fbpx
تحليلاتقلم وميدان

وضعية الجيش فى النظم السياسية: رؤية تحليلية

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

مقدمة:

الجيش في النظم السياسية الديمقراطية هو مؤسسة سيادية كغيرها من المؤسسات المنصوص عليها دستورياً، كالبرلمان والقضاء أو رئاسة الدولة …، ويتمتع بالاستقلال والحياد التام تجاه النظام السياسي القائم، والدولة الديمقراطية لا تعرف ظاهرة الانقلابات العسكرية، أو ظاهرة تدخل الجيش في الشأن السياسي، من خلال الانتصار لفريق سياسي ضد فريق آخر خلال عملية التنافس السلمي على السلطة وذلك لكون السياسة في النظام الديمقراطي مجرد لعبة مدنية صرفة، ومجال مفتوح لجميع المواطنين، وحق من حقوقهم المدنية التي كفلها القانون والدستور سواء من حيث تشكيل الأحزاب السياسية والانتخاب والترشح في الانتخابات العامة.

والجيش ركن سيادي من أركان الدولة الديمقراطية الحديثة، وليس أداة بيد السلطة الحاكمة، ولا يمارس إلا المهام المقررة له دستورياً ألا وهي: حفظ كيان الوطن والدولة من الأخطار الخارجية.

والتاريخ السياسي للدول الديمقراطية الأوربية لم يعرف ظاهرة الانقلابات العسكرية، أو تدخل الجيش في الشؤون السياسية من حيث فرض حكومات أو إسقاطها، ولم يعرف انتشار ظاهرة الحزبية فيه، ولا يعتمد إلا الكفاءة في العمل العسكري، فهو جيش محترف دون تدخل فى السياسة.

أولاً: قواعد الديمقراطية وعلاقتها بالمؤسسة العسكرية

هناك قاعدتان أساسيتان يتلازمان عضوياً مع موضوعنا:

القاعدة الأولى: التمييز القاطع بين السيادة والسياسة:

تعريف السيادة: هي مجال التعبير عن كيان الأمة والدولة ككل، والتي يشارك المواطنون جميعاً في صنعها من خلال إقرار الدستور والقانون وانتخاب نواب الشعب، وهي الأمور التي لا تخضع للمنافسة السياسية بعد إقرارها، وإنما تخضع للإجماع الشعبي العام من خلال آلية الانتخاب.

تعريف السياسة: هي التي يتحقق فيها مبدأ المشاركة السياسية من خلال المساهمة في إدارة الشأن العام، وصنع القرار وإدارة السلطة ومراقبتها.

وبناءً على استقلال الموضوع السيادي الكياني عن الموضوع السياسي التنافسي لهذا يحظر على السيادي التدخل في السياسي أو العكس، وهذا ما يفرض على الجيش التزام موقف الحياد تجاه الصراع السياسي، باعتباره مؤسسة سيادية طبقاً للعقد الاجتماعي الدستوري.

القاعدة الثانية: إن النظام السياسي الديمقراطي يقوم على قاعدة تحييد العنف من الحياة السياسية واتباعه الأسلوب السلمي في عملية التغيير السياسي والاجتماعي، كونه النظام المولد لآليات التغيير الديمقراطي والمتمثلة بالعملية الانتخابية الدورية الموصلة للتداول السلمي على السلطة، وفي ظل هذا النظام لا تحتاج القوى السياسية أصلاً إلى التوسل بالانقلابات العسكرية طريقاً للوصول إلى السلطة، حيث لا يوجد إلا طريق واحد هو: طريق صندوق الاقتراع.

إن الدولة الديمقراطية الحديثة تحتكر العنف (ماكس فيبر) ولكنه العنف غير الثوري، وغير المتجه صوب الداخل الوطني وأهله، وعليه تكون وظيفة الجيش باعتباره مخزون القوة هي الدفاع عن السيادة العليا للدولة تجاه الخارج أولاً، والدفاع عن سيادة القانون تجاه الداخل ثانياً، وذلك بتفويض من السلطتين التشريعية والقضائية، وباشتراطات ثلاث: أن يكون الموضوع محدد المعالم وليست لمواضيع متعددة تحددها السلطة، وأن يكون لمنطقة جغرافية محددة وليست لعموم جغرافية البلد وجهاته الأربع، وأن يكون لفترة زمنية محددة وليست على مدى عمر النظام الحاكم.

ولعل أهم الشروط هو تمتع السلطة التنفيذية (الحكومة) بالشرعية الديمقراطية الممنوحة لها دستورياً في ظل نظام ديمقراطي برلماني ليبرالي، وليس في ظل نظام ديمقراطي شعوبي تسلطي

 

ثانياً: حالات العلاقة بين الجيش والسياسة:

توجد عدة نماذج، تمثل العلاقة بين الجيش والسياسة والسلطة، من أهم هذه النماذج:

الحالة الأولى: جيش السلطة الحاكمة:

يكون الجيش في هذه الحالة أداة بيد السلطة الحاكمة المستبدة، باعتبارها السلطة المهيمنة على كافة المؤسسات السيادية وفي مقدمتها مؤسسة الجيش، من خلال تسيسه وتحزيبه بسياسات الحزب الحاكم أو أيديولوجيته الحاكمة وإدخال اللوثة السياسية إليه، وإحكام السيطرة عليه بواسطة ما يسمى بــ (مكتب التنظيم العسكري للحزب) الذي قد يترأسه مدني، وتخليق ما يسمى بالجيش العقائدي المؤدلج، المدعي مهمة الحرب والإعمار معاً، والمعتمد على الولاء الحزبي للفرد العسكري أكثر من اعتماده الكفاءة العسكرية (الولاء أولاً والكفاءة ثانياً)، وتنصب مهام الجيش في هذه الحالة على الحفاظ على السلطة – إرهاب المجتمع – قمع المعارضة.

وقد سادت حالة سيطرة السياسي على الشأن العسكري لدى كافة الأنظمة السياسية المتسربلة بالأيديولوجيات الشمولية كما هو الحال فى منظومة الدول الاشتراكية (سابقاً) تحت دعاوي أيديولوجية طبقية، وفي إيران الخمينية، تحت دعاوي أيديولوجية دينية – ولاياتية.

الحالة الثانية: سلطة الجيش الحاكم:

في هذه الحالة تصبح مؤسسة الجيش نفسها سلطة من خلال مصادرتها والسطو عليها بتوسل الانقلاب العسكري، وتحول قياداته العسكرية إلى نخب حاكمة ترتدي الزي المدني، وتتجسد بذلك سيطرة العسكري على الشأن السياسي وانقلاب الوظيفة الأصلية للجيش والتي هي صون السيادة الوطنية إلى وظيفة سياسية تُنتقض فيها هذه السيادة.

ويكون الهدف الأساسي من الاستيلاء على السلطة في هذه الحالة هو الحفاظ على بقاء الحكم العسكري تحت واجهات شتى وديكورات سياسية متنوعة: انتخابات، أحزاب، وزارة الداخلية، جبهة وطنية صورية يقودها حزب السلطة، تقييد الحريات والإعلام، قانون الطوارئ، المحاكم الاستثنائية، عدم الفصل بين السلطات، أمننة المجتمع …. إلخ.

ويمكن أن تدار هذه السلطة بطريقتين: الإدارة المباشرة للسلطة من خلال حكم عسكري، بالزي المدني أو العسكري، أو الإدارة غير المباشرة للسلطة من وراء ستار، ووضع شخصيات صورية في الواجهة. والحالة الثانية هذه تتمثل في سلطة الجيش غير المباشرة وهي التي غَلبت على المشهد السياسي العربي، والتي سادت في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات من القرن العشرين (كما في مصر، العراق، سورية، الجزائر، ليبيا، اليمن)، وانتشرت كذلك في فيتنام، كوريا الشمالية، كمبوديا، كوبا، تركيا، البرتغال، اليونان، إسبانيا، البرازيل، المكسيك، وبعض الدول الأفريقية وبعض دول أمريكا اللاتينية وخاصة خلال مرحلة الحرب الباردة بين القطبين الرأسمالي والشيوعي، مع الإشارة إلى أن العديد من هذه الدول سارت باتجاه التحول الديمقراطي على صعيد القارة الآسيوية، تحت ذرائع شمولية:  قومية – دينية – طبقية – على التوالي .

 

الحالة الثالثة: الجيش العصبوي:

وهي الحالة المنتشرة في دول المجتمعات التعددية غير المندمجة من حيث الأعراق والأديان والطوائف والقبائل، لمجتمع ما قبل إقامة الدولة الحديثة والتي تنعكس سلباً على مؤسسة الجيش في ظل نظام سياسي استبدادي مهيمن على السلطة، ويفرض آراءه الأيديولوجية والسياسية الأحادية على الجميع والذي يعمل جاهداً على إعاقة تحقيق الانصهار المجتمعي، من خلال اتباعه لسياسة فرق تسد بين المكونات المجتمعية والقوى السياسية المتعددة.

في هذه الحالة يتكيف الجيش ذاتياً مع المجتمع الرخو الاندماج والذي تميل صراعاته إلى التعبير عن نفسها من خلال الاقتتال الأهلي ويغدو الجيش جيش العرق أو جيش المذهب أو جيش الطائفة، ويتجه للتشظي على مقاس المجتمع الأهلي وانعكاساً له، أي على مقاس عصبياته المتدافعة، ويتحول إلى مليشيا بقوام عصبوي، وهنا يتم الانتقال من احتكار الدولة للعنف تجاه الخارج إلى خصخصة العنف تجاه الداخل.

وعندما تنفلت أمور الوطن وتتدهور، يكون الجيش بالضرورة منحازاً وأداة بيد فريق سياسي أو عرقي أو مذهبي أو طائفي أحادي، ضد فريق آخر، نتيجة لانفراط عُقد الوطن، وتتفاقم الأزمة عندما تتسلح البنى العصبوية المتعددة وتأخذ شكل جيوش ميليشيوية خاصة، حينها تتعرض الوحدة الوطنية والترابية للتقسيم، ويبدأ القتل على الهوية، عندها يكون الولاء الوطني في أضعف حالات، إن لم يكن قد تم تدميره بالفعل.

وهذه الحالات لا تمثل في كل منها حالة منفصلة عن الحالات الأخرى بكافة تفاصيلها وتضاريسها، بل قد تتداخل وتتفاعل فيما بينها، وتتطور من حالة إلى أخرى، وذلك تبعاً للحراك الاجتماعي، وتوازنات القوى بين السلطة والمعارضة.

 

ثالثاً: اضطراب العلاقة بين الجيش والسلطة:

إن عدم قيام علاقة سوية بين الجيش والسلطة في الوطن العربي لا يعود لمجرد غريزة شهوانية سلطوية عند بعض العسكريين فحسبُ بل إن هناك أسباب موضوعية تكمن وراءها:

الأول: عدم وجود دولة حديثة:

فالبلدان العربية لم تشهد قيام دولة وطنية حديثة بالمعنى القانوني المتعارف عليه في الفكر السياسي الحديث (دولة مؤسسات)، بل بقيت دولة هجينة مركبة، بجوهر داخلي سلطاني موروث، وذات قشور حداثية موروثة عن الإدارة الاستعمارية السابقة، لهذا كان المطلب الأول لأهل الديمقراطية والساعين إليها، هو بناء دولة وطنية ديمقراطية مدنية، باعتبارها المدخل لتأسيس علاقة صحيحة بين الجيش والسلطة.

الثاني: ضعف الطبقة الوسطى:

فالطبقة الوسطى هي حامل المشروع الوطني الديمقراطي كما تبلور في الغرب تاريخياً، حيث كانت هي الطبقة التي ُتفكر وتَكتب وتُنتج وتَتَمرد على الأوضاع القائمة، وتقود النضال الديمقراطي ضد القهر والاستبداد، في حين أن الطبقة الوسطى العربية بأحزابها وقواها السياسية وقياداتها الشعبوية، تتسم بالضعف والهزال، لهذا بدت المؤسسة العسكرية هي الأكثر تنظيماً وانضباطاً وجاهزية على تولي وتسيير شؤون الحكم.

الثالث: الجذور الانقلابية:

فالفكر الانقلابي الثوري كان فكراً متجذراً ومتأصلاً في أغلب أدبيات الأحزاب القومية والإسلامية واليسارية، خلال فترة الأربعينيات والخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، وذلك بالتوازي مع الموجة الثورية والحركات التحررية التي عمت الكثير من بلدان العالم خصوصاً عقب الحرب العالمية الثانية.

حيث برزت أسباب عدة دفعت الثوريين العرب إلى القفز على مركب السلطة، يأتي في مقدمتها ضرورة وضع الأطروحات الفكرية والبرامج السياسية لأحزابهم موضع التنفيذ، ونكبة فلسطين عام 1948 والاحتجاجات الشعبية المستمرة ضد الأوضاع المتدهورة، وفي مقدمتها المسألة الاجتماعية والعدل الاجتماعي، وإرضاء النزعة التسلطية لقادة هذه الأحزاب، وعدم استعدادهم لتحمل تبعات ومشاق النضال الشعبي ونَفسِهم النضالي القصير من حيث التثقيف والتنظيم والإعداد لأفراد الشعب، علاوة على حمل هذه الأحزاب أهدافاً كبرى ورفعها لشعارات عظيمة تنوء بحملها والتي تريد تحقيقها دفعة واحدة (مثل الوحدة العربية، فلسطين الاستقلال، الديمقراطية، التنمية، التجدد الحضاري، العدل الاجتماعي) والتي لم تجد سبيلاً لتحقيقها غير احتكار السلطة ورفع شعارات شعبوية من قبيل “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة” للإلتفاف على معركة الديمقراطية، والتي كان ينظر إليها على أنها أم المعارك والبوابة الرئيسية لتحقيق الهدف والوسيلة معا.

وخلال مراحل التحولات العربية المختلفة، كانت القوى القومية من أوائل القوى التي استطاعت الاستيلاء على السلطة من خلال كثرة انقلاباتها العسكرية تحت ذرائع شتى، والتي أطلقت على نفسها لقب الأنظمة الثورية، والتي بلغت ذروتها خلال فترة الخمسينيات والستينيات والسبعينيات من القرن العشرين (مصر، سورية، العراق، الجزائر، ليبيا، اليمن الديمقراطي)، بل لقد تم القيام بالكثير منها داخل الفريق العسكري – السياسي الواحد (نموذج حزب البعث في سوريا والعراق)، بحيث أصبحت تنطبق عليهم مقولة ابن خلدون: “المُلك، الحُكم، لمن يدوس الرقاب ويجدع الأنوف”، وذلك في معرض تحليله لأسباب قيام الدول وسقوطها مع عدم تبنيه لهذه المقولة في ذاتها.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. دراسه كتبتها من فترة مؤصله نظريا وما زالت صالحه للتطبيق وتساعد فى فهم مجال العلاقات المدنيه العسكريه وهو من الحقول الجديده والعميقه التى بدأت تخرج الى العلن خارج المؤسسات البحثيه بعد ثورة يناير 2011- أقرظ إعادة نشرها من قبل الصرح العلمى الممثل فى المعهد المصرى والذى يأتى كل يوم بالجديد والعميق – التطوير شرط اساسى للصعود العلمى والمؤسسى والمؤسسات التى يغيب عتها هذا الفكر لا تلبث أن تموت أو تختفى – التطوير الإدارى صناعه مستمره وليس مجرد طفره تظهر ثم تتوقف-الإداره الإستراتيجيه تبدأ بالفهم وتتدعم بالإداره الحاسمه للقرار وما دام الإستقلال الإدارى مستمرا فسوف يتصاعد الدور بإضطراد – المهم هو الإستمرار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close