fbpx
قلم وميدان

“هندسة الجمهور”: كيف تغير وسائل الإعلام أفكارك وسلوكك؟

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

في عصر لا يخلو فيه بيت من وسائل الإعلام، مهما كان المستوى العلمي أو الحالة الاجتماعية والمادية للفرد، فهو يستخدم هذه الوسائل بطريقة أو بأخرى، إنها تلاحقه في كل مكان، وهذه الوسائل بطبيعة الحال تؤثر على مستخدميها بتأثيرات مختلفة وطرق متنوعة. لذا صار من المهم أن يعي جمهور وسائل الإعلام كيف “تهندسه” هذه الوسائل، وما هي الأساليب التي تُنتهج لصياغة أفكاره، وخداعة والاستحواذ عليه إعلامياً، ثم التحكم فيه فكرياً وسلوكياً.

يطرح الكاتب المصري والباحث في الشئون السياسية – أحمد فهمي – من خلال كتابه “هندسة الجمهور”[1]، والذي نشر عام 2015، نقاشا موضوعيا حول قضية الإعلام بشكل عام، والإعلام المرئي منه بشكل خاص، وتأثيره على الجمهور؛ وكيف يتم تشكيل وعي الشريحة الأكبر من المجتمع عن طريق ما تقدمه وسائل الإعلام عامة، والمرئية خاصة، من محتوى تدخل في صياغته محددات السلطة والمال …  متغلغلا داخل زوايا وخبايا الصناعة الإعلامية.

حاول الكاتب أن يكشف كيف يؤثر الإعلام على الخريطة الإدراكية للشعوب والمجتمعات وما يستتبعه من تغيير في السلوك والتصرفات وطرق التلاعب بالعقول وأساليب الجذب أو الصد المبنية على نظريات نفسية وأخري طبية. كما قدم شرحا وافيا عبر عدد من الأمثلة التوكيدية والدالة من واقعنا المعاصر لأهم الاستراتيجيات والأساليب والتقنيات التي يستخدمها الإعلاميون المحترفون في سبيل اقناع الجماهير بما يريدون وكيف تمكن هؤلاء من السيطرة المحكمة على إدراك الشعوب وتزييف وعيها ويبين العلاقة القائمة بين الثالوث الأخطر (المال والسياسة والإعلام) وكيف يدعم كل منهم الاخر ويسانده.

مقدمة

افتتح الكاتب كتابه بقصة حول حادثة وقعت عام 1938، صدقها نحو مليون شخص من ستة ملايين متابع، عندما تم قطع البث المباشر لإذاعة خبر عاجل على برامج شبكة CBS الإذاعية الأمريكية، حيث تحدث الخبر عن هبوط مركبة فضائية على أطراف مدينة ” نيويورك”، فصدق الناس الحدث وانتشر الزعر بين الناس وحمل بعضهم أمتعته للهروب. ثم تبين انه مجرد عمل فني مستوحى من رواية خيالية بعنوان (حرب العوالم)، لكنه كان متقنا جدا إلى حد التصديق.  حينها أصبحت تلك الواقعة مصدر إلهام لكثير من الأبحاث حول قوة تأثير الإعلام المسموع (الإذاعة) في الجمهور وتميزها في زمن تلقي الخبر ونقله على عكس الإعلام المطبوع كالجرائد. وبسبب هذا التأثير، كتب (جوي مورجان) أحد مسؤولي الاذاعة الامريكية في حقبة الثلاثينات، محذرا: (إذا تركزت السيطرة على الاذاعة في أيدي قلة من الناس، فلا يمكن لأي أمة أن تكون حرة). فقد بات الإعلام المسموع سلاحا لا يقل فتكا عن أي سلاح أخر، كونه قادر على إصابة الملايين بطلقة واحدة.

من هنا لعبت الإذاعة دوراً مهمّا في ترسيخ دكتاتورية بعض الطغاة، مثل (هتلر) حين قال (جوبلز) وزير الإعلام الألماني أنداك، “لم يكن لنا تولي السلطة أو استخدامها بالأسلوب الذي فعلناه دون المذياع.”

إدوارد بيرنز _ عرّاب الخداع الإعلامي

يسلط الكاتب الضوء على الدور الذي لعبه (إدوارد بيرنز) الذي يعتبر العرّاب الحقيقي للخداع الإعلامي والمؤسس لما يسمي (بالعلاقات العامة والبروباغاندا)؛ حيث اعتمد في ذلك على نظريات خاله عالم النفس الشهير (سيغموند فرويد)، وشرع في استخدام مصطلحات كـ (هندسة الإجماع) “The Engineering of Consent”، والتي باتت من ركائز الدعاية والإعلام، وأوضح ذلك حين قال: ” لو أننا فهمنا آليات العقل الجماعي ودوافعه، أليس من الممكن السيطرة على الجماهير وإخضاعهم لأسلوب موحّد حسب رغبتنا دون أن يدركوا ذلك؟”

ويضيف الكاتب في هذا السياق قائلا: إنه في مرحلة ما قبل بيرنز كانت الدعاية تتركز حول جودة ومزايا المنتج، سواء كان منتجاً تجارياً أو سياسياً أو اجتماعياً، لكن بعد (بيرنز) لم تعد صفات المنتج هي الأهم فقد اكتشف أن إعادة صياغة عقل الجمهور ربما تكون أسهل من تغيير المنتج. حيث كانت هذه الأفكار هي محور كتاب (كيفية إخضاع عقل الجمهور وإعادة تركيبه)، ليتوافق مع الخطاب الإعلامي الذي كتبه بيرنيز عام 1955. ولم يقتصر تأثير بيرنز على توظيف نظريات علم النفس في خدمة الدعاية والإعلام فحسب بل إن تأثيره الأهم هو تحويل الجمهور إلى مفعول به قابل للخداع خاضع للتأثير موضوع للتلاعب ولا يزال هذا الاتجاه السائد في مختلف انحاء العالم حتى الان ….

هل الشعوب الذكية غير قابلة للخداع؟!

للإجابة على هذا السؤال يستشهد الكاتب هنا بدراسة للعالم البريطاني (ريتشارد لين) والذي خلص من خلالها إلي: أننا لا نستطيع القول بان الشعوب التي حصلت على مستويات متقدمة من الذكاء والتي تتمتع بدرجة عالية من حرية الإعلام لا يمكن خداعها. لكنها تكون أقل وقوعا في براثن الخداع الإعلامي لان وسائل الإعلام في تلك الدول المتقدمة الذكية يكون أكثر تعقيدا وأعمق وصولا وأعظم تأثيرا وبالتالي أكثر قدرة على الخداع بما يتناسب مع مستوي ذكاء ووعي تلك الشعوب. لكن لا يمكننا الجزم باستحالة خداع  تلك الشعوب الذكية. وأضاف الكاتب أن الفرق بين إعلام المجتمعات التي تتمتع بالحريات وبين إعلام المجتمعات المقهورة يتضح في أربع سمات: أولا: مستوى التناقض بين الحقيقة والافتراء، ثانيا: مستوى الحبكة الإعلامية للأكاذيب والمتناقضات ثالثا: وجود النخبة المؤثرة المعارضة للخداع وأخيرا: توفر البيئة القانونية الداعمة للحريات. ونخلص من ذلك بأن “الخداع الإعلامي للجمهور يكاد يكون لغة عالمية” متفق عليها بين وسائل الإعلام بغض النظر عن مستوى الذكاء والحريات.

 كيف تتم عملية الاتصال الجماهيري؟

يؤكد الكاتب علي أن الإعلام هو أحد تطبيقات وفروع علم الاتصال، وينظر إلى الإعلام باعتباره مصطلحاً بديلاً لـ «الاتصال الجماهيري»، فإن وسائل الإعلام هي وسائل الاتصال الجماهيري، والتي تشمل الصحف والراديو والتلفاز…. إلخ، ويعرض الكاتب أشكال الاتصال وهي: ( الاتصال الشخصي – الاتصال بالجماعات الصغيرة –الاتصال الجمعي – الاتصال الجماهيري

ثم يستشهد الكاتب بنموذج ” لازويل ” حيث يتضمن خمس مكونات أساسية هي:( من المرسل؟ وماذا يقول؟ وبأي وسيلة؟ ولمن يرسلها؟ وبأي تأثير؟).

الإعلام الملائكي الذي لا يكذب أبداً!

أصبحت الشعوب تثق في الإعلام لدرجة أنهم يظنون بأنه لا يكذب أبدا، وقد ذكر الكاتب العديد من الأمثلة والمواقف الحقيقية من حياتنا المعاصرة نجد فيها أننا أصبحنا نقدس الإعلام وكأنه معصوم يستحيل عليه الكذب دون أدنى تفكير في الرسائل التي ينقلها إلينا أو التحقق من مدى صحتها أو صحة مصدرها.

ودائما ما يحاول الإعلام أن يرسم صورة مخالفة للواقع. فمثلا لو هناك فساد في دوائر الحكم: تجد الإعلام يتكلم عن نزاهة المسؤولين. وعندما يعتمد الجمهور علي الإعلام بشكل كبير في تكوين أفكاره عن الواقع من حوله، فإنه يري الفساد أمام عينيه. ولكنه يكذبه: لأن الإعلام يقول العكس. ولذلك يصنع الإعلام عند المشاهد سلام نفسي علي أنما يحدث من فساد هو عين الصواب. وبالتالي يعيش الجمهور في عالم من الخداع دون أن يدري: بسبب التصوير المزيف للإعلام لهذا العالم من حوله. وهكذا تتم الحروب وكذا الجرائم والانتهاكات وبتأييد من الشعوب ظنا منها أن ما تؤيده هو عمل وطني بطولي وهو عين الصواب دون إدراك أو وعي!!

وفي هذا السياق، ضرب الكاتب مثالا على ذلك مشيرا إلى هجوم الإعلام المصري على ثورة يناير – 2011 ودعم مبارك، ثم الاحتفاء بالثورة، ثم مرة اخري اعتبار الثورة مؤامرة، كل ذلك في غضون ثلاث سنوات. والغريب أن شريحة كبيرة من الشعب المصري صدقت بسهولة هؤلاء الإعلاميين المتلونين وكأن ذاكرته كذاكرة السمك، لكن الحقيقة أن هذا جاء نتيجة للخداع الإعلامي الناتج عن هندسة العقول والتلاعب بها على مدار عقود من الزمن. لذا يري الكاتب أن المشكلة الكبرى تحدث عندما يكون الإعلام محتكَرا وموجَّها من قبل الدولة، فيصبح الإعلام حينها قوة جبارة ليس لقدرتها حدود.

من يمول آلة الكذب؟!

هناك مثل مشهور يقول: (من يدفع للزمّار يختار اللحن).. من هنا يجب أن ندرك أن اتجاه الإعلام يتبع بوصلة المموِّل. وببساطه تستطيع أن تستنبط أن المكون السحري للإعلام يتكون من الثالوث الأخطر: (المال، السياسة، والإعلام)؛ فرجال الأعمال يحتاجون الإعلام والساسة لتمرير المصالح، والساسة يحتاجون الإعلام ورجال الأعمال للدّعم المادّي والترويجي، والإعلام يحتاج تدفق الأموال للاستمرار. المال يصنع السياسة ويصنع الإعلام، وكذا يفسدهما، فمن يبذل المال الكثير يختر ويتحكم فيما يتم عرضه على الجمهور.

ويؤكد الكاتب أن حالة الاندماج بين هذا الثالوث الأخطر (المال والسياسة والإعلام) أدت إلى ما أسماه بـ (تغيير الولاء) لدي الكثير من الإعلاميين فقد أصبح المال والنفوذ هما قبلتهم الأولي، ضاربين بأي معايير أخلاقية أو قيمية عرض الحائط، فصاروا كلاعب كرة قدم محترف ترك فريقه الذي يلعب فيه وانتقل إلي فريق أخر منافس فقط لوجود عرضا ماليا أفضل.

ويضرب الكاتب مثالاً من الواقع، لتلك الحالة من تغيير الولاء، وهي حالة (إدوارد بيرنز) الذي ظل أعواماً يدعو للتدخين، ولكن عندما توفيت زوجته بمرض سرطان الرئة، فإنه انقلب على عقبيه وصار من أبرز الرافضين للتدخين. وهنا تظهر (الميكافيلية) في أسوأ صورها. يقول (ميكافيلي) في كتابه (الأمير): “غالبا ما يضطر الأمير الذي يود أن يحافظ على سلطته أن يكون غير صالح؛ ذلك لأن الفئة التي يرى ضرورة الاعتماد عليها فاسدة، سواء عامة الشعب أو الجنود أو النبلاء؛ فإن حاجاتك الملحة تجعلك تكيف نفسك حسب مزاجها؛ فالتصرفات الأخلاقية الفاضلة في هذه الحال، لن تجلب لك سوى المتاعب.”

النظريات النفسية باتت أداة لخداع الشعوب!

يشير الكاتب إلي الاستفادة الكبيرة التي حققها الإعلام من النظريات النفسية واستغلالها في فهم الجمهور المتلقي بغية التأثير فيه وإقناعه بالمتناقضات، وجعل الباطل حق، والحق باطل، والصواب خطأ والخطأ صواب، والخيال حقيقة، والخائن مؤتمن، والشريف خائن.

ثم ذكر الكاتب نظرية ” التعلم الشَرطي” لعالم النفس الروسي (بافلوف) والتي أجراها على حيوان – كلب – وموجزها أنه قام بعمل مزامنة بين (مثير حقيقي) وهو الطعام، (ومثير شَرطي محايد)، وهو صوت الجرس، حيث حصل على سيلان لعاب الكلب فور سماع صوت الجرس، ثم أثبت أن المثير الإضافي -صوت الجرس- قادر على تحفيز ردة الفعل نفسه لدى الكلب، دون أن تقدم له المثير الحقيقي وهو الطعام.

هذه النظرية تلقفها الإعلام التليفزيوني منذ عقود واعتمد عليها في توصيل العديد من الرسائل. وقد ذكر الكاتب عدة أمثلة للتوضيح، منها على سبيل المثال قيام الإعلام الأميركي بوضع صور الدمار والوحشية مع صور الجنود الألمان خلال فترة الحرب العالمية الثانية. بعد فترة صار ظهور صور الألمان في حد ذاته، يؤدي إلى الإحساس بالـكراهية عند المشاهِد.

ولازال الإعلام الغربي يمارس تلك الطريقة لتشويه صورة الإسلاميين حيث حرص على خلق (ارتباط شرطي) بين “الإسلام والإرهاب ” حيث تعرض الشاشات أشكال الإرهابيين وهم يقرءون القرآن أو يقومون بأداء الصلاة، حيث أدى هذا إلى أن معظم المجتمعات الغربية تتخوف من المسلمين وتحريك المشاعر السلبية تجاههم في حال شاهدوهم أثناء ممارسة طقوس العبادة.

التوظيف السياسي لنخبة الفن

يذكر الكاتب في كتابه أن وسائل الإعلام تلجأ في الأزمات إلى الاستعانة بالمشاهير من نخب وفنانين ورياضيين… إلخ، فيأتون بنجوم الرياضة والتمثيل وما يسموا بالخبراء الإستراتيجيين وإن لم يكونوا “متخصصين”، بهدف التأثير النفسي في الجمهور لما لهم من ذكريات ومساحة إعجاب مع هؤلاء المشاهير، فيتأثرون بآرائهم ووجهات نظرهم، ومن هنا تبدأ المحاكاة.

ثم يذكر الكاتب مثالاً على ذلك، فيقول إنه في عام 1924، انخفضت شعبية الرئيس الأميركي (كالفن كوليدج) فقام باستدعاء الخبير الإعلامي بيرنز صاحب، التوظيف السياسي لنخبة الفن، ليطلب منه النصيحة. فقام بيرنيز باستقدام الفنانين وأقنعهم بزيارة الرئيس في البيت الأبيض والتقاط بعض الصور معه، فكانت النتيجة أن اهتمت الصحافة بالأمر وازدادت شعبية الرئيس.

كيف يشكل الإعلام عقل الجمهور؟

يحدثنا الكاتب عن دور الإعلام، وكيف يتلاعب بـ “النظام الإدراكي المعرفي للإنسان”، وكيف تتعامل وسائل الإعلام مع الطريقة التي يفهم بها المشاهد الأفعال والأحداث، حيث يتم ذلك وفق ثلاث استراتيجيات مختلفة وهي: (التوظيف والتعديل والتنميط) لإعادة تشكيل عقل المشاهد. فالاستجابة لا تصدر من الإنسان وفقاً لقوانين معينة ثابتة، بحيث تكون جميع الإجابات واحدة؛ وإنما يستجيب للواقع وفقاً لأفكاره وقناعاته وذكرياته وأخلاقه. فالإعلام الموجّه يسعى إلى تعديل وتشكيل العقول بصورة مستمرة لتتناسب مع القضايا التي يناقشها؛ وذلك من خلال ترسيخ بعض الأكاذيب وتحويلها إلى حقائق، ومن خلال حذف وإضافة بعض التفاصيل والأفكار؛ لإعطاء صورة مزيفة عن الواقع.

وبالتالي، يمكن القول إن الوسيلة الأسهل لتعديل طريقة فهم الجمهور للأحداث، هي إغراق الجمهور بمعلومات كاذبة ومضللة تدفعه دفعا إلى تغيير تصوّره عن الواقع؛ ليستبدله بصورة أخرى مصطنعة. وتعد “الحقبة الناصرية ” من أكثر الفترات التاريخية التي تذخر بنماذج متنوعة عن “صناعة الصور الزائفة ” عن الواقع المصري بكل مفرداته آنذاك: (الزعيم، الأعداء، الأمة، الشعب … إلخ)، وقد استخدمت في ذلك كل وسائل الإعلام، وجرى ذلك كله لـ “هندسة إدراك ” الجمهور بما يخدم النظام السياسي القائم، ويغطي على هزائمه ونكساته المتتالية.

ويلخص لنا الكاتب عملية (تشكيل طريقة الإدراك لدي الجمهور) قائلا: إن الإعلام يسعى إلى إعادة تشكيل المعارف لدي الجمهور بما تتضمنه من ثقافات وخبرات وقيم وعادات وتقاليد؛ بغرض الوصول إلى مجتمع متجانس في تصوّراته؛ يتكوّن من نماذج واحدة متشابهة، تتصرف كما يريد النظام السياسي وإعلامه لها أن تتصرف، وقد ضرب الكاتب مثالا بكوريا الشمالية، حيث لا يوجد إعلام سوى الإعلام الرسمي للدولة؛ ما أثر في مدركات الشعب وجعلها متجانسة مع بعضها البعض في أمور عديدة.

كيف يحوًل الإعلام ثقافة الحاجة إلى ثقافة الرغبة؟!

يقول الكاتب في هذا، إننا لم نعد قادرين على الاستغناء عن متابعة وسائل الإعلام لأن لدينا عدة احتياجات نريد إشباعها، مثل (الحاجات المعرفية، العاطفية، الاندماج الشخصي؛ كالشعور بالسيطرة؛ الاندماج الاجتماعي، كتقوية التواصل مع الأخرين؛ والحاجة إلى الهروب، كالهروب من التوتر والضغوط.. إلخ) والإعلام يتكفل بتوفيرها لنا بكل سهولة ويسر. ثم يتابع الكاتب فيذكر أن الإعلام استطاع أن يحول ثقافة الحاجة إلى ثقافة الرغبة من خلال نظرية “الاستخدامات والإشباعات”، حيث يُشعِر الفرد بأنه مفتقر لأشياء، ولكن في الحقيقة هو لا يحتاجها، ويلعب الإعلام دوراً خطيراً عن طريق وهم المتلقِي بأنه يفتقر إلى حاجات غير حقيقية من أجل توجيهه لسلوك معين يترتب عليه مصلحة من يتحكمون بالإعلام أو النظام الحاكم. وفي ذلك يقول (بول مازور) “لا بد أن نحول أمريكا من ثقافة الحاجة إلى ثقافة الرغبة، ويجب تدريب الناس على أن يرغبوا وأن يريدوا أشياء جديدة، فلا بد أن تتغلب رغبات الإنسان على حاجاته “.

ولا ينسى الكاتب بأن يذكرنا بأن الإعلام يلفت النظر إلى الحاجة إلى التشويق والإثارة، حتى يؤثر بشكل أكبر في شرائح كبيرة في المجتمع، فيختارون ويخاطبون كل طبقة بلغتها بهدف إيصال الرسالة لها بطريقة جذابة لا تخرج من العقول أبداً.

 دور الإعلام في تعميق الخلافات وصناعة الأزمات

يُقر الكاتب حقيقة أن لا قيمة لإعلام بدون جمهور، فنجاح الإعلام يتحدد بعدد وتفاعل المتابعين، ولابد من الحفاظ على نمو عدد المتابعين. لذلك تحرص وسائل الإعلام على تجنب الصدام مع أفكار الجمهور ومعتقداته وعاداته. لكما تهتم دائما بتطوير وسائل وأساليب بهدف تنفيذ رؤيتها وعرض وجهة نظرها دون أن تدخل متابعيها في أزمة تناقض ومن هذه الأساليب:

  • نظرية اللعب أو الإمتاع: هو توصيل الرسالة المراد إرسالها إلى الجمهور بمزيج من الترفيه وبعد أو بين فقرات الأخبار.
  • استغلال الخلاف الفكري والشرعي بين الجماعات والعمل على إرسال رسالتها وسط خلافاتهم وتعميق نزاعاتهم الداخلية.
  • استخدام أعضاء سابقين أو منشقين عن جماعة أو حزب، ويستعملهم الإعلام كثغرة في نقد وتشويه هذه الجماعة او الحزب.
  • الخداع المؤقت: وهو التعايش الوهمي أو الشكلي مع معايير المجتمع..

كيف يتسلل الإعلام إلي عقل الجمهور؟!

أطلق الكاتب علي هذه العملية اسم (فن الوصول إلي الزبون)، يشير الكاتب هنا إلى أن الرسالة التي يخطط الإعلام لإيصالها للجمهور المستهدف قد تواجه بعض المعوقات (كالتشويه والفقد)، ولتجنب الوقوع في هذا الأمر، قام المختصون باستخدام عدة أساليب وتكتيكات ذكر معظمها (غي دور ندان) في كتابه ” الدعاية والدعاية السياسية) ومنها التكرار، وهو الأشهر، وتمرير الكذب، وجذب الانتباه، والعرض المستمر، والاستفزاز الدافع لمتابعة، واستعراض القوة، وكسر التقاليد، وتوليد اللامبالاة.

متي يتوقف الإعلام عن الكذب؟

يطرح الكاتب سؤالا في هذا الموضوع وهو متى يتوقف الإعلام عن الكذب؟ ويُجيب أيضاً: عندما يتوقف الجمهور عن التصديق.

من الممكن تلخيص الإجابة في عدة أمور أهمها (عدم القدرة على النقد – والـكسل عن التحقق من المعلومات – وقبول الشخص المعلومة بعد توافقها مع مرجعيته الفكرية دون تفكير أو بحث، وخلط الـكذب ببعض الصدق حتى تحدث المصداقية).

الإعلام محايد، وليس له أجندة!

يؤكد الكاتب علي أن الإعلام دائما ما يوظف العاطفة لتحقيق أهدافه، كإثارة الخوف وإنشاء أوهام حول شخص ما لدرجة تحويله لأسطورة فيما يسمي ب (أسطورة التصديق). أو على النقيض تجسيد الشر في صورة شخص أو منظمة فيما يسمي بـ (أسطورة العدو).

إعلام بلا أجندة، كبائع الصحف بلا أخبار، مجرد خدعة؛ ونعني بالأجندة هنا، هو وضع الأخبار في ترتيب معين حسب الأهمية التي تخدم مصلحة الإعلام، أو مصلحة من وضع تلك الأجندة. وتتبع وسائل الإعلام طرقا عدة لجذب المتلقي إلى أجندتها، مثل تقديم رؤية لسير الأحداث تغني المتلقي عن إهدار وقته لمحاولة فهمها بنفسه، هذا بالإضافة إلى التغطية المتزايدة للأحداث غير العادية باعتبارها أكثر جذبا، ناهيك عن الترتيب الانتقائي لقائمة الأخبار على حسب الحدث الأبرز الذي شغل العامة.

ختاماً

لقد بات من الضروري أن يعي الجمهور خطورة وفائدة وسائل الإعلام علي حد سواء، وكذلك كيف يميز وينتقي من بين وسائل الإعلام، وأن يعلم كيف يحصن نفسه من الوقوع في براثن خداعها. وعلي المتابع أن يسأل نفسه هذه الأسئلة مادام يتعامل مع وسائل الإعلام المختلفة:

  • ما هي خلفية هذه الوسيلة أو هذا الإعلام؟
  • ما هي الخيارات التي تتبناها؟
  • من يقف وراءها؟
  • وما الهدف من نشر أخبار تُدين أو تُناصر طرفاً على آخر، أو نشر أخبار لقلب الوقائع وتغييرها؟

عندما ينقل لك العنوان تصريحا أو يخبرك بنتيجة، فاحرص على أن تقرأ تفاصيل الخبر، وأن تتحقق من النتيجة، ولا تنخدع بأن الكتاب يُعرَف من عنوانه، فكثيرا ما يوضع العنوان ساخنا ليخفي برودة الموضوع. كأن يتحدث العنوان عن “اتهامات خطيرة”، في حين يكون المضمون عاديا لا خطورة فيه، أو “أغرب كذا” ويكون طبيعيا لا غرابة فيه، أو “أهم كذا” ويكون غيره أهم منه، أو “الكشف عن اتصالات” وليس فيه أي كشف، بل هي اتصالات معلنة أصلا… وغير ذلك الكثير.

بعد التدقيق في الوسيلة الإعلامية، لا بد من التدقيق في الخبر المنشور نفسه، ومعرفة مصدره الأول، أي معرفة المصدر الذي اعتمدت عليه الوسيلة الإعلامية في نقل الخبر؛ إذ إن مصادر مثل (شهود عيان أو ناشطين) تُضَعِّف كثيراً من مصداقية الخبر، ومثل هذه الأخبار يمكن فبركتها ببساطة.

وإذا كان التدقيق في أخبار وسائل الإعلام التقليدية والمشهورة ضرورة في هذه المرحلة، فإن التدقيق في أخبار شبكات التواصل الاجتماعي، التي تنتشر بشكل سريع بيننا، هو أولى وأوجب، وبخاصة أن الكذب فيها كثير. وإذا كان الانسان لا يستطيع التدقيق في كل خبر، فعليه ألا يصدّق كل خبر؛ كي لا يقع ضحية التضليل، ويُمَرِّرَه عبر أجهزته للآخرين فيصبح جزء من عملية التضليل ذاتها.

وقد ضرب لنا القرآن الكريم مثلا بليغا في هذا الشأن في قصة “هدهد سليمان” هذا الكائن الضعيف وكيف كان باحثا وناقلا صادقا للخبر وكيف تعامل النبي سليمان معه.

فكم قطع هذا الكائن من مسافات في الحصول على معلومات عن قوم سبأ، وكم من الجهد المبذول الذي بذله الهدهد للتأكد من صحة الخبر، )وجئتك من سبأ بنبإٍ يقين ([النمل: ۲۲]، ليس مجرد شائعة من الشائعات، ولا خبر من الأخبار العابرة، ولكنه خبر سيحيي الله به أمة، ويخرجها من الظلمات إلى النور، ومن الجاهلية إلى الإسلام، وانظر كيف كان موقف النبي سليمان مع هذا الخبر ضاربا المثل في توطين النفس علي التمييز بين الصدق والكذب )قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين) [النمل: ٢٧]، فيا لها من كلمات عظيمة من سليمان – عليه السلام – فالمسلم ليس إمعة مع الناس حيث ساروا، ولكنه موطن لنفسه؛ إن أحسن الناس أحسن، وإن أساؤوا فلا يظلم. هكذا يكون الإعلام الهادف، فليس الإعلام مجرد معلومة عابرة بغرض السبق الصحفي أو الإعلامي، ولكن الإعلام الصادق جهد وعرق من أجل الوصول إلى الحقيقة، وتحري الحق أينما كان.

وبعد قراءة هذا الكتاب يتبادر إلي الذهن سؤال مهم: هل من الممكن استخدام نفس النظريات والإستراتيجيات الإعلامية لبناء منظومة إعلامية تهدف إلي بناء مجتمع صحي يتمتع فيه أفراده بالوعي والفهم الصحيح، ويعزز أخلاقنا ومبادئنا وقيمنا، التي شوهتها المنظومة الإعلامية القائمة عبر عقود من الزمن؟


[1]  كتاب هندسة الجمهور، أحمد فهمي، مركز البيان للبحوث والدراسات بالرياض، تاريخ إصدار 2015، رابط

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close