fbpx
تقاريرمجتمع

هدم المعالم التراثية بمصر: الواقع والمخاطر

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

هدم المعالم التراثية بمصر

تمهيد

أقدمت الحكومات المصرية المتتالية خلال السنوات الأخيرة على هدم العديد من المواقع والمعالم التراثية، بحجة التطوير؛ ما تسبب في إثارة حفيظة المواطنين وكذا المتخصصين الذين نددوا بهذا السلوك غير المقبول تجاه تراثنا. غير أن الحكومة استمرت في نهجها ولم تلتفت إلى تلك الاعتراضات، رغم أن بعضها ارتقى إلى استجوابات وطلبات إحاطة تحت قبة البرلمان، ووصل بعضها إلى دعاوي قانونية في ساحات القضاء.

ولما كانت عملية هدم التراث من الخطورة بمكان، كان لزاما علينا أن نولي هذا الأمر اهتماما فنبصر المصريين بهذا الواقع المرعب، ومخاطره الجسيمة، كما وجب علينا أن نسعى مع غيرنا لتقديم حلول توقف هذا التدمير الذي تتعرض له ذاكرة مصر التاريخية. من أجل ذلك، جاء هذا التقرير ليكشف عن واقع هدم الحكومة للمواقع التراثية، وليبين مخاطره ويضع بعض الإجراءات التي من شأنها حماية تراثنا من هذا العبث.

وأؤكد بداية أنني هنا أتحدث عن هدم التراث وليس هدم الآثار، والفرق بينهما كبير؛ فالمواقع الأثرية هي تلك المواقع المسجلة بوزارة الآثار، أو تلك المواقع التي تتحقق فيها شروط التسجيل بالآثار غير أن هناك معوقات قد تكون منعت من تسجيلها، خاصة وأن عملية تسجيل الآثار في مصر عملية معقدة. والمواقع الأثرية والحفاظ عليها وعدم التعرض لها يتبع قانون حماية الآثار رقم 117 لسنة 1983 وتعديلاته.

أما المعالم التراثية، فهي تلك المعالم المميزة التي لا ينطبق عليها تعريف الموقع الأثري، ولكنها تتسم في ذات الوقت بإحدى ثلاث صفات أو أكثر، وهي: أن تحمل طرازا معماريا متميزا وفريدا، أو تعود لحقبة تاريخية معينة، أو تلك التي كانت مسكنا خاصا لإحدى الشخصيات المهمة والتاريخية. والمعالم التراثية والحفاظ عليها وعدم الإضرار بها يتبع عددا من القوانين الخاصة بها، مثل: القانون رقم 144 لسنة 2006، والقانون 119 لسنة 2008.

ويبلغ عدد المباني التراثية في مصر وفقا للإحصائيات الرسمية، التي أعلن عنها “جهاز التنسيق الحضاري”، نحو 6500 مبنى في العديد من محافظات مصر مثل: القاهرة والإسكندرية والإسماعيلية، وبورسعيد، والمنيا وأسيوط وغيرها[1].

وقد جاء هذا التقرير في محورين اثنين، كالتالي:

المحور الأول: الحكومة المصرية وتاريخ طويل مع هدم التراث 

ترجع عملية هدم المعالم التراثية بمصر لفترة طويلة من الزمن، غير أن الواقع يثبت ازدياد وتيرتها خلال السنوات الأخيرة بشكل مرعب. كان أحدثها تلك العملية التي رجت أنحاء مصر، وهي عملية هدم جبانة المماليك. وكان قد سبقها هدم وكالة العنبريين، وغيرها من المواقع والمباني التراثية، نحاول هنا أن نسلط الضوء على بعضها:

أولا: هدم جبانة المماليك

تقع تلك الجبانة بصحراء المماليك. وصحراء المماليك؛ هي تلك المنطقة التي تقع حاليا إلى الشرق من طريق صلاح سالم. وهي لم تنشأ إلا في عصر المماليك الشراكسة مع نهاية القرن الثامن الهجري حين بدأ سلاطين المماليك وأمراؤهم في إنشاء المساجد والخوانق بتلك المنطقة وألحقوا بها مدافنهم. وما أن انتهى القرن التاسع الهجري إلا وكان بها مجموعة من العمائر الدينية والقباب التي لم تجتمع في مكان واحد مثل ما اجتمعت هناك. وكان أكثر من عُني بالإنشاء بها من سلاطين المماليك الشراكسة السلطان الملك الأشرف أبو النصر قايتباي، ولذا فإنها تُعرف في المصادر بـ “ترب قايتباي”[2].

وكان قد حدث منذ أسابيع سخط كبير من قِبل الأهالي وبعض المختصين على إثر انتشار صور ومقاطع فيديو لعمليات هدم لمقابر بمنطقة صحراء المماليك. وبلغ هذا الجدل ذروته على مواقع التواصل الاجتماعي؛ حيث عبر رواد المواقع عن استيائهم من هدم أقدم الجبانات في العالم. وكان من أبرز المقابر التي تم هدمها بالجبانة:

  • هدم جزء كبير من قبر محمد مصطفى نديم مدير مطبعة دار الكتب المصرية والذي لولاه لضاع تراث أمير الشعراء أحمد شوقي، حيث كان نديم أول مَن يطبع دواوين أمير الشعراء، وقد توفي منذ عام 1930.
  • هدم أسوار مقبرة مدفن حسن باشا صبري، رئيس وزراء مصر وقت الحرب العالمية الثانية، والذي رفض دخول مصر في الحرب وجنّبها ويلاتها، وقد توفي وهو يلقي خطاب العرش أمام مجلس النواب عام 1940 في حضور الملك فاروق.
  • هدم واجهة قبر أحمد باشا لطفي السيد، الفيلسوف والمفكر المصري وأحد مؤسسي الحزب الوطني مع مصطفى كامل باشا، والمعروف تاريخيا بلقب أستاذ الجيل، حيث عمل مديرا للجامعة المصرية، كما أسس عددا من المجامع اللغوية والجمعيات العلمية، وتوفي عام 1963.
  • هدم سور المدفن الخاص بـ أحمد عبود باشا أحد أعمدة الاقتصاد المصري في القرن العشرين ومن مؤسسي بنك مصر، وأول مصري في مجلس إدارة شركة قناة السويس العالمية، وتوفي عام 1963.
  • قبر الكاتب الراحل محمد التابعي، المتوفى عام 1976 والملقب بـ “أمير الصحافة”؛ فهو من تتلمذ على يديه مصطفى أمين، الذي روى عنه قائلا: “كانت مقالاته تهز الحكومات وتسقط الوزارات ولا يخاف ولا يتراجع، وكلما سقط على الأرض؛ قام يحمل قلمه ويحارب بنفس القوة ونفس الإصرار”[3].
  • كما تم هدم مدفن مراد باشا محسن، ناظر الخاصة الملكية في عهد الملك فاروق الأول والذي تسمى باسمه شارع مراد الشهير بالجيزة. وهُدم أيضا السور الخارجي لمدفن نازلي هانم حليم، حفيدة محمد علي باشا الكبير. كما هُدمت أسوار مقابر زكي محمد المهندس الذي كان يعمل عميدا لدار العلوم سابقا، وهو والد الفنان فؤاد المهندس والإذاعية صفية المهندس[4].

ثانيا: هدم وكالة العنبريين

وكالة العنبريين أو سوق العنبريين؛ هو ذلك السوق الذي أرخ له المقريزي قائلا: “كان يُسجن فيه أرباب الجرائم… ولم يزل المكان سجنا مدة الدولة الفاطمية ومدة دولة بني أيوب إلى أن عمّره الملك الناصر بن قلاوون وأصبح قيسارية العنبريين في سنة ثمانين وستمائة وعرف بقيسارية العنبر”[5]، كما قال عنه – وعن شارع المعز – على مبارك في خططه: “وهذا الشارع من أعظم شوارع القاهرة وأبهجها… فمن وكائله وكالة يعقوب بك؛ وهي وكالة كبيرة لها بابان أحدهما؛ وهو الكبير بشارع الغورية، والثاني بشارع التربيعة وبداخلها عدة حوانيت وحواصل معدة لبيع الأقمشة والحرير وبأعلاها مساكن، ونظارتها تحت يد خورشيد أفندي[6]

فـ سوق العنبريين يقع في قلب شارع المعز؛ أحد أهم شوارع القاهرة التاريخية، وتبلغ مساحته 1250 مـترا، ويتكون من 106 محلات؛ ومرت عليه حقب وأزمنة تاريخية عديدة؛ كالدولة الفاطمية والأيوبية والمملوكية والعثمانية، حيث يرجع تاريخ إنشائه إلى ما يزيد على 900 عام، فقد تم البدء فيه عام 517 هجرية، وكان في بدايته سجنا ثم تحول إلى سوق للعطور والعنبر ومن هنا أخذ اسمه الحالي، وفي عهد محمد علي أصبح وكالة رائعة الجمال، وكان وقفا ليعقوب بك صبري أحد مساعدي الباشا، وهو آخر من قام بتجديد المكان والإضافة له، وقبل أن يتوفى يعقوب بك أوصى بربع المكان لزوجته والثلاثة أرباع جعلها وقفا خيريا، وفي خمسينيات القرن العشرين، تم بيع جزء من المبنى؛ فأصبح مملوكا لورثة زوجة يعقوب بك والمشترين الجدد وورثتهم.[7]

ولذا فإن وكالة العنبريين، هي أكبر من أي معلم تراثي عادي؛ فهي وإن كانت غير مسجلة بالآثار؛ فهي مبنى أثري كان يجب أن يتم ضمه للمواقع الأثرية، غير أن وزارة الآثار كان لها رأي آخر، تسبب في هدم المبنى دون أي تأنيب من ضمير. فالوزارة أكدت من خلال بياناتها على عدم أثرية الوكالة[8]. وهذا كان مبررا لعملية الهدم التي أزالتها عن آخرها.

ثالثا: مبان تراثية أخرى تم هدمها

بالرغم من أن عمليات هدم التراث في مصر على أيدي الحكومات ازدادت وتيرته خلال السنوات الأخيرة، إلا إن عمليات الهدم تلك قائمة في مصر منذ سنوات طويلة، حيث تم هدم العديد من الفلل والقصور التاريخية والمباني التراثية سواء التاريخية، أو التي تخص شخصيات تاريخية، أو ذات الطابع المعماري والعمراني الفريد[9]، وخاصة في محافظتي القاهرة والإسكندرية، وأهمها:

  • ما حدث في عام 2002 عندما تم توسعة الشارع الموازي بمقابر الصوفية في باب النصر بالقاهرة، وهي المقابر التي دفن فيها العالم الموسوعي الشهير ابن خلدون، المؤسس الأول لعلم الاجتماع. حيث تم اقتطاع جزء من المقابر لصالح الطريق. وتشير روايات إلى أن مقبرة ابن خلدون في الجزء الذي تم اقتطاعه[10].
  • وفي عام 2014 تم هدم فيلا النقيب بالإسكندرية، والمسجلة ضمن المباني ذات الطابع المعماري المميز. وكانت الفيلا ملك أحمد باشا النقيب، وهو الطبيب الخاص للملك فاروق وللأسرة الملكية، وكانت الفيلا المقر الصيفي للنقيب أثناء وجود الملك في الإسكندرية[11].
  • في ديسمبر2014. تم هدم “بیت المهندس” التاريخي بشارع سوق السلاح الذي يمتلئ بالعشرات من المباني الأثرية بمنطقة الدرب الأحمر. وهو مبنى يزيد عمره على 150 عاما، وتم بناء بعض أجزائه في العصر المملوكي، فهو جزء أصيل من تراث القاهرة القديمة[12].
  • وفي عام 2015 تم هدم المنزل رقم 68 بوسط القاهرة أيضا، رغم أنه يضم العديد من العمائر الجنائزية الإسلامية؛ فهو يحتوي على ثلاثة أضرحة للشيوخ “الخريبي والخواص والمغربي”، وكان يتبع وزارة الأوقاف[13].
  • وفي يناير 2016، تم هدم فيلا أجيون بالإسكندرية، وهي التي يقترب عمرها عن 100 عام، حيث تمكن مالكها من هدمها بالكامل رغم صدور قرار من مجلس الوزراء بنزع ملكيتها للمنفعة العامة للحفاظ عليها. والفيلا تبلغ مساحتها 1800 متر مربع، وهي من تصميم المعماري الفرنسي أوجست بيريه، الذي قام بتشييدها عام 1922.[14]
  • وفي 2016 أيضا تم هدم فيلا “زينب هانم الوكيل” حرم مصطفى النحاس باشا، بمنطقة وابور المياه بدائرة قسم باب شرقي بالإسكندرية، على الرغم من تضمينها بمجلد التراث للعقارات المحظور هدمها[15].
  • وفي 2016 تم هدم فيلا شيكوريل، بالإسكندريّة، وكان قد أنشأ الفيلا رجل الأعمال اليهودي شيكوريل عام 1930، ولم يتمّ تسجيلها كأثرٍ رغم المطالب العديدة. وكان قد تم سحب معظم أملاك شيكوريل إثر قرارات التأميم في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، وانتقلت تبعية الفيلا إلى الشركة العربية للملاحة البحرية[16].
  • وفي يناير 2017، قام أحد الأشخاص بهدم عقار تراثي يعود تاريخه لعام 1891 (وهو العقار رقم 32) بالشارع الرئيسي بحي السبتية، ولم تحرك الحكومة ساكنا[17].
  • في يناير 2018 تم هدم جزئي لفندق الكونتنينتال أحد المباني الخديوية بوسط القاهرة، والذي شهد توافد ملوك وملكات أوروبا خلال افتتاح قناة السويس عام 1866، وشهد العديد من الحوادث والمناسبات التاريخية والوطنية البارزة.[18]
  • وفي نفس العام أيضا 2018 تم هدم فيلا كوكب الشرقأم كلثوم بالقاهرة، التي بنيت عام 1938، وأُقيم بدلا منها عمارة سكنية[19].
  • وفي نوفمبر 2018 أيضا طالت معاول الهدم الحكومية بيت “مدكور باشا”، بالدرب الأحمر بالقاهرة، وهو مبنى تراثي يصل عمره لـ 600 عام، وتمت عملية الهدم رغم أنه مسجل بقوائم الطراز المعماري المتميز منذ عام 2010.[20]
  • هذا غير العديد من المعالم التراثية الأخرى التي تم هدمها من قبل الحكومة، أو هُدمت من خلال المواطنين بعد أن غضت الحكومة الطرف عنهم. فمحافظة الإسكندرية على سبيل المثال تعرضت لهدم العديد من المبان والمنشآت الأخرى ذات قيمة التراثية التي لا تعوض، بل إن الحكومة سمحت رسميا برفع أكثر من 50 مبنى وفيلا أثرية بالإسكندرية من مجلد التراث، بما يعطى لملاك تلك العقارات حرية التصرف فيه سواء بالهدم أو بالبيع. هذا فضلا عن أن هناك بالإسكندرية أكثر من 1350 مبنى تراثي آخر مهدد بالهدم[21].

المحور الثاني: مخاطر هدم التراث وضرورة التوقف

إن ما تقوم به الحكومة في السنوات الأخيرة، أو ما تسمح به من هدم المباني والمعالم التراثية؛ لهو أمر في غاية الخطورة، خاصة وأننا نرى العالم الآن يسعى للحفاظ على تراثه والاعتناء به، بل إن هناك دولا تحاول عبثا أن تختلق لها تراثا كي تُشعر العالم بقِدمها، فما بالنا ونحن أمة متجزرة في التاريخ. وهذه المخاطر تفرض علينا العمل على إيقاف عمليات الهدم تلك.

أولا: مخاطر هدم المواقع التراثية

ومخاطر هدم المواقع التراثية بمصر تتمثل في العديد من النقاط، منها:

  • أن عمليات هدم التراث هي هدم للذاكرة المصرية، وحرمان للأجيال القادمة من التعرف على تاريخهم وتراثهم، وهي تعمل على قطع التواصل بين الماضي والحاضر.
  • أن قيام الحكومة على عملية الهدم بنفسها يساعد في نشر ثقافة الهدم للمواقع التراثية بين المواطنين.
  • أن عملية هدم المواقع التراثية تفقد مصر وأبناءها التذوق الفني والجمالي المتمثل في هذا الجمال المعماري الذي ظل لعقود طويلة يبث في نفوس الرائين الشعور بالروعة.
  • أن عملية هدم التراث التاريخي تفقد مصر موارد مالية محتملة، حين يتم تحويل تلك المباني إلى مزارات سياحية.
  • أن اقتطاع وإزالة وهدم أي مبنى تراثي يضر بالنسيج العمراني المميز للمنطقة التي يقع بها. فالمناطق التراثية تتميز بأنها تربط بين الماضي والحاضر.
  • أن الحكومة ومن خلال قيامها بعملية الهدم، لا تلتزم بالدستور الذي وضعته، فالمادة 47 من دستور 2014 تقول صراحة إن الدولة مُلتزمة بالحفاظ على الهوية الثقافية المصرية بروافدها الحضارية المتنوعة، أما المادة رقم 50 منه فقد نصت على أن تراث مصر الحضاري والثقافي والمادي والمعنوي، بجميع تنوعاته ومراحله الكبرى، المصرية القديمة والقبطية والإسلامية، ثروة قومية وإنسانية، تلتزم الدولة بالحفاظ علية وصيانته، وكذا الرصيد الثقافي المعاصر المعماري والأدبي والفني بمختلف تنوعاته، والاعتداء على أي من ذلك جريمة يعاقب عليها القانون، وتولى الدولة اهتماما خاصا بالحفاظ على مكونات التعددية الثقافية في مصر[22].
  • كما أن ما تقوم به الحكومة، يؤكد على أنها لا تلتزم بالقوانين والتشريعات التي أصدرتها، والخاصة بالحفاظ على التراث؛ كقانون رقم 144 لسنة 2006 الخاص بتنظيم هدم المباني والمنشآت غير الآيلة للسقوط والحفاظ على التراث المعماري، والذي تضمن في مادته الثانية حظر التراخيص في الهدم أو الإضافة للمباني والمنشآت ذات الطراز المعماري المتميز. أو كقانون 119 لسنة 2008، والخاص بالتخطيط العمراني والتنسيق الحضاري وتنظيم أعمال البناء والحفاظ على الثروة العقارية. وهما قانونان مرتبطان ارتباطا وثيقا بالحفاظ على التراث.
  • كما أن عمليات الهدم للتراث تؤكد أيضا على أن مصر غير ملتزمة بالاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي وقعت عليها، كاتفاقية لاهاي لعام 1954 بشأن حماية الممتلكات الثقافية، والتي أقرت “أن الأضرار التي تلحق بممتلكات ثقافية يملكها أي شعب تمس التراث الثقافي الذي تملكه الإنسانية جمعاء، فكل شعب يساهم بنصيبه في الثقافة العالمية”. وكذا اتفاقية اليونسكو التي دخلت حيز التنفيذ في 24 أبريل 1972، والتي تقرر واجب كل دولة في حماية التراث الذي تمثله الممتلكات الثقافية الموجودة في أراضيها. وكذلك ما تضمنه إعلان اليونسكو العالمي لعام 2001 بشأن التنوع الثقافي، والذي تضمن الاعتراف بالتنوع الثقافي باعتباره “تراثا مشتركا للإنسانية” تُعد حمايته ضرورة أخلاقية ملموسة لا تنفصم عراها عن ضرورة احترام كرامة الكائن البشرى ذاته. وما تضمنه أيضا إعلان اليونسكو لعام 2003 بشأن التدمير المتعمد للتراث الثقافي من الاعتراف بأهمية التراث الثقافي والالتزام بمكافحة تدميره المتعمد بأي صورة من الصور حتى يمكن نقل هذا التراث إلى الأجيال القادمة.
  • ومن المخاطر التي تتعرض لها مصر بسبب عمليات هدم التراث، هو أن سمعة مصر لدى المنظمات الدولية ستتدهور بشكل كبير، خاصة وأن للحكومة المصرية سوابق في هذا الاتجاه؛ فمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة “اليونسكو” أرسلت إلى وزارة الخارجية في عام 2012 خطابا رسميا تهددها فيه بأن المنظمة سوف تُخرِج منطقتي القاهرة التاريخية والأقصر من المناطق المسجلة لديها ضمن قائمة مناطق التراث العالمي، وذلك بسبب زيادة التعديات على المعالم الأثرية والتراثية بهما[23]. بل وفي قرار اتُخذ عام 2017؛ طلبت لجنة التراثالعالمي باليونسكو، من مصر؛ اتخاذ كلّ الإجراءات اللازمة لإنهاء التدهور السريع الملحوظ في القاهرة التاريخية[24].هذا فضلا عن أن العديد من المعالم التي تم هدمها هي ضمن مناطق مصرية مسجلة على قائمة التراث العالمي منذ عام 1979[25].
  • ومن أشد المخاطر التي تتعرض لها مصر، هو الاستهانة الكبيرة بالتراث من قبل المسؤولين، فنفي وزارة الآثار بل وتبريرها للعديد من عمليات الهدم التي تتم للتراث وتأكيدها أن ما تم هدمه هو عبارة عن مبان حديثة غير مسجلة في عداد الآثار[26]. هو عذر أقبح من ذنب ينم على مدى ما وصل إليه حال المسؤولين تجاه التراث. بل إن بعض المسؤولين يقللون من مخاطر عمليات الهدم، ويتحدثون عن الواجبات التي تقوم بها الحكومة وكأنها هبة تهبها للشعب، فيقول أحد مسؤولي الوزارة إنه وإن وجد بعض التقصير كالإهمال في بعض المواقع فإن هناك اهتمام بمواقع أخري[27].

ثانيا: ضرورة توقف عمليات الهدم

وهذه المخاطر التي ذكرناها تتطلب ضرورة الإسراع في التوقف عن هدم التراث، ولذا فإنني هنا أناشد الحكومة بالتوقف عن عمليات الهدم، وأقدم لها بعض المقترحات التي أعتقد أنها تساعد في الحفاظ على التراث ومنع هدمه: 

  • ضرورة الاعتزاز بتراثنا الذي نتميز به عن غيرنا؛ فبعض الدول الأوروبية والعربية التي لا تملك تراثا حضاريا وتاريخيا مثل مصر تبحث عن أي مبنى كي تجعله أثرا، وتحتفي به.
  • ضرورة الاهتمام بنشر الوعي الثقافي والتراثي. وعلى وسائل الإعلام القيام بدور كبير في إبراز هذا الجانب، فالمواطن قد يكون معذورا في بعض الأحيان عندما لا يكون لديه وعي بأهمية التراث الذي يملكه.
  • وهذا يدعونا أيضا أن نطالب الحكومة بالعمل على ضم كل المباني والعقارات التي تدخل في نطاق التراث وتضعه تحت حوزتها، وعليها بأن تقوم بتعويض أصحاب تلك العقارات بما يرضيهم.
  • يجب على الحكومة الالتزام بالقوانين التي أصدرتها والمعاهدات الدولية التي وقعت عليها، والخاصة بالحفاظ على التراث.
  • ضرورة قيام البرلمان بدوره في التشريع من أجل إصدار قوانين، والعمل على تغليظ العقوبة الواردة بها من أجل ردع كل من تسوله له نفسه المساس بالتراث سواء كان من قِبل الحكومة أو المواطن.
  • ضرورة تعديل القانون رقم 144 لسنة 2006 الخاص بتنظيم هدم المباني والمنشآت غير الآيلة للسقوط والحفاظ على التراث المعماري، فالمادة الثانية منه بها ثغرة قانونية يلجأ إليها مُلاك الفيلات ذات الطابع المعماري المتميز لكي يخرجوها من مجلد التراث ليسهل بيعها وهدمها، حيث تنص تلك المادة على أنه: “يُحظر الترخيص بالهدم أو الإضافة للمباني والمنشآت ذوي الطراز المعماري المتميز المرتبطة بالتاريخ القومي أو بشخصية تاريخية أو التي تعتبر مزارا سياحيا”، فمشكلة هذه المادة كما يقول قانونيون هي حرف العطف بين كلماتها التي تكون الثغرة القانونية، وبالتالي فإن القاضي يأخذ الجملة كلها على بعضها، بمعنى أنه لو لم تتوافر شروط التاريخ القومي والشخصية التاريخية والمزار السياحي كلها في نفس العقار يتم إخراجها من مجلد الحفاظ على التراث ومن ثم تكون بوابة التحايل على التراث والتاريخ.[28]
  • يوجد في مصر جهاز يسمى؛ الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، وقد أنشئ هذا الجهاز بقرار رئيس الجمهوريةرقم 37 لسنة 2001. وهو مهتم طبقا لأهداف إنشائه بالتراث، ونرى هنا ضرورة تفويض هذا الجهاز ومنحه صلاحيات أكثر، واعتماد ميزانية خاصة به تكون كافية لأداء عمله، وتنظيم لوائح جديدة تمكنه من الإشراف على المباني التراثية وحمايتها وترميمها وتطويرها.
  • ويجب أن تتوقف الحكومة عن الردود السلبية التي تتحجج بها عند قيام بعض المواطنين بهدم عقار خاص بهم رغم أنه يقع ضمن العقارات التراثية، فردود الحكومة تتمثل في أن العقار هو ملك لصاحبه، وقد حكم له القضاء بذلك، وأنه ليست هناك سلطة للحكومة في إيقاف عملية الهدم. وخاصة أن هناك لجان بالمحافظات خاصة بحماية التراث بالإسكندرية ترفض عمليات الهدم تلك وتعتبرها جرما كبيرا في حق تراث مصر الحضاري.
  • يقول بعض المختصين، إنه كان من الممكن بدلا من عمليات الهدم التي طالت مقابر تراثية بالقاهرة؛ أن يقام مشروع لتوضيح أماكن دفن الشخصيات المؤثرة في تاريخ مصر الحديث على غرار مشروع “هنا عاش” الذي يوضح أماكن سكن الشخصيات المؤثرة بوضع لافتة على أماكن سكنهم. بل وكان بالإمكان تحويل مسار محور الفردوس المار من أعلى مقابر المماليك، بأن يتحول إلى نفق على طول المقابر.
  • من الضروري العمل على مواكبة التطورات العالمية، فالعالم استحدث معادلات للتعايش العصري مع التراث دون هدمه، فمن يجوب باريس يظن أنها على حالها منذ مئات السنين بتخطيطها وميادينها، حيث لا تجد الجسور العلوية تشقها طولا وعرضا، ومع ذلك فالمباني من داخلها بها كل وسائل الراحة، والمرور ينساب من خلال أنفاق لا تراها.
  • ومن المهم أيضا أن يقوم المواطنون بدورهم في حماية التراث، فبإمكانهم إقامة جمعيات لحمايته، ودفع النواب بالبرلمان إلى القيام بدورهم في المراقبة والتشريع الخاص بهذا الجانب، كما بإمكان المواطنين أيضا رفع دعاوى قضائية على كل من تسول له نفسه هدم التراث وأن يستغلوا في ذلك القوانين التي نصت على عدم هدمه والمساس به[29].

الهامش

[1] – بعد أزمة وكالة العنبريين: هدم المباني التراثية والتاريخية يثير الجدل، صحيفة الأهرام، 15 فبراير 2019.

[2] – أيمن فؤاد السيد، التطور العمراني لمدينة القاهرة منذ نشأتها وحتى الآن، القاهرة: الدار المصرية اللبنانية، 1997، ط 1، ص 57.

[3] – الشروق، 122 عاما على ميلاد «أمير الصحافة المصرية».. منعه «البرلمان» من كتابة توقيعه على مقالاته، 18 مايو 2018

[4] – عربي بوست، بها رفات المماليك وحفيدة محمد علي وأهم كُتَّاب مصر وفلاسفتها.. بلدوزر الحكومة يدهس “قرافة المماليك” (صور)، 24 يوليو 2020

[5] –  أحمد بن علي المقريزي، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار المعروف بالخطط المقريزية – الجزء 3، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان 1418 هـ

[6] – على مبارك، الخطط التوفيقية الجديدة: لمصر القاهرة ومدنها وبلادها القديمة والشهيرة، المطبعة الكبرى الأميرية، القاهرة، تحميل مكتبة نور، 2006

[7] – حسين دقيل، وهدمت الحكومة سوق العنبريين الأثري!، موقع الجزيرة، 19 فبراير 2019

[8] – الأهرام، بعد أزمة “وكالة العنبريين”.. هدم المباني التراثية والتاريخية يثير الجدل.. وخبراء: هدفه مسح الهوية، 15 فبراير 2019

[9] – نون بوست، هنا القاهرة.. كيف يمكن لمدينة عريقة أن تفقد تراثها؟، 14 فبراير 2019

[10] – صدى البلد، أين يرقد رفات بن خلدون.. حكاية القبر التائه بين مقابر الصوفية، 7 أكتوبر 2018

[11] – جريدة أبو الهول، الإعلام وتدمير التراث المصري، مقال لـ الدكتور ناصر الكلاوي، يونيو 2014

[12] – المصري اليوم، حي الدرب الأحمر يهدم «بيت المهندس» المبنى منذ عهد محمد علي (صورة)، 4 ديسمبر 2014

[13] – البوابة نيوز، فضيحة.. هدم 3 مبانٍ تاريخية بالقاهرة لصالح “مافيا الآثار”، 23 مايو 2015

[14] – مبتدأ، صور| فيلا «أجيون» بالإسكندرية.. «بأيدينا نهدم التاريخ»، 22 يناير 2016

[15] – الأهرام، هدم فيلا زينب الوكيل الأثرية بالإسكندرية، 18 يناير 2016

[16] – مصراوي، بالصور – هدم “فيلا شيكوريل” .. مسمار جديد في نعش التراث السكندري، 2 أكتوبر 2016

[17] – نون بوست، هنا القاهرة.. كيف يمكن لمدينة عريقة أن تفقد تراثها؟، 14 فبراير 2019

[18] – الشرق الأوسط، هدم فندق «كونتيننتال» التاريخي يثير الجدل مجدداً حول المباني التراثية في مصر، 3 فبر اير 2018

[19] – اليوم السابع، صور.. “فيلا أم كلثوم” تصيبها لعنة الهدم من مصر إلى بغداد، 4 يناير 2018

[20] – الوطن، معاول الهدم تنال من «بيت مدكور باشا» الأثري في «الدرب الأحمر»، 24 نوفمبر 2018

[21] – اليوم السابع، بالصور.. بعد هدم فيلا “لورانس داريل” بالإسكندرية.. تفاقم أزمة هدم الفيلات الاثرية بثغر البحر المتوسط.. اليوم السابع يرصد 10 فيلات أثرية تم هدمها.. “أجيون” و”شيكوريل” و”أمبرون” أبرزها.. لجنة التراث: 1350 أثر مهدد، 23 سبتمبر 2017

[22] – الدستور المصري، 2014، مادة 50

[23] –  حسين دقيل، التراث العالمي بمصر: بين الإضافة والشطب، المعهد المصري للدراسات، 21 ديسمبر 2018

[24] – حفريات، اليونسكو تدقّ ناقوس الخطر: هل ينقذ المصريون تراث القاهرة الفاطمية؟، 7 نوفمبر 2018

[25] – القدس العربي، طلب إحاطة في البرلمان وحملة توقيعات رفضا لهدم «مقابر القاهرة التاريخية»، 22 يوليو 2020

[26] – مصراوي، “خاصة بأفراد”.. أول تعليق من الحكومة على هدم مقابر “قرافة المماليك”، 20 يوليو 2020

[27] – الأهرام، بعد أزمة “وكالة العنبريين”.. هدم المباني التراثية والتاريخية يثير الجدل.. وخبراء: هدفه مسح الهوية، 15 فبراير 2019

[28] – البوابة نيوز، ثغرة قانونية لهدم التراث.. ومطالب بتعديل القانون 114.. ونواب: الخلل في التطبيق، 19 فبراير 2018

[29] – الآراء المنشورة تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المعهد المصري للدراسات.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close