قلم وميدان

هل تصبح مساجد القاهرة التاريخية بدون منابر؟!

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

فاجأتنا وزارة الآثار في الثامن عشر من أبريل 2018، بنقل منبر مسجد “أبو بكر مزهر” الأثري بمنطقة الجمالية بالقاهرة إلى مخازن الوزارة بالقلعة، وقد جاء هذا النقل بناءً على قرار صادر من رئيس مجلس الوزراء تحت رقم 110 بتاريخ 20-2-2018، وينص القرار على نقل 55 منبرًا أثرياً من مساجد القاهرة التاريخية وتخزينها في مخزن متحف الحضارة المزمع افتتاحه نهاية العام الجاري، ويشمل القرار أيضاً نقل 60 قطعة أثرية أخرى من مشكاوات وكرسي المقرئ والثريات، موزعة على 58 مسجد من مساجد القاهرة التاريخية .

لكن المفاجأة الأغرب أن تخرج علينا الوزارة وعبر تصريح من أمينها؛ العام الدكتور مصطفي وزيري؛ يوم 21 ابريل 2018، ينفي فيه صدور هذا القرار، قائلاً: “إن ما أشيع في وسائل الإعلام مؤخرًا عن اعتزام  وزارة الآثار  نقل 55 منبرا أثريا من المساجد للمخازن بالمتاحف غير صحيح”!

هذا بالرغم من أن القرار المذكور كان محدداً وبدقة، لدرجة أنه وضع جدولاً بمواعيد نقل لهذه التحف، حيث حدد نهاية أبريل 2018 اتمام نقل عدد 19 مشكاة، ونهاية مايو 2018 للانتهاء من نقل عدد 15 كرسي مقرئ، ونهاية يونيو للانتهاء من تسجيل عدد 13 ثريا؛ على أن تنقل لمخازن متحف الحضارة مع نهابة أغسطس، وعدد 55 منبراً يتم الانتهاء من تسجيلها نهاية أغسطس، وحسب الجدول فإن كل القطع يجب انجاز توثيقها وتفكيكها ونقلها مع نهاية العام 2018.

ومما يثير الشك والريبة أن البند الثاني من القرار المذكور ينص على: (مراعاة عدم الإعلان عن هذا الموضوع)، ونتساءل لماذا لا يريد مجلس الوزراء الإعلان عن ذلك ما دام الأمر صحيحاً؟!

وحجة الوزارة في القيام بهذا الإجراء هو الحفاظ على هذه الآثار من السرقة، فقد نقلت جريدة الأهرام بتاريخ 20-4-2018 عن الدكتور أبو بكر عبد الله مدير المكتب الفني والمشرف على مناطق آثار القاهرة قوله: “إن المساجد أصبحت كوارث، ونتوقع كل يوم أن تحدث عملية سرقة ولن نستطع أن نوفر حراسة لكل مسجد، خاصة مع تراخى وزارة الأوقاف التي تمتلك تلك المساجد وتديرها، بينما وزارة الآثار مطلوب منها حمايتها والحفاظ على ما بها”!

والواقع يؤكد أنه وعلى مدى خمسة عشر عاما تعرض حوالي 17 منبراً من منابر مساجد القاهرة التاريخية لحوادث سرقات ما بين أجزاء صغيرة وأجزاء أخرى مهمة، ففي الرابع من يناير 2017 تم سرقة عدد 6 مشكاوات أثرية من مسجد الرفاعي بالقاهرة، أثناء تصوير مشاهد من فيلم “الكنز” لمحمد رمضان، داخل المسجد، وقالت الوزارة بعد ذلك بثلاثة أسابيع أنها أعادت المشكاوات المسروقة، وعلى إثر هذه السرقات قررت اللجنة الدائمة للآثار الإسلامية والقبطية مع بداية ٢٠١٧؛ تسجيل وتوثيق الآثار المنقولة بالآثار الإسلامية المهددة بالسرقة.

ونتساءل: كيف سيتم ملء الفراغ الذي ستتركه عملية نقل محتويات هذه المساجد، وهل ستنتظر الوزارة اعتماد المبالغ المالية المطلوبة لشراء أو تصنيع بدائل أخرى حديثة حسب نص القرار، وهل ستستطيع القيام بعمل مستنسخات لهذه المنابر والقطع الأثرية؟! بل وهل ستستطيع الوزارة اعادة القطع المفككة إلى ما كانت عليه، فالواقع يؤكد لنا أنه المستحيل أن تُعاد هذه القطع إلى ما كانت عليه من براعة قبل التفكيك.

إنه حتى ولو لم تقم الوزارة بتنفيذ هذا القرار الخاطئ على حد قولها – وهذا مُستبعد –  فلا بد من محاسبتها على تفكيك منبر مسجد ومدرسة أبو بكر مزهر بحارة برجوان، فهذا المنبر كان لا يزال محتفظا بحالته الأصلية، بالرغم من أن مسجد ومدرسة أبو بكر مزهر يعود انشائها إلى عام 1480 ميلادية، وهي تُنسب إلى زين الدين أبو بكر محمد بن احمد بن مزهر المعروف بابن مزهر ناظر ديوان الإنشاء في عهد المماليك الجراكسة، والمسجد من أجمل مساجد المماليك الجراكسة، ومنبر المسجد يُعتبر تحفة بما يحوي من أشغال خشبية وصدفية شديدة الدقة والجمال ويتميز أيضا بضخامة حجمه ودقة صناعته، بل إن المسجد بشكل عام يعتبر تحفة من تحف البناء خاصة في استخدام السقوف الخشبية، والأعمدة الرخامية ومن الأمور النادرة في هذا المسجد؛ أن اسم الصانع الذى قام بأعمال الزخرفة والنقوش للمحراب والمنبر ، لا يزال موجوداً بجوارهما: “عمل عبد القادر النقاش” ، وكان يجب أن لا يُنقل من هذا المنبر من مكانه فوجوده في المحيط نفسه يعطي جمالا فنياً فُقد للأسف بفقدان المنبر!

وكان يجب على الوزارة عمل خطط بديلة للاستفادة السياحية من هذه الآثار النادرة، كوضع مسارات سياحية تشمل هذه الجوامع الأثرية، كما يحدث في بلدان العالم التي زادت فيها نسبة السياحة بتطبيق مثل هذه الخطط رغم أنها أقل منا امتلاكا ً لمثل هذه الكنوز.

ومن الحلول العملية أيضاً للقضاء على عمليات السرقة، هو فصل تبعية الآثار الإسلامية والقبطية عن تبعية وزارة الأوقاف والكنيسة، وأن ينتقل تأمينها إلى وزاره الآثار شأنها شأن كل الآثار المدرجة في الدولة (1 ).

————

(1) الآراء الواردة تعبر عن كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المعهد المصري للدراسات

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *