fbpx
قلم وميدان

هل نحن أمام فرصة تاريخية للتغيير؟

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

 

لا يستطيع أن يدرك من فى القطار سرعة القطار لأنه فيه، ولا يستطيع المرء أن يقيّم اللحظة على الحقيقة وهو لايزال فى إطارها الزمنى، فالحرب العالمية الثانية لم يسموها حربا عالمية إلا بعد انتهائها بأربعة أعوام، والسؤال هل نحن نعيش لحظة من تلك اللحظات بكل ما فيها من زخم وزلازل فى الفكر والوعي والإدراك وحقائق الأمور؟ أم أننا لا زلنا على مسار لم نرقى إلى منعطفه بعد؟

 

حركة التغيير:

حركة التغيير فى الشعوب والأمم لا تتوقف لحظة، ولكن المنعطفات ونقاط التحول التاريخية الكبرى قليلة فى حيوات الأمم وأعمارها، فالشعوب تتراكم معها الأحداث والحوادث فتؤثر فيها تأثيراً طفيفاً متراكباً غير مرصود إلا لذوي البصائر وهم قلة، وتأتى لحظات التحول الكبرى لتكون نتاج عقود لتلك التغييرات غير المرصودة أو مقروءة، لتتحول بها الأمم إلى كائن غير ذلك الكائن ومستقبل لا يشبه الماضي فى شىء، سواء فى التصورات أو الأفكار أو الشخوص والكيانات كذلك.

 

الثورات العربية ومشروع التغيير:

لم تكن النار التى أشعلت جسد بوعزيزى فى تونس هى التى فعلت بالأمم العربية ما فعلت، إلا بقدر أنها مشهد أخير فى سلسلة من مشاهد نيران أكلت أخضر الشعوب ويابسهم على مدار مائتى عام انصرمت، ولا أمل فيها إلا السراب ولا حرث فيها إلا فى البحر.

فقد ظلت الشعوب العربية تعاني وطأة الاستبداد والقهر الذي تتغير صوره وأشكاله وأطواره على مدار عقود، وذلك منذ أن وطأت حوافر خيول نابليون الأسكندرية، ومنذ أن دَكّت مدافعه الأزهر الشريف، ليبدأ عصر التغريب والتجريف لكل مكامن نهضة الأمة ورفعتها، ولم تلبث إلا وانتقل مشروع التغريب والاستعمار إلى كل مِصر بالمنطقة العربية.

هكذا جيء بالنتاج الحداثى لثورات أوروبا إلى المنطقة العربية مكتملا ومنتهيا لم ينضج بأراضيها ولم يتناغم وينصهر مع نسقها الاجتماعى والسياسي، فظل هذا النتاج الحداثى يمثل السلطة المستبدة ومساحاتها المحيطة من الطبقات البرجوازية، وبقدر ما هو قريب من هؤلاء صار بعيدا بل ويتباعد مع الزمن والتجربة عن قوام الأمة الحقيقى فى القرى والنجوع والمجتمعات. فلم تكن من تلك الشعوب المجردة من كل قوة أو شوكة بحكم الحداثة الغربية العلمانية وأمرها، فلم تكن من تلك الشعوب أن تثور مرة ثم تكتم زفرات غضبها مرات.

حتى جاءت نيران تونس لتفتح فوهة البركان، وينتفض المارد الجماهيري والشعبي والأممى بعشوائية وعفوية، فلم يُمسى حتى تعثر وتوعك، ولكنه اكتشف قوته وعنفوانه وسطوته، فلن يلبث حتى يجمع شتاته ويرتب صفوفه، ليعود ذلك المرة قويا عفيا قادرا على الانتصار والفوز.

 

الحركة الإسلامية ومشروع التغيير:

إن الحركة الإسلامية، والتى لا أعنى تنظيماتها بقدر ما أعنى ذلكم الرجال وتلكم النساء الذين هم أبناء أمتهم ودينهم وثقافتهم، هؤلاء هو الرافعة الحقيقية لمشروع التغيير فى المجتمعات العربية بلا شك، وهؤلاء هم القاطرة الحقيقية نحو التحرر، فهم وقود المعركة التى يتضح عنوانها يوما بعد يوم أنها معركة تحرر من استبداد حضاري كانت السلطوية السياسية أحد صوره وارتداداته، فبالضرورة لن يكون أبناء المستعمر ورجاله فى المشرق هم وقود معركة التحرير من أثاره ووطأته.

وبالرغم من أن الحركة الإسلامية عاشت بعد سقوط الخلافة فى حالة من التيه والشرود، ولكن مع كل تجربة ينضج رجالها أكثر فأكثر، حتى أصبح جيل الثلاثينيات والعشرينات من الحركة الأن لديه رصيد من سلفه من الخبرات والتجارب تجعله كمن خاضها وعايشها ولكنه متحررا من تشوهاتها وأقدر على التقييم والتقدير، لأنها قد مرت وانطوت وتركت فقط منافعها لمن لم يخوضها ومثالبها على من خاضها، فنتج من هذا الجيل مكونا يمزج بين العقل الذي عركته التجارب، وفى الوقت نفسه جريئا مقداما لا يهاب التجربة والخوض في غمارها.

لقد ترك الجيل السابق لنا إرثاً عظيماً من البذل والإنجاز، لقد تركوا لنا مجتمعا فيه نواة إسلامية ليست بالقليلة وليست بسواد الناس أو معظمهم فى الوقت نفسه، ولكنهم كُثر بشكل يستحيل تجاوزهم فى معركة مهما كان ضراوتها، وأقوياء بحيث تستطيع أن تستحضر بهم قصص الصحابة فى البذل والفداء، والفكرة لديهم واضحة ناصعة البياض لتخوض بهم معارك التحرير والتغيير، فهم على أتم الاستعداد لذلك رجالا ونساءا بل وأطفالا. وسر السحر بهذه النواة أنها تمثلت وتجذرت فى كل أطياف وفئات المجتمع الإسلامى فى كل بلدانه وأمصاره وانتشرت طولا وعرضا فى الأمة، وكانت هذه النواة نتاج عناء عقود من التكوين والإعداد، واستطاعت هذه النواة أن تجمع حولها قلوبا كثيرة جعلت الشعوب تختار الرسم الإسلامى فى كل استحقاق انتخابى بنسبة النصف فى معظم الأحوال.

 

المُستبد وخصوم الثورات:

إن البصير يرى أن الخصم فى أسوأ حالاته، والمستبد فى أعتى أزماته، رغم هيله وهيلمانه، ورغم بطشه وقمعه، ولكنه متأزم من البيت الأبيض إلى القاهرة مرورا بالحجاز ودمشق والكيان الصهيوني والأمم المتحدة، أزمات الخصم باتت وجودية جذرية، لم تعد إجرائية يمكن تفاديها بتغيير شخوص المستبدين أنفسهم، بل يلزم تغيير النظم والنسق نفسه.

فـ واشنطن تعاني، من وجهة نظر البعض من التراجع السياسي والإفلاس الحضاري مما جعل شخصاً مثل “دونالد ترامب” يصل للتنافس على منصب الرئيس الأمريكى، والكيان الصهيوني صاحب المشروع الواحد والرؤية الواحدة واللغة الواحدة، يشهد العديد من الصراعات والانشقاقات الداخلية، بالإضافة إلى تزايد الحديث عن معدلات الهجرة العكسية، والاتحاد الأوربى أصبح راية لا أحد تحتها، والشرق الأوربي يهوى بعد انتهاء الشيوعية وغياب توجهه الحضاري، وغير ذلك الكثير من الشواهد والقرائن التى تؤكد أن العالم بحاجة إلى قيادة جديدة وحضارة جديدة ونمط جديد للعيش والحياة.

 

خاتمة:

تتلخص البداية حين تلتحم النواة الفاعلة عللى رؤية وخطة ثم تتحلى بالعدل والقوة وتضع يدها فى يد الفاعلين من الشعوب، وترفع اللواء والراية واضحة جلية، فتجمع بها شتات الحركة الإسلامية، وترسم لهم السهم الكبير أن هذا هو الطريق، وفى أثناء السير سيلتف حولها المجتمع الحائر، وتخوض بهؤلاء وأولئك الملاحم والمعارك فتغير الحال ويتبدل بها المآل.

إننا نحن أمام لحظة تحول تاريخية، فيها عدو مهترئ متأزم، وحركة إسلامية متجذرة فى المجتمعات يتصدرها جيل ثقيل كثقل الشيوخ ومقدام إقدام الشباب، فهو شاب العمر شبيب التجارب، والشعوب تريد الواضح العادل، والقوى فى الوقت نفسه، فإذا تمثل لها ذلك اتبعته وقبلت رهان التضحيات (1).

————————————

الهامش

(1) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية”.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close