الحركات الجهادية في ثورة يناير

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
عاد التيار الجهادي ليبرز في المشهد المصري مع خروج عناصره من السجون عقب ثورة يناير، ومعاودته لعملياته إثر تصاعد حملات القمع عقب الانقلاب العسكري في يوليو2013. وتهدف هذه الورقة البحثية إلى دراسة التيار الجهادي المصري منذ ثورة يناير وصولا إلى منتصف عام 2018.
ولفهم الحالة الجهادية المصرية أثناء ثورة يناير وما بعدها، فلابد أن أتناول أولا خلفيات نشأة التيار الجهادي المصري، وجذوره التاريخية، ومرتكزاته الفكرية، وبناه التنظيمية، ومشروعه التغييري، ونجاحاته وإخفاقاته قبل الثورة.
وينقسم البحث إلى ثلاثة أجزاء، الجزء الأول يتناول الحالة الجهادية في مصر منذ بواكير تأسيسها إلى ثورة يناير 2011، بينما يتناول الجزء الثاني الحالة الجهادية في مصر منذ ثورة يناير إلى الانقلاب العسكري في يوليو 2013. ويتناول الجزء الثالث الحالة الجهادية منذ الانقلاب العسكري إلى منتصف عام 2018.
وسأتناول في الجزء الأول التطور التنظيمي للتيار الجهادي بمصر من مجموعات الجهاد إلى جماعة الجهاد خلال الفترة الممتدة من عام 1966 إلى 1988. ثم استعرض بإيجاز تجربة جماعة الجهاد منذ نشأتها وصولا إلى تعثر مشروعها التغييري داخل مصر، واندماجها مع تنظيم القاعدة، وتداعيات ذلك على تواجد الجماعة بالمشهد المصري. ونظرا لأن الجماعة الإسلامية مثلت الرافد الثاني للتيار الجهادي المصري خلال عهدي السادات ومبارك، فسأتناول تجربة الجماعة من خلال تتبع جذور نشأتها كحركة طلابية مطلع السبعينات، ثم تسيسها بمرور الوقت وتحولها إلى حركة ذات إطار محدد المعالم، مرورا بدخولها في صدام مع النظام الحاكم، وصولا إلى تبنيها لمراجعات فكرية غيرت مسار الجماعة. كما سأتناول باختصار بعض المجموعات الجهادية التي ظهرت عقب أحداث سبتمبر، وتأثرت بأطروحات تنظيم قاعدة الجهاد مثل تنظيم شبرا، وجماعة التوحيد والجهاد في سيناء، ثم أختتم الجزء الأول بتحليل التجربة الجهادية الأولى بمصر منذ نشأتها حتى قبيل اندلاع ثورة 25 يناير.
وفي الجزء الثاني سأستعرض الحالة الجهادية المصرية لحظة اندلاع ثورة يناير، والتي يمكن توصيفها بأنها كانت تعاني من موت سريري، فالجماعة الإسلامية نبذت تنظيراتها السابقة، وقدمت تنظيرات جديدة ترفض العمل المسلح داخل البلاد. بينما تلاشت جماعة الجهاد خارج مصر بعد اندماج أميرها أيمن الظواهري وعدد من رفاقه مع تنظيم القاعدة، كما تفككت الروابط التنظيمية بين عناصرها داخل السجون.
ولكن مع اندلاع الثورة انتعش التيار الجهادي، دون أن تنخرط أي مجموعات محسوبة عليه في عمل مسلح سوى على نطاق محدود بسيناء. ثم سأستعرض النشاط الجهادي خلال فترة تولي د. محمد مرسي للرئاسة، وهي الفترة التي شهدت وقائع معدودة بالأخص في سيناء، لتجري آنذاك محاولات للوساطة والتهدئة شارك فيها قدامى الجهاديين، مما أدى إلى انتشار جو من الهدوء النسبي سرعان ما تبدد عقب الانقلاب العسكري.
وسأتناول في الجزء الثالث العوامل التي أدت إلى تصاعد المد الجهادي بعد الانقلاب العسكري على الرئيس محمد مرسي في يوليو 2013، وسأستعرض باختصار تجارب أبرز التنظيمات الجهادية التي ظهرت منذ ذلك الحين مثل أنصار بيت المقدس، وأجناد مصر، وكتائب الفرقان، وكتائب أنصار الشريعة، وولاية سيناء، وجماعة المرابطين، وأنصار الإسلام، وجند الإسلام. ثم أحلل التجربة الجهادية الثانية التي بدأت منذ الانقلاب العسكري وصولا لمنتصف عام 2018، وأقارنها بالتجربة الجهادية الأولى من حيث الحالة المجتمعية، وشرعية النظام، والنطاق الجغرافي، والوضع الإقليمي والدولي. ثم استشرف مستقبل التيار الجهادي المصري في ظل التطورات السياسية المتلاحقة، ثم أختم البحث بالنتائج النهائية المستخلصة منه مع تقديم بعض التوصيات الختامية.
أولاً: الحالة الجهادية قبل ثورة ٢٥ يناير
1-من مجموعات الجهاد إلى جماعة الجهاد (١٩٦٦-١٩٨٨)
لم ينشأ التيار الجهادي على هيئة تنظيم موحد بل تكون على شكل مجموعات متعددة تأسس العديد منها خلال الحقبة الناصرية. وبمرور الوقت وتوالي الأحداث اندمجت بعض هذه المجموعات في جماعة واحدة عام 1988 تحت اسم جماعة الجهاد المصرية.
بداية النشأة:
في عام 1965 دشن النظام الناصري موجة قمع جديدة ضد جماعة الإخوان المسلمين توجت بإعدام الاستاذ سيد قطب عام 1966، بينما نجت جماعة أنصار السنة من هذا القمع لهامشية تأثيرها وبعدها عن الصدام مع النظام الناصري. وفي تلك الأجواء نشأت إحدى أبرز المجموعات الجهادية عام (1966). وضمت بين عناصرها اسماعيل طنطاوي الذي اشتهرت المجموعة باسمه، فضلا عن (رفاعي سرور، وأيمن الظواهري).
تأثرت المجموعة بكتابات سيد قطب فاعتبرته (نموذجا للصدق في القول، وقدوة للثبات على الحق). كما تأثرت بمنهج جماعة أنصار السنة المتمثل في الاهتمام (بعقيدة التوحيد، وبالتعامل المباشر مع النصوص الشرعية، وبالقراءة في كتب الجهاد والسير في الصحيحين، بالإضافة إلى الاعتناء بكتب ابن تيمية وابن القيم). وتبنت المجموعة مبدأ الانقلاب العسكري كوسيلة للتغيير لأن (النظام الحاكم يحكم بالقوة والقمع، ويسد أي منفذ للتغيير السلمي). فدفعت بعض عناصرها للالتحاق بالجيش. ونجحت في ضم (ضابط الجيش عصام القمري، وتمكن القمري من تجنيد العديد من ضباط الجيش). واعتمدت المجموعة (منهجا للدراسات الشرعية يستند إلى المنهج السلفي وكتابي “معالم في الطريق – في ظلال القرآن” لسيد قطب، وألزمت أفرادها بحضور دروس الشيخ محمد خليل هراس في مسجد قوله بعابدين، والموجود به المقر العام لجماعة أنصار السنة). أي أن هذه المجموعة الجهادية الأولى جمعت بين منطلقين:
الأول: الجهاد باعتبارها مجموعة تسعى لتغيير نظام الحكم.
الثاني: السلفية باعتبارها مجموعة تعتني بنصوص الكتاب والسنة وفهم السلف لهما.
ومَثّل حجم العداء للنظام الحاكم وأولوية تغييره فارقا مميزا بين تلك المجموعة وما سبقها من جماعات إسلامية، فوفقا للظواهري (الحركة الإسلامية في مصر، وإن كانت قد مارست الجهاد من قبل، فإن خطها العام لم يكن موجها ضد النظام الحاكم بل كان موجها بالأساس ضد العدو الخارجي. بينما العدو الداخلي لا يقل خطورة عن العدو الخارجي، بل إنه الأداة التي يستعملها العدو الخارجي في شن حربه على الإسلام). ثم وقعت هزيمة 1967 وخفت وطأة القهر الناصري. واتيحت مساحة أوسع للدعوة والانتشار، فاندمجت مجموعة الظواهري مع مجموعات جهادية أخرى ثم حدثت انشقاقات على خلفية تفاوت الآراء تجاه طريقة التغيير، فتبنى يحيى هاشم ورفاعي سرور فكرة التغيير الجماهيري عبر (الثورة الشعبية أو حرب العصابات كبديل عن الانقلاب العسكري).
ووفد إلى مصر عام 1971 الفلسطيني صالح سرية ليعمل موظفا بالجامعة العربية. وأسس تنظيما جهاديا جديدا. ونفذ عام 1974 محاولة انقلاب عسكري اشتهرت بأحداث الفنية العسكرية. ورغم بساطة الخطة وفشلها إلا أن خطورتها كمنت في كونها أول خطة انقلاب لمجموعة جهادية تدخل حيز التنفيذ، فضلا عن رسالتها الرمزية برفض الحكم العلماني للسادات رغم ما حققه من انجاز عسكري وسياسي وإعلامي في حرب أكتوبر.
ومن بين بقايا وهوامش تنظيم صالح سرية برز المهندس محمد عبد السلام فرج الذي أحدث نقلة نوعية للتيار الجهادي على المستويين الفكري والتنظيمي:
المستوى الفكري:
قدم أطروحة شرعية وفكرية جديدة عام1980 في رسالته (الفريضة الغائبة)، فتناول حكم إقامة الدولة الإسلامية، وقال إن حكام العصر الحالي لا يحملون من الإسلام إلا الأسماء، وقارن بينهم وبين حكام التتار في عهد ابن تيمية مؤكدا وجوب قتالهم، ثم تناول مناهج التغيير لدى الجماعات الإسلامية المختلفة بالنقد، وقال إنه لا تغيير حقيقي إلا بالقتال، وصك الجملة التي تحولت إلى شعار للتيار الجهادي المصري بأن (قتال العدو القريب أولى من قتال العدو البعيد).
المستوى التنظيمي:
اقتنع فرج بنظرية عبود الزمر القائلة بأن (الانقلاب العسكري لابد أن تصحبه تحركات شعبية مؤيدة له). فقرر عدم الاكتفاء بضم الأفراد من خلال الدعوة الفردية، وحاول تجميع قادة المجموعات الجهادية في عمل مشترك فأحدث نقلة كمية كبيرة في أعداد أفراد تنظيمه، واعتمد مشروعه للتغيير على محورين:
الأول: تكوين مجموعات عسكرية من أفراد الجيش بغرض القيام بانقلاب عسكري.
الثاني: إعداد مجموعات مدنية تدعم الانقلاب العسكري لحظة وقوعه.
وفي تلك الآونة تصاعدت إجراءات السادات القمعية، إذ أصدر قرارا باعتقال 1536 شخصية عامة في سبتمبر 1981. وشملت قرارات الاعتقال عددا من قيادات المجموعات الجهادية، مما جعل اغتيال السادات من أولوياتهم قبل أن يفتك بهم ويكرر معهم التجربة الناصرية مع الإخوان. ونجح عبد السلام فرج في ربط معظم المجموعات الجهادية بمخططه المتمثل في اغتيال السادات، والسيطرة على مبنى الإذاعة والتلفزيون لبث بيان يطالب الشعب بتأييد الثورة الوليدة بالتزامن مع مظاهرات يقودها الجهاديون بالميادين الرئيسية. ولم ينجح من المخطط سوى اغتيال السادات يوم 6 أكتوبر عام1981. بينما حاولت مجموعات من الجماعة الإسلامية بالصعيد السيطرة على مدينة أسيوط يوم 8 أكتوبر تمهيدا للزحف منها على بقية المحافظات، ولكن نجحت قوات الجيش والشرطة في السيطرة على المدينة عقب اشتباكات دامية. وقبضت الأجهزة الأمنية على عناصر المجموعات الجهادية بشكل سريع نظرا لمعرفتهم ببعض البعض، وأُعدم على خلفية اغتيال السادات محمد فرج ومنفذو الاغتيال الأربعة، بينما تفاوتت الأحكام على بقية الأعضاء ما بين البراءة والمؤبد وصولا إلى السجن 3 سنوات. وتشكل في السجن هيكل تنظيمي يضم قادة المجموعات الجهادية المتنوعة، فضم مجلس شورى التنظيم كلا من (أيمن الظواهري وطارق الزمر وناجح إبراهيم وعصام دربالة برئاسة عبود الزمر).
ولكن سرعان ما حدثت خلافات بين مجموعة الجماعة الإسلامية بالصعيد والمجموعات الجهادية الأخرى، وانتهى النزاع بتشرذم التنظيم المراد إنشائه لعدة مجموعات. أما خارج السجون فقد اتسع نطاق المتعاطفين مع التيار الجهادي لنجاحه في كسر حاجز الخوف من السلطة بقتله لرئيس الجمهورية في عملية جريئة استغرقت 40 ثانية. وتحول الجهاديون إلى لاعب فاعل في الساحة الإسلامية والمشهد العام. كما أدت تداعيات اغتيال السادات إلى انتقال المجموعات الجهادية المصرية من حيز المحلية إلى العالمية، ففي عام 1984خرجت من السجون دفعة المحكوم عليهم بالسجن 3 سنوات ومن ضمنهم أيمن الظواهري الذي آخذ يجمع شتات رفاقه من جديد، ونجح في مغادرة مصر منتصف عام 1985، ليتخذ من باكستان وأفغانستان بدءا من عام 1986 مرتكزا لنشر أفكاره وسط التجمعات الجهادية الموجودة هناك، ومن ثم تأسست جماعة الجهاد المصرية عام 1988.
2-جماعة الجهاد رؤية من الداخل (1988-2001)
تأسست جماعة الجهاد المصرية عام 1988 في بيشاور، وتمحورت مرتكزاتها الفكرية والمنهجية حول أن (الكفار يتسلطون على بلاد المسلمين سواء بالاحتلال المباشر أو من خلال الأنظمة التابعة لهم) التي يقودها حكام مرتدون. ومن ثم تبنت الرأي القائل بأن (قتال الحكام المرتدين مقدم على قتال غيرهم من الكفار الأصليين). ورأت أن (الأوضاع الجاهلية الموروثة عبر أنظمة سابقة لابد من تغييرها تغييرا جذريا، ولا يصلح معها ترقيع ولا أنصاف حلول). ولخصت أهدافها في بيان أصدرته عام 1993 قائلة إنها تتمثل في (العمل على إقامة دولة الإسلام التي تعمل على نشر عقيدة التوحيد، والحكم بشريعة الإسلام، وتحرير أراضي المسلمين، وتحرير الأمة الإسلامية من التبعية الاقتصادية، ونشر الفضيلة والأخلاق الإسلامية، والتقسيم العادل للثروة، وإرساء العدالة الاجتماعية، وتحقيق التكافل الاجتماعي، ورفع الظلم عن الطبقات الفقيرة المحرومة، وتشجيع العلم ورفع مكانة العلماء، واحترام القضاء الشرعي الذي يحفظ الحقوق ويساوي بين الخصوم، وصيانة حريات الناس وفق أحكام الشريعة) .
الهيكل التنظيمي لجماعة الجهاد
اعتمدت الجماعة في تسيير أمورها على مجلسين، مجلس للشورى يضم القيادات التنظيمية ويختص بدراسة سياسة الجماعة وأنشطتها، ومجلس تأسيسي يضم عدة لجان تباشر العمل التنظيمي. وتولى إمارة الجماعة في بداية تأسيسها سيد إمام باعتباره أكثر أعضائها تحصيلا للعلم الشرعي. بينما قادها فعليا وتنظيميا أيمن الظواهري، والذي تولى الإمارة لاحقا عقب استقالة سيد إمام من منصبه عام 1993على خلفية توقيف الأجهزة الأمنية لمعظم مجموعات الجماعة بمصر في قضية طلائع الفتح.
منهج الدعوة واصدارات الجماعة
اعتمدت الجماعة في ضم أفرادها على الدعوة الفردية فضلا عن بث أفكارها من خلال أنشطة الدعوة العامة عبر الدروس الدينية في المساجد، والرحلات، ومجلات الحائط بالجامعات. كما أصدرت الجماعة عددا من الكتب والرسائل التي كتب معظمها سيد إمام باسم حركي هو “عبد القادر عبد العزيز”، ومن أبرزها:
– العمدة في إعداد العدة للجهاد في سبيل الله تعالى – صدر عام 1989.
– نصح الأمة في اجتناب فتوى الشيخ ابن باز في جواز دخول مجلس الأمة.
– الحوار مع الطواغيت مقبرة الدعوة والدعاة.
كما كتب أيمن الظواهري “الحصاد المر: الإخوان المسلمون في ستين عاما” و”الكتاب الأسود: تعذيب المسلمين في عهد حسني مبارك”. وتبرز عناوين ومضامين هذه الإصدارات الخيارات الشرعية والفكرية للجماعة، والتي تركزت حول بيان أهمية تحكيم الشريعة، وردة الأنظمة العلمانية، ووجوب قتالها، ورفض المشاركة في العملية النيابية مع توجيه انتقادات لمناهج التغيير لدى الجماعات الإسلامية الأخرى.
اسلوب الإدارة ونطاق تواجد الجماعة
أبقت جماعة الجهاد (قادتها والأفرع المعاونة لهم خارج البلاد، ليكون رأس التنظيم وعقله بعيدين عن بطش النظام). بالتوازي مع تكوين أذرع بالداخل. فكونت عدة مجموعات بنطاق محافظات القاهرة والجيزة والشرقية والقليوبية وبني سويف والاسكندرية والغربية والبحيرة. كما أسست عددا من المحطات الخارجية في كل من (السودان، اليمن، النمسا، ألمانيا، بريطانيا، أذربيجان، السعودية).
استراتيجية جماعة الجهاد وأبرز عملياتها
اعتمدت جماعة الجهاد استراتيجية الإعداد لانقلاب عسكري مدعوم بمجموعات مدنية، ورفضت اعتماد أسلوب حرب العصابات لأن (الطبيعة الجغرافية لمصر تجعل نشوء حرب عصابات فيها أمر غير ممكن) وفقا للظواهري. وتعرضت الجماعة لضربة أمنية قوية إثر القبض على المئات من عناصرها داخل مصر نهاية عام 1992ومطلع عام 1993 في سلسلة قضايا اشتهرت باسم طلائع الفتح. وافتخرت الصحف الحكومية بالقبض على 800 عضو من جماعة الجهاد بدون إطلاق طلقة واحدة. فقررت الجماعة تغيير أسلوبها ودشنت (معركة المواجهة مع الحكومة، بعد أن كان خطها السابق الانتشار، وتجنيد العناصر). ودخلت الجماعة هذه المعركة حسب الظواهري من أجل (المحافظة على إرادة القتال، وإفشال حملة التيئيس الحكومية التي تفيد بأن أي مقاومة لا جدوى منها، وأن السبيل الوحيد هو الاستسلام).
دخلت جماعة الجهاد في صراع مع النظام وهي في أضعف حالاتها بعد القبض على أغلب عناصرها بالداخل، فضلا عن تخلخل بنيتها التنظيمية بالخارج بعد حدوث انشقاقات كبيرة على خلفية تبادل الاتهامات حول المسئولية عن انكشاف مجموعاتها داخل البلاد. فاستهدفت في 18أغسطس1993 وزير الداخلية حسن الألفي بدراجة نارية مفخخة مما أسفر عن إصابته في ذراعه. واستهدفت في 25 نوفمبر1993 رئيس الوزراء عاطف صدقي بسيارة ملغومة. ومع توالي سقوط عناصر الجماعة بيد الأمن اتخذ الظواهري عام 1995 قرارا بوقف العمليات داخل مصر بعد تنفيذ ضربتين متزامنتين خارج مصر وداخلها (باستهداف السفارة الأميركية بباكستان، واستهداف فوج سياحي إسرائيلي بخان الخليلي).
ولما عجزت مجموعة التنفيذ عن استهداف السفارة الأميركية قامت باستهداف السفارة المصرية بإسلام أباد عام 1995، بينما نجحت الأجهزة الأمنية في إحباط مخطط استهداف الفوج السياحي الإسرائيلي، وتمكنت من القبض على القائمين على تنفيذه.
تعرضت قيادة جماعة الجهاد للتضييق والترحال باستمرار، فغادرت أفغانستان وباكستان إلى اليمن عقب اشتعال الحرب الأهلية الأفغانية بعد سقوط نظام نجيب الله عام 1992، ثم عقب محاولة اغتيال رئيس الوزراء عاطف صدقي عام1993 وذيوع اتخاذ الجماعة لليمن مركزا لنشاطها، غادر قادة الجماعة اليمن إلى السودان، ثم عقب محاولة اغتيال حسني مبارك بأديس أبابا على يد الجماعة الإسلامية عام1995، تعرضت الحكومة السودانية لضغوط سياسية نتج عنها رحيل كافة الجهاديين من السودان ومن ضمنهم قيادات جماعة الجهاد، فرحلوا إلى افغانستان مرة أخرى ليصيروا في ضيافة حركة طالبان، ولتشهد الجماعة تحولا تاريخيا في مسارها.
الاندماج مع القاعدة وتداعياته
تعثر مشروع جماعة الجهاد داخل مصر، فدخل الظواهري في تحالف مع تنظيم القاعدة أعلن عنه في 22 فبراير 1998 تحت اسم “الجبهة الإسلامية العالمية لجهاد اليهود والصليبيين”. ولخص قيادي الجماعة أحمد النجار عام 1999 أهداف تلك الجبهة قائلا إنها تتمثل في (شن حرب عصابات تستهدف كافة المصالح الامريكية والاسرائيلية على مستوى العالم لإجبار أمريكا على إعادة النظر في سياساتها تجاه القضايا العربية والإسلامية). وتوقع النجار أن يؤدي (نشاط هذه الجبهة في المستقبل الى استقطاب عالمي للمسلمين الراغبين في تحدي القوى الامريكية والاسرائيلية وإضعافها). ثم تحول التحالف مع تنظيم القاعدة إلى اندماج منتصف عام2001 لتتشكل جماعة جديدة باسم “قاعدة الجهاد”. ونتج عن ذلك تغير في استراتيجية جماعة الجهاد بتخليها عن أولوية قتال العدو القريب، وتبنيها لاستراتيجية استهداف المصالح الأميركية والإسرائيلية.
وعقب إعلان تحالف ثم اندماج جماعة الجهاد مع تنظيم القاعدة تعرض قادة الجماعة لحملة مطاردة شرسة. فقبضت الاستخبارات الأميركية على القيادي أحمد النجار بألبانيا وسلمته إلى مصر عام 1998، كما قبضت على مساعد الظواهري” أحمد سلامة مبروك” بأذربيجان وسلمته إلى مصر عام 1999، وقبضت الإمارات عام 2000 على محمد الظواهري وسلمته لمصر. ويذكر سيمور هيرش في كتابه “القيادة العمياء” أن الإدارة الأمريكية اختطفت وسلمت 70 جهاديا إلى دولهم قبل عام 2001. وهو ما يفسر تصريح عضو اللجنة الإعلامية سابقا بتنظيم الجهاد هاني السباعي بأن الاندماج مع القاعدة (جرّ مصائب كبيرة إلى جماعة الجهاد).
بقايا جماعة الجهاد والمنشقين عنها (2001-٢٠١١)
رفض بعض قادة جماعة الجهاد الاندماج مع القاعدة، وأصروا على البقاء على استراتيجيتهم القديمة في أولوية مواجهة النظام المصري، وكان على رأس هذا الفريق نائب الظواهري ثروت صلاح. ولكنهم لم يتمكنوا من القيام بأي نشاط داخل مصر. وعقب أحداث 11 سبتمبر تعرض أعضاء جماعة الجهاد بما فيهم المنشقون عنها لحملة مطاردة عالمية، فقبضت الحكومة اليمنية على سيد إمام عام 2001 وسلمته لمصر رفقة عبد العزيز الجمل عام 2004 رغم انفصالهما عن الجماعة، وسلمت السويد القيادي المنشق عن الجماعة أحمد عجيزة لمصر عام 2001، بينما قبضت الإمارات عام 2003 على مسئول اللجنة الشرعية السابق بالجماعة محمد شرف رغم انفصاله عنها منذ عام 1995 وسلمته إلى مصر.
وفي السجن كتب سيد إمام عام 2007 مراجعات فكرية بعنوان (وثيقة ترشيد العمل الجهادي). ورد الظواهري على تلك الوثيقة بكتاب سماه (التبرئة). وتفككت الجماعة داخل السجون. وبدأت الحكومة بالإفراج التدريجي عن مؤيدي المبادرات، ثم بدأت لاحقا في الإفراج عن بعض رافضي المبادرات مع إبقاء كبار القيادات من رافضي المبادرات بالسجون فضلا عن أعضاء الجماعة ممن آخذوا أحكام بالسجن. وعندما اندلعت ثورة يناير لم يكن لجماعة الجهاد أي تواجد يُذكر في المشهد المصري.
3-الجماعة الإسلامية
ازدادت رقعة الحرية والنزعة للتدين عقب انكسار المشروع الناصري عام 1967 ثم موت عبد الناصر عام 1970، فضلا عن تحجيم السادات لنفوذ أجهزة الأمن والمخابرات عقب قضاءه على مراكز القوى في أحداث 15 مايو1971. وفي تلك الأجواء نشأت الجماعة الإسلامية كحركة اجتماعية في الوسط الطلابي الجامعي عام 1971 دون أن تكون لها مرجعية فكرية أو شرعية محددة. إنما تأثرت بروافد متنوعة كالجمعية الشرعية وأنصار السنة وبعض الدعاة كمحمد الغزالي وسيد سابق ويوسف القرضاوي فضلا عن كتابات المودودي وسيد قطب.
تأسست أولى نويات الجماعة بكلية طب القصر العيني بجامعة القاهرة تحت اسم لجنة التوعية الدينية المتفرعة عن اللجنة الثقافية باتحاد الطلبة. وكان من أبرز مؤسسيها د. عبد المنعم أبو الفتوح، ثم تحول اسمها إلى الجمعية الدينية. وامتد نشاطها إلى جامعات أخرى كجامعة أسيوط على يد صلاح هاشم. واقتصر نشاط الجمعية الدينية في البداية على إقامة حلقات تلاوة للقرآن، ودروس للتجويد، وإلقاء للمواعظ قبيل المحاضرات، وتعليق مجلات حائط، وتوفير الحجاب للطالبات دون الانخراط بشكل مباشر في العمل السياسي. ثم دخل أفرادها انتخابات اتحاد الطلاب بكلية طب القاهرة عام 1973 وفازوا بخمسة من لجان الاتحاد الست. ومن ثم تحولت كلية طب القاهرة إلى مركز عام للنشاط الإسلامي بجامعة القاهرة وبقية جامعات مصر. وتغير اسم اللجنة الدينية إلى الجماعة الإسلامية عام 1973 تيمنا بالجماعة الإسلامية الباكستانية التي كان يتزعمها آنذاك أبو الأعلى المودودي. وسيطرت نزعة سلفية على شباب الجماعة، فأطلقوا لحاهم واعتادوا دخول الجامعة بالجلباب، كما انتشر النقاب بين الطالبات، وأطلقت الجماعة سلسلة إصدارات بعنوان “صوت الحق” تتضمن إعادة نشر أبرز إصدارات مشاهير الدعاة والمفكرين الإسلاميين. كما برز استخدام القوة في التغيير كمكون أساسي لدي أفرادها، فيقول عبد المنعم أبو الفتوح (استخدام العنف كان مقبولا والاختلاف حول توقيته وجدواه فحسب). ويؤكد صلاح هاشم أن نظام السادات لم تكن له يد في تأسيس الجماعة، ولكنه سمح لها بالعمل دون تضييق كي يوجد معادلة توازن مع خصومه من الناصريين واليساريين.
خرج قادة جماعة الإخوان من السجون عام 1974 بعد إقامتهم 20 سنة بها، ونجحوا سرا في استمالة أبرز قادة الجماعة الإسلامية إلى صفوفهم كعبدالمنعم أبو الفتوح وعصام العريان وحلمي الجزار من جامعة القاهرة، وابراهيم الزعفراني من جامعة الاسكندرية، ومحيي الدين عيسى وأبو العلا ماضي من جامعة المنيا، وخيرت الشاطر من جامعة المنصورة، فوهب الإخوان لهؤلاء الطلبة (الفكرة والمشروع والتاريخ، بينما وهب الطلبة للإخوان جسد التنظيم الذي أقاموه بالجامعات).
وتزايدت وتيرة معارضة الجماعة لنظام السادات عقب عقده اتفاقية كامب ديفيد، فسقط “عنتر كمال” أول ضحية من عناصرها على يد الأمن أثناء فض مظاهرة بأسيوط تندد باستقبال السادات لشاه إيران في مصر. ومع ازدياد مناهضة الجماعة للسادات، بدأ التضييق الحكومي على أنشطتها، فَحُل اتحاد الطلبة عام 1979. وألغيت اللائحة الانتخابية الطلابية، واعتُقِل بعض الطلبة من بينهم كرم زهدي وأبو العلا ماضي الذي يروي أنه (في السجن دارت مناقشات حول مقترحين أحدهما لكرم زهدي يقترح فيه تأسيس تنظيم مستقل له جناح عسكري، والآخر يقترح الانضمام للإخوان كتنظيم سلمي له تاريخ وامتداد بالرغم من الملاحظات عليه). وسرعان ما اكتشف بقية قادة الجماعة الإسلامية عام 1980 انضمام بعض رفاقهم سرا للإخوان. فانفصلت مجموعة من جامعة الاسكندرية وأسست الدعوة السلفية بالإسكندرية. ورفضت مجموعة الصعيد الانضمام إلى جماعة الإخوان لاعتبارهم إياها (جماعة مداهنة تخلت عن الجهاد، وتحاول استيعاب الشباب الجهادي ضمن صفوفها ليمنحها النظام شرعية الوجود، ويسمح لها بمعاودة النشاط).
وحاولت العناصر المنضمة لجماعة الإخوان الاستمرار في العمل تحت اسم الجماعة الإسلامية مع رفع شعار الإخوان (سيفان بينهما مصحف والآية الكريمة *وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة*، بينما رفعت المجموعة الأخرى شعارا يتكوم من مصحف يخرج منه سيف واحد والآية الكريمة *وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله*. ودارت بين المجموعتين صراعات على إدارة المساجد التابعة للجماعة قبل الانشقاق، ولكن أدى توجه مجموعة الصعيد لاستعمال القوة في انكار المنكرات، إلى ابتعاد المجموعة المنضمة للإخوان عن استعمال اسم الجماعة، لتعمل تحت مظلة الإخوان بشكل كامل).
تحول الجماعة الإسلامية للعمل المسلح
لم تمتلك الجماعة مشروعا محددا للتغيير إلى أن التقي رئيس مجلس شوراها كرم زهدي عام 1980 بمحمد عبد السلام فرج. فاقتنع بمشروع تنفيذ انقلاب عسكري مصحوب بثورة شعبية. واندمجت الجماعة الإسلامية عام 1980 مع تنظيم فرج الذي كان يضم عبود وطارق الزمر وآخرين. واشتهر التنظيم الجديد باسم تنظيم الجهاد. واختار التنظيم الشيخ عمر عبد الرحمن أميرا له في يونيو عام (1981). واشتركت الجماعة في أحداث اغتيال السادات وما واكبها، إذ شن 35 من عناصرها في 8 أكتوبر1981 هجوما واسعا على مديرية أمن أسيوط وقسمي شرطة وبعض النقاط الأمنية سعيا للسيطرة على المدينة التي تمثل عاصمة الصعيد. ولكن تدخلت قوات الجيش والشرطة واستعادت السيطرة على المدينة بعد اشتباكات أسفرت عن مقتل 7 من أفراد الجماعة و82 من أفراد الشرطة، وصدرت أحكام متفاوتة بالسجن على أعضاء الجماعة، وكان المؤبد من نصيب قادتها البارزين.
التأطير الفكري وإعادة البناء التنظيمي
إثر تفكك تنظيم الجهاد الشهير بتنظيم محمد عبد السلام فرج داخل السجون، عملت الجماعة الإسلامية بشكل منفرد عن المجموعات الجهادية الأخرى. وحرص قادتها على تأطير منهجها، وتقديم تنظير فكري وشرعي يوضح الملامح العامة لها فأصدروا رسالة “ميثاق العمل الإسلامي” عام 1984مؤكدين فيه على سلفية المعتقد، وتبنيهم لثلاثية (الدعوة كأداة لتغيير المفاهيم، والحسبة كأداة لتغيير المجتمع، والجهاد كأداة للتغيير عندما لا تجدي الدعوة ولا تكفي الحسبة). كما أصدرت الجماعة عام 1987 رسالة “حتمية المواجهة” التي بررت فيها الصراع مع النظام الحاكم بأربعة أسباب تتمثل في وجوب (خلع الحاكم الكافر المبدِّل لشرع الله، وقتال الطائفة الممتنعة عن شرائع الإسلام، وإقامة الخلافة وتنصيب خليفة للمسلمين، وتحرير البلاد واستنقاذ الأسرى ونشر الدين).
وتواكبت هذه الإصدارات مع إعادة بناء الجماعة تنظيميا على يد رموز الصف الثاني مثل (صفوت عبد الغني، علاء محيي الدين، طلعت ياسين همام)- الذين استفادوا من توثيق علاقتهم مع كثير من المعتقلين على خلفية اغتيال السادات فضموهم لصفوفهم. واعتمدوا العمل الدعوي العلني في المساجد والجامعات، فضلا عن تقديم الخدمات في المناطق الشعبية، ومدوا نطاق التواجد الجغرافي للجماعة من القرى إلى المدن، ومن الصعيد إلى القاهرة الكبرى وبعض محافظات وجه بحري، فتحولت أحياء عين شمس وإمبابة والعمرانية إلى معاقل قوية للجماعة التي بلغ من نفوذها أن صارت أجهزة الأمن تحيل مشاكل المواطنين إلى قادتها لحلها.
وبدأت الأجهزة الأمنية تتصدى لأنشطة الجماعة بدءا من عام 1986 فقتلت طالب كلية التجارة شعبان راشد أثناء تعليقه إعلانا عن اللقاء الأسبوعي للجماعة بمسجد الجمعية الشرعية بأسيوط. وهو أول قتيل للجماعة منذ أحداث1981. وتصاعدت الأحداث في أغسطس 1988 إثر مقتل 6 من أعضاء الجماعة أثناء اقتحام الأمن لمسجد آدم بعين شمس. وخلال الفترة الممتدة من عام 1986 إلى 1990 اقتحم الأمن (40 مسجدا تابعا للجماعة، وقتل 70 من أفرادها). فبدأت الجماعة منذ عام 1988 في ارسال بعض شبابها للتدرب في أفغانستان تمهيدا لتأسيس جناح عسكري يحميها من اعتداءات الأمن. وأطلقت مجلتها “المرابطون” من بيشاور عام 1990.
الثأر وغياب الاستراتيجية
لم تقدم الجماعة في أدبياتها رؤية واضحة لآلية التغيير الذي تتبناه. ولم تخض الصراع المسلح مع النظام باعتباره صراعا يفضي إلى التغيير، إنما خاضته ردا على تجاوزات الأمن تجاه أفرادها، وللضغط على النظام من أجل تنفيذ طلباتها، والتي تمثلت في إيقاف التعذيب والمحاكمات العسكرية والإفراج عن المعتقلين والسماح بحرية العمل الدعوي. نفذت الجماعة أولى عملياتها في ديسمبر عام 1989 بمحاولة اغتيال وزير الداخلية زكي بدر بواسطة عربة مفخخة. ومع تولي عبد الحليم موسى لوزارة الداخلية مطلع يناير 1990 وتبنيه لسياسة الضرب في المليان التي أسفرت عن مقتل 34 عنصرا من الجماعة في أول 3 شهور من عهده. ثم اغتيال الأمن للمتحدث الإعلامي باسم الجماعة د. علاء محيي الدين عاشور في 2 سبتمبر1990، أصدرت الجماعة بيانا بعنوان (ومضى عهد الكلام). ثم ردت في 12 أكتوبر1990 باغتيال رئيس مجلس الشعب رفعت المحجوب مع حراسه على كورنيش النيل. وظل خطاب الثأر ظاهرا في خطاب الجماعة وممارساتها، فتعهدت بالثأر من اعتداء أجهزة الأمن على زوجات قادتها المتهمين باغتيال المحجوب في بيان بعنوان (لبيك يا أختاه) قائلة لبيكن سنثأرن، لبيكن سننتقم . كما قتلت عام 1993 الشرطي طه عبد الله الذي سبق له قتل عضوها شعبان راشد عام 1986.
الجناح العسكري للجماعة ومحاور عمله
ظلت الجماعة تمارس نشاطها الدعوي العلني في ظل أجواء الصراع بين جناحها العسكري وأجهزة الأمن، ولم تتم عسكرة الجماعة ككل. وتولى الإشراف على جناحها العسكري ممدوح علي يوسف (1988-1990) ثم خلفه عقب توقيفه إثر حادث المحجوب مصطفى حمزة الذي غادر مصر عام1992وظل مشرفا على العمليات من الخارج، بينما تولى قيادة العمليات بالداخل طلعت ياسين همام، وعدد من القادة بالمحافظات مثل فريد كدواني، ورفعت زيدان. وتجنب الجناح العسكري للجماعة تنفيذ عمليات خارج مصر، وشذت عملية واحدة عن ذلك، وهي محاولة اغتيال حسني مبارك في العاصمة الأثيوبية أديس أبابا عام 1995. كما شارك بعض عناصر الجماعة في القتال بأفغانستان والبوسنة، فقُتل10 منهم في أفغانستان منذ بدء مشاركتها هناك وصولا إلى أغسطس (1991). أما على مستوى الداخل المصري، فيذكر عضو الجماعة محمد الحكايمة إحصائية بعدد عمليات الجماعة تضمنت التالي:
السنة | 1993 | 1994 | 1995 | 1996 |
عدد العمليات | 173 | 333 | 97 | 125 |
أما إحصائية وزارة الداخلية المصرية عن عدد عمليات الجماعة فتذكر أنها بلغت 1314 عملية خلال الفترة الممتدة من عام 1992 إلى 1997، سقط خلالها 471 عنصرا من الجماعة فضلا عن إعدام 88 آخرين. ويمكن تحديد ملامح العمل العسكري لدى الجماعة في المحاور التالية:
1- استهداف رموز النظام السياسية والأمنية والثقافية
قتلت الجماعة رئيس مجلس الشعب رفعت المحجوب عام1990، والكاتب العلماني فرج فودة عام 1992، واللواء رؤوف خيرت مسؤول مكافحة التطرف الديني بجهاز مباحث أمن الدولة عام 1994.كما استهدفت وزير الإعلام صفوت الشريف عام 1993، وقائد المنطقة العسكرية المركزية عام 1993، وأصابت الأديب نجيب محفوظ عام 1994، واستهدفت حسني مبارك عدة مرات من أبرزها في أديس أبابا عام 1995.
2-استهداف عناصر الشرطة بالصعيد
نظرا لثقل الجماعة بالصعيد فقد ركزت عملياتها فيه، وبالأخص في أسيوط التي بلغ عدد قتلى الشرطة فيها خلال عامي (1992- 1993) 43 شرطيا منهم مساعد مدير الأمن اللواء محمد الشيمي، ومفتش الداخلية العميد محمد طعيمة، ورئيس مكتب أمن الدولة بديروط المقدم مهران عبد الرحيم.
3-استهداف السياح والبنوك للضغط على النظام
أصدرت الجماعة بيانا في 30 سبتمبر 1992 تحذر فيه السياح من القدوم إلى مصر، ثم استهدفت في اليوم التالي باخرة تقل140سائحا ألمانيا بإطلاق النار عليها قرب أسيوط، ثم تتابعت حوادث استهداف البواخر السياحية وأتوبيسات نقل السياح حتى عام 1997 الذي شهد مذبحة الأقصر.
العام | عدد الهجمات | عدد القتلى | عدد المصابين |
1992 | 3 | 1 | 8 |
1993 | 9 | 6 | 33 |
1994 | 12 | 7 | 10 |
1995 | 5 | 2 | 2 |
1996 | 2 | 17 | 15 |
1997 | 2 | 68 | 26 |
جدول بعمليات استهداف السياح في مصر (1992-1997)
كما شنت الجماعة قرابة خمس هجمات على البنوك، ونفذت سلسلة عمليات خلال الفترة من فبراير 1993 الى يونيو 1993 استهدفت إحراج نظام مبارك أمنيا عبر وضع عبوات ناسفة أمام مقار الشركات الحكومية والبنوك والفنادق والأماكن العامة في القاهرة الكبرى.
4-استهداف النصارى
عبر القيادي رفاعي طه عن فلسفة الجماعة في هكذا أفعال قائلا (قضيتنا من الأقباط واضحة، رجالنا لا يستهدفونهم إلاّ إذا ارتكبوا ما يصنّفهم ضمن النظام الحاكم، أو إن ثبت تآمرهم على الإسلام والمسلمين). ومن ثم نفذت الجماعة العديد من العمليات ضد الأقباط من أبرزها قتل 14 قبطيا في قرية صنبو بأسيوط عام 1992، وقتل 5 أقباط بينهما راهبان في هجوم على دير المحرق بالقوصية في أسيوط عام 1994. وقتل 12 قبطيا في الهجوم على كنيسة ماري جرجس بأبي قرقاص عام 1997، وقتل 12 آخرين بنفس العام في أحداث عزبة داوود بنجع حمادي.
إنهاك الجماعة وتجربة المراجعات
لم تنجح عمليات الجماعة في ردع الشرطة، فاقتحم الأمن مساجدها، واعتقل قرابة 20 ألف من أعضائها والمتعاطفين معهم، ودشن سياسة الاعتقال المفتوح، وقتل 434 من أعضاءها في مواجهات خلال الفترة الممتدة من عام 1993 إلى 1997. وأُعدم 88 من عناصرها، كما توفي المئات منهم في السجون نتيجة التعذيب والإهمال الطبي. وبالتوازي مع تدهور أوضاع الجماعة داخل مصر، تعرضت الجماعة بالخارج لهزة قوية باختطاف أحد أبرز قادتها طلعت فؤاد قاسم في سبتمبر عام 1995 من كرواتيا على يد المخابرات الأمريكية وتسليمه إلى مصر ليختفي إلى الأبد. كما تعرضت ملاذاتها في السودان واليمن وأفغانستان للتضييق إثر محاولة اغتيال حسني مبارك بأديس أبابا وأحداث 11 سبتمبر.
وعندما وصلت الجماعة إلى حائط مسدود، أعلن قادتها التاريخيون من داخل سجنهم مبادرة لوقف العنف من طرف واحد في 5 يوليو عام 1997. ولم يحظ إطلاق قادة الجماعة للمبادرة بتجاوب حكومي، كما رفضها عدد من قادتها بالخارج مثل رفاعي طه الذي أشرف على تنفيذ حادث الأقصر في نوفمبر 1997 قائلا إنه وقع (كمحاولة من الجماعة لفك أسر قادتها). وأدى الحادث إلى خلافات داخل قيادة الجماعة بالخارج نتج عنها تشكيل مجلس شورى جديد أعلن في 28مارس 1999 تأييده لمبادرة وقف العنف.
استمرار القمع الأمني قبل الموافقة على المبادرة
وبالرغم من الموقف أحادي الجانب من جهة الجماعة بوقف العمليات إلا أن النظام استمر في تنكيله بها، فنفذ أحكاما بالإعدام بحق 12 من عناصرها. ثم حدثت تطورات جوهرية تمثلت في أحداث سبتمبر 2001 التي جاءت كطوق نجاة للجماعة، إذ سارع النظام المصري لتفعيل المبادرة عقب الهجمات بشهر واحد فقط أي في أكتوبر 2001 وفقا لشهادة كرم زهدي، فالمبادرة (أزالت نحو 15000 عضوا من الجماعة من معسكر مؤيدي القاعدة وحلفائها). ثم صدرت في يناير 2002 أولى مراجعات الجماعة على هيئة 4 كتب تحت عنوان “سلسلة تصحيح المفاهيم” فند فيها قادة الجماعة أطروحاتهم وممارساتهم السابقة، وبدأ خروج قادة وعناصر الجماعة من السجون بشكل تدريجي خلال السنوات التالية مع تقييد حريتهم في العمل العام، بينما لم يخرج عبود وطارق الزمر إلا بعد ثورة يناير نظرا لمطالبتهما بالسماح لهما بالعمل السياسي.
4-بعض المجموعات الجهادية الأخرى
لم يقتصر نشاط التيار الجهادي في مصر على جماعة الجهاد أو الجماعة الإسلامية، إذ ظهرت عشرات المجموعات الجهادية التي تأثرت بأفكار جماعة الجهاد وتنظيم القاعدة عقب أحداث سبتمبر مثل تنظيم جند الله الذي تشكل من عناصر تتواجد بأربع محافظات (الغربية، والبحيرة، والاسكندرية، والقاهرة). وتولي قيادته رائد الجيش طارق أبو العزم، ونجحت الأجهزة الأمنية في تفكيكه عام 2002 والقبض على 45 من عناصره. ولكن سأقتصر على ذكر أبرز مجموعتين نفذتا عمليات في الداخل المصري:
أ-تنظيم شبرا (2005):
هو تنظيم جهادي صغير تأثر بأفكار تنظيم القاعدة وتمركز بحي شبرا بالقاهرة، وتركز نشاطه على استهداف السياح، ففجر عضو التنظيم حسن بشندي نفسه في مجموعة من السياح بتاريخ 7 إبريل 2005 في حي الأزهر مما أسفر عن مقتل سائحين فرنسيين وسائح أميركي وإصابة 18 آخرين. ثم فجر عضو التنظيم إيهاب يسري نفسه في ميدان عبد المنعم رياض بتاريخ 30 إبريل 2005 مما أدى لإصابة 4 سياح منهم سائحين إسرائيليين، بينما قامت شقيقته وخطيبته في نفس اليوم بإطلاق النار على أتوبيس سياحي إسرائيلي بحي السيدة عائشة وقُتلتا بمكان الحادث. وقبضت الأجهزة الأمنية على بقية أفراد التنظيم لتصدر أحكام متفاوتة بالسجن ضد تسعة من عناصره، بينما توفي قائد التنظيم أشرف سعيد أثناء التحقيقات.
ب- تنظيم التوحيد والجهاد (2000-2006)
تأسس التنظيم بمدينة العريش عام 2000 على يد طبيب الأسنان “خالد مساعد” الذي دفعه تصاعد حملات القمع الإسرائيلي ضد انتفاضة الأقصى بفلسطين إلى دعوة من يثق بهم للجهاد ضد اليهود. وعقب احتلال العراق عام 2003 اتسع التنظيم حتى تجاوز تعداد عناصره 100 عنصر، وتسمى باسم “التوحيد والجهاد” تيمنا باسم التنظيم الذي أسسه أبو مصعب الزرقاوي بالعراق قبل أن يبايع القاعدة في أكتوبر2004. وشكل خالد مساعد تنظيمه في خلايا عنقودية، ودرب عناصره على استعمال الأسلحة وتصنيع المفرقعات، وتمركز نطاق تواجد التنظيم بشمال سيناء في مناطق العريش، ورفح، والشيخ زويد فضلا عن جبل الحلال بوسط سيناء، والإسماعيلية. واعتمد التنظيم برامج فكرية وشرعية تستند على تدريس كتاب “العمدة في إعداد العدة” وتأصيل قضايا الحاكمية والولاء والبراء. وتمثلت المرجعية الشرعية للتنظيم في أطروحات تيار السلفية الجهادية فتبنى تكفير حسنى مبارك وأركان حكومته باعتبار أن النظام لا يحكم بما أنزل الله، ويساند عدوان اليهود على أهل فلسطين، ولم يتبن التنظيم أطروحة تكفير المجتمعات، واعتبر نفسه يمثل امتدادا لتنظيم القاعدة فأعلن في بيان تبنيه لتفجيرات منتجع ذهب أنه يشن هجماته على السياح طاعة لقادة المجاهدين بتنظيم القاعدة.
أبرز العمليات
اعتمد التنظيم تكتيكات تنظيم القاعدة في تنفيذ عدة هجمات متزامنة. وتُعد العمليات التي نفذها من أكبر العمليات التي وقعت في الساحة المصرية باعتبار حجم التفجيرات وعدد الضحايا، ويلاحظ أنها وقعت في ذكرى الأعياد القومية مثل حرب أكتوبر، وثورة 23 يوليو، وعيد تحرير سيناء:
1- تفجيرات طابا ونويبع 7 أكتوبر 2004:
عبارة عن ثلاث تفجيرات بسيارات مفخخة استهدفت فندق هيلتون طابا ومخيمين سياحيين بنويبع مما أسفر عن مقتل 34 شخص منهم 22 إسرائيليا فضلا عن إصابة 158 آخرين. واختار خالد مساعد مدينتي طابا ونويبع لتنفيذ أولى عمليات التنظيم نظرا لكثافة تواجد السياح الإسرائيليين بهما خلال عيد الغفران اليهودي.
2- تفجيرات شرم الشيخ 23 يوليو 2005:
وهي ثلاث تفجيرات منها تفجيران بسيارتين مفخختين استهدفا فندق غزالة والسوق التجاري بشرم الشيخ فضلا عن كافتيريا سياحية بمنطقة خليج نعمة بعبوة ناسفة مخفاة في حقيبة يحملها أحد عناصر التنظيم مما أسفر عن مقتل 68 شخصا من بينهم 24 سائحا. واختار خالد مساعد مدينة شرم الشيخ لتنفيذ العملية نظرا لما تتمتع به المدينة من رمزية سياسية وأمنية لكونها مقر الإقامة شبه الدائم للرئيس المصري حسني مبارك، وأكد على ذلك في بيان مسئولية التنظيم عن العملية قائلا (شرم الشيخ التي اخترناها تحديا لأجهزة الطواغيت الأمنية).
3- عملية الجورة 15 أغسطس 2005:
استهدفت أتوبيسا تابعا للقوات متعددة الجنسيات في سيناء بالقرب من مطار الجورة بعبوات ناسفة انتقاما من القبض على أسامة النخلاوي خبير صناعة الدوائر الكهربية بالتنظيم. وعقب تلك العملية لقي خالد مساعد مصرعه في اشتباك مع حاجز للشرطة في 28 سبتمبر 2005.
4- تفجيرات مدينة ذهب في 24 إبريل 2006:
وهي ثلاث تفجيرات بواسطة عبوات ناسفة مخفية في حقائب يحملها 3 عناصر استهدفوا فندقا ومطعما وسوقا بمنتجع ذهب السياحي مما أسفر عن مقتل 18 شخص من بينهم 6 سياح أجانب.
تفكك التنظيم
ردا على تلك العمليات شن الأمن حملات اعتقال عشوائية طالت الآلاف من أبناء سيناء. ونجح الأمن في الوصول لعناصر التنظيم، فقتل منهم أكثر من 30 عنصرا، بينما سقطت معظم العناصر المتبقية في قبضة الشرطة. وفي السجون أيد الشيخ أسعد البك أحد أبرز القضاة الشرعيين بشمال سيناء مبادرات وقف العنف، وكذلك فعل عدد من كوادر التنظيم. ومن ثم أفرجت الأجهزة الأمنية تدريجيا عن معظم المعتقلين السيناويين، وصدرت أحكام بالإعدام على ثلاثة من أعضاء التنظيم، والسجن لثلاثة عشر آخرين، بينما ظل العشرات غيرهم قيد الاعتقال إلى أن اندلعت ثورة يناير.
تحليل الحالة الجهادية منذ نشأتها إلى يناير 2011
1- تأسست المجموعات الجهادية الأولى في مصر على قاعدة الثأر من النظام الحاكم القمعي، والرغبة في تغييره دون امتلاكها لاستراتيجية تغييرية ذات ملامح واضحة. وأدى غياب التماسك التنظيمي لتلك المجموعات بالتوازي مع ضعف التجانس بين عناصرها إلى تشظيها السريع في وقت قصير. بينما أدت فترات السجن المحدودة لبعضهم إلى تعارفهم على بعضهم البعض، وتكوينهم عقب خروجهم من السجون أنوية عمل جديدة. ومن جهتها لم تسع الجماعة الإسلامية للمواجهة مع النظام في سنوات نشأتها الأولى إنما فرضها نظام السادات إثر سعيه لتقليم أظافرها عقب محاولتها نقل دعوتها وأنشطتها من داخل أسوار الجامعة إلى الشارع. كما دخلت الجماعة لاحقا في صراع عنيف مع نظام مبارك على أرضية ثأرية تغيب عنه الرؤية الاستراتيجية، فكان عناصر الجماعة يمارسون نشاطهم الدعوي العلني في ظل اشتعال المواجهات مع رفاقهم بالمدن الأخرى. مما ممكن الأجهزة الأمنية من تركيز جهودها على المناطق الأكثر خطورة، وسهل عليها تصفية الجماعة بشكل تدريجي.
2- تمايز التيار الجهادي عن جماعة الإخوان وارتباطه بها، إذ نشأ كتيار صدامي يتبنى حتمية المواجهة، وينبذ منهج جماعة الإخوان السلمي مع تمركزه شعوريا حول مظلومية الإخوان وما أصابهم في محنتهم في العهد الناصري.
3-نشأت الحالة الجهادية في ظل نظام إقليمي متماسك ودول قومية قوية تحكم قبضتها على حدودها وشعوبها وتتمتع بمظلة حماية من الدول الكبرى، فحظي النظام الحاكم في مصر بمشروعية قانونية أمام الجماهير، واعتبر معظم المواطنين الجهاديين بمثابة متطرفين خارجين على الشرعية. كما نددت معظم الجماعات الإسلامية بالعمليات المسلحة، وقدمت تنظيرات مناهضة له مما مثل عائقا أمام تمدد أفكار الجهاديين.
4-ساهم التيار الجهادي وبالأخص الجماعة الإسلامية نظرا لنشاطها الدعوي المعلن في نشر حالة من التدين المجتمعي، وإحياء شعائر غائبة مثل الحجاب وأداء صلوات العيد في الخلاء. فضلا عن نشر الوعي بقضايا شرعية وفكرية لم تكن متداولة بشكل واسع سابقا مثل الحاكمية والجهاد. ولكن أدى تمركز أغلب مجموعات التيار حول أولوية قتال العدو القريب، ووجوب قتال الطائفة الممتنعة عن شرائع الإسلام الظاهرة، ونبذ المشاركة السياسية ضمن مجموعة قضايا يصعب تفهم قطاعات واسعة من الناس لها، إلى حصر المجموعات الجهادية في نخب ثورية شبابية.
5- لم تنجح جماعة الجهاد في تحقيق استراتيجيتها للتغيير في مصر، كما أدى ضعف التمويل إلى تقليص حجم أنشطتها، وحد من قدرتها على تغطية احتياجاتها فضلا عن احتياجات المعتقلين وأسرهم. وساهمت الخبرة الواسعة لأجهزة الأمن المصرية في تفكيك وتصفية مجموعات الجماعة داخل مصر.
6- نجح التيار الجهادي في إحياء حالة المواجهة بعد القمع الناصري، وتمكن من استغلال الساحات الخارجية في أفغانستان والشيشان والبوسنة في تدريب وتطوير عناصره، وأدت النشأة العسكرية لمجموعات الجهاد إلى دفع بعضها للاستمرار في المواجهة ولو بصورة مختلفة تمثلت في تبني أطروحة تنظيم القاعدة التي وسعت من دائرة التفاعل مع التيار، فتحولت التنظيمات الجهادية من تنظيمات نخبوية تضم بضع مئات أو بضعة آلاف في أحسن الأحوال إلى تنظيمات أممية تضم عشرات الآلاف من الأعضاء وأضعافهم من المؤيدين في أنحاء العالم .
ثانياً: الحالة الجهادية بين ثورة يناير 2011 والانقلاب العسكري 2013
الجهاد، أنصار بيت المقدس، أجناد مصر
1- بقايا جماعة الجهاد
تلاشت جماعة الجهاد داخل مصر بعد اندماج الظواهري وأغلب رفاقه مع القاعدة، ولم ينجح نائبه السابق ثروت صلاح في تجميع شتات بقية العناصر الرافضة للاندماج أو المعارضة للظواهري، وقُبض عليه في إيران بعد رحيله من أفغانستان عقب أحداث سبتمبر. كما تفككت الروابط بين عناصر جماعة الجهاد داخل السجون. وعقب ثورة 25 يناير أفرج المجلس العسكري عن كل المعتقلين وأغلب المسجونين السياسيين ومن ضمنهم الجهاديين. ومر التيار الجهادي بحالة من السيولة التنظيمية فتنوعت توجهات القيادات الجهادية بعد خروجها من السجن، فمنهم من سافر خارج مصر مثل أحمد سلامة مبروك الذي تولى منصبا قياديا في جبهة النصرة بالشام، ومنهم من اتجه لتأسيس حزب سياسي باسم الحزب الإسلامي ليضم قدامى الجهاديين ممن يرون بجواز المشاركة السياسية في ظل المتغيرات الجديدة مثل صالح جاهين ومجدي سالم، ومنهم من اهتم بالعمل الدعوي داخل مصر مثل محمد الظواهري، ومنهم من اهتم بتأسيس مجموعات جديدة مثل (الطليعة السلفية المجاهدة) التي أسسها أحمد عشوش. ومنهم من انضم لجبهة الثورة المضادة مثل نبيل نعيم، ومنهم من اهتم بتصفية حساباته مع رفاقه القدامى من خلال الهجوم الدائم عليهم في الفضائيات والصحف مثل سيد إمام. ولم يلق القبض على أي من العناصر الجهادية سوى في القضية الشهيرة باسم خلية مدينة نصر.
قضية خلية مدينة نصر
ظهرت هذه القضية إلى العلن إثر مداهمة قوات الأمن في 24 أكتوبر 2012 لشقة في عقار بالحي العاشر بمدينة نصر، مما أدى إلى حدوث اشتباك نتج عنه مقتل الجهادي كريم البديوي، فضلا عن احتراق الشقة التي عثرت بداخلها أجهزة الأمن على بقايا صواريخ مضادة للدبابات، وأسلحة، وقنابل. ومن ثم أعلنت القبض على 19 جهاديا على رأسهم الرائد طارق أبو العزم (أحد قادة تنظيم جند الله سابقا) فضلا عن عادل شحتو ومحمد جمال من كوادر جماعة الجهاد سابقا، متهمة إياهم بالتخطيط لشن هجمات داخل البلاد. وهو ما نفاه محمد جمال في التحقيقات معه، إذ أكد على أن هذه الأسلحة كانت تُجلب من ليبيا لإرسالها إلى قطاع غزة. وصدرت عام 2014 أحكام متفاوتة بالسجن المشدد على عناصر هذه المجموعة.
2-الجماعة الإسلامية بعد ثورة يناير
مع اندلاع ثورة يناير 2011، أيد بعض قادة الجماعة مثل عصام دربالة وصفوت عبد الغني والعديد من كوادرها المشاركة في فعاليات الثورة. بينما رفض ذلك آخرون مثل ناجح إبراهيم الذي كتب مقاله الشهير بعنوان “ارحموا عزيز قوم ذل” على موقع الجماعة في 2 فبراير 2011 منافحا فيه عن حسني مبارك. وحدثت اشكالات داخل الجماعة تعود جذورها إلى الموقف من المبادرة، إذ رأى بعض قادتها مثل رفاعي طه أن “مبادرة وقف العنف أطلقتها بعض قيادات الجماعة، مثل ناجح وكرم، ولم تطلقها الجماعة، وأن مرحلة المبادرة كانت تحتاج إلى إدارة أفضل ممن كانوا يديرونها داخل الجماعة، لأنها لم تكن إدارة على المستوى المطلوب”. وفي النهاية انعقدت جمعية عمومية وانتخابات داخلية أسفرت عن انتخاب قيادة جديدة، فتولى عصام دربالة قيادة الجماعة. كما خرج قادة الجماعة المتبقين داخل السجون كعبود وطارق الزمر ورفاعي طه ومصطفى حمزة، وعاد إلى مصر أبرز قادتها بالخارج مثل محمد الإسلامبولي وأسامة رشدي. وبدأت الجماعة تلتئم من جديد خلف قيادتها الجديدة، ومن ثم أسست عام 2011 حزب البناء والتنمية. وفازت بخمسة عشر مقعدا من مقاعد مجلس النواب في انتخابات 2011. وبدأت تعود للمشهد العام بعد غياب طويل، وإن كان تأثيرها تراجع بشكل حاد عن عقود السبعينات والثمانينات نتيجة المدة الطويلة التي قضاها معظم قادتها وأفرادها بالسجون مما أثر على متطلباتهم الحياتية، ولوجود خلافات بينية حول المبادرات وحجم التنازلات المقدم فيها، بالإضافة لضعف القدرة على تجديد دماء الجماعة بعناصر شبابية جديدة. وبرهنت ممارسات الجماعة على أنها كرست قطيعتها مع العمل المسلح داخل مصر.
3- المجموعات الجهادية في سيناء
أدت حملات الاعتقال العشوائي التي طالت الآلاف بسيناء في عهد مبارك إثر حوادث طابا وشرم الشيخ ونويبع وذهب إلى تشكل بيئة ساخطة على الأجهزة الأمنية. ثم جاءت أحداث الثورة لتشهد هروب المعتقلين والمساجين من سجون أبو زعبل والمرج ووادي النطرون والفيوم، ومن ضمنهم مئات الشباب الجهاديين والسيناويين. وواكب ذلك عودة العمليات المسلحة بسيناء مجددا أثناء الثورة كما في حادث الهجوم بالقذائف الصاروخية والأسلحة الرشاشة على مقر جهاز أمن الدولة بمدينة رفح في 29 يناير 2011 مما أسفر عن مقتل 3 من العاملين به، واختطاف مجهولين لثلاثة ضباط وأمين شرطة قرب العريش في 4 فبراير 2011 ليختفوا منذ ذلك الحين.
أفرج المجلس العسكري عام 2011 عقب عزل مبارك عن كافة المعتقلين السياسيين المتبقين في المعتقلات من أبناء سيناء. كما اعتصم أهالي المحكومين بالإعدام والمسجونين في قضية تفجيرات طابا أمام مقر القوات الدولية متعددة الجنسيات، واحتجزوا 25 خبيرا صينيا بالقرب من منطقة لحفن للضغط لإعادة محاكمة أقاربهم، فأصدر المشير طنطاوي في 13 فبراير 2012 قرارا بإعادة محاكمتهم. ومع انهيار مؤسسة الشرطة، وتراجع قبضة جهاز أمن الدولة، وخروج أعداد كبيرة من الجهاديين من السجون، بدأت تظهر بعض المجموعات الجهادية بسيناء مثل مجموعة أحمد زايد وكمال علام (هربا من سجن أبو زعبل أثناء الثورة) التي سعت لإعادة العمل تحت اسم جماعة التوحيد والجهاد. فهاجمت قوة تأمين بنك الاسكندرية بالعريش في 22 يونيو 2011، ثم هاجمت قسم ثان العريش في 29 يوليو 2011 مما أسفر عن مقتل خمسة من عناصر الجيش والشرطة في الحادثين. ومثل جماعة “مجلس شورى المجاهدين – أكناف بيت المقدس” التي تبنت في 16 يونيو 2012 تنفيذ عنصرين -مصري وسعودي- من عناصرها تنفيذ عملية داخل الكيان الصهيوني استهدفت دورية إسرائيلية.
كما شهدت شمال سيناء بضعة حوادث لم تعلن أي جماعة مسؤوليتها عنها، مثل حوادث استهداف كمائن الجيش والشرطة في العريش والشيخ زويد ورفح بشكل متكرر. ومجزرة رفح الأولى التي سقط فيها 16 قتيلا من عناصر الجيش المصري في هجوم على تمركزهم بمنطقة الماسورة قرب مدينة رفح في 5 أغسطس 2012 أعقبه استيلاء المنفذين على مدرعتين حاولوا مهاجمة معبر كرم أبو سالم بهما، ولكن قصفهما سلاح الجو الصهيوني. وهو الحادث الذي أدى إلى إقالة الرئيس محمد مرسي لمدير المخابرات العامة اللواء مراد موافي عقب تصريحه لوكالة الأناضول بأن جهاز المخابرات كانت لديه معلومات مسبقة عن الحادث أبلغها إلى الجهات المختصة، وتبريره لعدم تدخله لإحباط الحادث بأن الجهاز جهة جمع معلومات فقط. ثم تبع ذلك بأيام إقالة وزير الدفاع المشير طنطاوي ورئيس الأركان سامي عنان. وتلي ذلك الحادث شن الجيش للعملية نسر1 في شمال سيناء.
وكذلك وقع حادث اختطاف 7 جنود في 16 مايو 2013 على يد مجموعة مسلحة طالبت بإطلاق سراح المسجونين السياسيين من أهل سيناء. وتلي ذلك الإفراج عن المختطفين بعد أسبوع عقب وساطات من قيادات جهادية وإسلامية. واغتيال النقيب بوحدة مكافحة الإرهاب الدولي بقطاع الأمن الوطني محمد أبو شقرة في العريش بتاريخ 9يونيو 2013 أثناء إشرافه على تتبع المجموعة التي اختطفت الجنود السبعة. ومقتل مفتش الأمن العام بسيناء العميد “محمد هاني” في 29 يونيو 2013 دون التعرف على هوية المنفذين. وفي ظل تلك الأجواء الملتهبة بشمال سيناء كانت جماعة أنصار بيت المقدس من أبرز المجموعات ظهورا، وتمحور نشاطها في استهداف إسرائيل ومصالحها.
– جماعة أنصار بيت المقدس
تعود جذور جماعة أنصار بيت المقدس إلى جماعة التوحيد والجهاد التي شنت عدة هجمات ضد السياح في سيناء خلال الفترة الممتدة من 2004 إلى 2006، ثم نجحت قوات الأمن في تفكيك معظم خلاياها وقتل واعتقال أغلب قادتها وعناصرها. وقد مثلت سجون ومعتقلات مبارك ساحة تعارف اندمج فيها المعتقلون من أبناء سيناء مع غيرهم من معتنقي الأفكار الجهادية، فتوثقت بينهم العلاقات وتبودلت الخبرات وصار للجهاديين السيناويين دوائر معارف ممتدة في كافة أنحاء مصر. كما أدى تدهور العلاقات بين المجموعات السلفية الجهادية في غزة وحركة حماس عقب أحداث مسجد ابن تيمية برفح عام 2009، إلى هروب بعض الجهاديين الغزاويين إلى سيناء، ودخولهم على خط العمل مع الجهاديين السيناويين.
تأسست جماعة أنصار بيت المقدس قبل ثورة يناير، وسعت لتنفيذ أولى عملياتها ضد الجيش الإسرائيلي عام 2010، ولكن حالت الأوضاع الأمنية دون نجاحها في ذلك. وظهرت الجماعة للعلن أول مرة مطلع شهر سبتمبر 2011 عندما تبنت في بيان – نُشر على المنتديات الجهادية- المسؤولية عن تنفيذ هجوم في 18 أغسطس2011 ضد أهداف إسرائيلية بالقرب من مدينة إيلات. ولم يلق البيان كبير تفاعل نظرا لعدم شهرة جماعة بهذا الاسم من قبل. ثم عادت الجماعة للظهور مجددا في يونيو عام 2012 عندما بثت إصدارا مرئيا بعنوان “وإن عدتم عدنا” أعلنت فيه وقوفها خلف عمليات استهداف خط الغاز الواصل الي إسرائيل، وصرحت بأن هدفها يتمثل في ضرب إسرائيل والمصالح اليهودية.
استراتيجية جماعة أنصار بيت المقدس
اعتمدت الجماعة استراتيجية تقوم على استهداف إسرائيل ومصالحها والإعداد لمواجهة النظام المصري في حال عودته للممارسات القمعية، بالتوازي مع تجنب حصر تواجدها داخل سيناء، كي لا تكرر تجربة جماعة التوحيد والجهاد التي سهل انحصارها في سيناء على الأمن تفكيكها وتصفية مجموعاتها. فعملت جماعة الأنصار على توسيع نطاق تواجدها ليشمل بقية المحافظات، فتواصل القيادي بها توفيق فريج مع بعض المعتقلين المفرج عنهم حديثا من السجون، والتقى في أبريل 2011 بالمعتقل المفرج عنه محمد عفيفي. ليتفقا على أن يتولى عفيفي تأسيس مجموعات للجماعة بجميع أنحاء البلاد عدا سيناء ومدن القناة، على أن يتمثل دور تلك المجموعات في:
– تخفيف العبء عن الجماعة بسيناء إن دخلت في صدام مع الأجهزة الأمنية من خلال تنفيذ عمليات خارج سيناء.
– تقديم الدعم اللوجيستي للجماعة في سيناء بتوفير أماكن لإخفاء عناصرها حال تواجدهم خارجها.
– توفير عناصر للجماعة في مجال الإعلام.
بدأ محمد عفيفي بمعاونة رفيقيه المعتقلين السابقين محمد بكري ومحمد الطوخي في إنشاء خلايا الجماعة. ونجحوا خلال الفترة الممتدة من عام 2011 إلى عام 2013 في تأسيس عدة مجموعات بنطاق 11محافظة، فضلا عن تأسيس 8 مجموعات نوعية (للتنفيذ، والرصد والتتبع، والإعداد والتجهيز، والإيواء، والدعم اللوجيستي، والإعلام، والاستقطاب).
التسليح والخبرات العسكرية
نظرا لتبني الجماعة لاستراتيجية طويلة الأمد للإعداد، فلم تكتف بتسليح عناصرها بالأسلحة المتوافرة داخل مصر، بل عملت على استيراد وتخزين أكبر قدر ممكن من الأسلحة النوعية من تجار الأسلحة بليبيا والسودان. أما عسكريا فقد استفادت الجماعة من الخبرات التي اكتسبها بعض عناصرها من خلال مشاركتهم في الثورة السورية، ومن خلال التدرب بمعسكرات القاعدة باليمن. فضلا عن خبرات مجموعة من ضباط الجيش مثل:
1- هشام عشماوي: رائد بسلاح الصاعقة، من القاهرة، أحيل عام 2012 للمعاش لأسباب طبية، وهو المتهم التاسع في قضية أنصار1.
2- عماد الدين عبد الحميد: نقيب بسلاح الصاعقة، من الاسكندرية، أحيل للعمل المدني بقرار جمهوري لدواعي أمنية إثر اعتناقه للفكر الجهادي، وهو المتهم العاشر في قضية أنصار1.
3- وليد بدر: رائد خدم بالشئون الإدارية، من مركز قويسنا بمحافظة المنوفية، فُصَل من الخدمة عام 2005 لميوله الدينية، وشارك بالقتال في أفغانستان والشام.
انتقال توفيق فريج للعمق المصري
مع ازدياد وتيرة أنشطة الثورة المضادة مطلع عام 2013، واستشراف الجماعة لاحتمال الإطاحة بحكم د. محمد مرسي، ودخول البلاد لآتون صراع دموي، انتقل توفيق فريج خارج سيناء (ليشرف بشكل مباشر على إدارة خلايا الجماعة في العمق المصري).
ومن أبرز العمليات التي نفذتها الجماعة في سيناء وفلسطين المحتلة قبل الانقلاب
1-عملية إيلات– غزوة أم الرشراش الكبرى:
هاجم فريق يتكون من عشرة عناصر من الجماعة بتاريخ 18 أغسطس2011 حافلة ركاب وعربات عسكرية بإطلاق النيران والقذائف الصاروخية والعبوات الناسفة مما أسفر عن مقتل 8 إسرائيليين وإصابة 40 آخرين وفقا لاعترافات الجيش الإسرائيلي. ومن اللافت في تلك العملية أن من بين منفذيها السوداني الطاهر الطيب. وتلك العملية التي نتج عنها قتل الجيش الإسرائيلي لأربعة من عناصر الجيش المصري أثناء مطاردته لمنفذي الحادث، مما أدى إلى اقتحام المواطنين لمقر السفارة الإسرائيلية بمحافظة الجيزة أثناء مظاهرة عارمة في سبتمبر 2011.
2- عملية العوجة (غزوة التأديب لمن تطاول على النبي الحبيب)
هاجم ثلاثة من عناصر الجماعة دورية إسرائيلية جنوب معبر العوجة في 21سبتمبر 2012 مما أسفر عن مقتل 8 جنود إسرائيليين وفقا للجماعة، بينما اعترفت إسرائيل بمقتل جندي واحد وإصابة ثلاثة آخرين.
3- استهداف حافلة قرب مدينة إيلات
استهدف عناصر الجماعة حافلة صهيونية بنيران رشاش بيكا في 22 يوليو 2012 مما أدى إلى إعطاب الحافلة، بينما أكدت إسرائيل عدم وقوع خسائر.
4- قصف إسرائيل بالصواريخ
– تبنت الجماعة إطلاق صاروخين جراد على إيلات في 15 أغسطس 2012.
– أصدرت الجماعة في 20 نوفمبر 2012 بيانا تبنت فيه إطلاق صواريخ لم تحدد عددها على مدينة إيلات في الأيام السابقة، ردا على الاعتداءات الإسرائيلية على غزة آنذاك.
5- استهداف خط الغاز الواصل لإسرائيل
– فجرت الجماعة خط الغاز الواصل لإسرائيل 13 مرة مما أدى إلى اتخاذ المجلس العسكري قرارا بإيقاف تصدير الغاز الطبيعي إلى إسرائيل. ثم أعلنت الجماعة استهدافها الخط مجددا بالتفجير للمرة الرابعة عشر في 22 يوليو 2012 إثر معاودة المجلس العسكري سرا ضخ الغاز لإسرائيل.
6- استهداف عملاء الموساد
إثر استهداف المصالح الإسرائيلية، اغتال الموساد في 26 أغسطس 2012أحد أبرز قادة جماعة أنصار بيت المقدس إبراهيم عويضة. وتمكنت الجماعة من اكتشاف الشبكة المنفذة للاغتيال عقب ثلاثة أيام من وقوعه. وتصفية أحد عناصرها الجاسوس منيزل سلامة.
ومن خلال ما سبق يتضح أن الجماعات الجهادية القديمة لم تعد فاعلة في المشهد الجهادي، إما لاندماجها مع غيرها وتغير استراتيجيتها كجماعة الجهاد، أو لتبنيها مراجعات فكرية وتغييرها لنهجها كما في حالة الجماعة الإسلامية. ولم تشهد مصر زخما للعمليات المسلحة من قبل الجهاديين خلال الفترة الممتدة من ثورة يناير إلى الانقلاب العسكري. وتركز نشاط المجموعات الجهادية على استهداف المصالح الصهيونية انطلاقا من سيناء، ونشر أفكارها عبر استثمار مرحلة الحرية والانفتاح التي تلت الثورة، مع شراء وتخزين الأسلحة، وتدريب العناصر استعدادا لبدء مرحلة جديدة في حالة تغير الأوضاع السياسية بالبلاد.
ثالثاً: التجربة الجهادية الثانية بعد الانقلاب العسكري
عقب الانقلاب العسكري اعتقلت الأجهزة الأمنية أغلب من تواجدوا بمصر من القيادات الجهادية السابقة كمحمد الظواهري ومرجان سالم وأحمد عشوش وثروت صلاح. ودخلت جماعة أنصار بيت المقدس في صراع عنيف مع الجيش والشرطة، ثم سرعان ما انشطرت إلى مجموعتين الأولى وهي الأكبر بايعت تنظيم الدولة الإسلامية وتحول اسمها إلى ولاية سيناء بينما الثانية رفضت المبايعة وأعلن قائدها هشام عشماوي عن تشكيل جماعة جديدة باسم المرابطين. كما ظهرت تنظيمات أخرى مثل أجناد مصر، وكتائب الفرقان، وكتائب أنصار الشريعة، وجند الإسلام، وأنصار الإسلام. وسأستعرض أبرز ملامح تجارب تلك التنظيمات في الفقرات القادمة.
1-جماعة أنصار بيت المقدس (بعد الانقلاب)
استعدت الجماعة مثلما سبق ذكره لسيناريو عودة المؤسسة العسكرية لحكم البلاد مجددا. واعتمدت استراتيجيتها بعد الانقلاب على التصعيد المتدرج للعمليات في سيناء لأنهاك الجيش والشرطة وتحطيم معنوياتهما، بدءا من الهجمات البسيطة مثل اغتيال عناصر الأجهزة الأمنية وصولا إلى العمليات المعقدة من قبيل الهجوم على كمائن الجيش، والسيطرة عليها، والاستيلاء على الأسلحة والذخائر الموجودة بها، بالتوازي مع استهداف المصالح الاقتصادية للنظام من قبيل تفجير خط الغاز الواصل إلى مصانع الإسمنت التابعة للجيش، وخط تصدير الغاز إلى الأردن فضلا عن استهداف السياح الأجانب.
أما استراتيجية العمليات خارج سيناء فقد اعتمدت على استهداف مراكز القيادة والسيطرة مثل مديريات الأمن ومقرات المخابرات الحربية بالتوازي مع اغتيال كبار المسئولين الأمنيين، ونشر حالة من الارتباك الأمني والفوضى من خلال استهداف العديد من ارتكازات الشرطة الثابتة، ضمن مخطط لإضعاف القبضة الأمنية التي تسحق الفعاليات السلمية المناهضة للانقلاب، وسعيا لتحويل حالة الغضب الشعبي الرافضة لما حدث من مجازر خلال فض اعتصامي رابعة والنهضة إلى حالة جهادية عارمة تتمكن بالتدريج من السيطرة على مقرات الشرطة ومعسكرات الجيش لتقيم نظام حكم إسلامي.
هاجمت الجماعة الجيش المصري بشكل مباشر لأول مرة في بيان أصدرته في 9 أغسطس 2013 متهمة إياه بالتنسيق مع الجيش الإسرائيلي في قصف مجموعة من عناصرها مما أسفر عن مقتل 4 منهم، وقالت إن (الخيانة في الجيش المصري والعمالة لليهود والأمريكان أصبحت أمرا واضحا، فما عاد جيشا لحماية حدود البلاد وقتال أعدائها، بل أصبح جيشا مهمته حماية حدود اليهود، وتحقيق المصالح الأمريكية واليهودية). وكان ذلك البيان بمثابة إعلان الجماعة للحرب على قوات الجيش والشرطة. وسأستعرض عمليات الجماعة بالدراسة والتحليل عبر تقسيمها مكانيا إلى قسمين:
الأول: العمليات في سيناء وفلسطين المحتلة بعد الانقلاب
1- محور تنفيذ هجمات ضد أهداف إسرائيلية: 
حرصت الجماعة إثر وقوع الانقلاب العسكري وعزل د. محمد مرسي عن الحكم في 3 يوليو 2013 على التأكيد على استمرارها في نهج استهداف المصالح الإسرائيلية، فتبنت قصف مدينة إيلات بصاروخين جراد في 4 يوليو 2013 قائلة في بيان تبني الحادث (وفي هذا المقام فإننا نعلم اليهود أن هجماتنا عليهم وجهادنا لهم لن يتوقف لأي ظرف من الظروف، وأن الأوضاع في مصر والتي لليهود اليد الطولى في التحريض عليها لن توقف عجلة الجهاد أبدا). كما نفذت 7 عمليات قصف صاروخي على أهداف إسرائيلية في عام 2014 بمفرده.
2- محور استهداف قوات الجيش والشرطة:
عقب الانقلاب وقمع المظاهرات السلمية وارتكاب الجيش والشرطة مجازر بحق المدنيين، حولت جماعة أنصار بيت المقدس سيناء إلى ساحة عمليات عسكرية وأمنية، ومزجت بين تكتيكات حرب المدن وحروب العصابات، فاستهدفت قوات الشرطة والجيش بشكل تصاعدي عبر إطلاق النيران والقنص وتفجير العبوات الناسفة والسيارات المفخخة والاغتيالات واقتحام منازل عناصر الشرطة مرورا بقصف معسكرات الجيش والشرطة بالصواريخ وقذائف الهاون، وصولا إلى إسقاط مروحية عسكرية بصاروخ محمول على الكتف في 25يناير 2014 مما أسفر عن مقتل طاقم المروحية بالكامل المكون من 5 أفراد. وفي 24 أكتوبر2014 شنت الجماعة أكبر هجماتها على حاجز كرم القواديس بالعريش، وقوات الدعم التي حاولت نجدة الحاجز مما أسفر عن مقتل 30 من عناصر الجيش وإصابة العشرات على رأسهم قائد عمليات الجيش الثاني اللواء خالد توفيق، فضلا عن الاستيلاء على أسلحة أفراد الكمين بالكامل. كما اعتاد عناصر الجماعة على نصب نقاط تفتيش على الطرق بشرق العريش وجنوب الشيخ زويد وجنوب رفح.
كمين نصبته الجماعة على طريق رفح العريش الدولي
3- محور استهداف المصالح الاقتصادية لنظام السيسي:
أعلنت الجماعة مطلع عام 2014 تدشينها لسياسة استهداف المصالح الاقتصادية للجيش ونظام السيسي ردا على ممارسات الجيش في سيناء من (هدم وحرق للبيوت السكنية وتجريف للمزارع وترحيل قصري للأهالي). ومن ثم نفذت الجماعة عدة عمليات مثل تفجير خط الغاز الواصل إلى مصانع الإسمنت التابعة للجيش بوسط سيناء في 19 يناير 2014، وتفجير خط الغاز الواصل إلى الأردن في 28 يناير 2014، واستهداف حافلة بمدينة طابا تقل سياحا من كوريا الجنوبية في 16فبراير 2014 بواسطة تفجير أحد عناصرها لنفسه على باب الحافلة مما أسفر عن مقتل 3 سياح بالإضافة إلى سائق الحافلة.
الثاني: عمليات الجماعة خارج سيناء بعد الانقلاب العسكري
1 – محور استهداف مراكز القيادة والسيطرة
فجرت الجماعة 7 سيارات مفخخة في مباني مديريات أمن جنوب سيناء والدقهلية والقاهرة، ومقري المخابرات الحربية بالإسماعيلية وأنشاص الرمل بالشرقية، ومعسكري قوات الأمن والأمن المركزي بالسويس والاسماعيلية، مما أسفر عن مقتل 23 ضابطا وجنديا وإصابة المئات. وقد تضمنت تلك العمليات تفجير عضوين من الجماعة نفسيهما بسيارات مفخخة في حادثتي تفجير مديريتي أمن الدقهلية وجنوب سيناء، بينما في بقية العمليات وُضعت سيارات مفخخة قرب الأهداف، وفُجِرت عن بعد:
إمام مرعي مفجر مديرية أمن الدقهلية محمد السواركة مفجر مديرية أمن جنوب سيناء
كما حاولت الجماعة تفجير قسم أول مدينة نصر، والتمركزات الأمنية بشارعي النصر ويوسف عباس بمدينة نصر بثلاث سيارات مفخخة، ولكن حالت أعطال بالدوائر الكهربية من انفجارها. كما حاول عناصر الجماعة إطلاق قذائف (أر بي جي) على مبنى تابع لوزارة الدفاع أمام طيبة مول انطلاقا من مقابر الكومنولث القريبة منه. ولكن حال اكتشف حراس المقابر لهم من تنفيذ العملية. كما أحبطت الأجهزة الأمنية مخططات لاستهداف مديريات أمن الجيزة والشرقية والقليوبية والغربية والاسكندرية. فضلا عن فشل مخطط قصف مدينة الإنتاج الإعلامي ومقر جهاز الأمن الوطني بمدينة 6 أكتوبر بصواريخ الكاتيوشا نظرا لانفجار المخزن الموجود به الصواريخ بمحافظة الشرقية.
جدول يوضح الخط الزمني لعمليات استهداف المقرات الأمنية بسيارات مفخخة
التاريخ | أكتوبر2013 | نوفمبر2013 | ديسمبر2013 | يناير2014 |
عدد العمليات | 2 | – | 3 | 2 |
2- محور اغتيال وتصفية الشخصيات المؤثرة في الأجهزة الأمنية
– استهداف موكب وزير الداخلية اللواء محمد إبراهيم بسيارة مفخخة يقودها ضابط الجيش السابق وليد بدر في 8سبتمبر2013 مما أسفر عن تحطم سيارة الوزير في أول حادث من نوعه عقب أحداث فض اعتصامي رابعة والنهضة.
– اغتيال المقدم بقطاع الأمن الوطني محمد مبروك في 17 نوفمبر 2013، ومدير المكتب الفني لوزير الداخلية اللواء محمد السعيد في 28يناير 2014 بإطلاق النار على سيارتهما.
كما سعت الجماعة لاغتيال المستشار أحمد الزند، واغتيال مدير المخابرات العامة اللواء محمد فريد التهامى أثناء زيارته لوالدته بمستشفى الجلاء العسكري، ولكن حال القبض على عضو الجماعة أحمد شعبان من تنفيذ العملية.
3- محور استهداف ارتكازات ودوريات الشرطة والجيش
خلال الفترة الممتدة من أغسطس 2013 إلى سبتمبر 2014 استهدف التنظيم بعبوات ناسفة كميني مسطرد بالدائري وباسوس بالقناطر الخيرية. وأطلق عناصره النار على 11 ارتكاز أمني على الأقل. وهم (باسوس بالقناطر الخيرية، ميراج سيتي بالقاهرة الجديدة، نقطة تفتيش الجرايدة بكفر الشيخ، نقطة شرطة النزهة الجديدة، كمين الجامعة بمدينة المنصورة، نقطة الشرطة العسكرية بمسطرد، دورية جيش بالفرافرة، وحدة عسكرية بالفرافرة، دورية شرطة بالضبعة، حافلة أفراد تابعة للجيش بالأميرية بالقاهرة، دورية مشتركة للجيش والشرطة قرب مدينة بدر). فضلا عن الاشتباك مع قوات الأمن أثناء مداهمتها لعناصر التنظيم بالمرج وبرج العرب وعرب شركس ومدينة قها مما أسفر عن مقتل 56 من أفراد الشرطة والجيش وإصابة المئات.
4- محور استهداف الأقلية النصرانية
إطلاق النيران على كنيسة العذراء والملاك ميخائيل بمنطقة الوراق في20/10/2013 مما أسفر عن مقتل 5 أشخاص وإصابة 16 آخرين. فضلا عن استيلاء عناصر الجماعة على عدة سيارات من مواطنين نصارى أثناء عودتهم من التظاهرات المؤيدة للسيسي أو إثر انتظارهم أمام الكنائس ثم مطاردتهم وتوقيفهم بالقوة. وكذلك استهداف محلات الذهب المملوكة لمواطنين نصارى كما في حادث السطو المسلح على محل “إسكندر واصف” للمشغولات الذهبية بكفر الشيخ.
تفكك التنظيم خارج سيناء
بالرغم من الضربات القوية التي وجهها التنظيم إلى الأجهزة الأمنية، إلا أنها نجحت في اكتشاف معظم خلاياه خارج سيناء خلال مدة وجيزة لم تتجاوز تسعة شهور. إذ بدأ التنظيم عملياته المسلحة في 24 يوليو 2013 بتفجير عبوة ناسفة صغيرة الحجم بجوار مديرية أمن الدقهلية، وتوقفت عملياته الكبرى بالعمق المصري عقب حادثة عرب شركس في مارس 2014.
امتلكت الأجهزة الأمنية عددا من الخيوط تمكنت عبرها من اكتشاف التنظيم من أبرزها احتراق مزرعة عضو التنظيم محمد الشاذلي بمنطقة العادلية ببلبيس بتاريخ 24أكتوبر2013. وعندما حضرت قوات الأمن لتفقد المزرعة عثرت على بقايا متفجرات وأسلحة وصواريخ. وبدأ الأجهزة الأمنية رحلة البحث عن صاحب المزرعة إلى أن قبضت عليه بمدينة قها بالقليوبية في 21نوفمبر 2013 برفقة عضو التنظيم أحمد عبد الرحيم عقب اشتباك مسلح أسفر عن مقتل نقيب بقوات الأمن المركزي، وإصابة عبد الرحيم برصاصة في ساقه.
ومن خلال التحقيق معهما تمكنت الأجهزة الأمنية من التعرف على عدد من أعضاء الجماعة، وبدأ تساقطهم في يد الأمن تدريجيا. فألقي القبض في شهري نوفمبر وديسمبر 2013 على قياديي التنظيم محمد بكري ومحمد عفيفي. ثم نجح الأمن بتاريخ 11مارس 2014 في قتل القائد الجديد للتنظيم بالقاهرة محمد الطوخي في اشتباك بجسر السويس، وفي نفس اليوم قُتل توفيق فريج في حادث سير انفجرت على إثره قنبلة كان يحملها.
وسعت إحدى أخطر خلايا الجماعة للثأر لمقتل الطوخي فاستهدفت حافلة للجيش في الأميرية في 13مارس2014 مما أسفر عن مقتل وإصابة عدد من ركابها، ثم قتلت 6 جنود في نقطة شرطة عسكرية بمسطرد في15مارس2014. ولكن تمكنت الأجهزة الأمنية من تحديد محل تواجد الخلية بورشة لتصنيع الأخشاب بقرية عرب شركس بالقليوبية فاقتحمتها في 19 مارس 2014. ودارت اشتباكات عنيفة أسفرت عن مقتل عميد وعقيد من خبراء المفرقعات بالجيش فضلا عن مقتل 6 من عناصر الخلية. ومثلت الحادثة الضربة الأمنية الأبرز للجماعة إذ كانت الورشة مقرا لتصنيع المتفجرات وتجهيز السيارات المفخخة.
صورة جماعية لعناصر الجماعة الذين قتلوا باشتباكات عرب شركس
عقب مقتل محمد الطوخي تولى هشام عشماوي مسؤولية خلايا الجماعة بالوادي. وللحفاظ على العناصر المتبقية، خطط عشماوي لإيجاد ملاذ آمن للعناصر المطاردة بإخراجهم من المدن. وقرر فتح جبهة جديدة بالصحراء الغربية لتخفيف الضغط عن الجماعة في سيناء والقاهرة الكبرى. وأثناء الإعداد لذلك حدث اشتباك في 1يونيو2014 بين مجموعة من الجماعة ودورية جيش بالفرافرة قتُل خلاله خمسة من عناصر الدورية. ثم أسس عشماوي معسكرا بالواحات بلغ عدد المتواجدين به 40 عنصرا. ومن ثم بدأوا انطلاقا من المعسكر في تنفيذ عملياتهم بالصحراء الغربية فهاجموا نقطة تابعة للكتيبة 14 حرس حدود بالفرافرة، وأبادوها بالكامل في 19 يوليو2014.
أصيب هشام عشماوي في الهجوم الأخير، وغادر إلى ليبيا للعلاج مع بعض رفاقه تمهيدا للعودة مجددا إلى مصر. بينما هاجمت مجموعة أخرى من عناصر معسكر الواحات سيارة شرطة بالضبعة وقتلت ركابها الخمسة في 5أغسطس 2014. وتمكن الأمن لاحقا من العثور على المجموعة المنفذة للحادث بمنطقة جبلية قرب طريق (العين السخنة – القطامية) وقتل 7 من عناصرها في10سبتمبر 2014. ومثلت تلك الحادثة الضربة الأمنية الثانية الأبرز للجماعة بعد حادثة عرب شركس، وقد عقد وزير الداخلية يوم 14سبتمبر 2014 مؤتمرا صحفيا أعلن فيه تصفية المجموعة، وتوقفت بعد ذلك عمليات الجماعة خارج سيناء مؤقتا .
مبايعة أنصار بيت المقدس لتنظيم الدولة الإسلامية
ظلت جماعة الأنصار تعمل كجماعة مستقلة، وإن كانت تكثر في إصداراتها من إيراد مقتطفات من كلمات رموز تنظيم القاعدة. وفي أكتوبر 2013 بثت الجماعة إصدارا بعنوان “غزوة الثأر لمسلمي مصر- استهداف وزير الداخلية المصري” أوردت فيه مقتطفات من كلمات د.أيمن الظواهري وأبي محمد العدناني الناطق الرسمي باسم تنظيم الدولة الإسلامية. ثم في ديسمبر 2013 نشرت الجماعة ضمن إصدارها المرئي “وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة 2 ” مقتطفا من كلمة للعدناني يؤكد فيها على ردة الجيش المصري. وبمرور الوقت قلت اقتباسات الجماعة في إصداراتها من كلمات الظواهري، بينما زادت اقتباساتها من كلمات العدناني. ثم بدأت المغازلات المتبادلة بين الجماعة والتنظيم تظهر جلية في إصداراتهما الإعلامية، فأصدر تنظيم الدولة الإسلامية إصدارا مرئيا في ديسمبر 2013 بعنوان “رسالة إلى أهل سيناء ومصر” قال خلاله أحد أعضاء التنظيم (معكم إخوانكم بقلوبنا ورجالنا، وبما نستطيع أن نمدكم به.. فنحن وأنتم واحد بإذن الله). وعلى نفس المنوال قال قيادي الجماعة أبو أسامة المصري في خطبته لعيد الفطر عام 1435 هجريا أي في منتصف عام 2014 (اللهم انصر إخواننا في دولة الإسلام.. اللهم افتح لهم بغداد، وافتح لهم باقي البلاد، وافتح لهم قلوب العباد). ثم نوهت جماعة الأنصار في إصدار مرئي نشرته في 18أغسطس 2014 بعنوان “أيها الجندي” إلى أنها ستنشر فيديو لهجوم الفرافرة تحت عنوان “صولة الأنصار” ولكنها لم تنشر ذلك الفيديو.
ثم أصدرت الجماعة بيانا مكتوبا في 3 نوفمبر 2014 تعلن فيه عن بيعتها لأبي بكر البغدادي كخليفة للمسلمين. وفي اليوم التالي نفي الحساب الرسمي للجماعة على تويتر صدور البيان، ثم صدر بيان صوتي للجماعة في 10 نوفمبر يؤكد البيعة. وأعُلنت بالتزامن مع بيعة جماعة الأنصار بيعات من مجموعات جهادية أخرى بليبيا والجزائر واليمن والجزيرة العربية، ليعلن البغدادي في إصدار صوتي في 13 نوفمبر 2014 قبوله لجميع تلك البيعات، وإلغاء اسم الجماعات التي بايعته وإعلان ولايات جديدة للدولة الإسلامية، وتعيين ولاة عليها. ولاحقا نشرت الجماعة في 14 نوفمبر 2014 فيديو بعنوان “صولة الأنصار- ولاية سيناء” يضم عدة عمليات من أبرزها الهجوم على كمين كرم القواديس ولم تنشر فيديو لعملية الفرافرة.
إعلان البيعة ثم نفيها ثم تأكيدها كشف عن وجود خلافات داخل الجماعة حول مبايعة تنظيم الدولة، إذ ظهر أن جناح الجماعة في سيناء وهو الجناح الأكثر ثقلا وتماسكا يقف خلف البيعة بينما انشقت خلايا الوادي إلى مجموعتين الأولى وافقت على المبايعة وقادها أشرف الغرابلي، والثانية وهي الأبرز رفضت المبايعة بقيادة مسؤول الجماعة بالوادي هشام عشماوي. وتأكدت تلك النزاعات الداخلية لاحقا بإعلان انتشر على المنتديات الجهادية كشف عن تأسيس جماعة جديدة اسمها “المرابطون” عقب شهرين من إعلان تأسيس ولاية سيناء. ثم ظهر لاحقا “هشام عشماوي” القائد العسكري المشرف على تنفيذ عملية الفرافرة في رسالة صوتية بعنوان (ويومئذ يفرح المؤمنون) بتاريخ 21يونيو2015 معلنا فيها عن نفسه كأمير لجماعة “المرابطين” مع تضمين الشريط مقدمة من كلمة لأيمن الظواهري في إشارة ضمنية إلى ولاء المرابطين للقاعدة لا لتنظيم الدولة. وهو ما يفسر عدم نشر جماعة الأنصار لشريطها المنتظر عن عملية الفرافرة، إذ لم يكن مناسبا بث إصدار لعملية كبيرة قادها عشماوي، بينما هو ترك العمل مع الجماعة لرفضه بيعتها لتنظيم الدولة.
تحليل الخط الزمني لعمليات الجماعة خارج سيناء:
يلاحظ أن عمليات الجماعة خارج سيناء تصاعدت منذ الانقلاب ثم توقفت في فبراير 2014 عقب سقوط العديد من الخلايا بيد الأمن، ثم عادت في شهر مارس على يد خلية عرب شركس ثم توقفت بعد تصفية الخلية، ثم حدثت عمليات بالمنطقة الغربية بدءا من شهر 6 عام 2014 وتوقفت بعد رحيل عشماوي لليبيا وتصفية مجموعة أحمد السجيني بطريق القطامية – العين السخنة في سبتمبر 2014.
التاريخ | 7/2013 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 1/2014 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 |
عدد العمليات | 1 | 4 | 3 | 4 | 1 | 3 | 3 | – | 2 | – | – | 1 | 1 | 1 |
جدول يوضح الخط الزمني لعمليات جماعة أنصار بيت المقدس ضد الجيش والشرطة خارج سيناء خلال الفترة الممتدة من يونيو 2013 إلى أغسطس2014
تحليل بيانات عناصر الجماعة
التحليل الديموغرافي:
سيقتصر تحليل بيانات عناصر الجماعة على تحليل بيانات 200متهم في قضية أنصار بيت المقدس رقم (423/2013) والشهيرة بأنصار (1) نظرا لأن القضية الأخرى الأبرز أنصار (3) تضم خليطا من أعضاء ولاية سيناء وجماعة المرابطين، بينما قضية أنصار (2) تضم عددا محدودا من الأفراد.
متوسط السن= 28 سنة.
التوزيع الجغرافي:
60 القاهرة، 27 الإسماعيلية، 24 شمال سيناء، 22 الشرقية، 18 الجيزة، 15 الدقهلية، 7 كفر الشيخ، 6 القليوبية، 5 الإسكندرية، 4 بورسعيد، 4 بني سويف، 2 الفيوم، 1 مرسى طروح، 1 الغربية، 1 البحيرة، 2 فلسطين.
المهن: 15 مزارع، 14 مهندس، 13 طالب جامعي، 11 عامل، 9 تاجر، 7 مديرين وأصحاب شركات، 7 سائق، 6 موظف، 6 أصحاب محلات، 5 طبيب بشري، 4 مدرس، 3 صيدلي، 3 مشرف مقاولات، 2 دكتور جامعي، 2 ضابط جيش، 1(مساعد جيش، ضابط شرطة، بيطري، جزار، مسعف، مبيض محارة، خياط، سباك، نقاش، فني اتصالات، أخصائي تحاليل، إمام مسجد، مبرمج حاسب آلي، محاسب).
ويلاحظ من تحليل البيانات السابقة غلبة العنصر الشبابي على الجماعة إذ يبلغ المتوسط العمري لعناصرها 28 سنة، ويتمركز وجودهم بالقاهرة والإسماعيلية وشمال سيناء والجيزة. مما يفسر وقوع أغلب العمليات بنطاق هذه المحافظات. أما كثرة عدد المزارعين بالجماعة فيعود لوجود خلية بمركز الحسينية بالشرقية يعمل أغلبها بالزراعة، ويلاحظ غلبة الطلبة والعاملين بالمهن الحرة على عناصر الجماعة وقلة عدد الموظفين.
تحليل تجربة جماعة أنصار بيت المقدس
الاستفادة من التجارب السابقة:
عملت الجماعة على تجنب نقاط الضعف التي سهلت تفكيك جماعة التوحيد والجهاد. فحرصت في بداية تأسيسها على تجنب الدخول في صراع مبكر مع الأجهزة الأمنية، وسعت لبناء أذرع لها بالمحافظات لمنع تركز جهود الأمن على سيناء في حالة اندلاع صدام بين الطرفين.
الاستفادة من الأوضاع الإقليمية:
نجحت الجماعة في الاستفادة من انتعاش التيار الجهادي عقب اندلاع ثورات الربيع العربي، فبنت شبكات لتهريب الأسلحة والأفراد عبر الحدود، وضمت إلى صفوفها عناصر مصرية من الوادي، وعناصر جهادية من خارج مصر. كما امتلكت أسلحة نوعية من قبيل الصواريخ المضادة للطائرات وصواريخ جراد وكاتيوشا ومدافع الهاون.
الاستراتيجية والتكتيك:
تبنت الجماعة استراتيجية طويلة الأمد للإعداد والمواجهة. واتسم أداءها التكتيكي بالاحترافية العالية، وركزت على استهداف مراكز ثقل النظام عندما بدأت صراعها معه.
اتساع النطاق الجغرافي للعمليات:
تمكنت الجماعة من مد نطاق عملياتها ليشمل قرابة عشر محافظات مما أرهق الأجهزة الأمنية، وهو ما لم يحدث في التجارب الجهادية السابقة في مصر، فضلا عن تخطي الأحداث في سيناء نمط المواجهة الأمنية إلى نمط المواجهة العسكرية وحروب العصابات الذي تستخدم فيه الطائرات والمدفعية والأسلحة الثقيلة.
المناعة الأمنية للجماعة:
لم تتمكن الأجهزة الأمنية من اختراق صفوف الجماعة وتفكيك خلاياها قبل تنفيذ العمليات. بل حدث العكس فنجحت الجماعة في اختراق الأجهزة السيادية وتجنيد بعض ضباط الجيش والشرطة للعمل في صفوفها.
الخطاب الإعلامي:
تبنت الجماعة قبل الانقلاب خطابا ركز على قضايا محل قبول شعبي مثل العداء لإسرائيل، ورفض نهب ثروات البلاد، وبعد الانقلاب تبنت خطابا هادئا نسبيا مقارنة بالخطاب الإعلامي الداعشي. كما ركزت على إبراز ممارسات الجيش القمعية، والتأكيد بأن عملياتها تأتي في إطار رد الفعل على ذلك القمع.
العقبات التي واجهت الجماعة
النزاعات الداخلية:
ألهب بريق وجاذبية انتصارات تنظيم الدولة في العراق والشام أعين جناح الجماعة بسيناء، فأعلن مبايعة الجماعة لتنظيم الدولة مما أدى إلى حصول شرخ داخلي في بنية الجماعة، إذ رفضت أغلب المجموعات الأكثر فعالية خارج سيناء بقيادة هشام عشماوي تلك المبايعة، وبذلك فقدت الجماعة قوتها الضاربة بالوادي.
مبايعة تنظيم الدولة الإسلامية:
مثلت البيعة سلاحا ذا حدين، إذ استفادت الجماعة من زخم المبايعة، فصارت مأوى للشباب المتعاطف مع التنظيم الأم، فضلا عن الدعم المالي والبشري المقدم لها من قبله، مما انعكس على تطور مستوى العمليات في سيناء. ولكن حيزتها المبايعة في إطار المتفاعلين مع التنظيم فقط، وحملها عبء خلافاته مع الجماعات الأخرى، وربط مصيرها بمصيره.
رفض جماعة الإخوان للعنف:
ساهم رفض جماعة الإخوان لاستخدام العنف عقب الانقلاب واتهامها لأجهزة الأمن بالوقوف خلفه، في تشكيل حالة رافضة للعنف وسط معارضي الانقلاب، ومتشككة في خلفيات منفذيه، فصارت مجموعات الأنصار بمثابة وقود للأحداث دون أن تملك القدرة على تحويل الحالة الشعبية الرافضة للانقلاب إلى حالة جهادية عامة متعاطفة وداعمة للتيار الجهادي عموما أو الجماعة تحديدا.
التماسك المجتمعي وضعف الحاضنة الشعبية:
مثل تماسك المجتمع المصري طائفيا ومذهبيا، وقوة سيطرة الدولة على المحافظات المركزية، والطبيعة الجغرافية للوادي التي تقلل من القدرة على المناورة وإقامة معسكرات للتدريب ومقرات للإعاشة عقبات أمام تمدد الجماعة، كما أدى ضعف الحاضنة الشعبية للجماعة خارج سيناء إلى صعوبات حالت بين الجماعة وبين تعويض خسائرها وضم عناصر جديدة.
خبرة الاجهزة الامنية:
ساهمت الخبرة الواسعة لأجهزة الأمن المصرية في تفكيك معظم خلايا الجماعة خارج سيناء بمجرد توقيف بعض عناصرها، ولم تكف شراسة ومقاومة أفراد الجماعة لمحاولات القبض عليهم في منع ذلك.
تداخل التنظيمات الجهادية
قبل أن نتناول بالدراسة ولاية سيناء وجماعة المرابطين، سنتناول بعض التنظيمات الجهادية المرتبطة بجماعة أنصار بيت المقدس، كتنظيم كتائب الفرقان الذي اندمج مع جماعة الأنصار، وتنظيم كتائب الشريعة في أرض الكنانة التابع لجماعة الأنصار، وتنظيم أجناد مصر الذي ترك مؤسسوه العمل مع جماعة الأنصار، وأسسوا تنظيما مستقلا نفذ العديد من العمليات في نطاق محافظتي القاهرة والجيزة.
2-كتائب الفرقان
بعد استبعاد المرشح الرئاسي حازم أبو اسماعيل من سباق الترشح للرئاسة، تخلى الأستاذ الجامعي بكلية الزراعة بجامعة قناة السويس محمد نصر عن خط المشاركة السياسية، وبدأ يستشعر احتمال وقوع انقلاب على الثورة يتعرض خلاله التيار الإسلامي لحملات قمع واسعة. فعمل على تأسيس تنظيم مسلح باسم كتائب الفرقان بمساعدة هاني عامر مسئول حملة دعم ترشيح حازم أبو اسماعيل بالإسماعيلية. ونجحا في تشكيل 4 خلايا بالعريش والإسماعيلية والمعادي والجيزة بلغ تعداد أفرادها 25 عنصرا، واعتمد التنظيم في تدريب وتسليح وتمويل عناصره على علاقات التعاون التي أقامها مع بعض العناصر الفلسطينية بقطاع غزة.
أبرز العمليات
عقب الانقلاب العسكري استهدف التنظيم سفينة شحن صينية بقناة السويس في أغسطس 2013 بقذيفة صاروخية. واستهدف سيارات الجيش والشرطة بالإسماعيلية والصالحية الجديدة بإطلاق النيران عليها في 7 عمليات خلال شهري أغسطس وسبتمبر 2013 مما أسفر عن مقتل 6 ضباط و9 من أفراد وجنود الجيش والشرطة. ثم استهدف التنظيم في 7 أكتوبر 2013 هوائي خاص بمحطة الأقمار الصناعية بالمعادي بقذيفتين “أر بي جي”. وعقب هذه العملية اندمجت كتائب الفرقان مع أنصار بيت المقدس بعد لقاء جمع بين محمد نصر وتوفيق فريج. وكان من ثمار الاندماج تبني جماعة أنصار بيت المقدس تفجير مبنى المخابرات الحربية ومعسكر الأمن المركزي بالإسماعيلية بالرغم من تنفيذ عناصر كتائب الفرقان للعمليتين. واستمر التنظيم في استهداف عناصر الجيش والشرطة فنفذ 7 عمليات أخرى أسفرت عن مقتل 8 من عناصر الجيش والشرطة.
الخطاب الإعلامي:
نشر التنظيم إصدارات قصيرة لعملياته، واستعمل في بياناته المكتوبة خطابا أيديولوجيا مستمدا من أدبيات تيار السلفية الجهادية فعنون بيانه الثاني- الذي تبنى فيه استهداف المجرى الملاحي لقناة السويس – بعنوان” الديموقراطية كفر”. وندد فيه بالسلمية وحرص في بيان تبنيه استهداف القمر الصناعي بالمعادي على تشبيه عناصر الجيش والشرطة بجنود فرعون وهامان الكفرة حسب تعبيراته.
انكشاف التنظيم:
اكتشف الأمن خيوط التنظيم إثر تمكنه في 19نوفمبر 2013 من القبض على عضو التنظيم “محمود حماد” بعد إصابته في اشتباك أعقب محاولة توقيفه في أحد الكمائن بمحافظة الإسماعيلية. ثم حصلت الأجهزة الأمنية على صيد ثمين إثر بدايتها في توقيف عناصر جماعة أنصار بيت المقدس، فألقت القبض على القيادي هاني عامر في 16 ديسمبر 2013، ثم في اليوم التالي داهمت الأجهزة الأمنية في مدينة لإسماعيلية مسكن يقيم به طالب الطب بجامعة قناة السويس وعضو التنظيم عبد الهادي أحمد، وحدث اشتباك أسفر عن مقتله ومقتل نقيب شرطة بالأمن المركزي. ومن خلال فحص الهواتف المحمولة وعشرة أجهزة لابتوب عثر عليها بالمسكن، توصل الأمن لعدد آخر من عناصر التنظيم. ونجحت قوات الأمن لاحقا في الوصول إلى مؤسس التنظيم محمد نصر وقتلته مع 8 من رفاقه بتاريخ 25سبتمبر 2015 في اشتباك بمزرعة بأوسيم بالجيزة.
3- تنظيم أجناد مصر
تعود نشأة التنظيم إلى جهود مؤسسه وقائده همام عطية المولود بسويسرا عام ١٩٨١ لأبوين مصريين. انتقل همام من سويسرا عام 2002 للعمل بالسعودية في تجارة الدواجن، ثم سافر إلى العراق عام 2007 للمشاركة في مواجهة الاحتلال الأمريكي، ثم عاد إلى السعودية لعدم تحبيذه الاشتراك في العنف الطائفي بالعراق.
وعقب اندلاع ثورة يناير عام 2011 عاد همام إلى مصر في نهاية العام، وتواصل مع بعض المجموعات الجهادية بسيناء، وعمل مع صديقه “بلال صبحي” ضمن جماعة “أنصار بيت المقدس” كمختصين في تصنيع المتفجرات، وكادت الشرطة أن تلقي القبض عليهما في كمين على طريق الإسماعيلية القاهرة الصحراوي قرب مدينة الشروق في شهر سبتمبر2012. ولكنهما تمكنا من الفرار عقب اشتباك مع قوة الكمين، وتركا سيارتهما التي عُثر فيها على بطاقاتهما الشخصية وكمية من المتفجرات، فذهب “همام” إلى مدينة العريش فرارا من الملاحقات الأمنية إلى أن حدث الانقلاب منتصف عام 2013 فعاد إلى محافظة الجيزة وشكل تنظيمه الجديد.
اعتمد التنظيم على زعيمه الذي امتلك رصيدا من الخبرات المتنوعة التي اكتسبها من خلال مشاركته في الساحة العراقية، فضلا عن استفادته من علاقاته الموجودة مع بعض المجموعات الجهادية داخل البلاد، بالإضافة إلى الخبرات التي اكتسبها بعض عناصره من خلال عملهم سابقا مع جماعة أنصار بيت المقدس مثل بلال صبحي ومحمد صابر رمضان. وكون همام عدة خلايا بنطاق محافظتي القاهرة والجيزة نفذت نحو 47عملية خلال الفترة الممتدة من 2013 إلى 2015م.
بلال صبحي فرحات همام عطية
منهج التنظيم ومشروعه السياسي
اختلف تنظيم أجناد مصر عن بقية التنظيمات الجهادية الناشئة بعد الانقلاب بحرصه على إبراز منهجه ومشروعه السياسي وبيان علاقته بالجماعات الأخرى، وموقفه من الأنظمة العربية والغرب والأقليات الدينية والثورة والمظاهرات، ويمكن تلخيص منهج ورؤية التنظيم وفقا لتصريحات همام في حوار إعلامي مطول معه في النقاط التالية :
-اختير اسم التنظيم تشبها بلقب جنود مصر في عهد صلاح الدين وقطز، وهو ما يظهر الحرص على الارتباط الواضح بالأحداث الجارية في مصر دون الارتباط بقضايا مركزية أخرى مثل فلسطين التي ارتبط بها اسم جماعة أنصار بيت المقدس.
-العدو الخارجي يعتمد اعتمادا كليا على العدو الداخلي، ويوجهه لضرب أي قوة يحتمل أن تضر باليهود ومن ثم فإن ضرب العدو الداخلي بمثابة ضرب للنظام العالمي.
-الأصل في الشعب أنه مسلم ثبت إسلامه بيقين، والتبرؤ من البدع التي تكفر المسلمين بغير حق ومن الإرجاء، واعتبار الطواغيت ولاة أمر شرعيين.
-أزمة المسلمين الحالية تتمثل في وجود أنظمة تنهب وتستنزف ثروات الشعوب، ولابد من السعي لحدوث تغيير شامل باستعمال القوة مع رفض المشاركة السياسية في ظل أي نظام يجعل التشريع لغير الله.
-وجوب النصح للجماعات الإسلامية الأخرى، وبيان الحق والإنكار على الأخطاء دون التطرق لأشخاص أو كيانات بعينها.
-تأييد ثورة 25 يناير، واعتبار أن المظاهرات وسيلة من وسائل الضغط على النظام خاصة إذا صاحبتها قوة تحميها، وأن المظاهرات السلمية- رغم اعتراض التنظيم عليها- أقل ضرراً من السلبية.
-الأولوية لاستهداف الأجهزة الأمنية باعتبار قتالها من جنس دفع العدو الصائل، والموقف من النصارى مرتبط بموقفهم من المسلمين فإن جنحوا للسلم فلهم البر والقسط.
-الحرص على مخاطبة الناس بما يستوعبونه، مع التركيز على طلاب الجامعات باعتبارهم عماد رئيسي في أي عمل.
الرؤية واستراتيجية العمل ونطاق العمليات:
رأى همام عطية أن مصر تتوافر بها مقومات تساعد على النجاح في مواجهة النظام الإنقلابي، وهذه المقومات تتمثل في: النظام، الشعب، الحالة، الأفراد. (فالنظام في ضعف شديد، وهيبته في أقل حالاتها وجرائمه قد كثرت. والشعب به فئة كبيرة لديها ثأر مع الأجهزة الأمنية. فضلا عن انتشار الجهاد كحالة عامة في العالم الإسلامي. ووجود أفراد على قدر كاف من التجربة والخبرة). ومن ثم عمل تنظيم “أجناد مصر” على شن عمليات ضد الأجهزة الأمنية في نطاق القاهرة الكبرى من خلال استهداف:
- تمركزات قوات مكافحة الشغب التي تقمع المظاهرات في الميادين وأمام الجامعات، وقوات تأمين أقسام الشرطة.
- الأماكن السيادية مثل (قصر الاتحادية، وزارة الخارجية، قصر القبة دار القضاء العالي، مجلس الوزراء).
- ضباط الشرطة والجيش.
وهذه الاستراتيجية بناها التنظيم على تأصيل يتمثل في (اعتبار النظام المصري طائفة ممتنعة يجب قتالها، مع مراعاة وجود فئات أولى بالاستهداف من غيرها كضباط الشرطة، لأنه يتم اختيارهم بعناية وتربيتهم منذ دخولهم كلية الشرطة على العداء للإسلام والتجبر على الشعب واحتقاره، وبالتالي فهم يمثلون العمود الفقري لأجهزة الأمن واستهدافهم يؤثر فيها… أما العسكري فلا قيمة له عند الأجهزة الأمنية ولا تتأثر بمقتله، مع عدم ترك التنظيم استهدافه بالكلية لردعه عن الاستمرار في عمله، ولأنه يتولى تنفيذ الكثير من الجرائم بيده نيابة عن قياداته كضرب الناس وتعذيبهم وسوقهم إلى السجون). وحرص التنظيم على أن يكون خطابه الإعلامي هادئا ملامسا لمعاناة الجماهير، فركز على إبراز معاني القصاص من القتلة، والدفاع عن المظلومين مع الابتعاد عن الخطاب الجهادي التقليدي الذي يركز على دمغ قوات الجيش والشرطة بالردة.
الأطوار الثلاثة لتنظيم أجناد مصر
سنتناول بالبحث والدراسة عمليات تنظيم أجناد مصر وذلك من خلال رصد وتحليل ثلاثة أطوار متتالية مر بها التنظيم:
الأول: منذ تأسيس التنظيم حتى انكشافه، وتمتد هذه المرحلة زمنيا من الانقلاب إلى مايو٢٠١٤.
الثاني: منذ نجاح “همام عطية ” في الفرار من الملاحقات الأمنية، وإعادة بناء خلايا التنظيم حتى مقتله، وتمتد هذه المرحلة زمنيا من يونيو ٢٠١٤ إلى إبريل ٢٠١٥.
الثالث: منذ مقتل مؤسس التنظيم وصولا إلى إعلان الصحف المقربة من الأجهزة الأمنية مقتل القائد الجديد للتنظيم عز الدين المصري، وتفكيك خلايا التنظيم. وتمتد هذه الفترة الزمنية من5 إبريل 2015 إلى عام ٢٠١٦.
الطور الأول: منذ تأسيس التنظيم حتى انكشافه نهاية مايو٢٠١٤
خلال المرحلة الممتدة من بعيد الانقلاب العسكري حتى مايو 2014 نجح همام في تأسيس خليتين وصل مجموع أفرادهما والمتعاونين معهم إلى ٢٠ فرد. وقامت هاتان الخليتان بـ 24 عملية أسفرت عن مقتل (3 ضباط و3 من أفراد الشرطة، ومدني واحد) وإصابة قرابة 100 فرد من ضباط وأفراد الأمن .
جدول عمليات التنظيم في طوره الأول- منذ نوفمبر2013 حتى مايو 2014
التاريخ | 11/2013 | 12/2013 | 1/2014 | 2/2014 | 3/2014 | 4/2014 | 5/2014 |
عدد العمليات | 2 | 1 | 4 | 1 | 4 | 10 | 2 |
تحليل الخط الزمني لعمليات التنظيم في طوره الأول:
نفذ التنظيم أولى عملياته في 20نوفمبر 2013باستهداف كمين عبود بعبوة ناسفة لم تسفر عن وقوع خسائر. ثم تصاعدت عملياته في ذكرى الثورة في يناير، ثم زادت وتيرتها في شهر إبريل لشعور أفراد التنظيم بقرب وصول الأمن لهم. ففي15/4/2014 ألقي القبض على عضو التنظيم ياسر خضير عقب تفجيره عبوة ناسفة بنقطة مرور بشارع الجلاء بالدقي الساعة 7 صباحا أثناء خلو الشارع من المشاة. إذ شك سائق تاكسي فيه أثناء هروبه، وقبض عليه وسلمه للشرطة. والتي سرعان ما نجحت من خلال التحقيق معه في القبض على أغلب أعضاء التنظيم ما عدا همام عطية. وكانت آخر عملية للتنظيم في هذا الطور في 2 مايو 2014 باستهداف سيارة لادا نيفيا بعبوة ناسفة في شارع رمسيس.
ملاحظات على التنظيم في طوره الأول
* توقفت عمليات التنظيم لمدة شهر خلال الفترة ما بين 7/2/2014 إلى 11/3/2014 نظرا لمداهمة الأمن لمنزل “محمد صابر رمضان” بتاريخ 14/2/2014 لكونه مطلوبا في قضية (أنصار بيت المقدس). مما دفع رفاقه لإيقاف عملياتهم وتغيير أماكن إقامتهم خشية من كون المداهمة متعلقة باكتشاف الأمن لهم.
* ضعف قاعدة المعلومات لدى التنظيم، مما دفعه لمطالبة المواطنين في بيانه الثالث بإرسال ما يتوافر لديهم من معلومات عن عناصر الأجهزة الأمنية وسياراتهم إلى حسابه على تويتر. وقد حاول أعضاءه تعويض النقص المعلوماتي بتنفيذ عمليات اتسمت بالمغامرة، إذ تجولوا في الشوارع بحثا عن سيارات أفراد الجيش والشرطة، ومن ثم لصقوا عبوات ناسفة مزودة بمغناطيس أسفل تلكم السيارات وفجروها عقب ركوب أصحابها لها.
* حرص التنظيم على (استخدام عبوات ناسفة صغيرة الحجم محدودة التأثير لتجنب إصابة المدنيين، وعدم استهداف ضباط الشرطة في بيوتهم خشية من إصابة أهليهم وأطفالهم ومراعاة لحرمة البيوت).
* انعدام التسليح، إذ لم يملك أعضاء التنظيم سوى مسدس واحد، فضلا عن ضعف الجانب الأمني لدى أعضاء التنظيم إذ كانوا يعرفون بعضهم البعض، وهو ما أدى لانكشاف التنظيم بمجرد القبض على أحد أفراده.
وتلك النقاط تكشف أن التنظيم بدأ معركته مع النظام الانقلابي في ظل امتلاكه لإمكانات بسيطة على كافة المستويات.
الطور الثاني: منذ إعادة بناء التنظيم يونيو 2014حتى مقتل زعيمه في إبريل ٢٠١٥
بعد نجاح “همام” في الإفلات من قبضة الأجهزة الأمنية، بدأ في ضم عناصر جديدة للتنظيم مع الاستفادة من تجاربه السابقة، إذ حرص على فصل الخلايا الجديدة عن بعضها البعض، بل وفصل أفراد الخلية الواحدة عن بعضهم إن أمكن، وشارك بنفسه في تنفيذ العمليات الجديدة. أوقف همام استعمال تكتيك استهداف السيارات الخاصة بأفراد الشرطة والجيش نظرا لوقوع ضحايا مدنيين في آخر عمليتين بهذا الاسلوب. ونظرا للقمع الأمني لطلبة الجامعات، فقد استهدف التنظيم التمركزات الأمنية في محيط جامعات (القاهرة، عين شمس، حلوان) وكلية طب الأسنان بالقصر العيني، فضلا عن استهداف التمركزات الأمنية قرب الأماكن السيادية مثل قصري الرئاسة في الاتحادية والقبة، ووزارة الخارجية، ومجلس الوزراء، ودار القضاء العالي.
جدول عمليات التنظيم في طوره الثاني منذ يونيو2014 حتى إبريل 2015
التاريخ | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 1 | 2 | 3 | 4 |
عدد العمليات | 1 | – | – | 1 | 3 | 2 | 1 | 5 | 2 | 5 | 1 |
تحليل الخط الزمني لعمليات التنظيم في طوره الثاني
بدأ التنظيم أولى عملياته في 30يونيو 2014 بتفجير عبوتين ناسفتين في خبراء المفرقعات أمام قصر الاتحادية مما أسفر عن مقتل ضابطين وإصابة 12 آخرين. ثم كمن التنظيم بعد هذه العملية لإعادة بناء خلاياه، ثم عاد في 21سبتمبر 2014 بتفجير عبوة ناسفة في تمركز أمني أمام وزارة الخارجية مما أسفر عن مصرع ضابطي شرطة وإصابة 6آخرين، ثم تزايدت عمليات التنظيم في يناير 2015 بمناسبة ذكرى الثورة، وكانت آخر عملية للتنظيم صباح يوم 5إبريل 2015 باستهداف نقطة مرور أعلى كوبري 15 مايو. وبلغ إجمالي عدد العمليات التي قام بها في طوره الثاني 21 عملية أسفرت عن مقتل 6 ضباط وفردي شرطة واثنين من المواطنين فضلا عن إصابة العشرات من ضباط وأفراد الشرطة.
انكشاف التنظيم للمرة الثانية:
تمكن عامل بمقهى من القبض على عضو التنظيم إسلام شحاتة يوم 11/3/2015 أثناء وضعه لقنبلة قرب تمركز أمني بجوار مجلس الوزراء. وقامت إحدى خلايا التنظيم دون تنسيق مع قيادته في 25/3/2015 باستهداف قوات تأمين سفارة الكونغو. فقبض الأهالي على اثنين من منفذي الحادث، ومن خلال التحقيق معهم وصلت الأجهزة الأمنية لمعلومات مهمة عن التنظيم في طوره الجديد. ثم كانت الضربة الأمنية الكبرى من خلال تحديد مكان إقامة “همام عطية” فقتلته الشرطة أثناء مداهمة شقته بتاريخ 5/4/2015 وقبضت على زوجته وأولاده التسعة، وعثرت بداخل الشقة على أسلحة وعبوات ناسفة وجهازي كمبيوتر أعلنت حصولها منهما على معلومات هامة عن بقية أفراد التنظيم. وجدير بالذكر أن زوجة همام أشارت أثناء التحقيق معها بنيابة أمن الدولة إلى أن الأمن اقتحم الشقة وقبض على همام حيّا ثم علمت بمقتله لاحقا. وأصدر فرعي القاعدة بالمغرب الإسلامي وجزيرة العرب بياني نعي لهمام. ووصف مصدر أمني حجم خطورة همام قائلا(إن همام أتعبنا جدا، فهو خبير متفجرات غير عادى، وأمنياته مرتفعة لأقصى درجة، وهو يجيد المناورات والاختباء، كما أنه مدرب على فنون القتال وصناعة الأسلحة والمتفجرات، ونجح في الهروب منا حوالى ١٧ مرة كنا خلالها في طريقنا للقبض عليه، إلا أن حسه الأمني المرتفع أنقذه في آخر لحظة).
ملاحظات على التنظيم في طوره الثاني
* يلاحظ أن التنظيم كان أكثر تعقيدا في طوره الثاني، حيث لم يكن أفراده يعرف بعضهم بعضا، وهو ما جعل أجهزة الأمن آنذاك تعجز عن معرفة هوية أي من المشاركين في استهداف التمركزات الأمنية أمام قصر الاتحادية ووزارة الخارجية ونادي الشمس والألف مسكن، ومن ثم لم يتضمن قرار الإحالة التكميلي المشهور باسم “قضية أجناد2 ” ذكر هذه الحوادث ضمن العمليات التي قام بها التنظيم رغم إعلانه مسئوليته عنها.
* اتسمت عمليات التنظيم في هذا الطور بالتركيز على استهداف الأماكن السيادية والابتعاد عن الاستهداف العشوائي لسيارات عناصر الجيش والشرطة.
* أدى تشديد الأجهزة الأمنية من إجراءاتها التأمينية وفحصها المناطق المحيطة بالتمركزات الأمنية بواسطة خبراء المفرقعات بصورة دورية إلى تمكنها من إحباط عدة عمليات إثر اكتشاف العبوات الناسفة وتفكيكها قبل انفجارها بالرغم من إجراءات التمويه التي استعملها التنظيم لإخفاء عبواته.
الطور الثالث للتنظيم (من إبريل 2015 إلى إبريل 2016)
عقب مقتل همام نعاه التنظيم في بيانه رقم (17) الصادر بتاريخ 9/4/2015 وأعلن اختيار عز الدين المصري قائدا جديدا. وسعى القائد الجديد للتنظيم للملمة صفوفه، وجذب عناصر جديدة من الشباب المنخرط في عمليات مسلحة ضمن مجموعات أخرى غير منظمة، ونفذ التنظيم في طوره الثالث عمليتين:
12يوليو 2015: استهداف تمركز أمني بمنطقة روكسي مما أسفر عن إصابة أمين شرطة، ونتج عن الحادث إقالة مدير أمن القاهرة اللواء “أسامة بدير” لوقوع مشادة بينه وبين وزير الداخلية اللواء “مجدي عبد الغفار” أثناء تفقد الأخير لموقع الحادث.
10أغسطس2015: استهداف نقطة مرور بمصر الجديدة مما أسفر عن مقتل عقيد شرطة.
تصفية التنظيم
نجح الأمن في تصفية مساعد همام الشهير بمالك الأمير عطا- أحمد النجار- مع شخص آخر أثناء مداهمة محل إقامتهما بفيصل في 26 يوليو 2015. وعقب الحادث أصدر التنظيم في 29 يوليو 2015 بيانه الأخير رقم (18) الذي ذكر فيه أن مالك ترك التنظيم منذ فترة. وهو ما يشير إلى حدوث تفكك بالتنظيم نسبيا عقب مقتل همام. وأعلنت الأجهزة الأمنية خلال الفترة الممتدة من 26يوليو2015 حتى 2إبريل 2016 عن تصفية 15 عنصرا من التنظيم – على رأسهم قائده ” عزالدين المصري في 7 مداهمات لتسدل الستار على التنظيم. إذ توقفت عملياته.
التوزيع الديموغرافي لعناصر التنظيم
من خلال التحليل الديموغرافي للبيانات الخاصة بأعضاء التنظيم المحالين للمحاكمة في القضية رقم 103/2014 حصر أمن دولة عليا والبالغ عددهم 45 فرد بالإضافة إلى 15 آخرين أعلنت الداخلية عن تصفيتهم نحصل على النتائج التالية:
متوسط العمر لأفراد التتظيم:30 سنة
التوزيع الجغرافي:
المحافظة | الجيزة | القاهرة | الشرقية | القليوبية |
العدد | 31 | 26 | 2 | 1 |
المهنة: 13 طالب، 8 مهندس، 4 عاطلين ،3 موظفين، 2 سائق، 3 عامل، 1 صيدلي، 1 صاحب ورشة حدادة، 1 صاحب معمل أسنان، 1 تاجر خضروات، 2 مدرس، 1 خراط معادن، 1 صاحب مصنع ملابس، 1 نجار، 1 ترزي، 1 صاحب محل موبايلات.
ومن خلال تحليل بيانات عناصر التنظيم نجد أنهم تمركزوا بالقاهرة والجيزة، وهى الأماكن التي نفذ فيها التنظيم عملياته، ومثل طلبة الجامعات العنصر الأبرز في التنظيم، يليهم المهندسون نظرا لاهتمام التنظيم بتصنيع العبوات الناسفة ومستلزماتها.
تحليل تجربة تنظيم مصر
– نشأ التنظيم على أرضية دفع الصائل، واتسم بحرصه على تجميع أفراده حول القواسم المشتركة، والابتعاد بهم عن النزاعات بين الجماعات الجهادية الأخرى.
-أدى تمركز نشاط التنظيم بنطاق محافظتي القاهرة والجيزة إلى تسليط الأضواء الإعلامية على عملياته بالرغم من محدودية الخسائر الناتجة عنها. كما اتسم عناصر التنظيم بالفاعلية، إذ تمكنوا رغم قلة عددهم من تنفيذ 47 عملية، وهو رقم كبير مقارنة بعدد عناصره.
– استراتيجية التنظيم قامت على الثأر والقصاص من عناصر الشرطة، وبالأخص الضباط بطريقة عشوائية، وهؤلاء يبلغ تعدادهم 40 ألف ضابط، قتل التنظيم منهم في عملياته 10 ضباط، ويسهل تعويض الخسائر في صفوفهم.
– أثمر تعاون بعض المواطنين مع الأجهزة الأمنية، فضلا عن التواجد الواسع لشبكات المرشدين والمخبرين إلى تسهيل اكتشاف العديد من مخابئ التنظيم وأماكن إيواء عناصره، فضلا عن القبض على بعض منفذي العمليات أثناء هروبهم من أماكن العمليات أو أثناء زرعهم للعبوات الناسفة.
-لم يتمكن التنظيم رغم خطابه الإعلامي المحترف من توظيف حالة التعاطف الشبابي معه نظرا لضعف هيكله التعبوي وصعوبة التواصل المباشر بينه وبين مؤيديه.
-لم يمتلك التنظيم مقومات مالية وبشرية تمكنه من إكمال خوض صراع أمني مع نظام بحجم النظام المصري، وبالتالي تفكك التنظيم خلال ثلاث سنوات من إنشائه. فقد سهل وجود قياداته داخل مصر من اكتشاف العديد من خلاياه من خلال فحص أجهزة الكومبيوتر والهواتف الخاصة بهم بعد تصفيتهم.
4- تنظيم أنصار الشريعة في أرض الكنانة
محافظة الشرقية من أبرز معاقل التيار الجهادي عبر تاريخه، إذ خرج منها عدد من قيادات مجموعات الجهاد التي شاركت في اغتيال السادات مثل أسامة قاسم وأنور عكاشة، وأمير تنظيم القاعدة بأفغانستان مصطفى أبواليزيد، وأمير تنظيم القاعدة بالعراق عبد المنعم البدوي الشهير بأبي حمزة المهاجر. كما اُعتقلت فيها عدة مجموعات من تنظيم طلائع الفتح عام 1993.
وعقب الانقلاب العسكري تشكلت نواة تنظيم أنصار الشريعة في يناير 2014 على يد مجموعة من تلاميذ الشيخ مدين ابراهيم. وذلك عقب لقاء سيد عطا بعضو جماعة أنصار بيت المقدس محمد عبد الرحيم، والذي فاتحه في تأسيس تنظيم يتبع الجماعة باسم كتائب أنصار الشريعة لتضليل الأجهزة الأمنية. أما الشخص الأبرز في التنظيم فهو أحمد عبد الرحمن الطالب بكلية أصول الدين بالأزهر، والذي تتلمذ على يد مدين إبراهيم وسبق له الارتباط ببعض الجهاديين بسيناء فضلا عن السفر للجهاد بالشام، مما دفع الأمن الوطني لمداهمة منزله بواسطة قوة يقودها المقدم محمد عيد. والذي قبض على والد أحمد عندما لم يعثر عليه، وصفعه على وجهه أمام زوجته واحتجزه لمدة شهر ليتوفى الوالد بعد خروجه من الاحتجاز بمدة يسيرة، مما دفع الابن للانتقام من المقدم محمد عيد وأفراد الشرطة.
استراتيجية التنظيم:
لم يرسم التنظيم خطة استراتيجية طويلة الأمد للمواجهة، إنما تبنى الثأر من أفراد الشرطة والجيش إثر المجازر الدموية التي ارتكبوها عقب الانقلاب العسكري. واقتصرت عملياته على تنفيذ اغتيالات أغلبها عشوائي لعناصر الأمن أثناء توجههم أو عودتهم من أعمالهم بإطلاق النيران على رؤوسهم، ولم يستعمل التنظيم المتفجرات في عملياته رغم اهتمامه بتصنيعها.
أبرز العمليات ونطاقها:
نفذ التنظيم سلسلة عمليات بلغ عددها 24عملية تحت عنوان “تأديب الأمناء الخونة” في نطاق محافظات الشرقية والجيزة وبني سويف خلال فترة قصيرة تمتد من نهاية يناير 2014 إلى مارس 2014. ونفذ منهم أحمد عبد الرحمن 19 عملية على الأقل بإطلاق رصاصة واحدة من مسدسه على رأس الهدف.
وشمل النطاق الجغرافي للعمليات في محافظة الشرقية 6 مراكز هي (الزقازيق، وأبو كبير، وههيا، وبلبيس، وكفر صقر، والصالحية). بينما شمل 4 مراكز في محافظة بني سويف هي (بني سويف، أهناسيا، الفشن، ببا). ومركزي الصف والبدرشين في محافظة الجيزة.
المحافظة | الشرقية | بني سويف | الجيزة |
عدد العمليات | 16 | 6 | 2 |
جدول بعمليات التنظيم حسب التوزيع الجغرافي
بدأ التنظيم أولى عملياته في 24يناير2014 باستهداف أفراد نقطة شرطة معهد ديني بالزقازيق بالأسلحة البيضاء والاستيلاء على سلاح فرد منهم. ثم اغتال أحمد عبد الرحمن 6 أمناء شرطة في 5 حوادث متفرقة بمحافظة الشرقية خلال أسبوع في الفترة الممتدة من 29 يناير 2014 إلى 6 فبراير2014. مما دفع مدير أمن الشرقية اللواء سامح الكيلاني في 8فبراير 2014 إلى اصدار قرار بمنع ارتداء عناصر الأمن للزي الرسمي خارج المقار الشرطية، وحظر ركوب أكثر من شخص على الدراجات النارية، مما حد من قدرة عناصر التنظيم على الاستمرار في تنفيذ الاغتيالات العشوائية لأفراد الشرطة، فبدأوا في استهداف سيارات الشرطة. كما نفذ التنظيم عملية اغتيال مخطط لها بعناية لمقدم الأمن الوطني محمد عيد. واتجه التنظيم مع التضييق الأمني لتنفيذ عمليات بمحافظتي الجيزة وبني سويف. وأسفرت تلك العمليات مجتمعة عن مقتل 15 من عناصر الشرطة.
انكشاف التنظيم:
هاجم أحمد عبد الرحمن في 9مارس 2014 نقطة شرطة بمنطقة الصاغة بالزقازيق فقتل أمين شرطة وأصاب آخر، وتمكن شرطي تصادف وجوده بالمكان من قتله بإطلاق النار عليه من الخلف. ومن ثم تعرف الأمن على هويته وقبض على أغلب عناصر التنظيم، ثم قتل عضوي التنظيم “محمد جاد وشعبان جاد” بتاريخ 6 مايو 2015بالقرب من سمالوط، وهما أقارب زوجة أحمد عبد الرحمن.
الخطاب الإعلامي:
أصدر التنظيم بيانين فقط قبل سقوطه بيد الأجهزة الأمنية، اقتصر البيان الأول على توعد أفراد الشرطة بالقتل مع ذكر مجموعة من الآيات والأحاديث التي تحض على الجهاد، وركز البيان الثاني على سرد عمليات التنظيم، وتوجيه تهديدات لأفراد الشرطة بلغة حادة خالية من السلاسة.
التوزيع الديموغرافي: من خلال تحليل البيانات المتاحة عن 27 من المتهمين بعضوية التنظيم أو مساعدة عناصره يمكننا الحصول على النتائج التالية:
متوسط العمر=33 سنة
التوزيع الجغرافي
اسم المحافظة | الشرقية | بني سويف | القاهرة | الفيوم |
عدد الأفراد | 18 | 7 | 1 | 1 |
المهن: 2تاجر ملابس، 2 مالك محل أحذية، 2 سائق، 1(مهندس، طبيب، مدرس، مالك مخبز، مالك محل مفاتيح، مالك محل بيع خميرة، مالك شركة ديكورات، فني سكة حديد، عامل بصيدلية، مأذون شرعي، بائع منظفات، طالب).
يفسر التوزيع الجغرافي تمركز عمليات التنظيم بنطاق محافظتي الشرقية وبني سويف فضلا عن محافظة الجيزة لوجود محل إقامة لبعض عناصر مجموعة بني سويف بها. ونلاحظ عمل أغلب عناصر التنظيم بمهن حرة وإقامتهم بمدن صغيرة وقرى ريفية.
التداخلات التنظيمية:
تكشف تجربة التنظيم عن مستوى واسع من التداخلات بين المجموعات الجهادية التي ظهرت عقب الانقلاب العسكري. فالعديد من عناصره سبق لهم العمل أو عملوا لاحقا ضمن تنظيمات أخرى مثل جماعة أنصار بيت المقدس وتنظيم أجناد مصر. وبمراجعة قوائم المتهمين في قضايا التنظيمات الثلاثة، نلاحظ ورود أسماء بعض الأشخاص في أكثر من قضية وفقا للجدول التالي:
الاسم | المحافظة | أنصار الشريعة | أجناد مصر 1 | أنصار بيت المقدس1 |
السيد عطا | الشرقية | المتهم رقم 1 | المتهم رقم 20 | —- |
مديح رمضان | بني سويف | المتهم رقم 2 | —- | المتهم 142 |
محمد توفيق | الشرقية | المتهم رقم 14 | المتهم رقم 8 | —- |
ياسر خضير | بني سويف | المتهم رقم 15 | المتهم رقم 6 | —- |
تحليل تجربة التنظيم
– أثبتت تجربة التنظيم أثر الواقع في دفع معتنقي الأفكار الجهادية للانتقال من الإطار العقائدي الفكري إلى الممارسة العملية، فالتنظيم نشأ على يد مجموعة من الشباب ممن سبق لهم قبل الثورة العناية بقضايا ذات بعد عقدي ومنهجي من قبيل حاكمية الشريعة، والولاء والبراء، والكفر بالطاغوت، وجوب قتال الطائفة الممتنعة عن شرائع الإسلام الظاهرة دون أن يحاولوا القيام بعمليات مسلحة آنذاك. ورغم ذلك تعرضوا للاعتقال والتعذيب عقابا على اعتناقهم لتلك الأفكار، مثل سيد عطا الذي اعتقل 7 سنوات، وأحمد عبد الرحمن وشقيقه اللذان اعتقلا قبيل ثورة يناير. ثم ساهمت فترة الثورة في توجههم للعمل الدعوي والاجتماعي الخيري، إذ كان “أحمد عبد الرحمن” يساهم في توزيع أنابيب الغاز على سكان منطقته بأسعار رمزية، ولكن أدى الانقلاب العسكري بمجازره المروعة ضد الأبرياء وما صاحبه من اعتقالات للنساء والفتيات إلى تحول تلك المجموعة للعمل الميداني رغبة في قتال النظام المعادي للشريعة، وللثأر من أفراد الجيش والشرطة. ويظهر ملمح الثأر بجلاء في اغتيال أحمد عبد الرحمن لمقدم الأمن الوطني محمد عيد الذي صفع والده سابقا.
– لم يمتلك التنظيم مقومات للاستمرار في ظل قلة أعداد عناصره وضعف إمكاناته، وإن كانت تجربته تظهر اتسام التنظيمات الجهادية التي ظهرت عقب الانقلاب بالمرونة والتعاون المشترك بين عناصرها، وتبادل الخبرات، لذا نجد العديد من عناصرها متهمين في أكثر من قضية. كما يمثل أحمد عبد الرحمن نموذجا للشخصية الجهادية شديدة الفاعلية والخطورة، إذ نفذ عملياته بشكل يومي، بل ونفذ ثلاث مرات عمليتين في اليوم الواحد.
تشظي الحالة الجهادية عالميا وتداعيات ذلك على الحالة الجهادية المصرية
انعكس الصراع بين تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية عالميا وبالأخص في الشام على الحالة الداخلية للتنظيمات الجهادية بمصر، إذ سرعان ما اختلفت مجموعات أنصار بيت المقدس حول تبعيتها لأي من الكيانين، فانضمت أغلب مجموعات سيناء لتنظيم الدولة، بينما رفضت بعض مجموعات الوادي تلك المبايعة. وقبل استعراض وتحليل تجربة تنظيم ولاية سيناء وجماعة المرابطين لابد من تحليل أبرز الفوارق بين تنظيمي القاعدة والدولة، والتي تتمثل في اختلاف الموقف من استراتيجية الصراع، والحاضنة الشعبية، والخطاب الإعلامي، والموقف من الجماعات الإسلامية الأخرى، والتنظيرات الشرعية.
أبرز الفوارق بين تنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية
يرى تنظيم القاعدة أنه (في مرحلة دفع صائل وليس في مرحلة إقامة دولة، وأن الحسم العسكري ليس هو المقوم الوحيد لإقامة الدول، فللشعوب احتياجات وضروريات لا يستطيع التنظيم توفيرها لهم في ظل هيمنة وتماسك النظام العالمي المعاصر، وأن أي دولة إسلامية تقام حاليا ستتعرض للحصار والاسقاط على يد أميركا وحلفائها. لذا قرر التنظيم الضغط على عصب أميركا الاقتصادي والأمني حتى تصبح تكلفة هيمنتها على العالم الإسلامي باهظة مما يدفعها إلى الانسحاب، ويتيح إقامة دولة إسلامية تملك مقومات البقاء. ونظرا لضخامة أهدافه يسعى التنظيم لبناء حاضنة شعبية داعمة له، وتحييد كل من يمكن تحييده من الخصوم، فقبل قادته عقد هدنة مع النظامين الباكستاني والجزائري. وأعلن عدم مقاتلته الطوائف الأخرى كالروافض ما لم تقاتل أهل السنة. وأن قتاله لهم مقتصر على الجهات المقاتلة منهم فقط، مع تجنبه ضرب أماكن عباداتهم وتجمعاتهم الدينية وأسواقهم، وحَرِص على تقديم خطاب إعلامي تجييشي للمسلمين يلامس تطلعاتهم ويبتعد عن الحديث المكرر عن المرتدين لصعوبة تفهم الجماهير لذلك الخطاب،أما الخطاب الموجه للغرب فحرص فيه على توجيه رسائل سياسية للشعوب يمزج فيها بين التهديد إن ظلت حكوماتها تعتدي على المسلمين، والأمان إن وقفت تلك الاعتداءات، في محاولة لاستثارة الشعوب الغربية للضغط على حكامها. كما رأى التنظيم أن ثورات الربيع العربي هي أهم أحداث تشهدها الأمة منذ قرون، فأيدها، وحذر الشعوب من أنصاف الحلول، وحث أعضاءه ومناصريه على عدم الدخول في أي مصادمات مع الأحزاب الإسلامية، وتركيز جهودهم على الدعوة واكتساب الأنصار). والقاعدة رغم رفضها للمشاركة السياسية في ظل الأنظمة العلمانية إلا أنها لا تكفر الجماعات الإسلامية التي ترى مشروعية المشاركة السياسية بغرض المنازعة وتقليل المفاسد.
أما تنظيم الدولة الإسلامية فاعتبر نفسه في وضع تمكين. وقال متحدثه الرسمي أنه لا يقاتل لدفع مظالم (ولا يجاهد لتحرير أرض، إنما يقاتل لأن القرآن يُحَتِّم عليه مقاتلة العالم بلا استثناء). وخاطب أميركا قائلا(إن أردت أقل الخسائر فعليك دفع الجزية لنا أو الاستسلام). وانطلق التنظيم من أرضية ملاحم آخر الزمان، فركز على توجيه خطاب مرعب للغرب يحوي مشاهد الذبح والإحراق والتفجير مازجا إياه بلغة مستمدة من علامات الساعة الكبرى، فيقول العدناني (سوف نفتح رُوماكم، ونكسر صلبانكم، ونسبي نساءكم ونبيع أبناءكم في سوف النخاسة). وبعد سيطرته على عدة مناطق بالعراق والشام وبالأخص الموصل في 10 يونيو 2014 رأى التنظيم أنه صار يمتلك مقومات إقامة دولة الخلافة، فأعلن قيامها في 29 يونيو2014 حتى (لو بقيت يوما واحدا أو ساعة وأحدة). وحاول قسر الآخرين على التبعية له، مما استلزم منه التوسع في الإقصاء والتكفير وقتال خصومه حتى لو كانوا من المجاهدين. واعتبر العدناني الحاضنة الشعبية بمثابة غثاء، وهاجم الأمة التي قال خصومه إنه افتات عليها بإعلانه خلافة دون مشاورتها فقال (تبا لتلك الأمة التي يريدون جمعها، أمة العلمانيين والديموقراطيين والوطنيين، أمة المرجئة والإخوان والسروريين). وصرح أنه بعد إعلان التنظيم للخلافة (بطلت شرعية الجماعات والتنظيمات). وتوعدهم بالقتال قائلا (سنفرق الجماعات ونشق صفوف التنظيمات، لأنه مع الجماعة لا جماعات). كما أكد أبوبكر البغدادي على تكفيره للجماعات الإسلامية التي تتبنى خيار المشاركة السياسية في ظل الأنظمة العلمانية.
جدول بأبرز الفوارق بين تنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية
المحاور | تنظيم القاعدة | تنظيم الدولة الإسلامية |
المرحلة الحالية | دفع صائل | إقامة خلافة |
العدو الأساسي | أميركا وحلفائها | كل من يخالف منهج التنظيم |
العلاقة بالجماعات الإسلامية الأخرى | نصح وتجنب صدام | صدام وخصومة |
الخطاب الإعلامي | يركز على المضامين | يركز على نشر الرعب |
الحاضنة الشعبية | حريص على تكوينها | غير حريص عليها |
التكفير | تضييق للتكفير | توسع في التكفير |
نموذج الدولة المنشودة | خلافة راشدة | ولاية التغلب |
الموقف من الثورات | تأييد | تأييد |
5- ولاية سيناء
إثر إعلان جماعة أنصار بيت المقدس في 10 نوفمبر 2014 بيعتها لأبي بكر البغدادي كخليفة للمسلمين، نشرت الجماعة في 14نوفمبر 2014 إصدارا مرئيا بعنوان “صولة الأنصار- ولاية سيناء” يضم عدة عمليات من أبرزها الهجوم على كمين كرم القواديس في الشهر السابق على المبايعة، وأحدث ذلك الإصدار دويا هائلا في الشارع المصري، إذ شاهد المصريون لأول مرة وحدة عسكرية تباد على يد مجموعة مسلحة داخل مصر. مما دفع السيسي للقول (رغم أن الكثيرين اهتزوا بعد العملية الإرهابية الأخيرة فإني لم أهتز).
فتلك النوعية من العمليات لها تبعات هامة. فهزيمة القوات المسلحة لأي دولة في معركة صغيرة قد لا تكون لها عواقب استراتيجية خطيرة في الحروب التقليدية، بينما أي هزيمة تكتيكية صغيرة قد تكون لها عواقب استراتيجية خطيرة في الحروب غير النظامية. فهزيمة أي قوة حكومية صغيرة من الممكن أن تؤدي إلى تدني الروح المعنوية بسرعة لدى القوات الأخرى. وتهز ثقة الأهالي بقدرة الحكومة على حمايتهم. ومن الممكن أن تؤدي أي سلسلة من الانتصارات الصغيرة التي يحققها المقاتلون غير النظاميين إلى انهيار واسع النطاق للروح المعنوية لقوات الحكومة مما يشجع الأغلبية المحايدة على الانضمام لصفوف المقاتلين. وهو ما يفسر تصريح السيسي بأنه لم يهتز.
وقد انعكست بيعة جماعة الأنصار لتنظيم الدولة على استراتيجية الجماعة، فتحولت من دفع الصائل إلى السعي لإقامة إمارة إسلامية، فغيرت اسمها لولاية سيناء، وحرصت على إبراز مظاهر السيادة على الأرض، فشكلت دواوين كديوان القضاء والمظالم، وديوان الحسبة، وديوان الدعوة. فاعتنى ديوان الحسبة بمكافحة تهريب المخدرات والسجائر، والنهي عن التدخين، وإسبال الثياب للرجال، وكشف النساء لوجوههن. وحظر أجهزة التلفاز والاستقبال الفضائي، فضلا عن محاربة للتصوف. كما عملت الولاية على إقامة الحدود الشرعية، وتوزيع المساعدات العينية على الأهالي.
وتزامنت تلك المستجدات مع حدوث تحول في لغة الخطاب الإعلامي، إذ صار خطاب ولاية سيناء امتدادا لخطاب التنظيم الأم. فغابت عن بياناتها وإصداراتها مفردات القصاص، والثأر، ودفع الصائل التي اتسمت بها بيانات جماعة أنصار بيت المقدس. وبرز خطاب جديد يركز على وصف عناصر الشرطة والجيش بالمرتدين، ووصف منفذي العمليات بمفارز من جنود دولة الخلافة. وتشابهت الإصدارات الإعلامية للولاية مع إصدارات التنظيم الأم. وبلغت أوج غلوها بنشرها في 3 يناير 2018 إصدارا بعنوان ملة إبراهيم كفرت فيه حركة حماس، وعرضت مشاهد إعدام عضو الولاية السابق موسى أبو زماط بتهمة الردة، لاتهامها إياه بتهريب السلاح إلى حركة حماس المرتدة بزعمها.
ورغم قلة أعداد عناصر ولاية سيناء، والتي قدرها تقرير لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية عام 2015 ببضعة مئات من المقاتلين في شبه جزيرة سيناء، إلا أن خطورة نموذجهم يعبر عنها الدليل الميداني للجيش الأميركي لمكافحة التمرد قائلا (يمكن لحفنة صغيرة من المتمردين ممن تتوفر لديهم دوافع عالية، وبعض الأسلحة البسيطة، وأمن عملياتي جيد، وقابلية محدودة للحركة، أن تقوض الأمن في مناطق شاسعة).
وبدأت عمليات ولاية سيناء بالتصاعد تدريجيا عام 2015 ثم وصلت ذروتها عام 2016 فشنت مئات الهجمات المتنوعة ضد قوات الجيش والشرطة. وبلغ متوسط عمليات الجماعة خلال الشهور الستة الأولى من عام 2016 قرابة 48 عملية شهريا مقارنة بـ 28 عملية شهريا في الشهور الستة الأخيرة من عام 2015.
وخلال العام 2015 نفذت الولاية عددا من العمليات العسكرية المعقدة برهنت على امتلاكها لنظام قيادة وسيطرة عملياتي محكم، وهو ما يتجلى في حادثة الهجوم على المربع الأمني بمدينة العريش في 29 يناير 2015، والتي استخدمت خلاله 3 سيارات مفخخة بعشرة طن من المتفجرات، تلاه اقتحام اثنين من الانغماسين لمقر الكتيبة 101، بالتوازي مع شن هجوم على سبعة ارتكازات للجيش والشرطة في نفس التوقيت بالعريش ورفح والشيخ زويد، فضلا عن شن قصف مدفعي على معسكر الزهور، لتشتيت قوات الجيش والشرطة. ونفذ تلك الهجمات المتوازية 100 من عناصر التنظيم، وأسفرت عن مقتل 31 من أفراد الجيش والشرطة.
وبلغت الولاية أوج نشاطها بمحاولتها السيطرة على مدينة الشيخ زويد في عملية ضخمة في يونيو2015 شملت الهجوم على عشرين موقعا في العريش ورفح والشيخ زويد، فضلا عن قصف مطار العريش بخمسة صواريخ كاتيوشا، وإطلاق ثلاثة صواريخ جراد على الكيان الصهيوني. ولكن تكبدت العناصر المهاجمة خسائر فادحة إثر تدخل الطيران المصري، والإسرائيلي وفقا للولاية.
الحصاد الشهري لعمليات ولاية سيناء خلال شهر ذي الحجة 1437ه [سبتمبر 2016م].
اقتصرت عمليات الولاية حتى عام 2015 في نطاق مدن وقرى رفح والشيخ زويد والعريش. ولم تنفذ سوى عمليتين خارج تلك المنطقة، وهما استهداف معسكر الجلالة التابع للجيش بطريق القطامية العين السخنة بسيارة مفخخة في 15 يوليو 2015، وتصفية خالد خلف المنيعي في مدينة الرحاب قرب القاهرة بتاريخ 1 أكتوبر 2015 لاتهاما إياها بالتعاون مع الجيش المصري.
ومع توالي سلسلة عمليات (حق الشهيد) التي شنها الجيش المصري ضد معاقل الولاية في مناطق رفح والشيخ زويد وجنوب العريش، كثفت الولاية عمليات مفارزها الأمنية داخل مدينة العريش، ومد عملياتها إلى مركز بئر العبد ففجرت في 21 فبراير 2016 عربتين للشرطة قرب قرية رمانة غرب بئر العبد، ثم شنت في 14أكتوبر 2016 هجوما مباغتا على كمين زقدان على بعد 80 كم غرب العريش، وهي منطقة تبعد كثيرا عن معاقل الولاية. وأسفر الهجوم عن مقتل 12 جنديا وإصابة 7 آخرين، كما شن عناصرها هجوما متزامنا على 5 حواجز للجيش المصري وسط سيناء في 7 يناير 2017. وكذلك شنت بداية من عام 2016 هجمات عديدة ضد معسكرات ودوريات الجيش في وسط سيناء، وبالأخص في الحسنة والقسيمة وجبل الحلال. وهدف هذا التمدد لتخفيف الضغط عن معاقل الجماعة بالشيخ زويد ورفح.
تكتيكات المواجهة
مزجت ولاية سيناء كسابقتها جماعة أنصار بيت المقدس بين تكتيكات العمليات الأمنية بالمدن، وبين تكتيكات حرب العصابات. ودربت عناصرها على استخدام الأسلحة الآلية والرشاشة، وبنادق القنص، والصواريخ المضادة للطائرات وللدبابات. كما أقامت معسكرات لإعداد وحدات خاصة تنفذ الاغتيالات والاقتحامات. وقد نفذت هذه الوحدات الخاصة عمليات جريئة. فنفذ ثلاثة أفراد من الولاية هجوما مباغتا في 21 يناير 2016 على حاجز العتلاوي فقتلوا ثمانية من عناصره بينهم ثلاثة من ضباط الشرطة، واستولوا على أسلحتهم، ثم عادوا إلى قاعدتهم سالمين. كما نفذ تسعة آخرين حادث الهجوم على كمين الصفا بمدينة العريش في 20 مارس 2016 فقتلوا 16 عنصرا بينهم ثلاثة ضباط شرطة، واختطفوا نقيب شرطة وجندي أعدمهما التنظيم لاحقا. ثم عادوا إلى قاعدتهم سالمين.
ومن أبرز التكتيكات التي اعتمدتها ولاية سيناء:
أ – تدمير المدرعات بواسطة عبوات ناسفة مضادة للدروع وصواريخ الكورنيت:
فخلال عام فقط على تأسيس الولاية أعلنت عن (تدميرها بواسطة العبوات الناسفة 24 دبابة من نوع إم 60، و17 آلية من نوع م113، و54آلية غير محددة النوع، و5 آليات مصفحة، و17 عربة همر، و10 شاحنات إمدادا. وتدمير6 آليات بصواريخ كورنيت المضادة للدروع، وتدمير آلية بقاذفة آر بي جي). وقد ظهر استخدام صاروخ الكورنيت منتصف 2015 في استهداف دبابة إم60 بكمين قرم القواديس بتاريخ 14يونيو 2015.
ب – تصفية أفراد بواسطة الاغتيالات والقنص:
ففي خلال عام من تأسيسها أعلنت الولاية (قنص 11 فردا من الجيش، واغتيال37 من عناصر الشرطة والجيش، وتصفية أكثر من 130 شخص متهمين بالتجسس لحساب النظام المصري أو الموساد الإسرائيلي). كما صفت ولاية سيناء أو حاولت تصفية عدد من شيوخ ورموز القبائل ممن تتهمهم بالتعاون مع الجيش ضدها مثل (خلف المنيعي، ونايف أبو قبال، وعيسى الخرافين، وعودة الأطرش).
ج – استهداف المقرات الأمنية بسيارات مفخخة وقذائف الهاون والاقتحامات:
من أبرز العمليات التي نفذتها الولاية الهجوم على المربع الأمني بالعريش والكتيبة 101 في 29 يناير 2015، والهجوم على كميني العتلاوي والصفا عام 2016 بمدينة العريش. والقضاء على تجمع من عناصر الكتيبة 103 صاعقة إثر الهجوم عليهم قرب رفح بتاريخ 7 يوليو2017. واقتحام عنصرين من التنظيم لمعسكر تابع للجيش المصري في منطقة القسيمة بوسط سيناء في 14 إبريل 2018، وتمكنهم من قتل 22 فردا بينهم 7 ضباط. وقد أعلنت الولاية أن عناصرها خلال عام من تأسيسها (فجروا أكثر من20 منزل لأمناء شرطة، و10منازل لـلمتهمين بالتعاون مع الجيش والشرطة، فضلا عن استهداف ثكنات الجيش بـ 34 صاروخ كاتيوشا و80 قذيفة هاون في هجمات متفرقة).
د – عمليات نوعية:
من أبرزها تدمير قطعة بحرية أمام سواحل رفح في 16 يوليو 2015، واغتيال 3 قضاة بإطلاق النار على سيارتهم في مايو2015، فضلا عن قتل قاضيين في استهداف فندق سويس إن بالعريش عام2015، وزرع عبوة ناسفة في طائرة روسية بمطار شرم الشيخ مما أدى لسقوطها في 31أكتوبر2015، ومقتل جميع ركابها، مما أثر سلبا على حركة السياحة في مصر. وإطلاق صاروخ موجه على مروحية وزير الدفاع المصري ووزير الداخلية بتاريخ 19 ديسمبر 2017 أثناء وقوفها على أرض مطار العريش استعدادا للإقلاع مما أسفر عن مقتل قائد الطائرة العقيد محمد المندوه، ومدير مكتب وزير الدفاع المقدم اسماعيل الشهابي. كما سبق للتنظيم أن قصف مقر الكتيبة 101 بصاروخي جراد في 11 فبراير 2016 أثناء زيارة وزيري الدفاع والداخلية لها.
مقاطع بثها التنظيم لاستهداف قطعة بحرية أمام سواحل رفح
رـ- إقامة حواجز تفتيش مؤقتة
اعتاد مسلحو الولاية إقامة حواجز لتفتيش السيارات بحثا عن عناصر الجيش والشرطة والمتعاونين معهم في محيط قرى الشيخ زويد ورفح، وفي إحداها ألقت القبض في 11 يناير 2015 على نقيب الشرطة أيمن الدسوقي. وبلغ عناصرها من الجرأة أن نصبوا حواجز تفتيش مؤقتة في مدينة العريش عدة مرات، منها مرة في 26 فبرير 2016 بمنطقة جسر الوادي، وأخرى في 5 مارس 2017 بميدان الفالح لمدة نصف ساعة.
صورة لكمين نفذته الولاية بميدان الفالح بالعريش صورة لإلقاء القبض على الضابط أيمن الدسوقي
ف- قصف المستعمرات اليهودية بفلسطين المحتلة بالصواريخ
خلال عام من مبايعة تنظيم الدولة الإسلامية، أعلنت ولاية سيناء استهداف (مستوطنة يهودية بثلاثة صواريخ غراد فضلا عن تفجير خط الغاز المغذي للأردن مرتين). وقد توالت عمليات قصف الولاية للكيان الصهيوني بشكل متقطع خلال الأعوام التالية. فقصفت معبر العوجة بصاروخين جراد في ديسمبر 2016. وقصفت مجمع أشكول عدة مرات من أبرزها قصفه في 10 إبريل 2017 بصاروخ جراد، وفي 25 مايو 2017 بخمسة صواريخ كاتيوشا. وقصفه في16أكتوبر ٢٠١٧ بصاروخين جراد.
هـ- استهداف المصالح الاقتصادية للنظام
تتمثل أبرز عمليات الولاية التي تندرج ضمن هذا المحور في سعيها لوقف العمل بمصنع الاسمنت التابع للجيش بوسط سيناء، فحاول أحد عناصرها تفجير الحاجز الرئيسي لمصنع الإسمنت بسيارة مفخخة في 10 أكتوبر 2017، ثم حذرت الولاية سائقي سيارات النقل الذين ينقلون النفط إلى المصنع من الاستمرار في عملهم. ثم أحرقت بعض سياراتهم، ثم في 10 نوفمبر 2017 قتلت 9 من السائقين بعد إحراق سياراتهم. ثم أطلقت في 14 نوفمبر 2017 صاروخين جراد على المصنع. كما فجرت 4 أبراج كهرباء تغذي المصنع في ديسمبر 2017. وتسببت تلك العمليات في توقف الإنتاج في المصنع بشكل مؤقت.
وكذلك فجر عناصرها خط الغاز المغذي للأردن عدة مرات لمشاركة الأردن في التحالف الدولي المناهض لتنظيم الدولة الإسلامية. كما فجر عناصر الولاية في 15 يناير 2017 ثلاثة أبراج كهرباء بوسط سيناء تغذي الأردن بالكهرباء. وأحرق عناصر الولاية في منتصف شهر سبتمبر 2017 ما يقرب من 13 معدة وسيارة تستخدم في رصف الطرق بوسط سيناء بذريعة تعاون أصحاب السيارات مع الجيش. وكذلك قامت مجموعة من عناصر الولاية باقتحام مقر البنك الأهلي وسط العريش في 16 أكتوبر 2017 واستولوا على 17 مليون جنيه عقب تصفية الحراسات وعناصر الأمن المكلفين بحراسته.
و- استهداف الأقباط
حرصت ولاية سيناء على استهداف التواجد النصراني بشمال سيناء، فقتلت في 30 يونيو 2016 القس روفائيل موسى كاهن كنيسة مار جرجس بالعريش. ثم حدث تصاعد مفاجئ في استهداف النصارى بشمال سيناء باغتيال 6 مواطنين نصارى بشمال سيناء في خمس حوادث تصفية خلال عشرة أيام فقط بدأ أولها في 12 فبراير 2017، ووقع آخرها في 23 من ذات الشهر، ضمن استراتيجية جديدة استخدمها تنظيم الدولة في مصر بدءا من نهاية عام 2016. وأدت عمليات الاغتيال تلك إلى نزوح جماعي للنصارى من شمال سيناء، وتجددت تلك الحوادث في 13 يناير 2018 باغتيال المواطن باسم عطا الله بطلق ناري في الرأس بمدينة العريش.
ي- مد نطاق العمليات إلى جنوب سيناء
رغم التشديدات الأمنية بمحافظة جنوب سيناء، سعت الولاية إلى تنفيذ عدة عمليات بها لإرهاق الأجهزة الأمنية، فاستهدفت بوادي فيران في 6سبتمبر 2016 موكب مساعد مدير أمن سيناء اللواء السيد الرافعي مما أسفر عن إصابته. وزرع عناصرها عبوة ناسفة بطائرة روسية أقلعت من مطار شرم الشيخ بجنوب سيناء في أكتوبر 2016 مما أسفر عن سقوطها. وفجرت برجي كهرباء في عيون موسى بتاريخ 22 يناير 2017. كما صفى عناصرها شرطيين بجنوب سيناء في 3 مارس 2017 عقب توقيف سيارتهما، وهاجموا ارتكازا أمنيا في سانت كاترين في 18 إبريل 2017 مما أسفر عن مقتل أمين شرطة.
هوية القتلى ومعدل العمليات
لم يقتصر قتلى الجيش والشرطة على صغار الضباط والمجندين، فقد أمكن رصد مقتل العديد من القادة وفقا للبيانات المعلنة في الصحف والمواقع الإخبارية عن هوية الضحايا خلال الفترة من 2015 إلى 2017 بسيناء وفقا للجدول التالي.
الرتبة | مقدم | عقيد | عميد | لواء |
شرطة | 6 | 2 | 4 | 1 |
جيش | 10 | 5 | 3 | 0 |
ومن بين هؤلاء:
-المقدم رامي حسنين قائد كتيبة الصاعقة 103 بالشيخ زويد (29 أكتوبر 2016).
– العقيد أ. ح يحيى حسن قائد الكتيبة 351 باللواء 16 مشاة، جبل الحلال (23 مارس 2017)
– المقدم أحمد المنسي قائد كتيبة الصاعقة 103 بالشيخ زويد (7 يوليو 2017).
-العقيد تامر نصر الدين رئيس قطاع العمليات بالمخابرات الحربية بوسط سيناء (سبتمبر 2017).
-العقيد أ. ح. أحمد الكفراوي، الحاكم العسكري لبئر العبد (28 ديسمبر 2017).
أما من حيث معدل العمليات فقد نشرت صحيفة النبأ الأسبوعية انفوجراف لحصاد عمليات ولاية سيناء خلال عام 1438هجريا يفيد بتنفيذ الولاية عدد 647 عملية خلال العام، أي بمعدل 54 عملية شهريا. وجاءت تفاصيل تلك العمليات وفقا للجدول التالي:
التكتيك | عدد العمليات | التكتيك | عدد العمليات |
كمائن وغزوات | 10 | عمليات استشهادية وانغماسية | 13 |
تصفية واغتيال | 86 | تدمير دبابات إم 60 | 63 |
عمليات قنص | 186 | تدمير عربات هامر | 32 |
عبوة متشظية | 27 | تدمير مدرعات وجرافات وسيارات | 199 |
صد حملات عسكرية | 31 | – | – |
انفوجراف منشور بالعدد (15) من صحيفة النبأ الأسبوعية التابعة لديوان الإعلام المركزي بتنظيم الدولة الإسلامية يتناول عمليات ولاية سيناء منذ بيعتها لتنظيم الدولة في محرم 1436 حتى ربيع الأول 1437 الموافق من 25 أكتوبر 2014 إلى 10 يناير 2016.
الصراعات الجانبية وتبديد القوة
مع مقتل معظم قادة الصف الأول والصف الثاني لولاية سيناء، وعلى رأسهم أمير الولاية أبو دعاء الأنصاري عام 2016. وبروز عناصر صغيرة السن لديها توسع في التكفير داخل التنظيم. دخلت الولاية في صراعات جانبية مع أفراد القبائل وبالأخص قبيلة الترابين القوية، سواء على خلفية مطاردة العاملين بتهريب السجائر والبضائع على الحدود مع الأراضي المحتلة ومصادرة سياراتهم أو حرقها. أو على خلفية اتهامهم بالتعاون مع النظام المصري. وأدى ذلك إلى حدوث اشتباكات دموية بين الجانبين من أبرزها تفجير أحد عناصر الولاية لسيارته المفخخة في تجمع لعناصر من قبيلة الترابين في 25 إبريل 2017، والذي رد عليه أفراد القبيلة بحرق أسير لديهم من عناصر الولاية. وعندما بدأت الولاية تستعمل إعلاميا لفظ صحوات الترابين، صدرت في 3 مايو 2017 كلمة صوتية لأحد عناصرها تحت اسم “أبي هاشم الترباني” بعنوان (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) رفض خلالها تعميم وصف قبيلته بالصحوات. ودعا أفراد قبيلته للامتناع عن أي تعاون مع النظام المصري. ومن ثم تواصلت الاشتباكات بين الطرفين، ومن أبرزها نجاح عناصر الولاية في شن هجوم مباغت بتاريخ 10 مايو 2017على حاجز لعناصر من قبيلة الترابين، فقتلوا 15 فردا على رأسهم سالم لافي تاجر المخدرات الشهير. وقد سمح الجيش المصري بدءا من يونيو 2017 للعناصر القبلية المتعاونة معه بإقامة حواجز مسلحة في محيط حواجز الجيش برفح والشيخ زويد.
وكذلك دخلت الولاية في صراع مع الصوفية مع قطعها في 18 نوفمبر2016 لرأس أحد أبرز شيوخ الصوفية بسيناء عيد أبو جرير، والبالغ من العمر 97 بتهمة الكهانة والاستعانة بالشياطين. ثم كانت الطامة الكبرى بوقوع مجزرة مسجد الروضة ببئر العبد التي أسفرت عن مقتل 315 مصليا إثر الهجوم على المصلين أثناء صلاة الجمعة. ورغم عدم تبني الولاية رسميا للعملية، إلا أنه سبق لها التهديد على لسان أمير مركز الحسبة في ولاية سيناء باستهداف المسجد في العدد 58 من صحيفة النبأ الأسبوعية الصادرة عن ديوان الإعلام المركزي للتنظيم الأم باعتباره زاوية شركية. ولم تصدر ولاية سيناء عقب الحادث أي بيان نفي للمسؤولية أو التعزية في الضحايا، رغم سابقة إصدارها بيانات شبيهة كما في بيان نفي ضلوعها في مجزرة خريزة.
استراتيجية النظام المصري في مواجهة ولاية سيناء
اعتمد النظام المصري على استراتيجية تقوم على قمع السكان، والانتقام من عناصر ولاية سيناء. والاستعانة بمليشيات قبلية لمطاردة المسلحين. وتبادل التعاون الاستخباري مع الكيان الصهيوني. فضلا عن توظيف الحصار على قطاع غزة للضغط على حركة حماس لتشديد إجراءاتها ضد العناصر السلفية الجهادية الغزاوية التي تسعى للانضمام لولاية سيناء. وبذلك طبق النظام المصري مقاربة لمكافحة التمرد تطلق عليها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية “المقاربة الاستبدادية”. وهي مقاربة (تسعى لمعاقبة المتمردين والسكان الذين يدعمونهم. وتتجاهل أفضل الممارسات الأساسية لمكافحة التمرد، مثل استخدام الحد الأدنى من القوة، والاحترام اللائق لحقوق الإنسان، والفوز بدعم السكان. وبدلا من ذلك تسعى هذه المقاربة إلى جعل تكلفة دعم المتمردين لا تطاق). ويشير الباحث بمركز راند باتريك جونستون إلى أن هذه المقاربة تعتمد على أن (إيذاء المدنيين يمكن أن يؤدي إلى عزلهم عن التمرد، وتخويفهم لوقف مشاركتهم في العصيان أو دعمه).
تلك المقاربة الاستبدادية اعتمدت على شن الحملات العسكرية والأمنية الموسعة، والتي يتخللها هدم وحرق ممتلكات المشتبه فيهم من بيوت وسيارات ودراجات نارية، وتجريف المزارع، وقطع الأشجار، وهدم آبار المياه، بالإضافة إلى التوسع في الاشتباه، وإطلاق النيران عشوائيا من الحواجز الأمنية والدوريات، وصولا إلى تهجير المواطنين من الشريط الحدودي لرفح لإقامة منطقة حدودية عازلة فضلا عن تنفيذ غارات جوية بطائرات دون طيار وبالطائرات الحربية، وشن قصف مدفعي تجاه مناطق تواجد عناصر الولاية. ومنع دخول الدراجات النارية وقطع غيارها إلى سيناء، وحظر سير سيارات الدفع الرباعي بها، وتقييد حركة بيع الوقود. وقطع الاتصالات وشبكة النت والمياه بشكل دوري عن مناطق العمليات. ومنع المواطنين المصريين من دخول سيناء سوى بتصريح أمني. وفي فبراير 2018 بدأ الجيش المصري في نهج جديد بمدينة العريش يتمثل في هدم منازل الهاربين والمعتقلين كإجراء انتقامي. فهدم سبعة منازل دفعة واحدة، وواصل تلك السياسة في الشهر التالي ليهدم 18 منزلا. ويشير تقرير صادر عن مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب مطلع عام 2017 إلى أن عدد عمليات الإعدام خارج نطاق القانون في سيناء بلغ 1234 حالة من أصل 1384 حالة في مختلف أنحاء مصر، أي بنسبة 89 % من مجموع الحالات الموثَّقة.
كما اعتمد الجيش على مليشيات قبلية مثل مليشيات موسى الدلح، وابراهيم العرجاني وعائلة أبو شويطر في مطاردة وتوقيف وتصفية عناصر ولاية سيناء. وهو تكتيك توصي به وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية قائلة (يمكن لقوات مكافحة التمرد أن تستفيد من استخدام القوات المحلية الخاضعة لإشرافها مثل الميليشيات من أجل تعزيز القوات الحكومية. وبالأخص للجمع بين الاستخبارات وتوفير دفاع ثابت). كما أدى تقارب النظام المصري مع حركة حماس، والخصومة بين تنظيم الدولة وحركة حماس إلى تشديد الأخيرة لإجراءاتها ضد الجهاديين الفلسطينيين المرتبطين بالولاية. ويُقدر عدد الغزاويين الذين التحقوا فعليا بصفوف ولاية سيناء خلال الفترة من ٢٠١٤ حتى ٢٠١٧ قرابة 130 فلسطينيا. ويجدر الإشارة أيضا إلى ظهور مقاتلين من جنسيات سعودية وإفريقية في إصدارات ولاية سيناء.
أما التنسيق الاستخباري الوثيق مع الجيش الإسرائيلي لمواجهة عناصر ولاية سيناء، فقد اتخذ شكلا غير مسبوق، إذ أعطى النظام المصري تفويضا مفتوحا للجيش الإسرائيلي لشن غارات جوية على المسلحين بسيناء. وفي مطلع فبرير 2018 كشف ديفيد كيركباتريك المراسل السابق لجريدة نيويورك تايمز بالقاهرة عن شن إسرائيل لمائة ضربة جوية داخل سيناء منذ عام ٢٠١٥.
ونظرا للخسائر الكبيرة التي تلحق الجيش المصري بسبب العبوات الناسفة، فقد أعلنت السفارة الأميركية بالقاهرة في 12 مايو 2016 عن بدء وصول الشحنة الأولى من 762 مركبة MRAP ضمن برنامج منح المواد الدفاعية الزائدة التابع لوزارة الدفاع الأمريكية والذي يتم بموجبه نقل المركبات دون أي تكلفة على الحكومة المصرية. وهي مركبات صُممت بشكل خاص لدعم عمليات الجيش الأمريكي في أفغانستان، حيث توفر مستويات حماية مرتفعة للجنود.
هذه الجهود المصرية الذاتية والإقليمية والدولية لم تؤت أكلها بشكل كامل بعد. كما أن المقاربة الاستبدادية لمكافحة التمرد التي يعتمدها النظام المصري غير مسلم بجدواها، فكثر من المتخصصين في مكافحة التمرد (يرون أن إيذاء المدنيين أمر غير مثمر يؤدي إلى خسائر تكتيكية في مكافحة التمرد. ويشيرون إلى أن هذا النهج يدفع المدنيين لدعم المتمردين).
العملية الشاملة ومستقبل الصراع في سيناء
أبدى العديد من المتخصصين في مكافحة التمرد ملاحظات على أداء الجيش المصري في سيناء، وقدموا نصائح لتطويره. فكتب القائد السابق للمنطقة الجنوبية في الجيش الإسرائيلي الجنرال سامي ترجمان مقالا في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى أكد فيه على أهمية اعتناء الجيش المصري (بالجهود الهجومية التي تتطلّب مواصلة التقدم ضد تنظيم ولاية سيناء، والانتقال من النهج القائم على رد الفعل – أي شن عمليات هجومية في أعقاب الهجمات الإرهابية فقط – إلى نهج استباقي يتضمّن عمليات هجومية مستمرة من قبل وحدات خاصة تستند إلى استخبارات دقيقة). وفي هذا السياق يمكن فهم العملية الشاملة التي أعلن عنها الجيش المصري في 9 فبراير 2018. فخلال الفترات السابقة اعتمد الجيش على تكثيف الحواجز الأمنية في مثلث العريش- رفح- الشيخ زويد، حتى وصل عدد هذه الحواجز إلى 170 حاجزا في منطقة جغرافية محدودة، وهدف هذا التكثيف إلى تقديم هذه الحواجز الدعم لبعضها البعض عند تعرض أحدها للهجوم. ولكن تكيف المسلحون مع هذا التكتيك، ونجحوا عدة مرات في اقتحام بعض هذه الحواجز واغتنام ما فيها من أسلحة وذخائر مثلما حدث في حواجز كرم القواديس والغاز وأبورفاعي، فضلا عن استهدافهم المستمر بواسطة العبوات الناسفة للقوات المشاركة في حملات المطاردة والتمشيط، ولقوات الدعم اللوجستي التي تمد الحواجز باحتياجاتها. مما يستنزف جهود الجيش في حماية وإدامة هذه الحواجز.
ومن ثم جاءت الحملة الشاملة لتعمل على تأسيس حضور أمني دائم في معاقل الولاية بقرى الشيخ زويد ورفح وجنوب العريش للحد من تحركات عناصرها. وهو ما استلزم مشاركة 88 كتيبة من الجيش في سيناء وحدها، بإجمالي 42.630 مقاتل، فضلا عن قوات الشرطة. واعتمد الجيش خلال تقدمه الهجومي على القيام بطلعات جوية مكثفة للرصد الجوي ثم الإغارة، وتنفيذ قصف مدفعي عشوائي ثم التقدم إلى القرى بأرتال عسكرية كبيرة في طليعتها كاسحات الألغام وسيارات التشويش على المتفجرات. ومن جهتها حاولت ولاية سيناء تكبيد الجيش المصري بعض الخسائر خلال العملية. ونشرت مجلة النبأ في العدد 127 الصادر في 13 إبريل 2018 انفوجراف لعدد عمليات الولاية خلال شهرين من بدء الحملة الشاملة، والذي ناهز 136 عملية.
جاءت هذه العملية العسكرية الضخمة بالتوازي مع خسارة التنظيم الأم في العراق والشام لمعاقله وتراجع بريقه، وتعامل عناصر الولاية مع سكان سيناء باعتبارها إمارة ذات سلطة، وولاية تابعة لخلافة حقيقية، تسعى لفرض النمط الحياتي الذي تستلهمه على السكان. فضلا عن دخولها في صراعات دموية مع بعض القبائل، وإبداء الولاية للخصومة مع حركة حماس وغيرها من الجماعات مثل جند الإسلام، وأخيرا تنامي الجهود الإسرائيلية والأميركية لتقويض وجودها. هذه الأمور مجتمعة تجعل من الصعب استمرار الولاية على المدى البعيد في حرب الاستنزاف التي تشنها ضد النظام المصري. فالنجاحات المبكرة للتمردات غالبا ما لا تستمر عندما يبدأ المتمردون في خسارة السكان، كما أن (التمرد الذي ينجح في إظهار وجوده كتحد مسلح له درجة من الأهلية، غالبا ما يمر بفترة من الازدهار تتناسب مع فشل مكافحي التمرد في التعرف على التحدي الذي يمثله المتمردون، وتطوير استجابة مناسبة لمواجهته. ورغم نجاة المتمردين من تحدي البداية، يمكن أن تؤدي سرعة وحزم استجابة الحكومة فضلا عن أخطاء المتمردين إلى دفع حركة التمرد للتدهور مبكرا. وإذا استمر التمرد في النمو في حين كانت الحكومة قادرة على تقديم استجابة معقولة، فإن الصراع يمكن أن يصل إلى ذروته الديناميكية ليستمر عدة سنوات، بمتوسط قد يبلغ 12 عاما).
عمليات تنظيم الدولة الإسلامية خارج سيناء
أدى اختلاف مجموعات أنصار بيت المقدس بالوادي (خارج سيناء) إلى حدوث انشقاقات في صفوفها، فعمل قائد الجماعة خارج سيناء، ورائد الجيش السابق هشام عشماوي على تأسيس جماعة المرابطين، بينما ساهم رفيقه نقيب الصاعقة السابق عماد عبد الحميد في تأسيس جماعة أنصار الإسلام. في حين قاد مجموعات تنظيم الدولة خارج سيناء أشرف الغرابلي والذي عمل على تنشيط خلاياها، وتمحور نشاطها في:
أ – استهداف الأجانب والسياح
ومن أبرز العمليات في ذلك المحور تبني قتل المهندس الأمريكي بيل هندرسون في 1 ديسمبر 2014بطريق الواحات بعد سابقة خطفه في 10 أغسطس 2014، واستهداف القنصلية الإيطالية بالقاهرة في يوليو 2015 بسيارة مفخخة، وتنفيذ هجوم مسلح غير ناجح على معبد الكرنك بالأقصر بواسطة عنصرين تونسي وسوداني بتاريخ 10 يونيو (2015)، واختطاف الكرواتي توماسلاف سلوبيك في22 يوليو 2015بطريق الواحات ثم قتله أغسطس (2015)، وتبني إطلاق النار على فوج سياحي إسرائيلي بالجيزة في 8 يناير 2016.
صورة الرهينة الكرواتي صور لمتعلقات الأميركي ويليام هندرسون
ب – استهداف المقرات الأمنية وعناصر الشرطة والجيش
من أبرز العمليات في هذا المحور اغتيال العميد بالجيش محمد سعيد ومجند يرافقه بالقاهرة في 28 نوفمبر2014، واستهداف مقر الأمن الوطني بشبرا الخيمة في أغسطس2015 بسيارة مفخخة، وقتل ضابط و7 أمناء شرطة من عناصر مباحث قسم حلوان في 8 أغسطس 2016. ومقتل 9 ضباط وأفراد شرطة خلال 16 عملية نفذتها خلية الجيزة في الفترة الممتدة من عام 2015 إلى 2016.
اختراق التنظيم ومقتل الغرابلي
تلقت خلايا التنظيم ضربات متتالية في شهر سبتمبر 2015. فقد تمكنت قوات الأمن بجراج نيابة أمن الدولة العليا في 16 سبتمبر 2015 من القبض على منفذ الهجوم على القنصلية الايطالية، ومقر الأمن الوطني بشبرا الخيمة المحامي هيثم رمضان أثناء محاولته وضع عبوة ناسفة أسفل سيارة المحامي العام الأول لنيابة أمن الدولة تامر الفرجاني. ومن خلال التحقيقات معه بدأ الأمن يجمع خيوط التنظيم. إذ تبين أن التنظيم يجهز السيارات المفخخة بالصحراء الغربية. وفي ذات التوقيت سبق لعناصر التنظيم أن اختطفوا في 13 سبتمبر 2015 قصاص الأثر البدوي صالح قاسم من منزله بالصحراء الغربية ثم ذبحوه.
وأثناء مطاردة مجموعات التنظيم بالصحراء الغربية قصف سلاح الجو المصري بالخطأ عدة سيارات دفع رباعي كانت تقل سياحا مكسيكيين بالصحراء الغربية في سبتمبر 2015، مما أسفر عن مقتل 8 سائحين مكسيكيين وأربعة من مرافقيهم المصريين. ولكن أخيرا نجحت الأجهزة الأمنية بتاريخ 25سبتمبر 2015 في تصفية 9 من قيادات التنظيم في اشتباك بمزرعة بأوسيم، من بينهم محمد نصر مؤسس كتائب الفرقان سابقا، وطارق عبد الستار المتهم بتدبير حادث معبد الكرنك.
ونجحت الأجهزة الأمنية في عام 2015 في تحقيق اختراق خطير بالتنظيم إثر تمكنها من القبض على أحد مسؤولي السفريات بالتنظيم وهو “حسام عوض- الشهير بأبي الفرقان”. فعقد حسام صفقة مع الأمن المصري تقضي بإخلاء سبيله مقابل تعاونه في اسقاط رفاقه، فساهم من منتصف عام 2015 إلى إبريل 2016 في القبض على أعداد كبيرة من مؤيدي التنظيم وعناصره بالقاهرة والمحافظات المختلفة، وبلغ عدد الموقوفين في قضية واحدة فقط- القضية رقم (672/2015) حصر أمن دولة عليا- ما يزيد عن 120 شابا. كما ساعد المذكور الأمن في الوصول لعدد من العناصر الجهادية البارزة وتصفيتها كالقيادي السابق بأجناد مصر أحمد النجار الشهير بمالك الأمير عطا. ثم وصلت الأجهزة الأمنية إلى أشرف الغرابلي، وقتلته في 9 نوفمبر2015 بالقاهرة.
خلايا الجيزة وحلوان (عملياتها، وانكشافها)
تشكلت خلايا تنظيم الدولة خارج سيناء في العديد من المحافظات والمدن، وبالأخص في الجيزة وحلوان وقنا. وعملت بشكل منفصل مع وجود تعاون متبادل بين قيادات الخلايا، سواء بالتنسيق مع أشرف الغرابلي قبل تصفيته، أو بالتواصل المباشر فيما بينهم.
ومن أبرز تلك الخلايا، خلية جنوب الجيزة، وخلية حلوان، وخلية اشتهرت باسم ولاية الجيزة. أما خلية جنوب الجيزة فقد بدأت عملياتها عام 2015 ونفذت 16 عملية من أبرزها تصفية 4 من عناصر الشرطة في الهجوم على كمين المنوات، واغتيال عقيد الشرطة “علي فهمي” رفقه سائقه في 9 يناير 2016. (فوقعت 7 عمليات في مركز البدرشين أو قرى تابعة له، و6 عمليات على طريق القاهرة أسيوط الزراعي في نطاق جغرافي تابع لمركز البدرشين، باﻹضافة إلى 6 عمليات في مركز أبو النمرس أو قرى تابعة له. وانحصرت تلك العمليات في استهداف ضباط وأفراد شرطة بإطلاق النار عليهم في مناطق زراعية وشوارع مفتوحة، باستثناء عملية واحدة تم فيها استخدام المتفجرات في استهداف أفراد الخدمة الأمنية التابعة للإدارة العامة لتأمين المناطق الأثرية والسياحية مركز أبو النمرس).
أما خلية حلوان، فقد تأسست على يد وليد حسين عام 2016 إثر حصوله على البراءة في القضية رقم 390 لسنة 2013 حصر أمن دولة عليا، والشهيرة باسم تنظيم محمد الظواهري. ونفذت تلك الخلية عملية استهداف ميكروباص مباحث حلوان بالتنسيق مع خلية الجيزة. فقد قام عناصر خلية الجيزة بتوفير السيارة ربع نقل ماركة شيفروليه المستخدمة في الحادث عبر تصفية المواطن توبه بباوي، والاستيلاء على السيارة التي يقودها، ثم تغيير لونها من الأحمر إلى الأبيض مع تركيب لوحات معدنية مزيفة. فضلا عن توفير الأسلحة لخلية حلوان، وعقب تنفيذ الحادث الذي أسفر عن مقتل ضابط و7 أمناء شرطة تم إخفاء السيارة والأسلحة المستولى عليها من القتلى لدى خلية الجيزة.
أما الخلية الثالثة الشهيرة باسم ولاية الجيزة، فقد ارتبطت مباشرة بأشرف الغرابلي، ونفذت عدة عمليات تبناها تنظيم الدولة الإسلامية في منابره الإعلامية. مثل حادث استهداف قوة تأمين مكتب التصديقات التابع لوزارة الخارجية بتفجير عبوة ناسفة بالعجوزة في سبتمبر 2015. وزرع عبوة ناسفة استهدفت قوة تأمين فندق الأهرامات الثلاثة في شهر نوفمبر 2015، ولكن تم كشف العبوة. واستهداف موظفين بالهيئة العامة للطرق والكباري، بمحور 26 يوليو في 23 مارس 2016 ظنا أنهما من عناصر الشرطة. واستهداف قوة تأمين نادى الطلبة العماني التابع للملحقية الثقافية لسفارة سلطنة عمان، بشارع غزة بالعجوزة بواسطة عبوة ناسفة في 5 مارس 2016، فضلا عن زرع عبوتين ناسفتين أمام سفارة غانا، ولكن تم كشفهما وإبطال مفعولهما.
ومع توالي عمليات تلك الخلايا بنطاق محافظة الجيزة، وسعت الأجهزة الأمنية من دوائر الاعتقالات، وحصلت على بعض الخيوط التي قادتها إلى صيد ثمين، إذ نجحت في الوصول إلى مجموعة من أهم عناصر خليتي الجيزة وحلوان أثناء اختبائهم في شقة مدينة رأس البحر الساحلية بمحافظة دمياط فقتلت ثلاثة منهم في 6 يونيو (2016). وكشف حادث رأس البر عن ميل التنظيم للمبالغة الإعلامية، إذ تعرض عناصره لمداهمة أمنية، وحدث اشتباك سقط خلاله ثلاثة منهم قتلى، بينما تمكن رابع من الفرار إلى مدينة المنصورة، وأثناء محاولته استقلال حافلة للسفر إلى القاهرة، حاولت دورية شرطة توقيفه، فاشتبك معها. بينما عرض التنظيم هذه الأحداث على أنها عمليات هجومية من قبل عناصره. وزعم سقوط قتلى فيها من عناصر الشرطة رغم عدم صحة ذلك، إذ سقط مصابون فقط. وعموما فقد اتسمت معظم الأخبار الواردة عن عمليات خلايا التنظيم بالجيزة وحلوان ضمن صحيفة النبأ الأسبوعية بالمبالغة.
بيان تنظيم الدولة الإسلامية عن مداهمة عناصره برأس البر
مع انكشاف خلية جنوب الجيزة، انكشفت أيضا الخلايا الأخرى المتعاونة معها، وسقط معظم عناصرها في يد الأمن، وخلال المداهمات والاعتقالات، وصل الأمن في 21 يناير 2016 إلى شقة مفخخة في حي الهرم انفجرت إثر اقتحامها مما أسفر عن مقتل 6 من عناصر الشرطة بينهم ضابط أمن وطني.
بيان تبني حادث شقة الهرم
وتوقفت عمليات تنظيم الدولة الإسلامية بالقاهرة الكبرى والمحافظات منذ شهر مايو 2016 إلى أن عادت مجددا على يد مجموعة عزت حسين وعمرو سعد التي تبنت استراتيجية جديدة ومختلفة عن الخلايا السابقة. مما جعل الأجهزة الأمنية تطلق عليها (خلية استهداف الكنائس).
جنود الخلافة في مصر
اعتاد تنظيم الدولة الإسلامية على وصف عملياته خارج سيناء بأنها من تنفيذ جنود الخلافة. ثم نشر بتاريخ 5 مايو 2017 في العدد (79) من مجلة النبأ الأسبوعية الصادرة عن ديوان الإعلام المركزي بالتنظيم الأم لقاءا مع من سماه (أمير جنود الخلافة في مصر). والذي أشار فيه إلى أنهم يعملون بشكل مستقل عن ولاية سيناء، مع التأكيد على أن علاقة أتباعه بجنود ولاية سيناء هي علاقة الإخوة والمحبة والولاء. وقد اعتمد التنظيم بعد تفكك مجموعات السابقة على استراتيجية جديدة، تركز على صنع توتر طائفي يؤثر على تماسك المجتمع، ويمهد إن اتسعت وتيرته لدخول البلاد في صراع طائفي ينهك النظام الحاكم، ويخلق فجوة يمكن للتنظيم أن يتمدد من خلالها.
ونفذ التنظيم ضمن هذه الاستراتيجية 5 عمليات هي:
- استهداف الكنيسة البطرسية بالعباسية في القاهرة بتاريخ 11 ديسمبر 2016 بعبوة ناسفة يحملها عضو التنظيم محمود شفيق، مما أسفر عن مقتل 29 مواطنا نصرانيا، وإصابة 34 آخرين.
- استهداف الكنيسة المرقسية بالإسكندرية بتاريخ 9 إبريل 2017عبر تفجير عضو التنظيم محمود حسن مبارك لحزامه الناسف مما أسفر عن مقتل 18 شخصا بينهم 8 من عناصر الشرطة (من ضمنهم 2 برتبة عميد) فضلا عن إصابة 43 آخرين.
- استهداف كنيسة مار جرجس بمدينة طنطا بتاريخ 9 إبريل 2017عبر تفجير عضو التنظيم ممدوح بغدادي لحزامه الناسف مما أسفر عن مقتل 27 شخصا وإصابة 75 آخرين.
- استهداف أتوبيس يقل رحلة كنسية، وسيارة ميكروباص أثناء توجهما إلى دير الأنبا صمويل بالمنيا في 26 مايو 2017 مما أسفر عن مقتل 29 شخصا.
- مهاجمة عضو التنظيم ابراهيم اسماعيل لكنيسة مار مينا بحلوان بسلاح آلي في 29 ديسمبر 2017 مما أسفر عن مقتل 10 أشخاص بينهم فرد شرطة.
ويلاحظ على الحوادث السابقة أنها وقعت في وقت متقارب، وبالتزامن مع حوادث اغتيال 6 نصارى في مدينة العريش خلال شهر فبراير 2017 في خمس حوادث متفرقة، فضلا عن حادث ذبح 21 نصرانيا مصريا في ليبيا على يد عناصر تنظيم الدولة الإسلامية في فبراير 2016، وهو ما يدل على أنها تمثل استراتيجية جديدة للتنظيم. وتكشف ملفات قضايا تلك الحوادث، والتي تبناها التنظيم في بيانات رسمية، بل ونشر مقاطع مصورة لمنفذي عمليتي الكنيسة البطرسية وكنيسة حلوان عن بعض المفاجآت. مثل أن منفذ حادث كنيسة حلوان هو أحد العناصر الهاربة المتهمة في قضية خلية حلوان، وأنه هو من نفذ حادث الهجوم على منفذ تحصيل الرسوم بالطريق الإقليمي بنطاق مركز العياط بالجيزة بتاريخ 5 يوليو 2017 مما أسفر عن مقتل ضابطين متقاعدين بالجيش، أحدهما برتبة عقيد والآخر نقيب فضلا عن مجند رفقتهما. كما نفذ أيضا الهجوم على منفذ تحصيل الرسوم بنطاق مركز الواسطي ببني سويف في 28 ديسمبر 2017 مما أسفر عن مقتل 3 من عناصر الجيش.
تبني حادث العياط بالعدد 90 من صحيفة النبأ
كما كشفت التحقيقات أيضا عن ضلوع مجموعة عمرو سعد في تنفيذ الهجوم على كمين النقب بطريق أسيوط الوادي الجديد في 16 يناير 2017 والذي أسفر عن مقتل 8 من عناصر الشرطة وإصابة 14 آخرين.
تفكك مجموعة عمرو سعد
تعرضت مجموعة عمرو سعد لضربات أمنية وانشقاقات، إذ تمكن حاجز للشرطة بمدينة إسنا بمحافظة الأقصر في 3 أغسطس 2017 من توقيف سيارة يستقلها عمرو سعد رفقة زميله عيد حسين مما دفعهما للاشتباك مع عناصر الحاجز، فقتلا أمين شرطة، وتمكن الأهالي من القبض على “عيد”، بينما نجح “عمرو” في الهرب. وقاد “عيد” أجهزة الأمن إلى منطقة جبلية بقنا يتواجد فيها رفاقه في 8 أغسطس 2017، فدار اشتباك أسفر عن مقتل 2 من عناصر المجموعة، فضلا عن مقتل رائد شرطة وإصابة ثلاثة آخرين. كما أعلنت وزارة الداخلية مقتل “عيد” أثناء المداهمة!.
ثم تمكنت الأجهزة الأمنية في 10 سبتمبر 2017 من تصفية 10 من عناصر التنظيم أثناء اقتحام شقتين في أرض اللواء بقلب محافظة الجيزة. وأعلنت الأجهزة الأمنية عن سلسلة قضايا كبرى أوقفت خلالها المئات من عناصر التنظيم في سيناء وخارجها، مثل القضية رقم 79/2017، والمتهم فيها 319 فرد، والقضية رقم 1000/2017 حصر أمن دولة عليا، والمتهم فيها 241 فرد.
ثم كشف عضو جماعة أنصار الإسلام عبد الرحيم المسماري خلال لقائه الإعلامي مع المذيع عماد أديب، والذي تناول عبره تفاصيل عملية الواحات التي جرت في أكتوبر 2017 عن أن 6 من عناصر تنظيم الدولة الإسلامية ممن نفذوا حادث الهجوم على حافلة وسيارة قرب دير الأنبا صمويل بالمنيا، قد انشقوا عن التنظيم، وانضموا إلى مجموعته. وهو ما يدل على تفكك مجموعة عمرو سعد، ويفسر توقفها لاحقا عن شن أي عمليات منذ حادث المنيا في مايو 2017 باستثناء الحوادث الفردية التي نفذها ابراهيم اسماعيل.
احتمالات نمو تنظيم الدولة الإسلامية في مصر ومستقبله
-مبايعة جماعة أنصار بيت المقدس لتنظيم الدولة مثلت سلاحا ذا حدين، إذ استفادت الجماعة من الزخم الذي حققه التنظيم بنجاحه في السيطرة على مساحات واسعة من العراق وسوريا، فصارت مأوى للشباب المتعاطف معه، فضلا عن الدعم المالي والبشري المقدم لها من قبله، مما انعكس على تطور مستوى العمليات في سيناء. ولكن ارتباطها به حيزها في إطار المتفاعلين مع التنظيم فقط، وحملها عبئ خلافاته مع الجماعات الأخرى، وربط مصيرها بمصيره، فكلما خسر التنظيم مناطق سيطرته كلما فقدت أطروحته بريقها، وقل عدد المتفاعلين معه، وثبت أن إعلان إقامة خلافة وولايات كان بمثابة مجازفة لا تراعي معطيات الواقع ومعادلاته.
-من المرجح استمرار تواجد التنظيم داخل سيناء لعدة سنوات قادمة نظرا لاستمرار سياسة العقاب الجماعي التي ينتهجها الجيش، ونجاح التنظيم في توظيف الغضب من تجاوزات الجيش لخدمة أهدافه، مما يوفر له مددا بشريا يعوض خسائره. ولكن من غير المرجح أن يتمكن التنظيم من السيطرة على مساحات معتبرة من الأرض، نظرا لضخامة حجم الجيش، وقدرته على تعويض خسائره باستمرار، فضلا عن الدعم الدولي له في معركته بسيناء.
أما خارج سيناء فلم ينجح تنظيم الدولة في التمدد ونقل تجربته إلى الصحراء الغربية أو الصعيد رغم سابق إعلانه في إبريل 2015 عن قرب إنشاء فرع جديد بعنوان “ولاية الصعيد”. وذلك نظرا لعدم توافر البيئة الحاضنة، أو التضاريس الجغرافية المناسبة، فضلا عن أن ضعف الجانب الأمني لدى خلايا التنظيم خارج سيناء يسرع سقوطها بيد الأمن. وبالتالي طالما ظل النظام الانقلابي في مصر يحكم قبضته على المجال العام دون دخول البلاد لمرحلة فوضى، فإن احتمالات نمو تنظيم الدولة الإسلامية خارج سيناء ستظل ضعيفة، وستنحصر في تشكيل خلايا قد تنجح في تنفيذ عمليات قبل أن تصفيها الأجهزة الأمنية، وربما تحبطها قبل وصولها إلى مرحلة التنفيذ. وسيتمثل الدور الأساسي لتلك الخلايا في إنهاك الأجهزة الأمنية.
-يؤشر انشقاق 6 من عناصر التنظيم وانضمامهم لجماعة أنصار الإسلام، إلى وجود قابلية لانحياز بعض عناصر التنظيم أو المتعاطفين معه إلى تنظيمات جهادية أخرى أقل غلوا. كما يلاحظ اعتناء صحيفة النبأ الأسبوعية الصادرة عن ديوان الإعلام المركزي بالتنظيم الأم بحادثة الواحات التي جرت في أكتوبر 2017 رغم عدم ضلع التنظيم في تنفيذها. وهو ما يدل على أن كوادر تنظيم الدولة تأسرهم العمليات القوية، وأن أي كيان جهادي ينفذ عمليات من هذه النوعية من المرجح أن يتمكن من اجتذاب قطاعات من المحسوبين على التنظيم والمتعاطفين معه.
6- جماعة المرابطين
ظهر اسم الجماعة لأول مرة على المنتديات الجهادية وبالأخص شبكة الفداء الإسلامية مع الإعلان عن تأسيسها عقب شهرين من إعلان تأسيس ولاية سيناء، ثم ظهر لاحقا هشام عشماوي الفرافرة في رسالة صوتية بعنوان (ويومئذ يفرح المؤمنون) بتاريخ 21يوليو 2017 معلنا فيها عن نفسه كأمير لجماعة “المرابطين”. ولم تتبن جماعة المرابطين منذ تأسيسها حتى منتصف عام 2018 المسئولية عن أي عمليات بمصر، واقتصر نشاطها على بث إصدارات صوتية ومحاضرات دعوية على قناتها بتطبيق تليجرام.
الخطاب الإعلامي: تقدم الجماعة خطابا يركز على القضايا ذات القبول الشعبي فتكتفي بوصف السيسي بالمجرم، وتؤكد أنه مجرد واجهة لأميركا وإسرائيل، وأن الصراع الحقيقي معهما، وتستخدم مقتطفات من كلمات حازم أبو اسماعيل كقوله (إما أن نحيا كراما أو نموت فنحيا عند الله كراما)لاكتساب أنصاره لصف الجماعة. كما تحاول احتواء الشباب غير المتفاعل مع خطاب تنظيم الدولة، ففي إصدار “ولا تهنوا ولا تحزنوا” تحدث عشماوي عن قضية فلسطين وأهميتها، وأثنى على المعتصمين بميداني رابعة والنهضة، وانتقد الديموقراطية، وأكد رفضه لها مع تخطئته من أجازها من أهل العلم داعيا لهم بالمغفرة ونيل ثواب الاجتهاد الخاطئ، مع تأكيده أن السلمية لن تحسم بمفردها صراعا، ودعا المتظاهرين إلى رفع شعارات إسلامية فضلا عن دعوته إلى استهداف عناصر الجيش والشرطة والإعلاميين.
احتمالات النمو ومستقبل الجماعة: يتمركز قادة المرابطين بليبيا، تكرارا فيما يبدو لنموذج جماعة الجهاد في إبقاء قادتها خارج البلاد بعيدا عن قبضة الأجهزة الأمنية مع السعي لتكوين خلايا بالداخل، وانتظار حدوث قلاقل تسمح ببدء صراع مع النظام. وحتى الآن لا تعد الجماعة لاعبا فاعلا في المشهد الجهادي بمصر، وقد تلقت ضربة قوية بتمكن مليشيات الجنرال الليبي حفتر من توقيف أميرها هشام عشماوي في 8 أكتوبر 2018 بمدينة درنة الليبية. وهو ما قد ينهي أي حضور مستقبلي للجماعة في المشهد المصري.
7- جماعة جند الإسلام
ظهرت جماعة جند الإسلام أول مرة للعلن إثر تبنيها على المنتديات الجهادية بتاريخ 12 سبتمبر 2013 لتنفيذ عمليتين بسيارتين مفخختين ضد موقعين أمنيين أحدهما مقر المخابرات الحربية برفح في اليوم السابق على صدور البيان، أي في الذكرى الثانية عشر لأحداث سبتمبر مما أسفر عن مقتل 6 عسكريين.
ورغم تعهد الجماعة بإصدار تفاصيل العملية في إصدار مرئي خلال وقت قريب، إلا أنها لم تبدأ في نشر إصداراتها المرئية سوى بعد مرور فترة من الزمن، فنشرت أول إصدار بعنوان (سبيل العزة 1) في 5 مايو 2015، وتضمن إطلاق صاروخ جراد على الكيان الصهيوني في رجب ١٤٣٦، كما شمل الإصدار مقتطف من كلمة لأبي يحيى الليبي القيادي السابق بتنظيم القاعدة، ثم نشرت في 8 أغسطس 2015 إصدارا بعنوان(سبيل العزة ٢- غزوة رفح) تضمن وصية منفذي حادثي 11 سبتمبر2013، كما عرض الإصدار مقتطف من كلمة لأيمن الظواهري زعيم تنظيم القاعدة. ثم أصدرت في نهاية أكتوبر 2015 إصدارا بعنوان (واعدوا) تضمن مشاهد لتدريبات عناصرها، وإقامتهم لحاجز تفتيش للتدقيق في هويات ركاب السيارات، ومشاهد من اشتباكات عناصرها مع حملات عسكرية للجيش، ولكن من أهم ما تضمنه الإصدار مقتطف من كلمة صوتية لهشام عشماوي أمير جماعة المرابطين، والذي رفض بيعة جماعة الأنصار لتنظيم الدولة الإسلامية. وتشير تلك المقتطفات المتضمنة في الإصدارات إلى تقارب الجماعة مع تنظيم القاعدة، وبعدها عن نهج تنظيم الدولة الإسلامية، وهو الأمر الذي ترك تداعياته على مسار جماعة جند الإسلام.
فقبل مبايعة جماعة أنصار بيت المقدس لتنظيم الدولة الإسلامية، لم تكن جماعة الأنصار تخاصم الجماعات الجهادية الأخرى في سيناء، حتى أنها قالت في تعقيبها على أول حملة عسكرية شنها الجيش على شمال سيناء في سبتمبر 2013 “نفذ إخوانكم في جماعة أنصار بيت المقدس وباقي المجموعات المجاهدة عملية انحياز سريعة لتجنيب الأهالي مجزرة كبيرة”. ولكن بعد المبايعة اختلفت نظرتها لبقية المجموعات الجهادية، وقد طرحت صحيفة النبأ الأسبوعية السؤال التالي على أمير ولاية سيناء أبي هاجر الهاشمي قائلة (لم تخل ساحة من فصائل الضرار التي لا غاية لها سوى شق صف المسلمين، وصد الناس عن البيعة لأمير المؤمنين، فعل ظهرت مثل هذه الفصائل في ولاية سيناء؟ وكيف تعاملتم معها أو ستتعاملون معها إن ظهرت في أرض الولاية؟). فأجاب قائلا(قد كان هناك ظهور تعاملنا معه بالحجة والبيان والسنان، ولله الحمد، وإننا –إن شاء الله تعالى- لن نرضى إلا أن تكون كلمة المسلمين واحدة، وإننا ندين الله تعالى بوجوب بيعة أمير المؤمنين، روى مسلم في صحيحه عن عرفجة رضي الله تعالى عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أتاكم وأمركم جميعا على رجل واحد، يريد أن يشق عصاكم ويفرق جماعتكم فاقتلوه).
أي أن ولاية سيناء تسقط أحكام الخلافة على واقع لا تحكمه ابتداء، ومن ثم تتعامل مع الجماعات الأخرى باعتبارها جماعات خارجة على الإمام. وهذا التنظير يثبت الأنباء التي تداولت عن مطاردة ولاية سيناء لعناصر جماعة جند الإسلام ومصادرة أسلحتهم، مما تسبب في تحجيم نشاطهم لمدة سنتين تقريبا إلى أن عادوا للظهور فجأة مجددا في 4 نوفمبر 2017 في كلمة صوتية نشرتها قناة منبر سيناء على تطبيق التليجرام، بعنوان (حقيقة خوارج البغدادي في سيناء) لأبي محمد السلفي السيناوي هاجم فيها ولاية سيناء، واتهمها برفض التحاكم للشريعة في نزاعها مع قبيلة الترابين، وتحدث عن ضلوع عناصر ولاية سيناء في عدة تجاوزات ضد الأهالي، ومنعهم من حرث أراضيهم وجني المحصول، وطرد عمال شركة الكهرباء، ومحاصرة ومنع المواد الغذائية والطبية عبر الأنفاق لغزة.
ثم أصدرت جماعة جند الإسلام كلمة صوتية في 11 نوفمبر 2017 بعنوان “بيان عسكري، تبني عملية أمنية لدفع صيال خوارج البغدادي بسيناء”. وتحدثت فيها عن محاولة ولاية سيناء الغدر مجددا بعناصرها حسب تعبيراتها، مما دفع الجماعة في 11 أكتوبر 2017 إلى مهاجمة مجموعة من عناصر الولاية بغرض توقيفهم والتحقيق معهم، فدار اشتباك أسفر عن مقتل عنصرين من جند الإسلام، ومقتل ركاب السيارة، وفي نهاية الكلمة طلب المتحدث من أربع قيادات من ولاية سيناء أن يسلموا أنفسهم، وزعم قدرة جماعته على القضاء على ولاية سيناء، وهو أمر محل شك. فالعملية نفسها لم تنجح في تحقيق هدفها المتمثل في أسر عناصر ولاية سيناء والتحقيق معهم.
وتوالت بعد ذلك بيانات جماعة جند الإسلام وإصداراتها، فأصدرت في 12 نوفمبر 2017 بيانا بعنوان (براءة جماعة جند الإسلام من مجزرة السائقين المسلمين بوسط سيناء). وهو الحادث الذي قتلت فيه ولاية سيناء 9 سائقين ممن يعملون بنقل النفط إلى مصنع الإسمنت التابع للقوات المسلحة. ثم أصدرت في 24 نوفمبر 2017 بيانا بعنوان (براءة جماعة جند الإسلام من مجزرة صلاة الجمعة في شمال سيناء). أدانت فيه مجزرة مسجد الروضة. ثم أصدرت في 25 يناير 2018 إصدارا مرئيا بعنوان (معذرة إلى ربكم)، تناول شهادة تفصيلية لأحد المنشقين عن تنظيم الدولة. وأخيرا أصدرت في 11 سبتمبر 2018 إصدارا مرئيا بعنوان( ورابطوا) تناول مشاهد من رباط وتدريبات عناصرها، كما نعت خلاله 14 من مقاتليها قتُلوا في معارك الجماعة.
لا توجد أي تفاصيل متاحة عن هوية قيادات الجماعة، ولكن يلاحظ أن عدد عناصرها قليل وتسليحهم محدود، إذ لم يتجاوز عدد من ظهروا في إصداراتها المرئية بضعة عشر فردا رفقة سيارتين، فضلا عن قلة عدد العمليات التي نفذتها مقارنة بولاية سيناء، وكثرة البيانات الإعلامية مقارنة بالعمل الميداني، وتمحورها مؤخرا حول خصومتها مع ولاية سيناء. ولعل جماعة جند الإسلام تحاول بذلك أن تقدم بديلا جهاديا في سيناء يسعى للاستفادة من تراجع حضور تنظيم الدولة وفرعه السيناوي، وإن كان الحضور الميداني هو الذي يفرض نفسه في النهاية.
8- جماعة أنصار الإسلام
في مساء الجمعة 20 أكتوبر 2017 تناقلت وسائل الإعلام المصرية والدولية تصريحات نقلا عن مصادر أمنية بوقوع مجزرة في صفوف قوات الشرطة بالصحراء الغربية وصل ضحاياها إلى 55 قتيلا بينهم 23 ضابطا. وفي اليوم التالي للأحداث أصدرت وزارة الداخلية بيانا أعلنت فيه مقتل 16 شرطيا بينهم 11 ضابطا من ضمنهم 6 ضباط من جهاز الأمن الوطني في أكبر خسارة يتعرض لها الجهاز منذ تأسيسه عام 1910. كما زعم بيان وزارة الداخلية مقتل وإصابة 15 من المهاجمين وأكد اختطاف أحد الضباط. ولكن قدمت شهادة طبيب بمستشفى الشرطة أذاعها الإعلامي أحمد موسى تفسيرا لهذا التناقض في عدد القتلى إذ تبين أن قوات الجيش والشرطة لم تصل إلى موقع الحادث سوى صباح السبت، فوجدت أن المهاجمين قتلوا الضباط فقط وتركوا الجنود على قيد الحياة، ومن ثم تمكنت من إحصاء العدد الحقيقي للخسائر. وعقب الحادث بأسبوع أقال السيسي كلا من رئيس أركان القوات المسلحة، ورئيس قطاع الأمن الوطني، ورئيس العمليات الخاصة بالأمن المركزي، ومدير أمن محافظة الجيزة، ومفتش قطاع الأمن الوطني بمحافظة الجيزة.
ظلت هوية المنفذين مجهولة إلى أن أعلن الجيش في 31 أكتوبر 2017 عن قصفه للمجموعة التي نفذت الهجوم، وتحريره للضابط المختطف. ونشرت الصحف صور جثامين العناصر المستهدفة، وهنا ظهرت مفاجأة تمثلت في وجود جثمان نقيب الصاعقة السابق عماد الدين عبد الحميد. وهو أحد المشاركين في محاولة اغتيال وزير الداخلية اللواء محمد إبراهيم عام 2013، كما شارك في هجوم (الفرافرة 2) الذي أسفر عن مقتل 22 ضابطا وجنديا بالصحراء الغربية عام 2014. وتأكد الأمر أكثر في اليوم التالي بإصدار جماعة جديدة اسمها “أنصار الإسلام” في 3 نوفمبر2017 بيانا تبنت فيه الحادث وكشفت عن ملابساته، وأكدت مقتل فرد واحد فقط من عناصرها وإصابة اثنين في حادث 20 أكتوبر لا 15 عنصرا مثلما زعم بيان وزارة الداخلية، كما اعترفت الجماعة بمقتل عماد عبد الحميد ومجموعة من رفاقه في القصف الذي استهدفهم.
بيان تبني جماعة أنصار الإسلام لحادث الواحات
أعلن السيسي شخصيا عن إلقاء القبض على الناجي الوحيد من منفذي الهجوم، ثم ظهر الليبي عبد الرحيم المسماري في لقاء تلفزيوني بتاريخ 16 نوفمبر 2017 مع الإعلامي عماد أديب تناول فيه خلفيات الحادث، وتبين أن هذه المجموعة تشكلت في مدينة درنة الليبية على يد “عماد الدين عبد الحميد” الذي رفض الانضمام إلى تنظيم الدولة الإسلامية، وقرر العودة إلى مصر في أغسطس 2016. فعاد مع 11 مقاتلا عبر الصحراء رفقة ترسانة من الأسلحة المتنوعة في رحلة استغرقت شهرا إلى أن وصل إلى مصر. وظلوا يتنقلون في الصحراء الغربية في نطاق محافظات قنا وسوهاج وأسيوط إلى أن تمركزوا في الواحات الغربية منذ يناير 2017. واكتشفت وجودهم الأجهزة الأمنية في أكتوبر 2017، فحدثت معركة الواحات إثر مداهمة حملة كبيرة من نخبة قوات الشرطة لمحل تواجدهم، فتمكنوا من إبادتها. ولكن حال عدم توافر البنزين والطعام من تمكنهم من الابتعاد عن موقع الحادث سوى 80 كم إلى أن عثرت عليهم قوات الجيش وقصفتهم. كما كشف المسماري عن انضمام 6 من عناصر تنظيم الدولة الإسلامية الذين شاركوا في حادث دير الأنبا صمويل بالمنيا إليهم.
ولكن السؤال الذي طرحه هذا الحادث لم يجب عنه المسماري، وهو ما الذي كانت تفعله تلك المجموعة المحترفة في الصحراء الغربية؟ فضلا عن سبب عدم تبني الجماعة لحادث الواحات عقب وقوعه، وتأخر تبنيها إلى بعد مقتل عناصرها.
وهنا يمكن القول بأنه قياسا على التجارب الجهادية السابقة في العراق وسوريا، فالجماعات التي لها ارتباطات بالقاعدة بدأت التواجد هناك بعدد محدود جدا من الكوادر لا يتجاوز ١٠ عناصر مثلوا نواة للعمل التنظيمي. فشنوا هجماتهم وتوسعوا عدديا ثم أعلنوا لاحقا عن أنفسهم بعد تواجدهم الفعلي بعدة شهور. وهذا السيناريو يصلح لتفسير ما حدث بالواحات، فمجموعة لا تتجاوز ١٢ فردا بقيادة ضابط سابق مخضرم، تمركزت في الصحراء بعيدا عن أعين النظام، ولكن الأجهزة الامنية اكتشفت وجود هم، دون أن تدري حقيقة مستواهم القتالي، فتحركت للقبض عليهم بحملة أمنية تعرضت للإبادة، ومن ثم أدرك النظام خطورة المجموعة، فأعد لها ما يناسبها وقضى عليها بشكل كامل، ثم عقب نشر صور جثامين منفذي الهجوم، أصبح إخفاء الجماعة لهوية عناصرها غير ذي قيمة، فنشرت بيان تبنيها للأحداث. ويكشف الحادث عن دخول مجموعات مقربة من تنظيم القاعدة على خط الأحداث في مصر، وهي مجموعات تجمع بين الاحتراف العسكري والحرص على توجيه رسائل إنسانية في طيات عملياتها القوية مثلما تجلى في عدم قتلها للجنود الأسرى وإطلاق سراحهم. وهو نمط مختلف عن تنظيم الدولة الذي يحرص على قتل الجنود الذين يسقطون في قبضته.
عقب بيان تبني الحادث لم يظهر اسم الجماعة مجددا سوى في بيان آخر أصدرته في 25 نوفمبر 2017 أدانت خلاله مجزرة مسجد الروضة بشمال سيناء مثلما فعلت صنوتها جماعة جند الإسلام. وقد اختفت الجماعة منذ ذلك الحين، ومن المرجح تعرضها لضربة أخرى قوية إثر تمكن قوات اللواء خليفة حفتر من اقتحام مدينة درنة، وقتل عدد من قيادات مجلس شورى مجاهدي درنة الذي خرجت جماعة أنصار الإسلام من رحمه وفقا لاعترافات المسماري، وعلى رأسهم شرعي المجلس عمر رفاعي سرور، والذي أشار المسماري إلى دوره في منع انضمام عناصر المجلس إلى تنظيم الدولة الإسلامية.
تحليل التجربة الجهادية الثانية
انتعش التيار الجهادي عقب اندلاع ثورات الربيع العربي، إذ خرجت عناصره من المعتقلات، وسيطر على مدن كبرى ومناطق شاسعة بسوريا والعراق واليمن وليبيا، وصار يمتلك لأول مرة داخل الدول العربية عشرات الآلاف من المقاتلين المزودين بأسلحة ثقيلة وخبرات عسكرية متطورة، فضلا عن تكوينه لشبكات دعم لوجستي وتهريب استغلت حالة الانفلات الأمني على الحدود في نقل الأسلحة والأفراد. كما أضفى الانقلاب العسكري بمصر بريقا على الأطروحة الجهادية في التغيير باستخدام القوة بعد انهيار أطروحة المشاركة السياسية والإصلاح التدريجي. وأدت تلك العوامل الخارجية والداخلية إلى تصاعد المد الجهادي داخل مصر فتشكلت تنظيمات جديدة شديدة الفعالية، ونفذت عمليات متنوعة شملت اسقاط طائرات، وتدمير قطع بحرية، وتفجير مقرات أمنية وعسكرية.
ولكن أعاق التنظيمات الجهادية عن تحقيق أهدافها
-غياب أو ضعف العمل ضمن خطة استراتيجية للمواجهة تراعي إمكانات وقدرات التنظيمات الجهادية مقارنة بقدرات وإمكانيات النظام الحاكم، مما يجعل النظام ينتصر في المعارك الاستنزافية لكثرة وتنوع موارده، وقدرته على امتصاص الضربات الموجهة له، وتعويض الخسائر، فضلا عن حصوله على دعم إقليمي ودولي.
– افتقاد التنظيمات الجهادية لهياكل تنظيمية وتعبوية قوية تمكنها من تعويض خسائرها وتجنيد عناصر جديدة. بالإضافة إلى الخبرة الواسعة لأجهزة الأمن المصرية في العمل الأمني التقليدي، وقدرتها على التكيف مع المستجدات، مما مكنها من تفكيك وتصفية أغلب التنظيمات الجهادية، وبالأخص خارج سيناء.
– تماسك المجتمع المصري طائفيا ومذهبيا، وقوة سيطرة الدولة على المحافظات المركزية، والطبيعة الجغرافية للوادي التي تقلل من القدرة على المناورة، وإقامة معسكرات للتدريب ومقرات للإعاشة.
-امتناع معظم الحركات الإسلامية المصرية، وعلى رأسهم القيادات التاريخية لجماعة الإخوان عن استخدام القوة في مواجهة الانقلاب، مما قلل من رقعة أحداث العنف، ومنع من تحويلها لحالة عامة تتمدد فيها التنظيمات الجهادية. كما انعكس الصراع الخارجي بين تنظيمي الدولة الإسلامية والقاعدة على التيار الجهادي بمصر، مما ساهم في تشظي الحالة الجهادية المصرية.
مقارنة بين التجربة الجهادية الأولى والثانية
1-الحالة المجتمعية
في التجربة الجهادية الأولى ظلت التنظيمات الجهادية محدودة العدد تفتقد لحاضنة شعبية قوية تقدم لها الدعم المالي والبشري الذي يكفل الاستمرار، ونددت معظم الجماعات الإسلامية بأعمال العنف، وقدمت تنظيرات مناهضة له، بينما نشأت التجربة الثانية في ظل حالة انقسام مجتمعي، ووجود شريحة مجتمعية واسعة يبلغ تعدادها عدة ملايين تضررت من الانقلاب، وتعد بمثابة خزان بشري مناهض له. وهو ما يجعل فرصة قضاء الأمن على الحالة الجهادية بشكل كامل أمر بعيد المنال. إذ كلما انتهى تنظيم ظهر تنظيم آخر، لبقاء نفس الأسباب التي تدفع نحو العمل المسلح. وقد أشار تقرير لمعهد التحرير لسياسة الشرق الأوسط إلى أنه رغم انخفاض عدد العمليات المسلحة بمصر من 807 عملية عام 2016 إلى 332 عملية عام 2017، إلا أنها صارت أكثر فتكا.
2- شرعية النظام
في التجربة الجهادية الأولى حظى النظام بمشروعية قانونية في أعين الجماهير، واعتبر معظم المواطنين الجهاديين بمثابة متطرفين خارجين على الشرعية، أما في التجربة الثانية فقد عانى نظام السيسي من أزمة مشروعية، وتنظر له قطاعات متنوعة من المجتمع على أنه نظام انقلابي، فضلا عن التجاوزات الواسعة التي يرتكبها بحق المعارضين من اعتقالات جماعية، وتصفيات جسدية خارج نطاق القانون، وتأميم للعمل السياسي بالتوازي مع التدهور الاقتصادي الحاد، مما يجعل أعمال العنف من قبل خصوم النظام مبررة في حس المواطنين حتى لو لم يكونوا من مؤيديها.
3-النطاق الجغرافي
في التجربة الجهادية الأولى تركزت العمليات المسلحة في الصعيد بشكل أساسي ثم القاهرة والجيزة بشكل نسبي، أما في التجربة الجهادية الثانية فقد اتسع نطاق العمليات ليشمل سيناء والصحراء الغربية ومعظم محافظات وجه بحري بالإضافة إلى القاهرة الكبرى والشرقية ومحافظات الصعيد، مما يرهق الأجهزة الأمنية ويشتتها، فضلا عن تخطي الأحداث بسيناء نمط المواجهة الأمنية إلى نمط المواجهة العسكرية الذي تستخدم فيها الطائرات والمدفعية والأسلحة الثقيلة.
4-الوضع الإقليمي
نشأت التجربة الجهادية الأولى في ظل نظام إقليمي متماسك، ودوّل قومية قوية تحكم قبضتها على حدودها وشعوبها، أما التجربة الجهادية الثانية فنشأت في ظل انهيار إقليمي، وتفكك لعدة دول فاعلة أو مجاورة مثل العراق وسوريا وليبيا واليمن، واضطراب في توازنات القوى العالمية مما ساهم في بروز ظاهرة المليشيات والتنظيمات المسلحة، وسهل انتقال المقاتلين والأسلحة عبر الحدود، فضلا عن الثورة المعلوماتية والتقنية التي سهلت على الأفراد التواصل ونقل الخبرات.
استشراف مستقبل التنظيمات الجهادية بمصر
بعد استعراض جذور نشأة التيار الجهادي وتطوره التنظيمي وأبرز أفكاره، يمكن استشراف مستقبله وفقا للسيناريوهات التالية دون الجزم بترجيح أحدها نظرا لسيولة المشهد السياسي الحالي بمصر، بل وسيولة الوضع الإقليمي والدولي عموما، واحتمال اندلاع حروب إقليمية:
السيناريو الأول: استمرار حكم السيسي
في هذه الحالة يتوقع استمرار توالد مجموعات جهادية تسعى للثأر من النظام الحاكم وتستفيد من الخبرات المتراكمة لدى التيار الجهادي، مع تمكن الأجهزة الأمنية من تفكيكها بمرور الوقت. فكلما ازداد فشل النظام اقتصاديا وكثرت الاضطرابات المجتمعية زاد استغلال المجموعات الجهادية لحالة الغضب في مد نفوذها وزيادة نشاطها. وفي ذات الإطار قد يحدث تقارب بين التنظيمات الجهادية، والحركات المسلحة التي انبثقت من رحم جماعة (الإخوان المسلمين).
وهي مجموعات يصعب تصنيفها كمجموعات منتمية للتيار جهادية نظرا لاختلاف منطلقاتها ومرجعياتها الفكرية والشرعية عن التيار الجهادي، ويظل استمرارها في العمل المسلح مرتبطا بالتطورات في المشهد المصري. ولكن هذا التقارب قد يحدث تحت ضغط الواقع، ووحدة الخصم مما قد يكفل استمرار الحالة الجهادية وتطويرها. وغالبا سيظل التيار الجهادي لاعب فاعل في المشهد دون أن يكون اللاعب الأبرز أو أن يتمكن من حسم الصراع بمفرده، وسيتمثل دوره في ازعاج النظام العسكري الحاكم.
السيناريو الثاني: رحيل السيسي وعودة الإخوان للساحة السياسية
يفترض هذا السيناريو تصاعد حالة الاحتقان المجتمعي والاحتجاج الشعبي ضد سياسات النظام القمعية والفاشلة اقتصاديا، وتوتر العلاقات الإقليمية مع دول الخليج لأي سبب من الأسباب المفاجئة كغياب محمد بن سلمان من المشهد على سبيل المثال أو تراجع الدور الإماراتي مع ابعاد ترامب مما سيؤثر على الدعم الاقتصادي والسياسي الذي يتلقاه النظام المصري. وهذا الوضع قد يدفع الدول الكبرى لإجبار السيسي على الرحيل لمنع خروج الأمور عن السيطرة.
وهو سيناريو ستتقلص فيه مساحة العنف بالأخص إذا صاحب رحيله حدوث توائمات مع جماعة الإخوان، فحينئذ ستفقد التنظيمات الجهادية مبررات القيام بأعمال مسلحة، وستتوجه لنشر أفكارها وإعداد كوادرها استعدادا لجولة جديدة من الصراع. ويتوقع آنذاك تدشين محاولات لسحب المشروعية من التيار الجهادي، وقد يعيق نجاحها انفتاح بقية التيارات الإسلامية على التيار عقب الانقلاب، مما سيؤدي إلى انهيار شرعية من يقبلون أداء هذا الدور. وستكون هناك فرصة كبيرة لتجميع عقلاء التيار الجهادي في مشروع عام للأمة، يمثلون فيه رصيد قوة يحافظ على المشروع، ويعيق إعادة الإسلاميين إلى مرحلة الاستضعاف.
السيناريو الثالث: دخول مصر في حالة فوضى
يفترض هذا السيناريو تزايد الفشل الاقتصادي وتدهور العلاقات الإقليمية لنظام السيسي وتصاعد حالات الاحتجاج الشعبي، ورفض السيسي لمغادرة السلطة وقمعه للاحتجاجات، مما سيؤدي لزيادة رقعتها وانتشار حالة من الفوضى والفلتان الأمني والتشظي المجتمعي والديني، وهو ما يمثل نافذة تمدد وانتشار للتنظيمات الجهادية. وستسعى عندئذ لتطبيق أطروحة “إدارة التوحش”، واستنساخ التجارب الجهادية بالسيطرة على أراضي، وإقامة معسكرات، والدخول في حرب دموية مع بقايا النظام، ومع بعضها البعض. وستكون الساحة المصرية عندئذ مؤهلة لحدوث تدخلات خارجية من قبل الدول الكبرى.
السيناريو الرابع: موت السيسي أو اغتياله
سيمثل غياب السيسي من المشهد ضربة معنوية كبيرة للنظام الانقلابي، ودفعة معنوية هائلة لمعارضي الانقلاب. وهو ما قد يدفع الدول الكبرى للتدخل والتوسط لاحتواء الوضع سياسيا، وفتح صفحة جديدة مع الإسلاميين تحد من تطلعاتهم وطموحاتهم في استعادة الحكم مقابل إعطائهم بعض المكتسبات كزيادة مساحة الحرية، والإفراج عن المعتقلين، وإعادة الدمج بالمشهد السياسي. أما إذا كان غياب السيسي من المشهد ناتجا عن اغتياله بواسطة التيار الجهادي، فستحدث انتعاشه كبيرة في صفوف التيار الجهادي تفوق انتعاشه وانتشار أفكاره عقب اغتياله للسادات.
النتائج النهائية للبحث
1-طغت النزعة العسكرية على التيار الجهادي المصري لنشأته على أرضية المواجهة مع الأنظمة، وتمركزت أطروحاته حول ردة الأنظمة العلمانية الحاكمة، وعمالتها للغرب، ووجوب قتالها، ورفض الانخراط في أي عملية سياسية تحت مظلتها، دون أن يقدم التيار الجهادي مشروعا بديلا ذي ملامح واضحة للحكم وإدارة الدولة.
2-تأسست الجماعة الإسلامية كحركة طلابية مجتمعية تتفاعل مع الشأن العام، ولم تنشأ كجماعة سرية ذات خلفية عسكرية مثل مجموعات الجهاد، مما ساهم في عدم استمرارها طويلا في تبني العمل المسلح، لتعود للانخراط مجددا في العمل المجتمعي والسياسي عقب الثورة.
3-مثلت أجواء القمع بيئة خصبة لتمدد التيار الجهادي لاضطلاعه بإحياء حالة المواجهة في ظل أجواء الانكسار، مثلما حدث عقب القمع الناصري للإخوان عام1965، وتكرر الأمر ثانية عقب الانقلاب العسكري عام2013. ولكن لم يتمكن التيار الجهادي داخل العمق المصري من تحويل حالة التفاعل النسبي معه إلى عمل منظم ومستمر لضعف أو عدم تبنيه لاستراتيجية صراع تراعي معطيات الواقع، فضلا عن ضعف هياكله التنظيمية والتعبوية، بالتوازي مع تماسك المجتمع وقوة الدولة.
4- استفاد التيار الجهادي خارجيا من خطابه الأممي، ونجح في استغلال الساحات الجهادية في أفغانستان والعراق وسوريا وغيرها في تدريب وتطوير عناصره، وبناء شبكات متنوعة، وبؤر عمل جديدة أعاقت جهود محاصرته وتصفيته. كما أدى تبني تنظيم القاعدة لاستراتيجية مواجهة أميركا وإسرائيل وحلفائهما إلى تحول التنظيمات الجهادية من تنظيمات نخبوية تضم بضع مئات من العناصر إلى تنظيمات أممية تضم عشرات آلاف الأعضاء وأضاعفهم من المؤيدين في أنحاء العالم.
5-حضور الجهاد كملمح أساسي في التيار الجهادي جعل عناصره شديدة الخطورة والفعالية، فنجد أعدادا قليلة منه تقوم بأعمال غير معتادة، فأربعة فقط قتلوا السادات وسط حراساته، و٣٥ من أعضاء الجماعة الإسلامية سيطروا على مديرية أمن أسيوط وقسمي شرطة، وفرد واحد بتنظيم كتائب أنصار الشريعة قتل قرابة 15 من أفراد الشرطة في حوادث منفصلة، وهو ما يجعل استمرار أي مجموعات جهادية في العمل الميداني يمثل إزعاجا للأنظمة الحاكمة.
6- استغرقت الجماعات الجهادية سابقا سنوات عديدة لبناء شبكاتها التنظيمية من خلال الدعوة في المساجد والجامعات، وحظي أفرادها بقسط من التربية الأخلاقية والفكرية، وأدى اعتمادها مؤخرا على شبكة الانترنت، ووسائل التواصل الاجتماعي في تجنيد عناصرها إلى انخفاض المستوى العلمي والفكري والتربوي للجهاديين الجدد مقارنة بالأجيال القديمة، بالتوازي مع فقدان التيار لكثير من رموزه وكوادره المحترفة في آتون الصراعات العالمية والإقليمية الملتهبة. وهو ما يؤثر على توجهات وسلوكيات المنتسبين إليه.
7- سيظل التيار الجهادي أحد الفاعلين في المشهد وبالأخص في فترات القمع، ولكنه لن يصير الفاعل الأبرز ما لم يطور هياكله التنظيمية والتعبوية، ويتسم بمرونة سياسية وفكرية وشرعية تبتعد عن القراءة الظاهرية للنصوص، وتراعي مقاصد الشريعة، وتتيح له مد جسور التعاون مع التيارات الأخرى. وهو مما سيساهم في ترشيده وتحجيم تطرفاته.
التوصيات
1- التعامل مع التيار الجهادي بموضوعية بعيدا عن لغة التجريم والإدانة مهما كان حجم الاختلاف مع خياراته وممارساته، فيُشجب فقط ما يستحق أو يستوجب الإدانة شرعا أو واقعا، مع التركيز على الأسباب التي أدت إلى ظهوره.
2- تقديم خطابات سياسية وشرعية وفكرية وتوعوية عامة متزنة تحد من النزعة الظاهرية التي تولد شخصيات منغلقة على الذات تجنح للغلو، وتتسم بضيق الأفق والإقصاء. مما يعمل على تشكيل عقول منفتحة وشخصيات مرنة تراعي المقاصد والمآلات والأولويات، ويمكنها العمل مع الآخرين من خلال القواسم المشتركة.
3-العناية بعلم الاستراتيجية، وإدراج أبرز الأدبيات المتعلقة به ضمن المناهج التربوية للتيارات الإسلامية، مما يساهم في الارتقاء بعقليات المتربين، ويحد من الممارسات العشوائية، والتجارب التي تستنزف موارد وطاقات ضخمة دون مردود موازي.4- الانفتاح على قدامى رموز التيار الجهادي، وحثهم على كتابة تجاربهم، وتناول الدروس المستفادة منها، وتشجيع الانفتاح بينهم وبين التيارات الإسلامية والوطنية الأخرى. والحرص على التعرف على تاريخ التيار الجهادي المصري من مصادر موضوعية، ودراسة مواطن الخلل في تجاربه لتلافيها وتقويمها .
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.