fbpx
قلم وميدان

وصم الإخوان بالإرهاب والخيارات التركية

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

 

لم يعلن الرئيس الأمريكي الجديد حتى الآن رؤية واضحة متماسكة حول سياسته الخارجية، وكل ما يمكن تلمسه حتى اللحظة مجرد شذرات من تصريحات ومواقف متناثرة هنا وهناك. ما بين الرغبة في جعل “أمريكا أقوى” وبين الانكفاء على الذات والاهتمام بالداخل تناقضات لا تخفى على باحث، فضلاً عن أسئلة الكيفية والوسائل والأدوات والمآلات التي ما زالت تبحث عن إجابات لم يقدمها قاطن البيت الأبيض الجديد.

بيد، ثمة مسار بات يتضح مع الأيام في فكر الرجل وممارسة إدارته على صعيد تحديد “العدو” والتجييش ضده من خلال إصراره على مصطلح “الإرهاب الإسلامي المتشدد” وبلورته ضمن سياسات وقرارات مثل حظر السفر من 7 دول ذات أغلبية مسلمة أو التركيز على مكافحة تنظيم الدولة -داعش أو غيرهما، بالتوازي مع توجهه العام بتخفيف حدة التنافس مع موسكو ورفع مستوى الخطاب ضد طهران.

من الملحوظات الرئيسة في هذا الإطار تعميم الخطاب الأمريكي الجديد ومساواته بين مختلف الأطياف “الإسلامية”، مثلما فعل وزير الخارجية الجديد “ريكس تيلرسون” حين ساوى بين الإخوان والقاعدة، وكما فعل بعض النواب الجمهوريين الذين تقدموا في يناير 2017، بمشروع يطالب بتصنيف جماعة “الإخوان المسلمون” كمنظمة إرهابية.

صحيفة نيويورك تايمز ذكرت في 24 كانون الثاني/يناير 2017، أن ترامب سيصدر أمراً تنفيذياً “يلزم وزير الخارجية بأن يقطع في مسألة إعلان جماعة الاخوان المسلمين منظمة إرهابية”(1)، ضمن سلسلة أوامر تندرج تحت بند حماية الأمن القومي الأمريكي. ولا يبدو أن الأمر مجرد إشاعة مبالغة، فقد نشرت نفس الصحيفة قبل أيام تقريراً آخر مفصلاً حول النقاشات الداخلية ومختلف الآراء في إدارة ترامب حول الموضوع (2).

ولئن حذر بعض الكتاب والمراكز البحثية الغربية من مخاطر خطوة بهذا الاتجاه من زاوية ضررها على السياسة الخارجية الأمريكية وأمنها القومي وصورتها وقوتها الناعمة إضافة لتشجيعها العنف و”الإرهاب”، ولئن طالبت منظمة هيومان رايتس ووتش في تقرير لها واشنطن بالتراجع عن الفكرة باعتبار أن الإخوان جماعة لا تنتهج العنف (3)، إلا أن ردود الفعل الأهم وذات التأثير يفترض أن تخرج بطبيعة الحال عن الدول والأنظمة في العالمين العربي والإسلامي، سيما المؤثرة منها.

في المقام الأول، هناك دول مثل مصر والإمارات العربية المتحدة يتوقع أن تحتفي بقرار كهذا إن صدر، بل يبدو أنها ممن طالبوا إدارة ترامب به وشجعوه عليه “لسحق أعدائهم في الداخل”(4). بينما من الصعب توقع موقف متقدم للسعودية وبعض دول الخليج لحرصهم على عدم التشويش على الخطاب و/أو التوجه الأمريكي الجديد ضد إيران، سيما وأن السعودية نفسها كانت قد سبقت لإعلان الإخوان منظمة إرهابية، وإن قدمت تفسيرات لاحقة تتحدث عن “ممارسي العنف” منهم وليس كلهم، أو حصره بالسعوديين الذين بايعوا شخصاً غير سعودي (المرشد في مصر) ورغم عدم اتخاذ أي إجراءات فعلية واضحة بناء على هذا الإعلان.

في ظل هذه الصورة القاتمة للعالم العربي، بين الاحتفاء بالقرار المفترض والعجز أمامه والانشغال بالأزمات الداخلية، تتجه الأنظار مرة أخرى إلى تركيا لمحاولة رصد موقفها المتوقع إزاء قرار مفترض بهذه الخطورة. وتنبع أهمية الموقف التركي من الصفات التي تتمتع بها تركيا والأدوار التي تلعبها بما له علاقة بالموضوع، وأهمها:

  • كونها دولة ذات أغلبية مسلمة.
  • كونها دولة إقليمية قوية وذات مكانة في العالم العربي وفي جوار معه.
  • موقفها العام من قضايا المنطقة، ومن الإسلاميين والإخوان المسلمين على وجه الخصوص.
  • استضافتها لطيف واسع من القوى الثورية والمعارضات العربية وفي مقدمتهم الإخوان المسلمين، على مستوى الشخوص والمؤسسات.
  • الخلفية الفكرية (المحافظة، ذات الجذور الإسلامية) لقيادتها الحالية.
  • كونها أحد حلفاء واشنطن المهمين في المنطقة.

كما أن للموقف التركي وجهان، أحدهما متعلق بمتخذ القرار أي الولايات المتحدة ومدى تجاوبها معها أو معارضتها لها، والثاني مرتبط بها هي أي السياسات والقرارات التي قد تبنى على القرار.

ولعل الإجابة على الشق الثاني من السؤال أسهل من الأول نوعاً ما، فليس من المتوقع أن تتأثر أنقرة بالقرار الأمريكي أو أن تحاول تطبيقه على نفسها وعلى المقيمين على أراضيها، سيما وأن الطرفين مختلفان -كما باقي الدول -حول تحديد المنظمات الإرهابية وهذا من أهم أسباب الخلاف بينهما. ليس هناك أسباب قد تدفع تركيا لانقلاب جذري في منظومة مواقفها من قوى المنطقة وقضاياها وهو موقف لا يمكن تسويقه لقاعدة حزب العدالة والتنمية وأنصارها بطبيعة الحال. وعليه، فالمنتظر -إن صدر القرار عن واشنطن -أن تستمر السياسة التركية إزاء المقيمين على أراضيها من الإخوان والإسلاميين العرب بنفس محددات الوضع الحالي، أي حرية التواجد والتعبير والحركة ثم العمل بما لا يضر بمصالح تركيا وشبكة علاقاتها الخارجية، وضمن السقف المتعارف عليه حتى الآن، وبما يعني أن أي تحديد أو تضييق قد يطرأ سيكون نابعاً من اعتبارات سياسية أكثر منها أمنية مرتبطة بالقرار الأمريكي.

وأما الشق الأول من السؤال، ذلك المتعلق بالموقف التركي المتوقع إزاء الولايات المتحدة وقرارها المفترض، فيحتاج استفاضة في أسس ومحددات السياسة الخارجية التركية ثم إنزال ذلك على الواقع الحالي وتعقيداته، وهو أمر يتخطى حدود هذا المقال لكن لا بأس من الإشارة إلى ذلك بإيجاز.

لقد بنت تركيا على مدى عشرات السنوات سياستها الخارجية على أولوية العلاقة مع الغرب، ورغم الانزياحات المهمة التي أتى بها العدالة والتنمية نحو شيء من التوازن والمرونة والتنوع والاستقلالية النسبية إلا أن الثقل السياسي والاقتصادي والأمني ما زال بعيداً عن محور المنطقة.

توترت العلاقات التركية الأمريكية، المؤسَّسة على تحالف استراتيجي منذ تسعينات القرن الماضي، مما دفع بأنقرة للتقارب مع موسكو إلا أنها لم تقطع أبداً مع واشنطن، بل راهنت على تغير أمريكي مع الرئيس الجديد، وقد بدأ الأخير خطواته الأولى اتجاه أنقرة بإيجابية على ما يبدو.

توجُّهُ ترامب للاعتماد أكثر على حلفاء بلاده وحدّته في مواجهة إيران زادا من ثقل تركيا في معادلات المنطقة، نظرياً على الأقل في انتظار رؤية ترامب الواضحة، كما أن حاجة تركيا للدور الأمريكي في تحجيم الفصائل الكردية السورية التي تصنفها على قوائم الإرهاب دفعتها للتريث قليلاً ومرحلياً إزاء الخطاب العنصري لترامب.

من هذا المنظور، وبالتأكيد على محددات الأمن القومي التركي التي تصوغ جزءاً مهماً من سياسة أنقرة الخارجية حالياً وعلى التوازنات الدقيقة التي تلعب عليها أنقرة بين مختلف الفاعلين الدوليين والإقليميين في سوريا تحديداً، فيمكن القول إن رفع سقف التوقعات من تركيا في مواجهة القرار الأمريكي إن صدر سيكون مبالغاً به.

لن تدعم تركيا القرار/التصنيف ولن تنصاع له، وسيصدر عنها ما يدعو الإدارة الأمريكية لإعادة النظر به، لكنها لن تضع نفسها في مواجهة مباشرة وحادة مع رئيسٍ سياساتُه وقراراته أقرب للمفاجآت منها للسياسات المبنية على أسس واضحة ويمكن توقعها. ويبدو أن فكرة اضطرار تركيا للتعامل بمنطق الدولة التركية ومصالحها واضطراراتها وليس مفهوم الأمة والمنطقة تسود إلى حد ما في الدوائر السياسية والإعلامية التركية، باعتبار أن أنقرة لا تملك رفاهية المبادرة والتأثير إلا في حدود ضيقة بينما هي في العموم في حالة دفاعية في ظل عدد من القضايا المتشابكة والأطراف المتفاعلة والأزمات المتزامنة.

رغم كل ذبك، إلا أن تركيا ليست معدومة الخيارات إزاء ملف بهذه الخطورة قد يؤثر في المنطقة برمتها، بالنظر إلى الانتشار العددي والمؤسساتي لجماعة الإخوان وإلى وزنها في المعادلات الإقليمية وفيما آلت إليه الأمور المنطقة بعد الثورات العربية والثورات المضادة إضافة لما تمثله من “فهم وسطي” للدين وممارسة سياسية معتدلة. فحاجة واشنطن لأنقرة كما سبق ذكره ستمكنها من لعب دور ما، أولاً على صعيد محاولة منع صدور القرار ولاحقاً لمحاولة تقليل نتائجه وسلبياته.

كما أن تركيا كدولة مسلمة وبقيادتها المحافظة المحسوبة في أحيان كثيرة على الإسلاميين قد تكون في مرمى ترامب مستقبلاً بالنظر إلى تقلباته الكثيرة ومزاجيته في السياسات وقراراته القابلة للتوسع مثل قرار حظر الدخول من سبعة دول والذي ذكر أكثر من مسؤول أمريكي احتمالية ضمه دولاً إضافية في حال كسب ترامب معركته مع القضاء الأمريكي بخصوصه. ولا يجب أن يغيب عنا ولا عن أنقرة أن توصيف جماعة الإخوان كمنظمة إرهابية قد يفتح الباب على التضييق على كل من له علاقة معها من أي نوع، وتركيا المشتبكة مع مشهد الثورات العربية والمستضيفة للكثير من قيادات الجماعة من مختلف الأقطار قد تكون أحد هذه الأطراف التي ستتعرض للضغط من قبل الإدارة الأمريكية.

هنا، تصبح مصلحة تركيا وأمنها القومي دافعين لها للاهتمام بهذا الملف ومحاولة التأثير به بشكل مباشر وإن لم يكن بشكل عاجل وذي أولوية، لكن ذلك سيحتاج أيضاً تواصلاً مباشراً وواضحاً وموضوعياً من الإخوان خاصة والإسلاميين العرب عامة مع أنقرة لتوضيح أبعاد القضية الحالية ومخاطرها المستقبلية ولمحاولة تنسيق المواقف معها، وإلا فإن الترقب وانتظار صدور القرار لصياغة بيانات الإدانة والشجب لن يكون ذا فائدة كبيرة لأحد (5).

—————————————

الهامش

(1) https://www.nytimes.com/2017/01/24/us/politics/wall-border-trump.html?_r=0

(2) https://www.nytimes.com/2017/02/07/world/middleeast/muslim-brotherhood-terrorism-trump.html

(3) https://www.hrw.org/news/2017/02/08/us-dont-target-muslim-brotherhood

(4) https://www.nytimes.com/2017/02/07/world/middleeast/muslim-brotherhood-terrorism-trump.html

(5) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية”.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close