fbpx
الحركات الإسلاميةالشرق الأوسط

مُنظرو الجهادـ قراءة جغرافية اجتماعية

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

ظلت السلفية الجهادية بمختلف راياتها المعنونة بالأفكار والأسماء في صعود وهبوط مستمر، فمن الجهاد الأفغاني ضد السوفييت الحُمر في ثمانينيات قرنٍ مضى مرورا بسلفية عراقية حاربت ضد القوات الأمريكية وحلفائها في العقد الأول من الألفيات وصولا إلى الذروة الجهادية (ما بعد الربيع العربي) من تأسيس كيانات ضخمة في سوريا ودولة يوتوبيا إسلامية بالعراق يقودها تنظيم الدولة الإسلامية ومن خلال التحولات الديناميكية تجاه حركات السلفية الجهادية يبرز على الساحة عشرات من منظري أفكارها حول العالم اتفقوا جميعهم على حمل السلاح كوسيلة لمحاربة أعدائهم وتحقيق غايتهم ولكن هل اتفقت أيضا أدوات نشأتهم وسمات حياتهم الشخصية التي جعلت منهم صانعي للفكر الجهادي؟

بالنظر إلى المحركات الذاتية التي تدفع أي شخص للاتجاه إلى العمل المسلح (الجهادي) أي المحركات النفسية لدى الشخص والمؤثرات الخارجية التي تحيط به من حياة اجتماعية أسرية وتعليمية وثقافية وعُرفية وتعليمية واقتصادية يتبين لنا سمات معينة يشترك فيها معظم مُنظري لمنهاج العمل المسلح

تشير الموسوعة البريطانية Encyclopedia Britannica[1] إلى عدة أسباب نفسية تدفع الشخص إلى تبني سبل القتال من أجل تحقيق غايته منها أن البيئة المحيطة التقليدية (الأسرة – الجماعة – المجتمع) لم تحقق له قدرا كافيا من إشباع فراغ هويته ولم تصل به إلى تحقيق ماهيته الفكرية التي يبحث عنها لذلك يبدأ الشخص في البحث عن جماعة وأخرى لتعويض ما فقده في بيئته التقليدية.

وقد قام مركز الدين والجغرافيا السياسية بالمملكة المتحدة بتقديم ورقة بحثية استقصائية تتبع فيها أبرز 100 شخصية جهادية حول العالم من حيث الاتجاهات المشتركة في نشأتهم وحياتهم كـ (درجة التعليم – النشأة – محل الإقامة – الوضع الاقتصادي – اللجوء)، ونحن نحاول في هذه الورقة تتبع حياة خمس شخصيات تاريخية من منظري الفكر والإفتاء للحركة السلفية الجهادية المعاصرة وهم: عبد الله عزام، أبو مصعب السوري، أبو محمد المقدسي، أبو قتادة الفلسطيني، عطية الله الليبي.

نقارن بين حياتهم الشخصية من حيث: النشأة، الخلفية الاجتماعية والاقتصادية، درجة التعليم، الروابط الأسرية، أبرز الأحداث الفارقة في حياتهم، لقاءاتهم والروابط الشخصية بينهم. مُعتمدين على سرد مُذكراتهم التي تركوها وشهادات من عملوا معهم واختلطوا بحياتهم الشخصية بشكل مباشر فضلا عن ذكر دراسات وأبحاث خلصت نتائجها ونتائجنا إلى تفسير أهم السمات الشخصية لأبرز المفكرين من الجهاديين لنستخلص أهم العلامات الاجتماعية والنفسية المشتركة والغير مشتركة للشخصيات الجهادية السالف ذكرها.

أولا: عبد الله عزام

كانت نشأته أميل إلى التقليدية الدينية، ولد عام (1941) في قرية ريفية تسمى سيلة الحارثية والتي تقع بمدينة جنين بالضفة الغربية، كانَا أبواه ملتزمين دينيًا ممّا جعلا من رعرعتِه المبكرة في كنفهِما تحافظ على فطرته الدينية بل تزودها بتلاوة وحفظ القرآن الكريم والذهاب إلى مراكز مُخصصة لتعليم الدروس الشرعية المبسطة، وقد تلقى تعليمه الابتدائي والإعدادي بمدرسة القرية المعتاد دخولها حتى وصل إلى مدرسته الثانوية الزراعية بمدينة جنين وتخرج منها وعمل مدرسا في إحدى مدارس منطقة الكرك جنوب الأردن. ولم يكن عزام رجلا ذا مالٍ وجاه فكان حال أسرته متوسط من ناحية الرفاهية الاقتصادية في المعيشة والتعليم[2].

لم يكتف عبد الله عزام بتعليمه الثانوي الزراعي بل أكمل دراسته بكلية الشريعة بجامعة دمشق بسوريا وحصل على درجة علمها (الليسانس) قبل أن يذهب إلى الأزهر الشريف بالقاهرة ويجني درجة الماجستير والدكتوراه في أصول الفقه (1973) وبذلك قد أكد عزام علمه الشرعي بطريقة أكاديمية غير التي تلقاها منذ صغره متنقلا على أيدي شيوخ ومعلمين بمدينة جنين، كان أغلب المراكز والمُعلمين الذي تتلمذ على أيديهم دينيا منذ صغره تابعين لفكر الإخوان المسلمين كالأستاذ فريز جرار، وقد التقى أيضا إبان دراسته بجامعة دمشق بأساتذة فكر وعلماء دين كالأستاذ محمد أديب صالح وأبي الفتح البيانوني والتقى أيضا بمؤسس حركة الطليعة السورية مروان حديد الذي علا صدى جهاده في سوريا والمنطقة، وقد تزوج عبد الله عزام (1965) من امرأة سكنت بقريتِه وهي من عائلة محافظة من ناحية الدين والعرف وأنجب منها بضعة أولاد[3].

وصل عزام لدرجةٍ علمية شرعية فكرية تأصيلية لا هون بها، وتراكمت مواقفه المعادية بينه وبين جنود الاحتلال الصهيوني على أراضي فلسطين عندما تعرض لعدة مشادات في بعض كمائن التفتيش وشارك بنفسه في بعض العمليات الفدائية التي اشتبكت مع الصهاينة على أراضي فلسطين الحدودية مع الأردن وكانت الثانية بمثابة ملاذٍ آمن لنمو أفكار الجهاد ضد العدو الصهيوني بل ولتدريب المجاهدين قبل أن يعودوا إلى فلسطين قاصدين عمليات فدائية أو حتى التطوع لدى كتائب الإخوان القساميين بفلسطين التي كان يربطها صلة فكرية وتنظيمية قوية بالشيخ عبد الله عزام.

ولذلك كان لعزام المُعلم دور كبير في إعداد النفوس والعقول بين طلاب الأردن وفلسطين للجهاد ضد الصهاينة من خلال عدة مناصب قد شغلها بالأردن منها مسؤول قسم الإعلام بوزارة الأوقاف ومدرسا بكلية الشريعة جامعة الأردن لمدة سبع سنوات قبل أن يتم فصله بقرار عسكري بسبب خطاباته وأفكاره، كانت أفكاره بمثابة وقود يغذي سير الحراك الجهادي والفدائي ضد الحركة الصهيونية ليس في الأردن وفلسطين فقط بل في المنطقة بأكملها التي شهدت في تلك الحقبة صراعا عسكريا مُميتا بين مصر وسوريا والاحتلال الإسرائيلي على أرض سيناء ومنطقة مرتفعات الجولان ممّا أشعل لهيب أفكار عزام لدى شعوب المنطقة العربية الذين كانوا يعيشون واقعا استعماريا من قوى أجنبية غربية وصهيونية، ولكن مع انتهاء الحرب في المنطقة بشكل غير كامل بدأ رباعي دول الطوق (مصر – سوريا – الأردن – فلسطين) على إسرائيل ينسحب من العداء موجهًا بوصلته نحو السلام والاعتراف بالواقع الصهيوني وترك قضية تحرير الأراضي التي اغتصبها الاحتلال الصهيوني عدوانا، وعندما ضاق الحال به في الأردن وجه بوصلته نحو أرض الوهابية المعاصرة حيث وجد منبرا لتدريس علوم الشريعة والفقه في جامعة الملك عبد العزيز في جدة[4] لينتقل بعدها إلى أرض خاتمته بباكستان حيث عمل معلما بالجامعة الإسلامية في العاصمة إسلام آباد. والتقى عزام هناك بالجهاد الأفغاني الذي ضمّ آلاف المقاتلين من الأفغان والعرب للجهاد ضد العدو السوفييتي وبدأت من هنا أفكار عبد الله عزام التربوية وتأصيلاته الشرعية تغمس عقول عشرات الآلاف من المجاهدين فضلا عن رئاسته مكتب خدمة المجاهدين العرب الذي تولى استقبال المجاهدين القادمين من كل مكان ليساندوا إخوانهم الأفغان في قتالهم ضد عدوهم ولُقب عزام بالأب الروحي للجهاد الأفغاني وتتلمذ على يديه عشرات من القادة الأفغان وغيرهم منهم الشيخ أسامة بن لادن الذي قابله عندما كان الثاني يدرس بجامعة الملك عبد العزيز بجدة وأثنى عليه بعد موته اغتيالا في بيشاور (1989) قائلا: ما أفاد أحد الجهاد الأفغاني مثلما أفاد الشيخ عبد الله عزام.

ألف عزام الكثير من المؤلفات المكتوبة أهمهم كتابي (الدفاع عن أراضي المسلمين أهم فروض الأعيان – في الجهاد آداب وأحكام) وعشرات من المقالات والتسجيلات الصوتية التي تُقرأ وتُسمع إلى الآن والتي كانت وقتئذ بمثابة أحكام وتأصيلات شرعية للجهاد ضد العدو المغتصب

مَثَّل عزام ما يسمى صانع أيديولوجيا وراعيا للفكر وطبقا لدراسة[5] أنتجها ثلاثة باحثين هم (مبارز أحمد – ميلو كمرفورد – إيمان بدوي) نشرت بمركز الدراسات الدينية والجيوسياسية بالمملكة المتحدة معنونة بـ “علامات في طريق القتال ما تفصح عنه حياة مائة جهادي عن حركة عالمية” تتبعت فيها حياة أبرز 100 جهادي سواء كان الجهادي صانع أيديولوجيا أم قيادي إداري تبين من خلالها أن 51% من عين الدراسة لديهم روابط بتنظيمات إسلامية سابقة إبان نشأتهم جاء على رأس تلك التنظيمات الإخوان المسلمين بنسبة 50% ويتبين لنا من خلال نشأة الشيخ عبد الله عزام أنه قيد تلك الإحصائية لعلاقته الوطيدة منذ صغره بأفراد تتلمذ على أيديهم كالأستاذ شفيق أسعد وهو بمثابة أستاذه في الإخوان منذ الصغر[6].

ثانيا: أبو مصعب السوري

درس الهندسة وتعلم العلوم الشرعية وتعمق في التاريخ فضلا عن كونه متحدثا إعلاميًا عن سياسات واستراتيجيات الجماعات الجهادية حول العالم.

جمعت شخصية أبو مصعب السوري (مصطفى بن عبد القادر) وكُنيّ أيضا بـ “ست مريم” مهارات ميزته عن مختلف قرنائه من قادة الفكر والتنظير للسلفية الجهادية حول العالم فمن سوريا إلى أفغانستان إلى بريطانيا ثم العودة إلى باكستان وثم ختام القصة حيث المولد.

ولد أبو مصعب السوري بمحافظة حلب شمال غربي سوريا عام 1958م لأسرة عريقة نسبها من الناحية الدينية والعُرفية فمن أجداده لوالده الشيخ أحمد الرفاعي وهو شيخ اشتهر بطرقه الصوفية والشيخ أحمد المزيك وهو زوج جدته مريم الذي يكنى ب “ست مريم” نسبة لها، درس الهندسة الميكانيكية في جامعة حلب ما بين عامي (1976- 1980) وانضم خلال تلك الفترة إلى كتائب الطليعة المقاتلة السورية الذي التقى بقائدها مروان حديد ممّا جعله يفر من سوريا إلى الأردن لتلقي التدريبات العسكرية على أيدي ضباط سوريين فرّوا معه ولكن ومع عودته وتعيينه قائدا عسكريا نظرا لكفاءته لِيشتبك مع نظام حافظ الأسد الذي نفذ بحق الإخوان المسلمين مجزرة شهيرة تعرف بمجزرة حماه وبالرُغم من ذلك لم يبقى كثيرا مع الإخوان المسلمين فانشق بداعي تحالفهم مع الأحزاب العلمانية والشيوعية وسافر إلى فرنسا ليكمل دراسته الهندسية ومن ثم إلى إسبانيا حتى وجه بوصلته إلى مركزية الجهاد العالمي حينذاك (1987) أفغانستان.

ما كانت ثمرته الفكرية والشرعية لتكتمل إلا لذهابه لأفغانستان حيث التقى أشهر منظري الحركة الجهادية حول العالم وقتها كالشيخ عبد الله عزام والشيخ عبد القادر بن عبد العزيز الذي يكنى بـ الدكتور فضل (سيد إمام) وهو المنظر الشرعي لجماعة الجهاد المصرية والذي تأثر بأفكارهِما وكتاباتهِما وتقرب منها وأكمل دراسته الفكرية والشرعية بدراسة أفكارهم لاسيما منهجية الشيخ عبد القادر في كتابه العمدة في إعداد العدة وقد التقى أيضا بقائد جماعة الجهاد المصري الشيخ أيمن الظواهري وتقرب من مؤسس تنظيم القاعدة فيما بعد الشيخ أسامة بن لادن.

تولى أبو مصعب السوري مراكز قيادية عسكرية متقدمة في الجهاد الأفغاني ضد الروس نظرًا لِدراسته هندسة المتفجرات وخبرته العسكرية إبان فترة مقاومته نظام حافظ الأسد ممّا جعله مُلمًّا بشؤون حرب العصابات بشكلٍ مُتميز وخلال فترة جهاده حصل على شهادة ليسانس التاريخ من جامعة بيروت عن طريق المراسلة (1991) وفي نفس العام غادر أبو مصعب إلى إسبانيا ومنها مباشرة إلى بريطانيا حيث تصدر بدوره عن مسؤوليته الإعلامية من أوروبا (لندن) لمساندة الحراك الإسلامي المسلح الجزائري ضد الجيش الجزائري عن طريق النشرات الدورية التي تُطلع الأمة على حراك الفصائل الإسلامية هناك ومن خلال إجراء المقابلات الاستقصائية مع أبرز الجهاديين العالميين فقد نقل مقابلتيّن أجراهُما مع أسامة بن لادن الأولى بثها تلفزيون بي بي سي الإنجليزي والثاني مع شبكة سي إن إن الأمريكية.

ومع انفكاك الحراك الجزائري والقضاء عليه وبداية موجة يوتوبيا خلافة إسلامية أعلنتها طالبان في أفغانستان وجه الإعلامي بوصلته نحو هناك حيث بايع قيادتها المُلا عمر وشارك في هندسة العديد من العمليات العسكرية مع طالبان بجانب خبرته الإعلامية والصحافية والفكرية في كتابة المقالات وتأسيس برامج إذاعية تُبَثُ للعالم كله كما أسس مركز الغرباء للدراسات الفكرية والإعلامية ليكون محط أنظار فتاوى واجتهادات تجديد خطاب الحركة الجهادية حول العالم[7].

وبعد أن أصبح السوري محط تتبع المخابرات الأمريكية بوصفها له بالإرهاب العالمي والتي ألقت القبض عليه عام 2005 في باكستان، وأرسلته بعد تحقيقات استقصائية معه إلى الحكومة السورية وسرب بعد ذلك عدة أنباء أن السوري قد أُطلق سراحه بعد اندلاع الثورة المسلحة ضد نظام الأسد عام 2012، لكن لا يعرف على وجه اليقين مصيره حتى لحظة كتابة هذه السطور.

ألف أبو مصعب السوري ما يقرب من 14 مؤلفًا يسرد فيه أهم أفكاره وشهاداته نحو التجارب الجهادية التي شارك وشهد عليها فيها كالتجربة الطليعة السورية ضد نظام الأسد الأب وتجربة الفصائل الإسلامية ضد الجيش الجزائري التي كان مروجًا لها إعلاميا داخل أوروبا وكان المُؤلَف الأكبر له بعنوان “دعوة المقاومة الإسلامية العالمية المكون من ستة أجزاء يروي فيها أهم تجاربه الحياتية والجهادية والفكرية والشرعية.

ثالثا: أبو محمد المقدسي

فلسطيني ومقدسي آخر عُرف بأبي محمد المقدسي وُلد عام 1959 بقرية برقة بنابلس فلسطين فلم يمكث كثيرا بها إلا وغادر مع عائلته إلى الكويت ليبلغ بها مراحله التعليمية قبل الجامعة التي لحق بها في العراق لدراسة العلوم على غير هواه الذي كان متعلق بدراسة العلوم الشرعية بالسعودية وبالفعل لم يكمل دراسته في العراق وسافر إلى السعودية لِيُحاكِ عقله الفكر الوهابي فبدأ بقراءة مُؤلفات محمد بن عبد الوهاب وسلفه من مشايخ السعودية وقراءة السلف المتأصل من كتب ابن تيمية وغيره حتى تراكم الفكر الإسلامي الأصولي في عقله ولكنه لم يتمكن من الالتحاق بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة للدراسة كما رغب، فشد الرحال لمركز السلفية الجهادية العالمي حينذاك قاصدًا أفغانستان[8].

في ظل الهجرة الجماعية للشباب الإسلامي التي دعمتها السعودية لوجستيا إلى أرض أفغانستان حيث محاربة القوى الشيوعية الروسية كان المقدسي من ضمن المهاجرين إلى هناك وبتميزِه الأصولي الذي اكتسبه خلال فترة اعتكافه بالسعودية على كتب السلف الأصولية كابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب وغيرهم واختلط بمُنظري السلفية الجهادية المعاصرة الأوائل كالشيخ عبد القادر بن عبد العزيز وتلقى على يديه فتاوى المسائل الشرعية التي تخص الجهاد وغيره وقد التقى بأبي مصعب السوري وأيمن الظواهري وكان له دورا في القضاء الشرعي في عدة مسائل وبعد مراجعة للشيخ عبد القادر بن عبد العزيز “سيد إمام” لأفكار المقدسي طُبع أول كتاب للمقدسيّ بعنوان “ملة إبراهيم” واشتهر بعد ذلك هناك بمحاججته لأهل الغلو والتكفير والشبهات من المُرجئة وغيرهم وتميز بتطوير وتجديد منهجيات السلفية الجهادية[9].

وبعد انتهاء الجهاد الأفغاني رجع عددٌ كبير من منظري ومفكري السلفية إلى أوطانهم لتأسيس جبهة فكرية سلفية موازية، كان من بينهم أبو محمد المقدسي الذي رجع إلى الأردن عام 1992 ليبدأ في دعوته بأفكار السلفية الجهادية التي لم تطل كثيرا حتى اعتقلته السلطات الأردنية عام 1994 ليظل بالسجن ويكمل دعوة أفكاره بالداخل ويؤلف عشرات الكتب التي تخدم أفكاره وتحث الناس للجهاد ضد أصحاب الكفر أعداء الإسلام وقد قابل مؤسس تنظيم القاعد فرع العراق أبو مصعب الزرقاوي داخل محبسه والذي تأثر كثيرا بأفكار المقدسي وتتلمذ على يده قبل أن يختلفا معا حول منهجية قتال العدو وحُرمة دماء المدنيين وعدة مسائل أخرى وصفها المقدسي بأفكار الغلو لدى الزرقاوي ومن لحق به وأفرج عن المقدسي بداية الألفيات ليخرج ويكمل مسيرته فَاعتقل عدة مرات أخرى آخرها عام 2010 قبل أن يتم الإفراج عنه في يونيو/ حزيران عام 2014 [10].

ألف المقدسي عشرات الكتب والمقالات والرسائل الفكرية والشرعية المكتوبة والمرئية على مدار تاريخه الفكري والشرعي[11]، من أهمها كتاب “الديمقراطية دين” والذي هاجم فيه حكومات النظم الديمقراطية في البلدان العربية والتي أغضبت أفكاره في هذا الكتاب الحكومة الأردنية بقيادة عبد الله الثاني كما ألف أيضا كتابا سماه التناصح والمناصحة يرد فيه على أفكار تلميذه من أفغانستان إلى سجن الأردن أبو مصعب الزرقاوي الذي وصفه ووصف تياره القديم بالعراق وبنسخته الحديثة “تنظيم الدولة الإسلامية” بالغلو في تكفير خصومه من المسلمين واستباحة دم المدنيين.

على ما يبدو أن ساحة الجهاد الأفغاني كانت ملتقى جامع لأشهر منظري الحركة السلفية حول العالم بالرُغم من اختلافهم فيما بعد حول تطور الأيديولوجيا الجهادية وفلسفة محاربة العدو.

رابعا: أبو قتادة الفلسطيني

لم يلتقِ عزام أول مرة في أفغانستان كسابقيه، بل كان عزام أستاذه من الأساس في تدريس علوم القرآن في كلية الشريعة بجامعة عمان بالأردن ولم يذكر لأبي قتادة الفلسطيني أنه حارب بساعده أو قاتل في أي من الجبهات القتالية للحركات الجهادية حول العالم، بل كان فكره وتَنظيره الحركة الجهادية هو من وضع جسده في السجن لمدة 13 عاما ورفرف اسمه كعلامة فارقة في فكر السلفية الجهادية بشكل عام.

ولد عُمر محمود عثمان المكنيّ بأبي قتادة في بيت ساحور بالضفةِ الغربية عام 1960 شتاء ديسمبر/كانون أول لأسرةٍ متوسطة قد هاجرت إلى الأردن كمئات عائلات الضفة التي سعت لذلك من أجل العيش والعمل، كان والده يسافر إلى الكويت قاصدا العمل حتى رجع عام 1965 واستقر بِعمان الأردن.

تميز أبو قتادة في مراحل تعليمه كشاب يافع شغوفا بالقراءة مولعًا بالأدب الغربي والعربي فاستحسن الرافعي وميّزه كَعميد للأدب عن طه حسين وراق خاطره لحروف ابن القيم ولكنه اكتشف أنها ذات قيمة أقل مقارنة بأستاذه ابن تيمية. لم يكُن الفلسطيني مُهملا التعرُف على الإسلام أو مُنعزلا عن التنظيمات الإسلامية فقد التحق في مرحلته الثانوية بجماعة التبليغ والدعوة وتميّز وسط شبابهم لكونِه يجمع بين العلم والتقوى والذي كان الأول محل خلاف بين الشيخ وجماعة التبليغ فيما بعد.

التحق الفلسطيني بكلية الشريعة جامعة عمان وتخرج منها عام 1983م وكانت دراسته لِلشريعة بالجامعة هي مفترق طريق نحو الاتجاه للتنظير السلفي الجهادي فقد تعمق في قراءة كتب ابن تيمية وتقرب من فكر وخطابات عبد الله عزام أستاذ علوم القرآن بالجامعة من قبل ممّا دفعه ليؤسس منظومة سلفية ترعى بدايات أفكار السلفية الجهادية التي تجمعت في باله وأسس مجلة المنارة لتكون ملاذًا ورقيًا لبعض المقالات الفكرية والشرعية لأبي قتادة وزملائه.

ضُيِّق الذراع على وجود أبي قتادة بالأردن إبان حرب العراق على الكويت (1990) لِتأييد العقل الجمعي الأردني للقائد صدام حسين وذلك لاختلاف وجهة نظره فكان يرى أن صدام حسين مخطئًا كما أن السعودية مخطئةً لوطأة أقدام القوات الأمريكية على أرضها ممّا جعله يشعر بالاغتراب وسط المجتمع الأردني الذي بدأ في مقاطعة خطبه ومقالاته وأفكاره فرحل إلى ماليزيا ومكث فيها 3 أشهر يُدرس العلوم الشرعية في بعض حلقات العلم ثم وجه بوصلته إلى مخزون الفكر السلفي الأفغاني وقد قابل هناك أبرز قادة الحراك الأفغاني كالشيخ أسامة بن لادن ولكنه تفرغ لاستزادة علمه الشرعي والفكري ولم يشارك في أي معارك قتالية على الساحة الأفغانية.

لم يَرِق الحال للمجاهدين العرب في أفغانستان مطلع التسعينيات ولذلك هاجر أبو قتادة إلى بريطانيا حيث استطاع الحصول على اللجوء السياسي، كما فعل السوري ولكن استطاع الفلسطيني أن يُنمي نشاطه الدعوي عن طريق بعض التسجيلات والخطب والمحاضرات الدينية والشرعية، كما كان له دور فعال في مساندة الحراك المسلح للفصائل الجهادية في الجزائر قبل أن يتبرا منه الاثنان عام 1997، ولكن لم يستمر الحال كما هو مع الفلسطيني فقد اعتقلته المخابرات البريطانية عام 2001 لاشتباهه بأنه على صلات بالقاعدة وأسامة بن لادن وأشخاص على قائمة الإرهاب الدولية وقد قضى أبو قتادة 12 عاما في السجن حتى رحلته بريطانيا إلى الأردن ليواجه تهما عدة متعلقةً بالإرهاب قبل أن يتم تبرئته ويطلق سراحه عام 2014.

لا أحد يجزم المستوى المعيشي لأبي قتادة فلم يتكلم عن ثروته إلا في أحد حواراته مع جريدة الحياة عندما صرح أن 180 ألف جنيه استرليني التي عثرت عليها الحكومة البريطانية وأخذتها عند القبض عليه من منزله أنها كانت أموال تبرعات للمسلمين ثم جمدت وزارة الخزانة البريطانية أموال أبي قتادة وقد بلغت ما يقرب من 500 ألف جنيه استرليني.

لأبي قتادة العشرات من المؤلفات والرسائل العلمية والمقالات والمرئيات التي يسرد فيه نظرياته وسردياته لمنهاج السلفية الجهادية وغيرها من الحركات الإسلامية والإشكاليات الفقهية والعقدية لدى الفِرَق وانتقاده لبعض جماعات الغلو القديمة كالفصائِل الجزائرية أواخر التسعينات وتنظيم الدولة الإسلامية وغير ذلك من عشرات الأطروحات الإسلامية[12].

خامسا: عطية الله الليبي

ننتقل جغرافيًا من منظري الفكر الجهادي شرق المتوسط إلى غربه في ليبيا، ولد عطية الله الليبي واسمه الحقيقي جمال بن محمد بن إبراهيم المصراتي في قرية الزوابي بمحافظة مصراتة الليبية عام 1969م، نشأ بين كنف أسرة ملتزمة دينية وسط جو ريفي محافظ للتقاليد الشرعية والعرفية، صَاحبَ شيوخ البلدة منذ الصغر، بل واستزاد من تعلم دروس العلم الفقهية المبسطة لشاب يافع العقل مُميز بين أقرانه حتى في درجاته العلمية في مراحل تعليمه المحلية قبل الجامعة.

لم يدخل عطية الله الجامعة كقرنائِه من منظري السلفية الجهادية، بل كان تحصيله الشرعي الكثيف في معاهِد العلوم الشرعية لتنظيم القاعدة بعد أن أعلن بيعته لها.

بلور عطية الله ومن معه من رواد فكر المقاومة للنظام الليبي القذافي كالشيخ يوسف المصراتي ومحمد الفقيه أفكارهم جميعا في تنظيم يسعى لتحقيق ما كُتبَ ودُرسَ في الأوراق والمحاضرات ولكن قد كانت قبضة نظام القذافي أقوى من قبضة أيديهم مجتمعة فكانت الهجرة أولى الخطوات نحو سد فراغهم التنظيمي حيث كانت قِبلة المقاومة هناك في أفغانستان

لم يكن السفر لأفغانستان سهلا من ليبيا، فذهب عطية الله برفقة أبو محمد الفقيه وبعض الإخوة من زملائهم إلى مصر لِيستضيفهم إخوة تابعون لجماعة الجهاد المصرية على علاقة لا بأس بها بجماعة التبليغ والدعوة وهم الذين سهلوا إجراءات السفر إلى باكستان، وبالفعل قد وصل عطية الله وزملائه إلى إسلام آباد فقَابلتهم الإخوة وأَسكنتهم في معسكر الليبيين المهاجرين للجهاد ضد القوات السوفييتية وسرعان ما تم مبايعة الليبي ومن معه إلى تنظيم القاعدة وسط خلافات الفصائل الأخرى على منهجيات العمل والمقاومة.

تقدم الليبي على المستويين الشرعي والقتالي فقد شارك في إحدى المعارك ضد السوفييت تحت راية القاعدة ومن ثم انهال على دراسة العلوم الشرعية في المعاهد الشرعية التابعة للقاعدة ومن ثم ذهب في منحة القاعدة لبعض الشباب إلى موريتانيا لتلقي العلم هناك وتلك مرحلة فاصلة في حياة الليبي حيث اختلط بآل شنقيط وعلمهم الشرعي والفكري لدى مسائل وإشكاليات الإسلام وجماعاته وعايش تقاليدهم وطباعهم الحياتية من زهدٍ وكرمٍ، وبعد ذلك انتقل إلى الجزائر حيث مكث هناك ليكون واحدا من ضمن قادة الحراك الجزائري الإسلامي المسلح ضد الحكومة الجزائرية ومن ثَم العودة مرةً أخرى إلى أفغانستان ليتولى مراكز متقدمة لدى القاعدة ليُعرف بعد ذلك بأنه من أكثر الرجال تقدمًا لدى القاعدة مع زعيمها أسامة بن لادن الذي عينه من قبل مسؤول تجنيد الشباب لدى القاعدة في إيران. جمع الليبي علمه في عدة مؤلفات ومقالات ورسائل مرئية ومسموعة لتكون واحدة من أهم مدونات أفكار السلفية الجهادية المعاصرة[13].

ظل الليبي بين أفغانستان وباكستان حتى قُتل في غارة لطائرة أمريكية بدون طيار تابعة لحلف الناتو على منزله قرب المنطقة الحدودية بين أفغانستان وباكستان أواخر عام 2010م.

الخصائص والسمات المشتركة بين المنظرين الخمسة

ممّا سبق ذكره من سيرة حياة خمس شخصيات جهادية تخصصوا بالفكرِ والتنظير والإفتاء وتجديد أيديولوجية سلفية جهادية في التاريخ المعاصر نحاول استخلاص أهم الخصائص المشتركة التي توصلنا لها طبقا لبحثنا ومطابقةً لدراسة مركز الدراسات الدينية والجيوسياسية.

1. النشأة والروابط الإسلامية

من حيث النشأة لا حظنا أن الخمس شخصيات نمَا شبابهم وسط بيئة دينية وعُرفية وأُسرية محافظة بين حفظ وتلاوة القرآن إلى تعلم العلوم المبسطة من الشرع إلى الاطلاع الشهي للقراءة ومتابعة قضايا الأمة والاهتمام بها ومصاحبة أستاذة لهم ارتباط مباشر بتنظيمات إسلامية دعوية كالإخوان المسلمين والتبليغ والدعوة ووفقًا للدراسة التي أجراها المركز على 100 جهادي بارز أن 50% منهم تنتمي بداياتهم إلى حركة الإخوان المسلمين، ومن دراستنا تبين أن عبد الله عزام وأبا مصعب السوري من تلك العينة المنتمية للإخوان قبل أن ينشق عنهم السوري بعد ائتلافهِم مع الأحزاب غير الإسلامية في سوريا وجماعات أخرى بنسبة 28% من ضمنهم جماعة التبليغ والدعوة التي انضم لها أبو قتادة الفلسطيني في شبابه قبل أن يختلف مع منهاجهم الذي ينبذ العلم.

2. الإقبال على التعلم والدرجة العلمية

تنوعت دراسات الخمس شخصيات محل الدراسة بين العلوم التكنولوجية والشرعية والإنسانية ولكن درجات التخصص العلمية والاطلاع ارتكزت على العلوم الشرعية والتاريخ.

وفقا للدراسة التي سبقت الإشارة إليها تبين أن صانعي الأيديولوجيات قد درسوا الدراسات الإسلامية أكثر من غيرهم بنسبة 18% مقارنة بنظائِرهم دارسي التكنولوجيا بنسبة 8% ومن خلال النظر لما سلف نرى أن عبد الله عزام درس وحصل أكاديميا على شهادة الليسانس والدكتوراه في الشريعة وأصول الفقه وحصل أبو قتادة على ليسانس الشريعة أيضا وأبو مصعب السوري على ليسانس التاريخ من جامعة بيروت فضلا على تعلمهم جميعا بالمعاهد الدينية بأفغانستان على يد الشيخ سيد إمام وعبد الله عزام وقد جمع أبو مصعب السوري وأبو محمد المقدسي بين دراسة العلم (الهندسة الميكانيكية) والدراسات الإسلامية وجمع الأول وأبو قتادة الفلسطيني بين دراسات الإعلام والاهتمام بالصحافة والكتابة وإنشاء المجلات ومراكز الأبحاث والدراسات لتنمية وبَلورت أفكار السلفية الجهادية.

3. الرابط الحضري والريفي

ولد أربعة ممّن سلف ذكرهم في قرية ريفية أو ضاحية وولد أبو مصعب السوري في مدينة حلب (الحضر) ولكن لا توجد ثمّة علاقة بين صناعة الأيديولوجية للسلفية الجهادية وبين النشأة ما بين الحضر والريف لاسيما أن منهم من انتقل للعيش بالأردن والكويت لحث عائلته عن العمل والاستقرار بدلا من الاحتلال والتهجير وتؤكد الدراسة السالف ذكرها أن ليس ثَمّة علاقة بين هذا وذاك، فقد بينت النتائج أنه وبالاستقصاء على 86 شخصا جهاديا بارزا تبين نشأة 45 منهم في الضواحي الريفية و41 منهم بالمدن أي النسب تعادل بعضها لذا نشأة الحضر من الريف ليست مقياسا للتحول والانضمام إلى أفكار السلفية الجهادية أو تنظيماتهِا

ورصدت الدراسة أيضا 25% ممّن سجنوا قبل أن ينضموا للتنظيمات الجهادية ومع ذكر أمثلتنا في البحث لا يتبين لنا أن السجن مقياس لتحول الشخص إلى صانع أيديولوجية جهادية، بل إنه من العوامل التي تساعد للانضمام إلى التنظيمات الجهادية كمقاتلين وليسوا صانعي أفكار ومنهجيات.

4. جيل الاستعمار والمقاومة

صادف عقد الخمسينات وعقد الستينات مولد صانعي الأيديولوجيات الخمس السالف ذكرهم ثلاثة منهم (عبد الله عزام – أبو محمد المقدسي – أبو قتادة الفلسطيني) ولدوا تحت قيام الاحتلال الإسرائيلي لوطنهم فلسطين فأُجبروا على التخلي عن ديارهم والهجرة إلى الأردن للعيش بها ونمت فيهم منذ صغرهم روح المقاومة وصناعة فكر المقاومة المتأصلة تبعا لمنهاج الإسلام (القرآن والسنة) وبعض أفكار واجتهادات السلف المتأصلة لابن تيمية على سبيل المثال وولد السوري بين يدي نظام عسكري خلفه الاستعمار الفرنسي ليقمع الشعب بقيادة حافظ الأسد تحت راية أفكار بعثية تخالف القيم الدينية التي نشأ عليها السوري أما الليبي احتضنه نظام عسكري بقيادة الديكتاتور القذافي، فاشترك الخمس رجال في النشأة من حيث الحالة النفسية للمجتمع الذي نشأ وسط سقوط الخلافة الإسلامية وصعود التيارات القومية المؤدلجة بالعلمنة والقيم التي تخالف ما تربوا عليه وبالنظر من أعينهم إلى تجربة الإسلام السياسي وجماعاته كالإخوان المسلمين في مصر فَوجدوهم لم يجنوا من الخمسينات إلى السبعينات إلا ويلات سجون عبد الناصر والسادات بلا أدنى مشاركة في الحكم والإصلاح.

5. السعودية، أفغانستان – مَحطتان أساسيتان

كانت الأردن ملاذًا آمنا لِمثلِ عبد الله عزام والمقدسي وأبي قتادة لنمو أفكارهم والتعبير عنها ولو بشكلٍ جزئي ولكن كانت السعودية هي الأم التعليمية للتَأصيلات الشرعية للسلفية الجهادية خاصة في فترة الثمانينات التي دعت ودعمت فيها وبشكل صريح إلى وصول المجاهدين إلى أفغانستان لمحاربة السوفييت وكانت السعودية هي الوسيط الفكري والشرعي واللوجيستي لصعود مجاهدي العرب إلى جبال أفغانستان وعند إلقاء شعاع التحليل صوب شخصيات الدراسة فقد سافر عبد الله عزام من الأردن إلى السعودية ثم إلى أفغانستان وأبو محمد المقدسي من هناك إلى أفغانستان أيضًا

أما أفغانستان فهي بمثابة ساحة الحراك الفكري والقتالي فقد هاجر إليها الخمسة محل النظر منهم من علَّم الشرع والفكر للمئات كالشيخ عبد الله عزام ومنهم من تعلَّم على يده وعلَّم غيره كالأربعةِ السوري والمقدسي والفلسطيني والليبي فكانت أفغانستان هي معمل تصنيع وتجديد وإنتاج أفكار ومنهجيات السلفية الجهادية بعد ذلك على مستوى العالم فنستطيع إيجاز أن السعودية وأفغانستان من العوامل الجيوسياسية التي ساعدت في نمو صانعي أيديولوجية السلفية الجهادية.

6. روابط شخصية مؤثرة: كيف يُوَرَّث الفكر؟

لاحظنا من سرد السير الذاتية أن الشخصيات السالفة الذكر قد قابلوا بعضهم البعض أو قابل أكثر من شخص منهم شخصًا آخر تابع لمنهاج الفكر ذاته، فقد قابل عزام مروان حديد مؤسس الطليعة السورية المقاومة للنظام السوري وقابل أبو مصعب السوري ذات الشخص “مروان حديد” قبل أن يهاجر إلى أفغانستان وقد قابل السوري والمقدسي عبد الله عزام في أفغانستان بل وتلقوا العلم الشرعي على يده وقد كان يجيز لهم أفكارهم ويدقق لهم مؤلفاتهم وقد تتلمذ أكاديميا أبو قتادة على يد عبد الله عزام أيضا في جامعة عمان وإن لم يلحق الأخير الليبي بِعزام في أفغانستان فقد لَحق بشخصيات أخرى كالشيخ عبد القادر بن عبد العزيز “سيد إمام” وهنا يتبين توريث الفكر مع الاحتفاظ بتجديده وعلاقته بالروابط الشخصية بينهم عندما تقابلوا في حلقات علمٍ أو ساحات قتال أو قاعات أكاديمية جامعية.

وهنا تذكر الباحثتان سِلتمان وميلينا سميث في دراستهما المعنونة بـ “حتى في الشهادة اجعلونا شركاء: الجندر وتنظيم الدولة الإسلامية”[14] والتي نُشرت في مايو/آيار عام 2015 وهم يتتبعان الدوافع النفسية لدى النساء المهاجرات من أوروبا إلى يوتوبيا تنظيم الدولة المنتهية بسوريا والعراق وقد بيّنوا أن من ضمن تلك الدوافع هي الروابط المعرفية لدى الالتحاق بأفكار وتنظيمات بعينها فكانت طالبات الطب السودانيات اللواتي هاجرن معًا وتباعًا إلى سوريا تربطهم صلة معرفية من خلال الجامعة وقد تَأثرن بالفعل من خلال عملية أدلجة قام بها شاب يُدعى محمد فخري الخباص[15] ساعدهم على تبني أفكاره وهاجر تباعًا معهن إلى تنظيم الدولة الإسلامية بسوريا، لذلك الروابط الشخصية عن طريق الزملاء والأسر العائلية محل اتجاه نفسي لدى توريث الفكر وتنظيم التجنيد لدى أي معسكرٍ في حد ذاته.

خاتمة

في ظل الصراع القائم بين القوى الدولية على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وحركات المقاومة اتخاذًا منهم الإسلام السلفي الجهادي فصيلًا مسلحًا اتبع سبل المقاومة وتحقيق غايته في إنشاء خلافة ودولة شريعة إسلامية مستقلة بعيدًا عن الترَنحات الديمقراطية التي ينأى بنفسه في الانخراط بها وبذلك تتجدد الصورة دائما من حيث صراع المشهد بغض النظر عن تفاصيله ومُمَثليه من كلا الطرفين.

لدى أيديولوجيات الحركة السلفية وجهادييها ديناميكية عالية من حيث الأفكار والإفتاء والتنظير والتي تتغير دائمًا من حال لحالٍ باختلاف الزمان والمكان، ولكن صانعي تلك الأيديولوجيات اشتركوا في سمات شخصية وخصائص نفسية وأسرية ومجتمعيةً ونظامية أدت بهم إلى أن يكونوا صانعي فكرٍ جُدد [16].


الهامش

[1] نيل سميلر ولويس كيليان، مادة: الحراك الاجتماعي، الموسوعة البريطانية.

[2] حسيني أدهم جرار، الشهيد عبد الله عزام: رجل دعوة ومدرسة وجهاد، (عمان: دار الضياء، 1999م)، ص 16.

[3] نفس المصدر، ص 20

[4] د. إسماعيل الشطي، من قتل الدكتور عبد الله عزام، مجلة المجتمع الكويتية، العدد 944 (5 ديسمبر 1989م).

[5] مبارز أحمد وآخران، علامات في طريق القتال: ما تفصح عنه حياة مائة جهادي عن حركة عالمية، ترجمة: شريهان سعد، سلسلة مراصد 39 (الإسكندرية: مكتبة الإسكندرية، 2017م).

[6]  نفس المصدر، ص 17.

[7] للمزيد عن حياة أبي مصعب السوري وإنتاجه، انظر: أبو مصعب السوري، دعوة المقاومة الإسلامية العالمية، (نسخة إلكترونية: منبر التوحيد والجهاد، 2004)، ص702 – 730؛ أبو مصعب السوري، مختصر شهادتي على الجهاد في الجزائر، (نسخة إلكترونية: منبر التوحيد والجهاد، )، ص60 -70؛ منتدى صوت، من هو الشيخ ابو مصعب السوري؟، تاريخ الزيارة: 9 يوليو 2019م.

[8] للمزيد عن حياته وإنتاجه، انظر: ملف أبي محمد المقدسي، منبر التوحيد والجهاد؛ لقاء أبو محمد المقدسي مع شبكة سي ان ان.

[9] لقاء أبي محمد المقدسي مع قناة سي ان ان العربية – الجزء الثاني

[10] السلطات الأردنية تفرج عن المقدسي، شبكة الجزيرة الإعلامية

[11] مكتبة الشيخ أبي محمد المقدسي، موقع أهل السنة والجماعة في بلاد المغرب الإسلامي؛ أبو محمد المقدسي، الديمقراطية دين، (نسخة إلكترونية: منبر التوحيد والجهاد)، ص10، 11.

[12]`للمزيد عن أبي قتادة، انظر: أبو قتادة التبليغي الذي تحول لأبرز منظري الجهاديين – حوار شبكة الجزيرة مع ابي قتادة عام 2014؛ صفحة أبي قتادة الفلسطيني – منبر التوحيد والجهاد.

[13] للمزيد عن عطيبة الله الليبي، انظر: الملف الخاص بالشيخ المجاهد عطية الله تقبله الله؛ صفحة عطية الله الليبي – منبر التوحيد والجهاد.

[14]26 Erin M. Saltman & Melenia Smith, ‘Till Martyrdom Do Us Part’ Gender and the ISIS Phenomenon, ISD global, May 2015.

[15]27 Daniel Sandford, Steve Swann and Mohanad Hashim, UK medical student ‘recruited for IS’ at university in Sudan, BBC, 17 july 2015.

[16] الآراء الواردة تعبر عن أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن المعهد المصري للدراسات.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
كلمات مفتاحية
تنظيم الدولة الإسلام السياسي السلفية الجهادية تنظيم القاعدة الحركات الجهادية
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close