعنى الذي يعطى لهما والموقف المتبنى إزائهما، فإنهما مفهومين مختلفين. ومن جهة أخرى، متداخلين وغير قابلين للانفصال. وأن المعرفة الممكنة تبدو ممزقة ومشتتة[38].

وكون التواصل والمنظمة متداخلين وغير قابلين للانفصال، يعني أن الأول يرتبط تقريبا بكل وظائف المنظمة. الشيء الذي يصعب معه حصره في مفهوم وتطويقه فيه، إنه من الصعب تحليل مفهوم ميزته العمومية والتداخل[39].

سيترجم هذا الغموض، على مستوى التمييز بين أنواع التواصل. فبعض الباحثين أمثال Jacobson و Seashore يميزان بين نوعين من التواصل: تواصل خارجي وتواصل داخلي. ويقسمان هذا الأخير إلى تواصل منظماتي Communication Organisationnelle وتواصل ما بين الأشخاص Communication Interpersonnelle.

1- نموذج تواصل المقاولة أو المنظمة

 يعرف» «Jean Michel Utrad تواصل المقاولة أو المنظمة في هذا السياق؛ “بكل الأعمال والتصرفات وسلوك التواصل الهادفة إلى تنمية وإشهار المنظمة وإعطاء قيمة لصورتها كمؤسسة”[40]، عكس التواصل التجاري « Communication Commerciale »الذي يعني السلوك والأفعال تجاه المستهلكين لتسويق منتوج معين: الإشهار ودراسة السوق…إلخ[41].

تتحدث المنظمة حسب هذا الطرح عن نفسها، وليس عن منتوجها. وتتوجه إلى جمهورها الداخلي أكثر من توجهها إلى جمهورها الخارجي. استعمل هذا التعبير مرادفا لتعبير التواصل المؤسسي Institutionnelle». « Communication 

2- نموذج عمومية التواصل المؤسسي

يعتبر النموذج التواصلي المؤسسي تسمية تشمل مختلف التواصلات الخاصة. حيث تهتم المنظمة بصورتها وشرعيتها. وتكرس كمؤسسة وكمنظمة تجاه مختلف جمهورها الخارجي مثلا: تواصل مالي”Communication Financiére ” تجاه المستثمرين، والمهنيين والأبناك وحاملي الأسهم.

[يشمل] تواصل الأزمة”Communication De Crise” مختلف التصرفات والسلوكات أثناء الأزمة تجاه كل جمهورها لمنع تدهور صورتها وتدنيها[42].

إلا أنه بالنسبة لبعض الباحثين، إذا كان التواصل التجاري أو تواصل المنتوج “Communication De Produit ” موجها نحو الزبناء أو المرتفقين، والتواصل المالي موجها إلى الوسط المالي والتواصل الداخلي موجها نحو الموظفين وعمال المقاولة أو المنظمة، فإن التواصل المؤسسي[43]، يهم فقط الأفعال والسلوك أو التصرفات التي تجريها المنظمة أو المقاولة تجاه السلطات العمومية أي أن التواصل المؤسسي يستعمل كمرادف للتواصل الحكومي أو تواصل الجماعات المحلية.

في سياق استحضار مواقف المختصين في مجال التواصل، نسوق ما جاء في مؤلف الأستاذ عبد الرحيم العماري» نسق التواصل السياسي بالمغرب: خطاب الكتلة الديمقراطية من الميثاق إلى التناوب (17 ماي1992- 14 مارس1998) «، حول المفهوم. حيث اعتبره:

“[تواصلا] بين المؤسسات، قد تحكمه قصدية تبرع أو تفضل أو إرادة جماعية أو غاية إشهارية وتجارية إنه بمثابة تزكية لمواطنة الشركة. إنه يمنح التقييم؛ أو إعطاء قيمة لدور الشركة في التنمية المجتمعية والاقتصادية”[44].

اِستقينا هذه الخطاطة من المؤلف نفسه، كتعبير عن القفزة النوعية التي أحدثتها نظريات وعلوم التواصل عبر حقبة من الزمن:

مرحلة التواصل التقليدي/ التواصل الإشهاري = الدعاية لمنتوج

مرحلة التواصل الجديد / [التواصل المؤسسي] = الدعاية للشركة التي تنتجه[45].

يتحدد المعنى نفسه في مؤلف» الدليل والنسقية، التواصل: المعرفة والسلطة«،[46] عند إشارة المؤلف لقولة أحد المتدخلين[47]:” ليس بالإمكان أن نكتفي بإشهار المنتوج دون إعلام عن المقاولة التي تصنعه، [من حيث] قيمها الإنسانية، والأدبية واندماجها في المجتمع عبر مساهمتها في [مشاريعه] الثقافية والرياضية والمجتمعية”[48].

الفقرة الثالثة: النسق

 يحيل النسق إلى مجموعة من الحمولات مثل: الاتساق، الترابط والانتظام. ويعني[49]: من جهة، جهازا أو مجموعة عناصر لها وظيفة محددة، أو مجموعة مناهج ووسائل منظمة تقود إلى نفس النتيجة، ومن جهة ثانية، مجموع المبادئ النظرية والمناهج المحسوسة للعمل والتسيير والتنظيم، في مجالات السياسة والاقتصاد. في السلم المؤسساتي، ومن جهة ثالثة، مجموعا منظما ومهيكلا، أو نموذجا متماسكا للفعل والتفكير. حيث تُفهم كل العناصر على أساس أنها متسقة في وحدة منطقية. فالنسق يتضمن إتباع مظاهر بنيوية وأخرى وظيفية.

يعرف “إبراهيم أبراش” النسق (الاجتماعي) بأنه: “عبارة عن فاعلين أو أكثر يحتل كل منهم مركزا أو مكانة متمايزة عن الآخرين، ويؤدون دورا متمايزا. فهو عبارة عن نمط منظم يحكم علاقة الأعضاء ويصف حقوقهم وواجباتهم تجاه بعضهم، وإطارا من المعايير أو القيم المشتركة بالإضافة إلى أنماط مختلفة من الرموز والموضوعات الثقافية المختلفة”[50].

خاتمة الدراسة:

في مقام أول، يمكن أن نستنتج أن الفعل يكون له نسقه العام ثم نسقه الاجتماعي. ويجوز لنا إسقاط هذا التحليل على الفعل التواصلي الذي نحدد مجاله بنسق عام بغض النظر عن طبيعة ونوعية التواصل السائدة، التي تتحدد هي الأخرى انطلاقا من الوظيفة أو الهدف الذي تسعى الإدارة أو المقاولة إلى تحقيقه. مثلا نقول: هناك تواصل، (التواصل كفعل)، طبيعته: تواصل إداري، سياسي، تجاري، مؤسسي. نكون هنا بهذا التحديد أمام (نسق عام للتواصل). ثم في مرحلة مقبلة ننتقل إلى تيسير اندماج هذا النسق التواصلي في الوسط الاجتماعي وتحوله إلى نسق اجتماعي كنمط منظم، وفق معايير وقيم مشتركة تحكم علاقات الأعضاء الفاعلة فيه. وعليه. يشير النسق إلى أن الظاهرة المدروسة، ليست وحدة عرضية وعشوائية، تتكون من عناصر مستقلة عن بعضها، بل ينظر إليها على أنها كل ترابط ترتبط فيه الأجزاء فيما بينها ترابطا منطقيا.

ومن ناحية ثانية، النسق سلسلة من الحقول التجميعية، بعضها يترابط حسب التقارب في الشكل الخاضع لمجموعة من المتغيرات؛ الظروف، البيئة، القانون. بعضها الآخر يترابط حسب التقارب في وحدة الهدف. على أن التعارض بين الأجزاء إذا تعلق الأمر بالظاهرة الاجتماعية، يمكن أن يساعد على بناء النسق، والتضاد بين عناصر الحقل حمال للدلالة كذلك. تتعالق العناصر بعضها برقاب بعض حين التقارب أو حين التباعد لتنتج المعنى.

ومن ناحية ثالثة، نظر علماء الاجتماع إلى الواقع على أنه يشتغل وفق منطق داخلي خاص به. وافترض “بيار بورديو” أن للواقع منطقه، فالنسق ليس معطى بل علينا البحث عنه. ولفظ النسق حاضر بكثافة في أعماله. وللفضاء الاجتماعي مجموعة منظمة أو بالأحرى نسق من الأوضاع الاجتماعية التي تتحدد الواحدة فيها بعلاقتها بالأخرى. فوضعية الرئيس تفترض وضعية للمرؤوس. هو إذن، نسق من الاختلافات، من الأوضاع، تتحدد بما فيها من تعارضات فيما بينها، كالشمال يعرف بتعارضه مع الجنوب، والشرق بتعارضه مع الغرب. وبالتالي فإن نظرية المعرفة السوسيولوجية عند بورديو هي في حد ذاتها: “نسق من القواعد يحكم إنتاج كل الأفعال والخطب السوسيولوجية الممكنة ما دامت علمية”[51].

إن حقل التواصل ليس حقلا خالصا ينهل من خصوصية اتجاه واحد. إنه حقل التداخل المعرفي يفرض على النسق التشكل بقوة والتردد بشكل متكرر على شتى العلوم. إنه نسق نوعي من العلاقات الموضوعية تفهم وتدرس في نطاق “التواصل”، تختلف باختلاف الرهان والفاعل وشروط الاشتغال ويمكن أن تكون علاقات تحالف أو صراع، وعلاقة منافسة أو تعاون بين أوضاع مختلفة محددة اجتماعيا، وغير مستقلة عن الوجود المادي للفاعلين الذين ينتمون إليه. وبهذا المعنى ينصهر مفهوم التواصل في المقاربة النسقية بمنطق فكرة التفاعلات وبالتالي السببية كعوامل دائرية سمحت بفهم أجزاء النسق عن طريق مفهوم الارتجاعية (La rétroaction)، الذي تجاوز مفهوم الاتصال البعيد كل البعد عن صراع المعنى المفروض في العلاقات الانسانية.


الهامش

[1] – المنجرة ( المهدي):” عولمة العولمة، من أجل التنوع الحضاري”، كتاب الجيب، ع18، مطبعة النجاح الجديدة- الدار البيضاء، منشورات الزمن، ط، الثانية، 2011، ص: 23.

[2] – هابرماس (1929) فيلسوف ألماني، قطب من أقطاب الفلسفة المعاصرة، من أبرز المفكرين الألمان المعاصرين وآخر أعلام المدرسة النقدية. ينتمي لنفس التيار الفكري لمدرسة فرنكفورت أو النقدية الجديدة التي تتميز بدفاعها عن الفرد ضد كل سلطة، وبدفاعها عن العقل ضد كل مظاهر اللاعقلانية التي سادت العالم الغربي في أواسط القرن العشرين. كتابات هذا الفيلسوف أثارت اهتمام أشهر الكتاب والباحثين السياسيين منهم توماس ماك كارثي « McCarthy » ، جون توبسون  « Jhon Thompson » وريتشارد بيرنستن  « Richard Bernstein ». وعام 1979 اعتبرت مجلة ” Der Spiegel” هابرماس أكثر المفكرين شهرة في ألمانيا. للاطلاع: أبو النور حمدي (أبو النور حسن): “يورجين هابرماس/ الأخلاق والتواصل”، التنوير للطباعة والنشر، بيروت، 2017، ص: 6.

[3] – حاول هابرماس من خلال مشروعه الفلسفي الاستعاضة عن المادية التاريخية بنظرية في التطور الاجتماعي، تعطي الأولوية لتطور الأنساق المعيارية وإبراز دور كل نسق معياري لكل مرحلة يمر بها المجتمع في تشكيل نظمه السياسية والقانونية، وذلك كبديل للأولوية التي أعطتها المادية التاريخية للبناء التحتي الاقتصادي في تشكيل البناء الفوقي. للاطلاع نحيل على: – أبو النور حمدي (أبو النور حسن): م، ن، ص:13.

[4] – في حديثنا عن نظرية الفعل التواصلي والعقل التواصلي عند هابرماس، لا بد من التطرق إلى مفهوم العالم المعيش الذي يشكل عملية التفاهم بين الذوات، اهتم به هابرماس وخصص له الجزء الثاني من كتابه  نظرية الفعل التواصلي»  « The Theory of Communication Action، لا يمكن أن تقتصر نظريته في المجتمع على نظرية الفعل التواصلي دون أن تستمد شرعيتها من العالم المعيش. يؤكد هذا الفيلسوف أن العالم عرضة للتغير من خلال تحول بنية المجتمع ككل. هنا تبرز نقطة التقاء موضوع البحث مع النظرية التواصلية في المكون النسقي المؤثر في صيرورة التواصل والمحدد لها. بهذا الصدد نشير إلى:

Habermas: The Theory of Communication Action , Tms By Thomas Mc Carty Boston, Beacon Press V2,1987,p.119.

[5] – نستطيع القول أن العقل التواصلي عند هابرماس هو المنظم للنشاط التواصلي سعيا وراء وضع شروط حقيقة لمجتمع ممكن، يقول الفيلسوف: “عقل تواصلي يتجاوز الذات ليكون نسيجا من الذوات المتواصلة التي تتجاوز ذاتيتها”، في هذا تجاوز للعقلانية الغائية عند ماكــــــس فيبــــــر   « Max wiber »  التي تلتقي مع المكيافيلية في كون الغاية تبرر الوسيلة. هي نفسها العقلانية الأداتية عند كل من هوركهيمـر   « Horkheimer » وأدورنوAdorno التي بقيت أسيرة فلسفة الشعور أو الوعي. أنظر:

 – Habermas: The Theory of Communication Action , Tms. By Thomas McCarthy. Boston, Beacon pressV1,1984, p.8.

– Horkheimer & Adorno: Dialectic of Enlightenment, Philosophical Fragments to ward a philosophy of History, Allen Lone, London, 1973.

 – Horkheimer: The Eclipse of Reason, New York, Continuum, 1974.

[6] – Habermas: The Theory of Communication Action, V2,1987, Op. Cit. p.199.

[7] – يفرض هؤلاء الفلاسفة فكرة “الإنسان الباطني”، أي ذلك الإنسان الذي يوجد منعزلا وخارج العالم.

[8] – بن زروق (جمال ): “التغير التنظيمي داخل المنشأة ومدى مساهمة النسق الاتصالي في إنجاحه”، م.ج.د، م26، ع الأول والثاني 2010، ص: 428.

[9] – الجابري (محمد عابد): “التواصل. نظريات وتطبيقات”، الكتاب الثالث/ مساهمة مجموعة من المؤلفين، س،ف،ن، الشبكة العربية للأبحاث والنشر بيروت ، ط. الأولى 2010، ص: 16.

[10]– علي أبو العلا (محمد):”فن الاتصال بالجماهير بين النظرية والتطييق”، دار العلم والإيمان للتوزيع والنشر،2013، ص:15.

[11] – أنماس (طه): ” دور النظام التواصلي في تحقيق إدارة فعالة ومنتجة”، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون العام، جامعة محمد الخامس كلية العلوم القانونية ولاقتصادية والاجتماعية أكدال-الرباط-.1998-1999، ص: 71.

[12] – Denis Benoit : « Introduction Aux Sciences De L’information Et De La Comunication » , Les Editions D’organisation, Paris,1995, P :25 .

[13] -Edgar Morin: “La méthode 1 , la Nature de la nature”, Paris, Seuil, 1977 ,p:304.

[14] – لكن هذا النموذج ذا الخانات الست ( مصدر المعلومة- الجهاز المرسل- الرسالة- مصدر التشويش- الجهاز المستقبل- هدف المعلومة أو المرسل إليه)، سرعان ما عمم نفسه، عن غير قصد، على أشكال التواصل كافة البعيدة كل البعد عن الأصل التلغرافي التقني الصرف، التي تندرج في إطار الصنف الأول. وقد ساهم في هذا التعميم نموذج ” رومان جاكبسون Roman Jakobson” الذي احتفظ بالخانات الست، وأعاد تسميتها كي يجعلها ” أكثر” ملاءمة لتحليل النص الأدبي بالدرجة الأولى، كاشفا بذلك عن نزعته البنيوية المعتمدة بشكل مغرق في الستينات من القرن الماضي.

نحيل إلى: – مستر (حسن): “لا وعي التواصل”، مساهمة في، “التواصل نظريات وتطبيقات”، س فكر ونقد، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ط الأولى2010، ص:12.

[15] – على حد تعبير “yves winkin”، أن ما يمكن أخذه على النموذج التلغرافي هو كونه:

– كتابي في الأصل، أي أنه يعتبر اللغة أداة وحيدة للتواصل، مغيبا بذلك كل المكونات الأخرى غير اللغوية، والتي تؤثث بسكون نظام التواصل المعقد.

– يقدم التواصل على أساس أنه فعل واع وإرادي، يتوقف على رغبة الفرد في إيصال معلومات محددة إلى الآخر المنزوي في عزلة في الاتجاه المقابل، مع العلم أن للتواصل طابعا إجباريا يعتبر كل فعل أو قول مادته كالصمت والحركة.

– نموذج خطي هدفه وصف نقل أو انتقال المعلومة. وحذف رجوع المعلومة.

– يفترض أن المعنى ينبع من الخطاب الموجه إلى المستقبل، وأنه سابق للتواصل، لا ينبع من تفاعل الأفراد ولا من السياق المحدد. وحتى عندما أدرج جاكبسون السياق في نموذجه لتفسير إنتاج المعنى داخل التواصل، استعمله في معناه الضيق.

– يعطي أهمية مركزية إلى الرسالة بكونها غاية التواصل. في حين أن هناك أشكالا أخرى تنبني على العلاقة، بالإضافة إلى العرف والطقوس الاجتماعية. أنظر:- مستر( حسن): “لا وعي التواصل”، م. ن، ص:13.

[16] – أنماس (طه): م. س، ص:200.

[17] – Daniel Bougnoux Et Harold Lasswell : « Structure et fonction de la communication dans la société » , 1948 p, 698-703 .

[18] -Denis Benoit: “Information- Communication”. Edition d’organisations.1994.p26.

[19] – الرسمان التخطيطيان المقدمان لكل من كلود شانون ولازويل، يندرجان ضمن المقاربة الإعلامية للتواصل. وحسب “لوسيان سفيز”، فإن من عيوب هذه الأخيرة. كونها لا تهتم إلا بالمضمون التقني للرسالة بعيدا عن تدخل أي مضمون دلالي.

[20] – بفضل مدرسة العلاقات الإنسانية ونظرية السلوك الإداري وخاصة مدرسة ” بالو ألطو”، تمكن النموذج الدائري من إبراز أهمية ودور المتلقي في العملية التواصلية.

[21]– نتحدث هنا عن المقاربة السيبرنيطيقية:( Approche cybernétique). كلمة Cybernétique مستمدة من الكلمة الإغريقيةKubemetikos  وتعني(Propre à être piloté) كما أن الكلمة (kubernettes) تعني الربان أو القبطان. أما في اللغة اللاتينية؛ فنجد كلمة (Gubernator) وتعني ( Gouvernail) بالفرنسية، ومنها اشتقت كلمة (Gouvernement) أي الحكومة المتمثلة في الجماعة المنتجة التي تتولى القيادة الاجتماعية والسياسية.

ظهرت المقاربة “القبطانية” على يد مؤسسيها نوربرت وينر(Norbert Weiner) خلال الأربعينيات. عرفت انتشارا واسعا في الأوساط العلمية، وخصوصا بعد اكتشاف الحاسوب سنة 1945 من قبل فون نورمان ( (Von Neurmaun.

يمكن تعريف السيبرنطيقا بأنها مبحث يهتم بتنظيم الآلة بطريقة تؤدي إلى المراقبة الذاتية لاشتغالها، وفق الإشارات التي تدل على سير العمليات وترتيبها. كما أن هذه الآلة تكون خاضعة لنظام التغذية الراجعة. وما يميز السيبرنطيقا هو كونها لا تهتم بالسلوكيات الفردية بقدر ما تهتم بالعلاقات المتولدة عن العلاقات الجماعية خلافا للمقاربات التقليدية التي كانت تهتم فقط بمضمون الظاهرة المدروسة بعبارة أخرى يركز نظام التفكير في هذه المقاربة على مسلمة مفادها أن طبيعة الحقيقة لكل كائن قابل للملاحظة سواء أكان حيا أو آلة، تكمن كليا في العلاقات القائمة بين عناصر المنظومة.

أنظر: – مجلة علوم التربية، ع،4- مطبعة النجاح الجديدة. البيضاء.ص:96.

– Denis Benoit: “Information- Communication”. Op. Cit. p: 82.

[22] -E. Morin, op. cit. p. 262.

[23] – D. Peccoud: “La télématique ou l’homme éclaté”, in Projet, n°153 ,mars1981 ,p.281-294.

[24] -Jen Pierre, Jak Jabes :« Traité des organisations, presses universitaires de France . 1er édition 1982, p :46 .

[25] – للمزيد من الاطلاع عن المقاربة النسقية الاتصالية، أنظر:

– Mucchielli, A Et Coll: “Théorie Des Processus De La Communication” , Collection Universitaires des Sciences De La Communication, Armand Collin Editeur, Paris (1998).

– Mucchielli, A: “Nouvelles Méthodes D’étude Des communications” , Collection Universitaires des Sciences De La Communication, Armand Collin Editeur, Paris (1998).

– Mucchielli, A: “Théorie Systémique Des Communications. Principes Et Applications”. Collection Universitaires des Sciences De La Communication, Armand Collin Editeur, Paris (1999).

– Mucchielli, A: ” Les Sciences De L’information Et La Communication”. Hachette Livre Editeur , Paris (1995).

[26] – الجابري (محمد عابد): ” التواصل، نظريات وتطبيقات”، الكتاب الثالث/ مساهمة مجموعة من المؤلفين، س، ف، ن،  الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ط. الأولى بيروت2010، ص: 13.

[27] _ تمثل مدرسة بالو ألطو ( ذات التسمية المشتقة من اسم مدينة صغيرة في كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية) تيار بحث متعدد التخصصات. اهتم في الخمسينات بإشكالية [التواصل] وتطبيقاتها في دراسة الأمراض العقلية ( pathologie mentale)، القاسم المشترك بين العلماء المكونين لهذه المدرسة، اعتمادهم على خلفية نظرية موحدة، هي المقاربة النسقية مرجعا لدراساتهم. وقد انبثق عنها فوج توجه نحو البحث تحت قيادة (Bateson, G) الملهم الأول لهذه الحركة، والفوج الثاني تحت قيادة عالم النفس (Jackson, Don)، الذي أسس في سنة 1958 معهد الدراسات العقلية (Research Institute Mental)، ومن بين أهم الباحثين في هذه المدرسة نذكر: بول فاتسلافيك (Watzlawick, Paul) وراي بيردويستيل (Birdwhistell, Ray ) وهالي  (haley). تأثرت المدرسة بالمقاربة النسقية واللسانيات والمنطق والفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع وحقول معرفية أخرى. وانصبت انتقاداتها على النماذج الخطية في التواصل. واقترحت تواصلا في شكل دائري. هي ترى: – نعيد توظيف القولة السابقة ليس من باب الإطناب ولكن من باب التوضيح أكثر ارتباطا بالسياق- “تعقد الوضعية التفاعلية أمر لا نقاش فيه، واختزالها في متغيرين أو أكثر يشتغلان بطريقة خطية عمل مجاني”؛ فعند دراسة الظاهرة التواصلية لابد من اعتبار عوامل التعقيد والتركيب واختلاف السياق. الشيء الذي يجعل المتلقي في مستوى المرسل من حيث الأهمية. أنظر:

– بن زروق ( جمال):”التغير التنظيمي داخل المنشأة ومدى مساهمة النسق الاتصالي… ” م. س، ص: 428.

[28]– أفرزت دراسات مدرسة بالو آلطو مفهوما ذا قيمة علمية أساسية مكنت من فهم حالة انفصام الشخصية بمعزل عن “التصور الفريدي”. إذ أن الفرد في المجتمع الباليني يعيش داخل نظام علائقي يتسم بقصور في التعبير عن المشاعر الشخصية. هذا يرجع في نظر باتيسون إلى كون هذا التعبير تم تغييبه داخل العلاقة مع الأم التي تبدي لا مبالاتها عندما يقترب منها طفلها. وتقبل عليه حينما يكون قد استدار نتيجة لا مبالاتها. وأمام هذا الشكل من التواصل، لا يملك الطفل، كطرف في عملية التواصل، إلا أن يطور نوعا من الفتور وبرودة المشاعر كي لا يكون مجبرا على تحمل قساوة لا مبالاة الأم. فتكون النتيجة علاقة مبنية على” الإجبار المزدوج”. ذلك أنه من الصعب القول أن الطفل يستجيب لفتور الأم، لأن الأم نفسها تستجيب لفتور الطفل، وينتج عن هذا تقطيع مغاير للأحداث لدى المنخرطين في العلاقة. حيث ” يعتقد (أ) و (ب) بأن كلا منهما يكتفي بالرد على سلوك الآخر من دون الانتباه إلى كونهما يؤثران في ذلك السلوك بردود أفعالهما”. فيصير كل سلوك علة ونتيجة، منبها واستجابة في آن واحد. وفهم هذا التداخل يفسح المجال للانتباه إلى نظام التواصل ذاته.

– بتصرف عن مستر (حسن):”لا وعي التواصل”، ضمن كتاب التواصل نظريات وتطبيقات، م. س، ص، ص:14و15.

[29]– مستر (حسن):”لا وعي التواصل”، م.س، ص:15.

[30] – يشكل مفهوم العلاقة المستوحى من الرياضيات، بالفعل نقطة تحول جوهرية على مستوى التصور السائد عن التواصل. فإذا كان هذا الأخير، كما، أشرنا، يركز على مركزية الخطاب أي المحتوى، فإن مفهوم العلاقة يجعل من هذا المحتوى مجرد أثر لطبيعة رؤية كل فرد للآخر. وبالتالي، فإن طبيعة هذا الفرد لا تحدد بمعزل عن الآخر بقدر ما تحدد داخل النسق الذي يساهمان في بنائه. فإذا كانت النظرة التقليدية للأعداد قائمة على كونها تمثل كميات ثابتة، فإن الرياضيات الحديثة بإدخالها مفهوم المتغير(Variable) نقضت هذا التصور. فقيمة x و y لا تحدد بعزل الأول عن الثاني؛ إذ إن معادلة من نوع y=x² تجعل قيمة xملازمة لقيمة y وهي تتغير مع تغيرها. فإذا كان x=2 ف y=4، وإذا كان x=3 ف y=9…الخ.

وإذا طبقنا مفهوم العلاقة داخل التواصل، فإننا نخلص إلى كون مميزات فرد ما تنتج داخل علاقة معينة وليست ثابتة خارج سياقها.” كل يصل إلى هويته انطلاقا ومن داخل نسق من الأماكن يتجاوزه…”. أنظر:- مستر( حسن):” لا وعي التواصل”، م. س، ص، ص:15-16.

[31] – يقول ” فاتسلافيك”: ” لنأخذ نقطة بدء اعتباطية: شخص(أ) يعطي شخص(ب) تعريفا لذاته. يمكنه أن يفعل ذلك بطرق لا حصر لها. ولكن، مهما كان الموضوع ومادة التواصل على مستوى المحتوى، فإن النموذج الأصل لهذا التواصل سيكون:” هكذا أرى نفسي”. الأهم من ذلك أنه حينما لا يحصل توافق حول هذه التعريفات ( نظرتي لنفسي، نظرة الآخر إلي، نظرتي إلى نظرة الآخر إلي…إلخ) تكون كل المواضيع مواتية لإنتاج الخلاف، ولكي تكون العلاقة بالمفهوم الذي أدرجنا متزنة، بمعنى أن يوافق كل تعريف الآخر، يجب أن يكون هنالك توافق وتعاقد بين الأطراف. لا يتأتى التوافق إلا بعد أخد ورد على شكل حوار لا واع عادة. أنظر:

– الجابري (محمد عابد):” التواصل نظريات وتطبيقات”، الكتاب الثالث، م. س، ص:16.

[32] – مفهوم المنظمة ليس مفهوما أمريكيا خالصا بل نجده عند بعض المنظرين السياسيين في العالم القديم في أوربا، ك” ماركس” و” لينين” إذ تطرقا إلى منظمة العمال وكيفية تحقيق ثورتها. هو أكثر تداولا وانتشارا في الوسط الصناعي وفي مجال البحث العلمي. كما نجد نفس المفهوم عند “ماكس فيبر” (1864-1920) الذي يتناول الدولة والإدارة كمنظمات اجتماعية. وأيضا عند أبرز الممارسين ممن حاولا في كتاباتهما استخراج أحسن مبادئ التسيير داخل ” المنظمة” التي لها طابع اقتصادي وتجاري. نقصد:” F. Taylor” و” H. Fayol”. أنظر:

– أنماس (طه):” النظام التواصلي….”، م. س، ص: 9.

[33]– يعرف الدرركهاميون المؤسسة أنها طريقة في الفعل والإحساس والتفكير. وتتأسس هذه الطريقة ، فعليا وواقعيا، عندما تهب الانسجام. ومن ثم، يخلصون إلى أن المؤسسة مرادفة للتنظيم المجتمعي. للمزيد من الاطلاع نحيل إلى:

– العماري ( عبد الرحيم): “الدليل والنسقية، التواصل: المعرفة والسلطة”، دار وليلي للطباعة والنشر، الطبعة الأولى – مراكش – 1997، ص:87.

 وتعرف المؤسسة في إطار نظرية الأنظمة، بمجموع الأنظمة الفرعية أو الجزئية التي يعتمد كل جزء منها على الآخر. وتتداخل العلاقات فيما بينها وبين البيئة الخارجية لتحقيق الأهداف التي يسعى النظام إلى تحقيقها. أنظر: – عثمان (حسن عثمان): “المؤسسة الاقتصادية والمحيط: الأسس النظرية والآثار العملية”، مجلة العلوم الإنسانية، العدد 16، دجنبر 2001، ص:146.

[34] – الشرقاوي (علي): “إدارة الأعمال: الوظائف والممارسات الإدارية”، دار النهضة العربية، بيروت، 1983، ص:48.

[35] – محمد علي أبو العلا يعرف الاتصال في كتابه فن الاتصال بالجماهير، باعتباره إياه تلك العملية التي يتفاعل بمقتضاها متلقي الرسالة ومرسلها (كائنات حية أو بشرية أو آلات) في مضامين اجتماعية معينة وفي هذا التفاعل يتم تبادل أفكار ومعلومات ومنبهات بين الأفراد عن قضية معينة أو معنى مجرد أو واقع معين”. وبهذا المعنى يدرج  التفاعل ضمن مفهوم الاتصال في الوقت الذي بينت فيه النظريات أن التفاعل سيرتبط بتجاوز النظرة الآلية في الاتصال  إلى عملية تدرج  رجع الصدى  والاشتراك والمشاركة من خلال التفاعل الرمزي وهو المكنى بالتواصل.- علي أبو العلا (محمد):” فن الاتصال بالجماهير بين النظرية والتطبيق”، دار العلم والإيمان للتوزيع والنشر،2013، ص:15.

[36] –  أبو الفضل ( محمد بن مكرم  ابن  منظور): ” لسان العرب المحيط”، المجلد السادس ، مادة وصل،  مكتبة لبنان بيروت، 1970، ص، ص: 936-937.

[37] – أشرقي (عبد العزيز):” الدليل العملي للتواصل الإداري والاجتماعي وتقنيات صياغة الوثائق الإدارية والقانونية والعقود”، طبعة 2013، ص:8.

[38] -Lucien Sfez: « Dictionnaire critique de la communication »,Tome 1, données de bases théories opérationnelles. Presses univesitaire de FRANCE ,1993.P.520.

[39] – Lucien Sfez. Op. cit.pp524. 525

[40] – أنماس (طه): “دور النظام التواصلي…”، م. س، ص:13.

[41] – أنماس (طه): المرجع نفسه، ص:13.

[42] – أنماس (طه): المرجع نفسه، ص:14.

[43] – Lucien Sfez Op Cit p: 524.

[44] – حوار مع ” Hugues Hotier”، أستاذ التواصل، متخصص في استراتيجيات تواصل الشركات بجامعة مشال دومنطيني” M. de Montaigne ” ببوردو. وهو يدير معهد علوم الإعلام والتواصل (Isic)، وكذا مجموعة البحث في تواصل المنظمات. بتصرف عن: العماري (عبد الرحيم):” نسق التواصل السياسي بالمغرب المعاصر” خطاب الكتلة الديمقراطية من الميثاق إلى التناوب، (17 ماي 1992-14 مارس1998) منشورات زاوية للفن والثقافة، الطبعة الأولى 2005، ص ص: 79-80.

[45] – العماري (عبد الرحيم):” نسق التواصل السياسي بالمغرب المعاصر..”، م. س، ص: 80.

[46] – العماري (عبد الرحيم):” الدليل والنسقية، التواصل: المعرفة والسلطة”، دار وليلي للطباعة، منشورات الجامعة المغاربية 243، الطبعة الأولى 1997، ص 13.

[47] – القولة لعيوش (نور الدين)، المدير العام لوكالة شمس- للإشهار المغربية.

[48] – النشرة الصادرة عن الندوة الدولية: “التواصل المؤسساتي والثقافات، المنظمة من قبل: كلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك (شعبة التواصل) ومعهد علوم الإعلام والتواصل (جامعة بوردو 3) والمدرسة العليا للتدبير بالمغرب”، وذلك يومي 26-27 مارس 1995 بالدار البيضاء و 09-10 يونيو ببوردو.

[49] – الغالي (محمد ):” المختصر في أسس ومناهج البحث في العلوم الاجتماعية”، أبحاث وأعمال جامعية، سلسلة الدراسات، السياسية والقانونية والاجتماعية الطبعة الأولى 2005. ص، ص: 102-103,

[50] – أبراش (إبراهيم): “المنهج العلمي وتطبيقاته في العلوم الاجتماعية”، م.  س، ص.ص:126

[51] – بوعزيزي (محسن):” السيميولوجيا الاجتماعية”، مركز دراسات الوحدة العربية بيروت، ط. الأولى، يناير 2010، ص: 86

رأس المال البشري في المؤسسات الرشيقة

رأس المال البشري في المؤسسات الرشيقة

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close