fbpx
ترجمات

نيويورك تايمز: القصف الإسرائيلي يقتل المدنيين في غزة بوتيرة تاريخية

نشرت صحيفة نيويورك تايمز في 25 نوفمبر 2023 تقريراً بعنوان: “تحت القصف الإسرائيلي، المدنيون في غزة يُقتلون بوتيرة تاريخية” للصحفية لورين ليذربي، التي حصلت على درجة الماجستير في السياسة العامة من كلية هارفارد كينيدي ودرست الصحافة والعلاقات الدولية في جامعة أركنساس.

تقول لورين ليذربي في تقريرها بنيويورك تايمز إنه في أول أسبوعين من الحرب على غزة، كان ما يقرب من 90% من الذخائر التي أسقطتها إسرائيل على غزة عبارة عن قنابل موجَّهة عبر الأقمار الصناعية تزن ما بين 1,000 إلى 2,000 رطل، وفقاً لمسؤول عسكري أمريكي كبير؛ وأن عدد النساء والأطفال الذين قُتلوا في غزة يفوق عدد من قُتلوا من النساء والأطفال بأوكرانيا بأكثر من الضِّعف بعد عامين تقريباً من الهجمات الروسية، وفقاً لتقديرات الأمم المتحدة؛ وأن عدد القتلى من النساء والأطفال في غزة في أقل من شهرين يفوق عدد المدنيين الذين تم توثيق قتلهم على يد القوات الأمريكية وحلفائها الدوليين في العام الأول من غزو العراق في عام 2003، وفقاً لتقديرات منظمة “إيراك بودي كاونت”، وهي مجموعة بحثية بريطانية مستقلة؛ وأن عدد النساء والأطفال الذين قُتلوا في غزة منذ بدء الحملة الإسرائيلية الشهر الماضي يقترب بالفعل من عدد المدنيين الأفغان الذين تم توثيق قتلهم على يد الولايات المتحدة وحلفائها في أفغانستان خلال ما يقرب من 20 عاماً من الحرب، وفقًا لتقرير أصدره نيتا سي كروفورد، المدير المشارك لمشروع تكاليف الحرب بجامعة براون؛ وأن النساء والأطفال يشكّلون ما يقرب من 70% من جميع القتلى المبلغ عنهم في غزة على الرغم من أن معظم المقاتلين هم من الرجال، وهي “إحصائية غير عادية”، كما صرح ريك برينان، مدير الطوارئ الإقليمي لمكتب شرق البحر الأبيض المتوسط التابع لمنظمة الصحة العالمية؛ وأن عدد الأطفال الذين قُتلوا في غزة منذ بدء الهجوم الإسرائيلي يفوق من قُتلوا في مناطق الصراع الرئيسية في العالم مجتمعة – بما يشمل عشرين دولة – خلال العام الماضي بأكمله، حتى مع الحرب في أوكرانيا، وفقاً لإحصائيات الأمم المتحدة لوفيات الأطفال التي تم التحقق منها في الصراعات المسلحة.

 وقد جاء التقرير على النحو التالي:

اعتبرت إسرائيل مقتل المدنيين في قطاع غزة شيئاً مؤسفاً ولكنه أمر لا مفر منه في الصراعات الحديثة، متذرعةً بالخسائر البشرية الفادحة التي نجمت عن الحملات العسكرية التي شنتها الولايات المتحدة نفسها ذات يوم في العراق وسوريا.

لكن مراجعة الصراعات الماضية والمقابلات التي أُجريت مع خبراء في الضحايا والأسلحة المستخدمة في الحروب تشير إلى أن الهجوم الإسرائيلي على غزة مختلف تماماً.

ورغم أن أعداد القتلى في زمن الحرب لن تكون دقيقة على الإطلاق، إلا أن الخبراء يقولون إنه حتى القراءة المحافظة لأرقام الضحايا الواردة من غزة تظهر أن وتيرة القتل خلال الهجمات الإسرائيلية ليس لها سوى القليل من السوابق خلال هذا القرن.

ويقولون إنه يتم قتل المدنيين في غزة بسرعة أكبر حتى من اللحظات الأكثر دموية للهجمات التي قادتها الولايات المتحدة في العراق وسوريا وأفغانستان، والتي تعرضت هي نفسها لانتقادات واسعة النطاق من قبل جماعات حقوق الإنسان بسببها.

وعلى الرغم من أنه قد يستحيل إجراء مقارنات دقيقة بين قتلى الحروب، لكن خبراء ضحايا الصراعات صُدموا بعدد الأشخاص الذين تم الإبلاغ عن مقتلهم في غزة، ومعظمهم من النساء والأطفال، ومدى السرعة لوتيرة مقتلهم.

ولا يتعلق الأمر فقط بالحجم الهائل من الضربات الجوية التي قدرتها إسرائيل بأكثر من 15 ألف غارة قبل التوصل إلى وقف إطلاق نار قصير في الأيام الأخيرة، لكنه يتعلق أيضاً بطبيعة الأسلحة نفسها التي استخدمتها في القصف.

يقول بعض الخبراء إن استخدام إسرائيل المفرط لقنابل شديدة الضخامة في المناطق الحضرية المزدحمة، بما في ذلك القنابل الأمريكية الصنع التي يبلغ وزنها 2,000 رطل والتي يمكن أن تسوي برجاً سكنياً بأكمله بالأرض، هو أمر صادم ومثير للدهشة.

وقال مارك جارلاسكو، المستشار العسكري لمنظمة “باكس” الهولندية والمحلل الاستخباراتي الكبير السابق في البنتاجون: “إن الأمر يفوق أي شيء رأيته في حياتي المهنية”. وقال إنه لإيجاد مقارنة تاريخية للعديد من القنابل الكبيرة التي تم استخدامها في مثل هذه المنطقة الصغيرة، قد يتعين علينا “العودة إلى فيتنام، أو الحرب العالمية الثانية”.

وعلى النقيض من ذلك، ففي شأن القتال خلال هذا القرن، اعتقد المسؤولون العسكريون الأمريكيون في كثير من الأحيان أن القنبلة الجوية الأمريكية الأكثر شيوعاً – سلاح يبلغ وزنه 500 رطل – كانت كبيرة جداً بالنسبة لمعظم الأهداف عند قتال تنظيم الدولة الإسلامية في المناطق الحضرية مثل الموصل بالعراق والرقة بسوريا.

ويشير الجيش الإسرائيلي إلى أن غزة تمثل ساحة معركة مثلها مثل القليل من ساحات المعارك الأخرى. فهي ساحة صغيرة وكثيفة السكان، يعيش فيها مدنيون بجوار مقاتلي حماس، وحتى فوقهم، حيث تعتمد حماس على شبكات من الأنفاق لحماية نفسها وأسلحتها، مما يضع السكان مباشرة في خط النار، حسب زعم الجيش الإسرائيلي.

وبالنظر إلى هذه الشبكات السرية –التي يقول الجيش الإسرائيلي إنها مكّنت حماس من شن هجماتها القاتلة على المستوطنات في غلاف غزة في السابع من أكتوبر– تزعم القوات الإسرائيلية إنها تستخدم “أصغر الذخائر المتاحة” لتحقيق أهدافها الاستراتيجية من أجل التسبب في “الحد الأدنى من التأثير السلبي على المدنيين”!.

ومن الصعب كثيراً حساب الخسائر في صفوف المدنيين على وجه الدقة، حيث يبدو أن المسؤولين في قطاع غزة الذي تديره حماس لا يفصلون بين القتلى بين المدنيين وغيرهم من المقاتلين.

ولكن كثيراً من الباحثين يؤكدون أن ما يقرب من 10,000 امرأة وطفل تم الإبلاغ عن مقتلهم في غزة يُعتبر مقياساً تقريبياً لأعداد القتلى بين المدنيين في القطاع. ويقول مسؤولون وخبراء دوليون مطلعون على الطريقة التي يتم بها تجميع الأرقام في غزة إن الأرقام الإجمالية يمكن الاعتماد عليها بشكل عام.

واعترف الجيش الإسرائيلي بمقتل أطفال ونساء وكبار السن في غزة، لكنه قال إنه لا يمكن الوثوق بعدد القتلى المعلن عنه في غزة. ولم يقدم الجيش إحصاء خاصاً به، لكنه زعم في نفس الوقت أن المدنيين “ليسوا هدفا” لحملته العسكرية على غزة.

وقال اللفتنانت كولونيل جوناثان كونريكوس، المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي: “إننا نفعل الكثير من أجل منع قتل أو إصابة المدنيين، والتقليل إلى أدنى حد ممكن، كلما أمكن ذلك”. وأضاف، “نحن نركز على حماس.”

ومع ذلك، يقول الباحثون إن وتيرة القتلى المبلغ عنها في غزة خلال القصف الإسرائيلي على غزة كانت مرتفعة بشكل استثنائي.

ويفوق عدد النساء والأطفال الذين قُتلوا في غزة عدد من قُتلوا من النساء والأطفال بأوكرانيا بأكثر من الضِّعف بعد عامين تقريباً من الهجمات الروسية، وذلك وفقاً لتقديرات الأمم المتحدة

(الفلسطينيون يُدفَنون في مقبرة جماعية في أحد الجبّانات بقطاع غزة)

ويفوق عدد القتلى من النساء والأطفال في غزة في أقل من شهرين يفوق عدد المدنيين الذين تم توثيق قتلهم على يد القوات الأمريكية وحلفائها الدوليين، حوالي 7,700 من المدنيين، في العام الأول من غزو العراق في عام 2003، وفقاً لتقديرات منظمة “إيراك بودي كاونت”، وهي مجموعة بحثية بريطانية مستقلة.

كما يقترب عدد النساء والأطفال الذين قُتلوا في غزة منذ بدء الحملة الإسرائيلية الشهر الماضي يقترب بالفعل من عدد المدنيين الأفغان الذين تم توثيق قتلهم على يد الولايات المتحدة وحلفائها في أفغانستان، حوالي 12,400 من المدنيين، خلال ما يقرب من 20 عاماً من الحرب، وفقاً لتقرير أصدره نيتا سي كروفورد، المدير المشارك لمشروع تكاليف الحرب بجامعة براون

وتستند هذه المقارنات إلى آلاف حالات القتل المنسوبة مباشرة إلى قوات التحالف الأمريكية على مدى عقود في العراق وسوريا وأفغانستان. وتشير التقديرات إلى أن عدداً أكبر بكثير من الأشخاص –مئات الآلاف في المجمل– قد قُتلوا في هذه الصراعات على يد مجموعات أخرى، بما في ذلك الحكومة السورية وحلفائها، والميليشيات المحلية، وتنظيم الدولة الإسلامية، وقوات الأمن العراقية.

ولكن في حين أن إجمالي عدد القتلى في تلك الحروب كان أكبر، فإن عدد الأشخاص الذين قُتلوا في غزة “في فترة قصيرة جدًا من الزمن أعلى مما كان عليه الحال في الصراعات الأخرى”، كما قال البروفيسور كروفورد، الذي أجرى أبحاثاً مكثفة في الحروب الحديثة.

وفي معركة الموصل التي استمرت تسعة أشهر، والتي استَشهد بها المسؤولون الإسرائيليون على سبيل المقارنة، قُتل ما يقدر بنحو 9,000 إلى 11,000 من المدنيين على يد جميع أطراف الصراع، بما في ذلك عدة آلاف قتلوا على يد تنظيم الدولة الإسلامية، حسبما أشارت وكالة أسوشيتد برس.

وقد تم الإبلاغ بالفعل عن مقتل عدد مماثل من النساء والأطفال في غزة في غضون أقل من شهرين.

وقال بريان كاستنر، محقق الأسلحة في منظمة العفو الدولية والمحقق السابق في منظمة العفو الدولية والضابط السابق في القوات الجوية الأمريكية المختص بالتخلص من الذخائر المتفجرة، إن القنابل المستخدمة في غزة أكبر من تلك التي استخدمتها الولايات المتحدة عندما كانت تقاتل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في مدن مثل الموصل والرقة، وهي أكثر اتساقاً مع استهداف البنية التحتية تحت الأرض مثل الأنفاق.

ولكن غزة ليست صغيرة فحسب مقارنة بمناطق الصراع مثل العراق أو أفغانستان أو أوكرانيا، بل إن حدود القطاع مغلقة أيضا من قبل إسرائيل ومصر، مما لا يتيح للمدنيين سوى القليل من الأماكن الآمنة، إن وجدت، للفرار من القتل.

وتشير تحليلات الأقمار الصناعية إلى أن أكثر من 60 ألف مبنى تضررت أو دُمِّرت في قطاع غزة، بما في ذلك حوالي نصف المباني في شمال غزة.

وقال السيد كاستنر متحدثاً عن القوات الإسرائيلية: “إنهم يستخدمون قنابل كبيرة للغاية في مناطق ذات كثافة سكانية عالية جداً”. “إنها أسوأ تركيبة على الإطلاق من العوامل (للقتل).”

حرب “وجودية”

ويقول المسؤولون الإسرائيليون إن حملتهم تركز على البنية التحتية العسكرية في غزة والتي يدّعون أنها “غالباً ما يتم بناؤها بالقرب من المنازل والمؤسسات المدنية – أو يتم دفنها تحتها.

وقال اللفتنانت كولونيل كونريكوس: “للوصول إلى هذا الهدف، يقوم الجيش الإسرائيلي باستخدام “قنابل أكبر ذات قوة إنتاجية أعلى”.

وعندما سُئل المتحدث باسم الحكومة الإسرائيلية، مارك ريجيف، في مقابلة أجريت معه في 24 أكتوبر مع شبكة ” پي بي إس” حول وتيرة الضربات الجوية على غزة، قال إن إسرائيل تهدف إلى حملة أقصر من تلك التي شنتها الولايات المتحدة في العراق وسوريا.

وقال ريجيف: “نأمل أن ننجز الأمر بشكل أسرع”. “هذا أحد أهدافنا. لكن الأمر قد يستغرق وقتا أطول مما يأمله كثير من الإسرائيليين، لأن حماس موجودة في السلطة منذ 16 عاماً.

وقد وجّهت إسرائيل سكان غزة إلى إخلاء المناطق التي تتركز فيها حملة القصف بشكل خاص، لكنها واصلت قصف مناطق أخرى أيضاً.

وعلى نطاق أوسع، يقول المسؤولون الإسرائيليون إن هذه حملة تتم على حدود “إسرائيل” من أجل “القضاء” على حماس، وهي حركة كرّست جهودها بهدف تدمير إسرائيل. وقال بيني جانتس، أحد وزراء حكومة الحرب الإسرائيلية، للصحفيين في 8 نوفمبر، “الحرب هنا هي من أجل وجودنا”.

لقد أصابت شدة الهجوم الذي شنّته حركة حماس في السابع من أكتوبر الإسرائيليين بصدمة نفسية، وقد أوضح بعض الأعضاء البارزين في الحكومة الإسرائيلية أنهم يشنون حملة شرسة على غزة.

وقال يوآف جالانت، وزير الدفاع الإسرائيلي، في الأيام التي تلت غارات حماس: “غزة لن تعود إلى ما كانت عليه من قبل. وحماس لن تكون موجودة بعد الآن. وسوف نقضي على كل شيء.”

وبعد التشكيك في بداية الأمر في عدد القتلى الذين يسقطون جرّاء القصف الإسرائيلي على غزة، تعترف إدارة بايدن الآن بأن الأرقام الحقيقية للضحايا المدنيين قد تكون حتى أسوأ من تلك المعلنة.

وقالت باربرا ليف، مساعدة وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى، أمام لجنة بمجلس النواب هذا الشهر إن المسؤولين الأمريكيين يعتقدون أن أعداد الضحايا من المدنيين “مرتفعة للغاية، بكل صراحة، وربما تكون الأعداد أعلى مما يتم الإعلان عنه”.

ويقول الخبراء الدوليون الذين عملوا مع وزارة الصحة في غزة خلال هذه الحرب وغيرها من الحروب، إنها تجمع أرقام الوفيات من المستشفيات والمشارح في جميع أنحاء القطاع، والتي تحصي عدد القتلى وتورد الأسماء وأرقام الهويات وغيرها من التفاصيل عن الأشخاص الذين قتلوا.

وفي حين حثّ الخبراء على توخّي الحذر بشأن التصريحات العامة حول العدد المحدد للأشخاص الذين قتلوا في غارة معينة – خاصة في أعقاب الانفجار مباشرة – إلا أنهم قالوا إن إجمالي عدد القتلى الذي أبلغت عنه وزارة الصحة في غزة ثبت أنه دقيق.

وفي الأسابيع القليلة الماضية، أصبح تسجيل القتلى في غزة صعباً بشكل متزايد في ظل فوضى القتال، حيث تتعرض المستشفيات لإطلاق نار مباشر، وتوقف جزء كبير من النظام الصحي عن العمل، وبدأ مسؤولون حكوميون آخرون في تحديث عدد القتلى بدلاً من الوزارة. ولكن حتى قبل هذه التغييرات، كان عدد النساء والأطفال الذين تم الإبلاغ عن قتلهم يفوق بالفعل عدد النساء والأطفال الذين قُتلوا في الصراعات الأخرى.

ويمثل النساء والأطفال ما يقرب من 70% من جميع القتلى المعلن عنهم في غزة على الرغم من أن معظم المقاتلين هم من الرجال – وهي “إحصائية غير عادية”، كما قال ريك برينان، مدير الطوارئ الإقليمي لمكتب شرق البحر الأبيض المتوسط التابع لمنظمة الصحة العالمية، في أحد الفعاليات هذا الشهر.

وقال السيد برينان، إن المرء يتوقع عادة العكس. ففي الاشتباكات الماضية بين إسرائيل وحماس، على سبيل المثال، كان حوالي 60% من الوفيات المبلغ عنها في غزة هم من الرجال.

وادّعى المتحدث العسكري الإسرائيلي، اللفتنانت كولونيل كونريكوس، إن النسبة المرتفعة للنساء والأطفال الذين قُتلوا في غزة هي سبب آخر لعدم الثقة في الأرقام المعلن عنها، مضيفاً أن القوات الإسرائيلية حذّرت المدنيين من الضربات مقدماً “حيثما كان ذلك ممكنًا”.

وبالإضافة إلى ذلك، أشار المسؤولون الإسرائيليون ليس فقط إلى التصرفات السابقة للولايات المتحدة في العراق وسوريا، ولكن أيضاً إلى سلوك أمريكا وحلفائها خلال الحرب العالمية الثانية.

ففي خطاب ألقاه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يوم 30 أكتوبر، على سبيل المثال، استشهد نتنياهو بحادث قصف مستشفى للأطفال من قبل سلاح الجو الملكي البريطاني عندما كان يستهدف مقر الجستابو في كوبنهاجن عام 1945. وخلال زيارات وزير الخارجية أنتوني بلينكن إلى إسرائيل، كان المسؤولون الإسرائيليون يستشهدون سراً بالقصف الذري الذي قامت به الولايات المتحدة عام 1945 على هيروشيما وناجازاكي، والذي أدى إلى مقتل أكثر من 100 ألف شخص.

وقد تم تطوير قوانين الحرب الدولية الحديثة إلى حد كبير رداً على الفظائع التي ارتُكبت إبّان الحرب العالمية الثانية.

ففي عام 1949، قنّنت اتفاقيات جنيف حماية المدنيين أثناء الحرب. وعلى الرغم من أن القانون الدولي لا يحظر سقوط ضحايا من المدنيين، إلا أنه ينص على أن على الجيوش ألا تقوم باستهداف المدنيين بشكل مباشر أو تقصف المناطق المدنية بشكل عشوائي، وأن الأذى العرضي وقتل المدنيين يجب ألا يتجاوز الميزة العسكرية المباشرة التي يمكن أن يتم اكتسابها.

قنابل زنة 2,000 رطل

في أول أسبوعين من الحرب على غزة، كان ما يقرب من 90% من الذخائر التي أسقطتها إسرائيل على غزة عبارة عن قنابل موجَّهة عبر الأقمار الصناعية تزن ما بين 1,000 إلى 2,000 رطل، وفقاً لمسؤول عسكري أمريكي كبير غير مخوَّل بمناقشة الأمر علناً.

وقال السيد جارلاسكو، مستشار منظمة باكس الهولندية، إن تلك القنابل “كبيرة حقاً”. وأضاف أن إسرائيل تمتلك أيضاً آلاف القنابل الصغيرة التي حصلت عليها من الولايات المتحدة والتي تم تصميمها للحد من الأضرار في المناطق الحضرية ذات الكثافة السكانية العالية، لكن خبراء الأسلحة يقولون إنهم لم يروا أدلة تذكر على استخدامها (القنابل الصغيرة) بشكل متكرر.

في إحدى الحالات التي تم توثيقها، استخدمت إسرائيل قنبلتين على الأقل تزن الواحدة 2,000 رطل خلال غارة جوية شنّتها في 31 أكتوبر على مخيم جباليا، وهي منطقة مكتظة بالسكان شمال مدينة غزة، مما أدى إلى تسوية المباني بالأرض وإحداث حفر يبلغ عرضها 40 قدماً، وفقًا لتحليل قامت به نيويورك تايمز لصور الأقمار الصناعية والصور ومقاطع الفيديو التي تم التقاطها. وأكدت منظمة “أيروورز” بشكل مستقل أن ما لا يقل عن 126 مدنياً قتلوا، أكثر من نصفهم من الأطفال.

(البحث عن جثث الموتى أو ناجين من بين أنقاض مخيم اللاجئين الذي قصفته إسرائيل في شمال غزة)
(البحث عن جثث الموتى أو ناجين من بين أنقاض مخيم اللاجئين الذي قصفته إسرائيل في شمال غزة)

وقال الجيش الإسرائيلي إنه كان يستهدف أحد قادة حماس ومقاتليها، لكنه أقر بأنه كان على علم بوجود مدنيين. وقال اللفتنانت كولونيل ريتشارد هيشت، المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، إن الضحايا كانوا “مأساة حرب”!.

قصف مكثّف على غزة

في كل يوم، يقوم الصحفيون المحليون في غزة بالإبلاغ عن الغارات التي أصابت المنازل الخاصة، والتي أسفر بعضها عن مقتل عشرات الأشخاص أو أكثر بينما تلجأ العائلات إلى أماكن ضيقة للبقاء فيها. وفي 19 أكتوبر، قصفت إسرائيل كنيسة أرثوذكسية يونانية كان يلجأ إليها المئات من أبناء الطائفة المسيحية الصغيرة في غزة وقت العشاء، مما أسفر عن مقتل 18 مدنياً، وفقا لتحقيق أجرته منظمة العفو الدولية.

ولتبرير ذلك، ألقى اللفتنانت كولونيل كونريكوس، المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، باللائمة على حماس واتهمها بتعمد دمج نفسها في سكان غزة وتحتهم، مدعياً  أن هذا هو “السبب الرئيسي وراء سقوط ضحايا من المدنيين”.

وزعم أنه تم تحويل مئات الضربات الإسرائيلية على حماس “بسبب وجود مدنيين وأطفال ونساء وآخرين لا يبدو أنهم على صلة بالقتال”.

ومع ذلك، قال السيد كاستنر، من منظمة العفو الدولية، إن إسرائيل تبدو وكأنها تتحرك بسرعة كبيرة للحد من الأضرار التي تلحق بالمدنيين.

والولايات المتحدة نفسها قتلت آلاف المدنيين خلال سنوات من القصف الجوي. لكن الخبراء يقولون إنها تحاول بشكل عام تقييم “نمط حياة” المدنيين قبل القصف. ويراقب المحللون ما إذا كان الناس يخرجون للحصول على الطعام أو الماء، على سبيل المثال، لتحديد ما إذا كان هناك مدنيون داخل المبنى.

وقال كاستنر إن هذا النوع من الحذر في كل ضربة جوية “ليس من الممكن للإسرائيليين أن يقوموا به إذا كانوا ينفّذون هذا العدد الكبير من الضربات في نفس الوقت”.

المدى الطويل

ويفوق عدد الأطفال الذين قُتلوا في غزة منذ بدء الهجوم الإسرائيلي من قُتلوا في مناطق الصراع الرئيسية في العالم مجتمعة –بما يشمل عشرين دولة– خلال العام الماضي بأكمله، حتى مع الحرب في أوكرانيا، وفقاً لإحصائيات الأمم المتحدة لوفيات الأطفال التي تم التحقق منها في الصراعات المسلحة.

(يُشكّل النساء والأطفال 70% من إجمالي الشهداء في غزة)
(يُشكّل النساء والأطفال 70% من إجمالي الشهداء في غزة)

ويقول الخبراء إنه عندما تكون المناطق المدنية في مرمى النيران، فإن التهديد لا ينتهي عندما ينتهي القصف. إن الدمار الذي خلّفته الحرب يجعل الناس يواجهون لفترة طويلة بعد انتهاء الحرب صراعاً آخر من أجل البقاء.

وقال البروفيسور كروفورد، الباحث في مشروع تكاليف الحرب، إن أنظمة الرعاية الصحية المدمَّرة وإمدادات المياه المعرَّضة للخطر وحدها يمكن أن تشكل مخاطر كبيرة على الصحة العامة.

وأضاف: “في كل حرب يكون الأمر هكذا”. “لكن هذا النطاق من البؤس الشديد الذي يقع خلال هذه الفترة الزمنية القصيرة يصعب إدراكه في حقيقة الأمر”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
Close