fbpx
دراسات

هيئة الشراء الموحد: عسكرة قطاع الدواء في مصر

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

تمهيد

في الجزء السابق من هذه الدراسة، أوضحنا تطور سيطرة وزارة الصحة على الاختصاص الدوائي، وكيف بدأت مبكراً في تجربة الهيئة العليا لشئون الدواء عام 1957، التي كلفت بتنظيم تجارة واستيراد الدواء والمستلزمات الطبية حصراً، ثم نشأة المؤسسة العامة لتجارة وتوزيع الأدوية التي استحوذت على تجارة الدواء محليا[1].

ثم تجرية المؤسسة المصرية العامة للأدوية والكيماويات والمستلزمات الطبية التي حلت محل الهيئتن السابقتين، (والتي تشبه إلي حد بعيد تجربة هيئة الشراء الموحد) [2]، والمؤسسة تلك بنص القانون مؤسسة اقتصادية ذات طابع خاص صرح لها القانون فيما بعد بتأسيس شركة مساهمة مصرية للتجارة في مجال المؤسسة، ثم إنشاء الهيئة المصرية العامة للمستحضرات الحيوية واللقاحات، ثم إنشاء الهيئة القومية للرقابة والبحوث الدوائية.

هذه أبرز المحطات التاريخية قبل 2013 وعرض لأهم المؤسسات والهيئات التي نظمت اختصاص وزارة الصحة الدوائي والصيدلي، وفي جميع تلك التنظيمات كانت الجهة المعنية بالإدارة التنظيمية والتنفيذية والفنية هي وزارة الصحة وجهاتها التابعة، فهي الجهة المهيمنة على كامل الاختصاص دون منازع، الممتلكة لكافة أدواته بموجب قوانين التأسيس والتنظيم عبر تاريخها.

المبحث الأول: قانون الهيئة المصرية للشراء الموحد والإمداد الطبي وإدارة التكنولوجيا الطبية وهيئة الدواء المصرية (وزارة الدواء والمؤسسات الصيدلية)

نستعرض قانون إنشاء الهيئة المصرية للشراء الموحد، وهيئة الدواء المصرية، وأبرز الاختصاصات والصلاحيات ومركزهما القانوني وامتيازاتهما المقررة، ونستعرض كيف سحبت جميع اختصاصات الشأن الدوائي والصيدلي من وزارة الصحة فيما يطلق عليه الباحث (وزارة الدواء والمؤسسات الصيدلية)

وفق القانون رقم 151 لسنة 2019 ولائحته التنفيذية التي صدرت بالقرار رقم 777 لسنة 2020 نشأت كل من (الهيئة المصرية للشراء الموحد والإمداد والتموين الطبي وإدارة التكنولوجيا الطبية)، و(هيئة الدواء المصرية)، حيث استحوذت الهيئتان بموجب القانون على جُل سلطات واختصاصات ومهام وزارة الصحة – إن لم يكن كلها – فيما يخص الدواء والإشراف الصيدلي. 

حيث حلت هيئة الشراء الموحد محل الهيئة العامة للرقابة والبحوث الدوائية المنشأة بقرار رئيس الجمهورية رقم 382 لسنة 1976، والهيئة القومية للبحوث والرقابة على المستحضرات الحيوية المنشأة بقرار رئيس الجمهورية رقم 398 لسنة 1995.

كما حلت هيئة الدواء المصرية محل وزارة الصحة، وحل رئيسها محل وزير الصحة والسكان في جميع الاختصاصات المنصوص عليها بالقانون رقم 127 لسنة 1955 بشأن مزاولة مهنة الصيدلة، ومايخص تسجيل وتداول ورقابة المستحضرات والمستلزمات الخاضعة لأحكام هذا القانون.

الفرع الأول: الاختصاصات

أبرز اختصاصات الهيئتين كالتالي:

أولاً: الاختصاص الحصري بالشراء

هيئة الشراء الموحد بحسب نشأتها تسيطر على كافة عمليات الشراء التي كانت تبرمها الدولة لشراء المستحضرات والمستلزمات الطبية البشرية، والأجهزة الطبية لتكون الهيئة الجهة الحصرية التي توفرها لجميع الجهات والهيئات والشركات الحكومية[3] (دون غيرها)[4] كما عبرت المادة 3 من القانون، وقد أكدت المادة 10 على ذلك (…، كما لا يجوز لأي من الجهات الإدارية شراء المستحضرات أو المستلزمات الطبية من غير طريق الهيئة إلا في أحوال الضرورة وبعد أخذ رأي مجلس إدارة الهيئة وموافقة مجلس الوزراء، ويقع باطلاً كل تصرف يتم بالمخالفة لاختصاص الهيئة بالشراء الموحد)

ولم يترك القانون مجالاَ للتكهنات حول دور الهيئة الحصري فقد حددت المادة 1 (الخاصة بالتعريفات) كنه المصطلحات الرئيسية بالقانون، فالشراء الموحد يعني (جميع عمليات شراء وتدبير احتياجات الدولة والجهات الحكومية أو أي جهة أخري يوافق عليها مجلس إدارة الهيئة المصرية للشراء الموحد من المستحضرات والمستلزمات الطبية الخاضعة لأحكام هذا القانون)، والمقصود بالجهات الحكومية (وزارة الصحة والسكان وهيئاتها ومستشفياتها والجامعات الحكومية ومستشفياتها وأي مستشفيات تابعة للوزارات أو الجهات الأخري المختلفة والمؤسسات التعليمية والمعاهد البحثية الحكومية)

وعند النظر للاختصاصات التفصيلية التي منحها القانون ولائحته التنفيذية لهيئة الشراء نجدها قد فاقت ما كان ممنوحا بحسل الأصل لوزارة الصحة! ليس فقط في حدود الاختصاص وإنما في عمقه واتساعه هذا من جهة، ومن جهة أخري، فهو أكبر من مجرد دور لهيئة اقتصادية، كونه يصلح كدور لوزارة إذا ما جمعنا عليه دور هيئة الدواء المصرية)

ففي جانب التخطيط لها إعداد برامج وقواعد التدبير والشراء من الداخل والخارج، وتضمين ذلك خطة الدولة، ومتابعة تنفيذها، ووضع المواصفات والمعايير التي تسترشد بها الجهات الطالبة في تحديد احتياجاتها السنوية من المستحضرات والمستلزمات، ووضع نظم الحصر والتجميع لتلك الاحتياجات.

وفي التقييم تضع نظم تقييم التكنولوجيا الطبية وفق النظم العالمية، كما تحصر البيانات المتكاملة في مراكز ومستشفيات ومخازن جميع المنشآت الصحية العامة لمتابعة الإحتياج والصيانة.

كما تدير منظومات التخزين والنقل والتوزيع للمستحضرات والمستلزمات، والاطلاع الدوري على مخازن الجهات التابعة لهذا القانون.

أيضا التنسيق الدوري مع الجمعيات والمؤسسات الأهلية للوقوف على حجم الخدمات الطبية التي تقدمها لضمان اتساق تلك الجهود مع خطط الدولة في هذا المجال!

ولها تقديم خدمات إستشارية وتدريبية وفق القواعد التي يحددها مجلس إدارتها.

ثانيا: الاختصاص الصيدلي

استحوذت هيئة الدواء المصرية على الشأن الفني والصيدلي حيث نصت المادة 15 من القانون (تتولي هيئة الدواء المصرية دون غيرها الاختصاصات المقررة لوزارة الصحة والسكان والهيئات والمصالح الحكومية فيما يخص تنظيم وتسجيل وتداول ورقابة المستحضرات والمواد الخام التي تدخل في تصنيعها أينما وردت في القوانين ذات الصلة واللوائح والقرارت التنظيمية بالإضافة إلي الاختصاصات المنصوص عليها في هذا القانون)

كما نصت اللائحة التنفيذية للقانون بالمادة 13 على (تحل هيئة الدواء المصرية محل وزارة الصحة والسكان ويحل رئيس مجلس إدارتها محل وزير الصحة والسكان وذلك في جميع الاختصاصات المنصوص عليها في القانون رقم 127 لسنة 1955 بشأن مزاولة مهنة الصيدلة…)

وهي بذلك قد هيمنت على كامل آليات التنظيم والتنفيذ والرقابة.

ففي الاختصاص التنظيمي تمثل الدولة في مجال اختصاصها دوليا، وتضع السياسات والخطط الضامنة لتوافر المستحضرات والمستلزمات، وتراجع الأنظمة واللوائح الرقابية وتقترح التعديلات، وتضع ضوابط السلامة ونظم فحص المستحضرات والمستلزمات الطبية وموادها الخام، كما تضع ضوابط الاستيراد والتصدير والتسجيل وتسعير وتداول والرقابة والتفتيش على المستحضرات والمستلزمات الطبية، كما أن لها إعداد برامج التطوير والتدريب للعاملين في مجال الهيئة.

أما الاختصاص الرقابي فيمنحها الحق في التفتيش على جميع أنواع المؤسسات الصيدلية وعلي العاملين فيها واتخاذ كافة الإجراءات القانونية ضد المخالفين ومراقبة مطابقة المواصفات وتطبيق اللوائح والنظم الخاصة بنشاط تصنيع المستحضرات.

أما الاختصاص الأخطر للهيئة فهو ما حلت فيه محل وزارة الصحة في إصدار تراخيص مختلف أنواع المؤسسات الصيدلية، وتراخيص تشغيل مصانع المستحضرات والمستلزمات الطبية والمواد الخام، وترخيص المعامل ذات العلاقة بعملها[5]وكذا وضع الأسس والاشتراطات الفنية والصحية للمؤسسات الصيدلية والعاملين فيها.

بالإضافة لمهمتها الفنية في فحص المستحضرات والمستلزمات الطبية والسماح بتداولها وإجراء البحوث والدراسات العلمية وتقييم النتائج التجارب السريرية ورصد الآثار الضارة الناجمة عنها، والإفراج عن كافة المستوردات بعد الفحوص والتحاليل.

و يتضح من سرد تلك الاختصاصات الممنوحة للهيئتين أن القانون قد غلَّ يد وزارة الصحة عن ممارسة أي دور إداري وتنفيذي أو إشرافي أو فني أو حتي رقابي في حدود المهمة الموكولة للهيئتين كاختصاص دوائي وصيدلي وأصبحت وزارة الصحة مستهلك او في أفضل الأحوال مسوق لجهود ومنتجات الهيئتين.

الفرع الثاني: المركز القانوني

نصت المادة 2 من القانون على كون هيئة الشراء الموحد (هيئة عامة اقتصادية يكون لها الشخصية الاعتبارية تتبع رئيس مجلس الوزراء.. ) ونصت م 4 ( يكون لهيئة الشراء الموحد مجلس إدارة [6] برئاسة رئيس الهيئة يعين بدرجة وزير..)

كما نصت المادة 5 على (مجلس الإدارة هو السلطة المهيمنة على شئون الهيئة المصرية للشراء الموحد ويتولي اتخاذ ما يراه لازما لتحقيق أهدافها)

أما هيئة الدواء المصرية فقد نصت المادة 14 على (تنشأ هيئة عامة خدمية تسمي هيئة الدواء المصرية تكون لها الشخصية الاعتبارية تتبع رئيس مجلس الوزراء) ونصت المادة 18 على (يكون لهيئة الدواء المصرية مجلس إدارة [7] برئاسة رئيس الهيئة يعين بدرجة وزير)

كما نصت المادة 19 على (مجلس الإدارة هو السلطة المهيمنة على شئون الهيئة وله اتخاذ ما يراه لا زما لتحقيق اهدافها)

مجددا، خلت المواد التي تحدد المركز القانوني للهيئتين من أي دور لوزارة أو وزير الصحة، بل جعلت رئيسي الهيئتين بدرجة وزير ويتبعان ولائيا رئيس مجلس الوزراء.

الفرع الثالث : الامتيازات المقررة

امتيازات هيئة الشراء الموحد

  • الرسوم والامتيازات المالية
  • رغم النشأة الحكومية لهيئة الشراء الموحد وإقرار القانون وضعية الاحتكار لها إلا أنها تحصل من الجهات الحكومية مقابل قيامها بمهمتها الأصيلة على 7 % من صافي قيمة ما تقوم الهيئة بشرائه كرسم أداء الخدمة، دون إضافة الرسوم الجمركية وضريبة القيمة المضافة وغيرها من التكاليف التي تضاف على قيمة الصفقة، تخفيض الرسم للنصف حتي التطعيمات الإجبارية تحصل فيها الهيئة على 3.5% أما حالات الكوارث والأوبئة فلا تعفي إلا بصدور قرار إعفاء خاص من رئيس مجلس الوزراء وهو ما حدث بالفعل في وباء كورونا [8]
  • من الامتيازات الممنوحة للهيئة أنها تحصل على رسوم التعاقدات مسبقا قبل الشراء في الوقت الذي تعفي فيه من سداد التأمينات الإبتدائية والنهائية عند عمليات الشراء
  • كما تستلم الهيئة كافة الإعتمادات المالية التي تخصصها الدولة لشراء وصيانة المستحضرات والمستلزمات الطبية في الموازنة العامة
  • كما يحق لها استلام الهبات والمنح والتبرعات بجانب امتلاكها ابتداء كامل عائد استثماراتها.
  • تحل الهيئة محل الجهات الحكومية الممولة من الموازنة العامة للدولة في تنفيذ عقود شراء وصيانة المستحضرات والمستلزمات الطبة التي أبرمتها تلك الجهات قبل العمل بأحكام القانون
  • تأسيس الشركات

للهيئة وفق قرار مجلس إدارتها تأسيس شركات مساهمة بمفردها أو مع الغير أو المساهمة في شركات قائمة وهو ما تم بالفعل في تأسيس الشركة المصرية للاستثمارات الطبية، بجانب استيلائها على شركة الجمهورية لتجارة الأدوية والكيماويات والمستلزمات الطبية والشركة المصرية لتجارة وتوزيع الأدوية.

امتيازات هيئة الدواء المصرية

  • الأصول والأموال
  • آل للهيئة الصندوق الخاص بهيئة الرقابة والبحوث الدوائية وكذا صندوق التخطيط والسياسات الدوائية.
  • استلمت كافة مقرات وأصول الجهات التي حلت محلها بما فيها مقرات وأصول الإدارة المركزية للشئون الصيدلية.
  • تحصل الهيئة على كافة الإعتمادات المالية التي تخصصها الدولة.
  • مقابل الخدمات والرسوم
  • تحصل الهيئة على مقابل الخدمات التي تؤديها الذي يستأثر بتحديده مجلس إدارة الهيئة ويحدث قوائمها بشكل مستمر
  • تحصل الهيئة جميع الرسوم المقررة نظير نشاطاتها في وفق جدول ملحق بالقانون واللائحة التنفيذية تتراوح فيه الرسوم بين ألف جنية و250 الف جنيه

في كل ما سبق تعد اموال الهيئتين أموالا عامة لهما في سبيل اقتضائها اتخاذ اجراءات الحجز الإداري كما أن لهما موازنة مستقلة توزع فوائضها سنويا بالاتفاق مع وزير المالية.

الفرع الرابع : الصلاحيات

منح القانون لهيئة الشراء الموحد صلاحيات غير محدودة في السيطرة على سوق الدواء المصري والتحكم بجانب حصرية الشراء في إدارة المخازن وتحريك المخرون وتقديم كافة خدمات التوزيع والصيانة، كما أن لها إجراء الربط الإليكتروني لمخزون المستحضرات والمستلزمات الطبية على مستوي الجمهورية بالمنظومة الخاصة بها من خلال التنسيق مع هيئة الدواء المصرية، ولها في (مسلك غريب) حق تيسير عملية إعادة التوزيع للمنتجات بين الجهات في حالات الضرورة تلك الجهات التي سددت المقابل واستلمت المبيع!

كما أن للهيئة اختصاص رقابي قي إبلاغ جهاز حماية المنافسة إذا قابلت حالة من حالات الاتفاق أو تعاقد بين جهات الشراء على رفع أو خفض أسعار السلع أو اقتسام السوق أو تنسيق دخول المناقصات والمزايدات والممارسات. كما منح القانون هيئة الدواء المصرية صلاحية منح صفة الضبطية القضائية للعاملين بها وتعيين ما يلزم من موظفين بالمنافذ الجمركي للقيام بالإفراج الدوائي. كما أن لها حق تشكيل اللجان الفنية المختلفة وكذا لجان التظلم من قراراتها. 

المبحث الثاني : تقييم دور الهيئتين واوجه التناقض

بصدور القانون فالصلاحيات الممنوحة للهيئتين وامتداد اختصاصاتهما واتساع ونطاق وظيفتهما أقرب كما قدمنا لإنشاء (وزارة الدواء والمؤسسات الصيدلية) منه لتشكيل هيئات، إذ أن القانون وممارسات الهيئتان قد سحب جميع الاختصاص الدوائي والصيدلي من وزارة الصحة تنظيما وإشرافا وإدارة.

الفرع الأول : حدود ونطاق القانون

في غيبة من أي إشراف أو متابعة لوزارة الصحة فقانون تأسيس الهيئتين قد قطع الصلة بالوزارة عندما عين رئيس مجلس إدارة بدرجة وزير حتي يفلت من تطبيق المادتين 5 و11 من قانون الهيئات العامة رقم 61 لسنة 1963 [9]، فلم يعد وزير الصحة وزيرا مختصا في شئون الهيئتين كما هو الحال في جميع الهيئات المماثلة ذات الاختصاص الصحي والدوائي قبل 2013.

كما منح القانون للهيئتين نطاقا كبيرا من الاختصاصات والصلاحيات والامتيازات التي لا تجتمع في كيان واحد

فهيئة الشراء الموحد جهة سمح لها القانون باحتكار تقديم خدمة تنظيمية للجهات الحكومية، فهي المختصة بشراء جميع احتياجات الجهات الحكومية من المستحضرات والمستلزمات والأجهزة الطبية، وتتحكم في منظومات الحصر ووضع المواصفات القياسية ووالتخليص الجمركي والتقييم والنقل والتخزين وفي ذات الوقت هي التي تتعاقد عن تلك الجهات وتوقع بدلا عنها (عدا القوات المسلحة)،ولا يتوقف الأمر عند ذلك فهي التي تقوم بإدارة عمليات الصيانة وخدمة ما بعد البيع ثم لها الحق في تحريك المخزون من تحت يد الجهة الحائزة له، ثم هي تحصل على 7 % مقابل كل عملية شراء.

في الوقت الذي تتمتع فيه هيئة الشراء بهذا الكم اللامحدود من الصلاحيات والمهام، يحق لها إنشاء شركات مساهمة بمفردها أو مع الغير في ذات نشاطاتها [10] تدخل السوق وتنافس بوضعية الاحتكار تلك وفق آليات المنافسة الطبيعية.

يكفي أن أسوق لك مثالاً حتي تتخيل، فهيئة الشراء التي تمثل الجهة الحكومية في شراء أدوية أو مستلزمات تستطيع أن تشتري من الشركة المملوكة لها ثم تحصل بجانب ثمن التوريد على 7% رسوم، في الوقت الذي تعفي فيه من الضرائب والرسوم مستفيدة بكل ذلك بالإضافة لمميزات قوانين شركات المساهمة والهيئات العامة معاً، في الوقت ذاته تستطيع إقصاء المنافسين بإبلاغ جهاز حماية المنافسة ومنع الاحتكار عن منافسيها!

أما هيئة الدواء فلها جملة من الاختصاصات الفضفاضة في ترخيص المنشآت الصيدلية والتصنيعية، والفحص والرقابة والتفتيش والإفراج والتصريح بالتداول، وإنشاء معامل الفحص.

في مقابل ذلك لها صلاحيتان تتعارضان مع فكرة احتكار الخدمة والآليات، تتمثل الأولي في استقلالها بتحديد وتحديث مقابل كل خدمة تؤديها في الوقت الذي تتمتع فيه بإعفاء كامل من الرسوم والضرائب، والثانية في استقلالها أيضا بتشكيل لجان التظلم من قراراتها والبت فيها.

الفرع الثاني : غياب الرقابة

خلا القانون ولائحته التنفيذية من كل ما يدلل على وجود ثمة رقابة على أعمال الهيئتين، فلم تسند مواد القانون أي مهمة للجهاز المركزي للمحاسبات كما لم توضح آلية رقابة حكومية من أي نوع.

أما ما ورد في الأحكام العامة باللائحة التنفيذية للقانون في تشكيل لجنة عليا للدواء ووجود ممثل عن هيئة الرقابة الإدارية فإن دورها يقتصر على متابعة أعمال الهيئتين بهدف التنسيق وعدم التعارض التشغيلي وليس الرقابة بمفهومها القانوني.

الفرع الثالث: تداخل المهام وازدواج التبعية

الهيئتان تتمتعان بكافة الامتيازات التي منحها القانون للهيئات العامة من استقلال القرار وحرية التصرف في أموالها وشئونها، في الوقت ذاته تتداخل مهام الهيئتان مع وزارة الصحة، فإدارة الشئون الصيدلية تتبع وزارة الصحة وتستأثر بمهامها هيئة الدواء.

كما ان إدارة التموين الطبي تتبع وزارة الصحة في الوقت الذي تقوم فيه هيئة الشراء بكافة أعمال الإمداد والتموين.

من جهة أخري تتداخل الوظائف فرئيس هيئة الدواء عضو في مجلس إدارة الشراء الموحد كما أن رئيس هيئة الشراء الموحد عضو في هيئة الدواء.

ورئيس هيئة الدواء نائب وزيرة الصحة لشئون الدواء ووزيرة الصحة عضو في مجلس إدارة هيئتي الشراء الموحد والدواء المصرية واللجنة العليا للدواء.

الفرع الخامس: ميزانية هيئة الشراء الموحد وحجم سوق الدواء

نشرت مؤسسة IMS العالمية للمعلومات الصيدلية تقريرها عن حجم سوق الدواء المصري لعام 2019 بحجم 77.5 مليار جنيه. كما نشرت الجريدة الرسمية القانون رقم 126 لسنة 2020 لربط موازنة هيئة الشراء الموحد والتي قدرت بمبلغ (أربعة وعشرون مليارا وثلاثمائة وأربعون مليون جنيه)

يوضح تقرير IMS الحجم الضخم لسوق الدواء المصري، وهو مؤشر عن حجم السقف المالي الذي يتحرك فيه هيئتي الشراء والدواء، كما أن موازنة الهيئة الناشئة تقارب 25 مليار جنيه ومرشحة بالطبع للزيادة وفق ذلك المؤشر لسوق الدواء. هذا مما يعزز الإستقلال المالي عن وزارة الصحة، وتأكيد فكرة وزارة الدواء التي أثبتها الباحث في هذه الدراسة، والتي تمتلك الملاءة المالية والهيمنة الإدارية على دورها كوزارة وليس مجرد هيئة.

الفرع السادس: هيئة الشراء الموحد هيئة اقتصادية وهيئة الدواء خدمية

تشبه تجربة هيئة الشراء الموحد تجربة المؤسسة المصرية العامة للأدوية والكيماويات والمستلزمات الطبية التي أسست عام 1962، إلا أن قانون المؤسسة المصرية[11]قد رسم طريقا معقولا لهيئة اقتصادية تقدم اختصاصا خدميا تراقبها فيه الوزارة الأقرب لاختصاصها الخدمي وهي وزارة الصحة، أما في هيئة الشراء فهي هيئة اقتصادية يترأسها وزير، فهي بحسب قانون انشائها ليست وزارة كما لا تتبع أي وزارة، مما يجعلنا أمام كيان ملتبس حقيقته شركة اقتصادية في صورة هيئة عامة تتمتع بوضعية وزارة!

في حين أن هيئة الدواء هيئة خدمية حلت محل وزارة الصحة في تطبيق قانون الصيدلة [12] لكنها تقدم كافة خدماتها بمقابل ضخم يخرج بها عن كونها هيئة خدمية عامة، تقترب فيه من شكل المؤسسات التجارية او الشركات الاستثمارية.

خاتمة

كما قدمنا فهيئتي الشراء الموحد والدواء المصرية قد سحبا الاختصاص الدوائي والصيدلي من وزارة الصحة والسكان بنص القانون وعزز ذلك سلسلة الإجراءات والقرارات والأخبار التي تلت إنشاء الهيئتين، فوزارة الصحة أصدرت القرار رقم 174 لسنة 2020 بتوجيه المديريات الصحة بالمحافظات والجهات التابعة لها بالتنسيق مع هيئة الشراء وموافاتها باحتياجاتهم وحذرت فيه منتسبيها من مخالفة القانون [13]، كما صدر قرار وزارة التجارة والصناعة رقم 196 لسنة 2020 بإلزام مصانع وشركات المنتجات الداخلة في اختصاصات هيئة الشراء بتوريد منتجاتها ومخزونها للهيئة خلال ثلاثة أشهر ووقف أي عملية توريد للمستشفيات مباشرة [14] ، كما أن وزارة الصحة قد وقّعت بروتوكول تعاون مع هيئة الشراء الموحد لتنظيم عمليات شراء احتياجات الوزارة من الأجهزة والمستلزمات [15] .

من جهتها فقد أنشأت هيئة الشراء شركة مساهمة[16] باسم الشركة المصرية للاستثمارات الطبية، كما ضمت لتبعيتها شركتي الجمهورية لتجارة الأدوية والكيماويات والمستلزمات الطبية والشركة المصرية لتجارة وتوزيع الأدوية [17] )، ثم كلف رئيس مجلس الوزراء على تأسيس شركة للمخازن الاستراتيجية للأدوية والمستلزمات بشراكة بين هيئة الشراء والصندوق السيادي[18]، ووجه رئيس الوزراء في لقائه برئيس هيئة الشراء الموحد باتخاذ الإجراءات اللازمة لتوطين صناعة المستحضرات والمستلزمات الطبية[19] ، ثم تصريحات للواء بهاء زيدان رئيس هيئة الشراء بتجهيز مستودعات تجعل مصر في المركز الخامس عالميا في تخزين الدواء [20]

هذه الإجراءات وغيرها يعزز السيطرة على سوق الدواء وفصله عن ولاية وزارة الصحة الأصيل، ولا يمكن فصل هذه الإجراءات عن سعي قائد الانقلاب لإحكام قبضة أركان نظامه وبخاصة القوات المسلحة على سوق الدواء المصري ضمن السيطرة العامة على الاقتصاد الرسمي والخاص وسلب مقدرات مصر وشعبها، فرئيس هيئة الشراء الموحد اللواء بهاء الدين زيدان هو مدير مجمع الجلاء الطبي التابع للقوات المسلحة ونائبه اللواء طارق عبد الرحمن مساعد مدير الخدمات الطبية بالقوات المسلحة لتطوير المستشفيات، بالإضافة لكون القوات المسلحة مستثناه كما أشرنا من تطبيق آليات هيئة الشراء الموحد في التعاقد فإنها أصبحت منتج ومستثمر دوائي فقد صدر قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 148 لسنة 2017 بالترخيص للهيئة القومية للإنتاج الحربي بتأسيس شركة مساهمة للمستحضرات الدوائية باسم (الشركة المصرية الوطنية للمستحضرات الدوائية ) [21]،

فيما يعتقد الباحث أن هذه الإجراءات ومثيلاتها بمثابة توابع لزلزال الانقلاب الذي تم في 2013 ويحدث الآن في كل وزارة وجهة إدارية على حدة.


الهامش

[1] تسلسل تاريخي بأهم قوانين وقرارات الدولة في تنظيم أدورا وزارة الصحة،  قرار رئيس الجمهورية الصادر في يناير 1957 بتأليف هيئة عليا لشئون الدواء، القانون رقم 292 لسنة 1960 بتنظيم تجارة الأدوية والكيماويات والمستلزمات الطبية ، القانون 212 لسنة 1960 لتنظيم تجارة الأدوية والكيماويات والمستلزمات الطبية، قرار رئيس الجمهورية رقم 1253 لسنة 1960 بإنشاء المؤسسة العامة لتجارة وتوزيع الأدوية والكيماويات والمستلزمات الطبية ، قرار رئيس الجمهورية رقم 994 لسنة 1962 بإنشاء المؤسسة المصرية العامة للأدوية والكيماويات والمستلزمات الطبية  كمؤسسة اقتصادية ذات طابع خاص، القانون رقم 65 لسنة 1963 بتأميم شركات تجارة وصناعة الأدوية ومعاملها وإسناد الإشراف عليها للمؤسسة المصرية العامة للأدوية والكيماويات والمستلزمات الطبية، قرار رئيس الجمهورية رقم 238 لسنة 1963 الذي يرخص للمؤسسة المصرية العامة للأدوية والكيماويات بتأسيس شركة مساهمة مصرية لتجارة الأدوية والكيماويات والمستلزمات الطبية، قرار رئيس الجمهورية رقم 94 لسنة 1972 بإنشاء الهيئة المصرية العامة للمستحضرات الحيوية واللقاحات و الذي تم تعديله بقرار رئيس الجمهورية  رقم 187 لسنة 2002  بتحويل الهيئة العامة للمستحضرات الحيوية واللقاحات إلي شركة قابضة، قرار رئيس الجمهورية رقم 398 لسنة 1995 بإنشاء الهيئة القومية للبحوث والرقابة علي المستحضرات الحيوية .

[2] هيئة الشراء الموحد التي انشئت بالقانون رقم 151 لنة 2019 والذي احتكرت بموجبه اختصاص شراء الادوية والمستلزمات الطبية للجهات الحكومية وهي محل ذلك الفصل.

[3]  توقيع بروتوكل بين وزارة الصحة وهيئة الشراء الموحد  https://cutt.us/EECbh

[4] نصت المادة الثالثة علي ( تتولى الهيئة المصرية للشراء الموحد، دون غيرها، إجراء عمليات الشراء للمستحضرات والمستلزمات الطبية البشرية لجميع الجهات والهيئات الحكومية …)

[5] تمنح تراخيص التشغيل للمنشآت الصناعية المنتجة للمستحضرات والمستلزمات الطبية والمواد الخام وفق قانون تيسير منح تراخيص المنشآت الصناعية رقم 15 لسنة 2017

[6] تشكيل هيئة الشراء الموحد  https://n9.cl/uks2u

[7] صدر بتشكيل هيئة الدواء المصرية القرار رقم 18 لسنة 2020

[8] في أول تجربة لهذا الأمر صدر قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 1093 لسنة 2020 باعتبار فيروس كورونا من الأوبئة المشار إليها في بند الإعفاء المقرر وفق المدة 2 من اللائحة التنفيذية للقانون التي تنص علي ( يعفي من سداد الرسم في حالات الكوارث والأوبئة التي يصدر بتحديدها قرار من رئيس مجلس الوزراء)

[9] تنص المادة 5  من قانون الهيئات العامة رقم 61 لسنة  1963 علي ( للوزير المختص سلطة التوجيه والإشراف والرقابة علي الهيئات العامة التابعة له)  كما تنص المادة 11 علي ( تبلغ قرارات مجلس إدارة الهيئة إلي الوزير المختص لاعتمادها وعلي الوزير أن يقدم إلي رئيس الجمهورية المسائل التي تستلزم صدور قرار منه .

[10] قامت هيئة الشراء بتأسيس الشركة المصرية للاستثمارات الطبية https://cutt.us/3NBwq           

[11] انشئت بقانون تأسيس المؤسسة المصرية العامة للأدوية والكيماويات والمستلزمات الطبية رقم 994 لسنة 1962

[12] قانون رقم 127 لسنة 1955 في شأن مزاولة مهنة الصيدلة

[13] وزارة الصحة تمنع المستشفيات والجهات التابعة من شراء الادوية الا عن طريق هيئة الشراء  https://n9.cl/66kq 

[14] وزارة الصناعة تلزم شركات المستلزمات الطبية  تلزم شركات المستلزمات الطبية بتوريد منتجاتها لهيئة الشراء الموحد https://cutt.us/LuBYv

[15] توقيع بروتوكل بين وزارة الصحة وهيئة الشراء الموحد https://cutt.us/epS1c

[16]  أسست هيئة الشراء الموحد شركة مساهمة بإسم الشركة المصرية للإستثمارات الطبية  https://cutt.us/oj2O1، جاء ذلك متناسقا مع توجه الدول بالتوسع  الترخيص لأشخاص القانون العام في تأسيس أو المشاركة في الشركات المساهمة بعد صدور القانون 127 لسنة 2015 الذي أذن لمجلس الوزراء بالترخيص لأشخاص القانون العام بتأسيس شركات مساهمة وفق أحكام قانون شركات المساهمة المشار إليه صدر  قانون رقم 4 لسنة 2018 بتعديل أحكام قانون شركات المساهمة ، وقد صدر قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 1939 لسنة 2018  بتحديد ضوابط الحصص العينية المملوكة للدولة في رأسمال الشركات المساهمة ومن ثم أصبح  الحق في تأسيس شركات مساهمة أساس في جميع قوانين الهيئات العامة التي أسست مؤخرا  .

[17] نقل تبعية شركتي الجمهورية لتجارة الأدوية والكيماويات والمستلزمات الطبية والشركة المصرية لتجارة وتوزيع الأجدوية من الشركة القابضة للأدوية إلي هيئة الشراء الموحد   https://cutt.us/62VYg

[18] شراكة بين الصندوق السيادي وهيئة الشراء https://cutt.us/U50wX

[19] رئيس الوزراء يبحث مع رئيس هيئة الشراء الموحد توطين صناعة المستلزمات الطبية  https://cutt.us/M0XmY

[20]  تصريحات اللواء بهاء زيدان رئيس هيئة الشراء الموحد عن تجهيز مستودعات تجعل مصر الخامس عالميا في تخزين الدواء https://cutt.us/OBxc1

[21] الترخيص لوزارة الإنتاج الحربي بتأسيس الشركة المصرية الوطنية للمستحضرات الدوائية  https://cutt.us/WPKFD

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close