ترجمات

بيرتراند: كارني أعلن للتو أن الغرب خسر الحرب الباردة الثانية

نشرت منصة “سابستاك“، وهي منصة نشر رقمية تربط الكتاب والصحفيين والمبدعين بما يحملون من أفكار وثقافات بالقراء بشكل مباشر عبر اشتراكات مجانية أو مدفوعة في 21 يناير 2026 مقالاً تحليلياً لـ “أرنو بيرتراند”، وهو كاتب ورائد أعمال أسس “هاوس تريب”، وهي أحد أبرز مواقع حجز بيوت العطلات عبر الإنترنت في أوروبا، وهو كثيراً ما يتناول في كتاباته دولة “الصين الشعبية”، حيث عاش فيها ثماني سنوات.

يقول أرنو بيرتراند في تقديمه لمقاله على منصة إكس: “من كان ليتوقع أن يكون مارك كارني (رئيس وزراء كندا منذ 14 مارس 2025 عقب استقالة جاستن ترودو)، الشخصية الليبرالية البارزة، هو حامل لواء إنهاء النظام الذي تقوده الولايات المتحدة؟ ومِن على منصة دافوس تحديداً؟ لكن كلما تعمقت في التفكير، ازداد الأمر منطقية.”

“فكارني، في جوهره، هو مصرفي مركزي. وبصفته هذه، فهو يُدرك قوة الكلمات والمعتقدات أكثر من أي شخص آخر: عندما نُجرّد الأمور لتعود إلى جوهرها، نجد أن النظام العالمي – كالثقة في العملة أو النظام المالي – يعتمد أساساً على الحفاظ على المعتقدات. فأنظمة السلطة قائمة لأن المشاركين يتصرفون وكأنها موجودة. هذا هو جوهر الأمر، وهو أن: الإدراك هو الواقع. وبمجرد أن يُقرّ المشاركون بالوهم كما فعل كارني (إذ بدأ خطابه حرفياً بإعلانه أنه سينهي “الوهم الجميل” للنظام الذي تقوده الولايات المتحدة)، ينهار النظام نفسه. وهذا بالمناسبة مفهوم رسمي في نظرية الألعاب: الانتقال من المعرفة الخاصة إلى المعرفة العامة هو ما يُطلق سلسلة من التداعيات الأخرى”.

“كان من المفترض أن يدرك كارني، بحكم خبرته، أن هذا هو سلاحه الأقوى في مواجهة أمريكا ترامب، وهو أن: “ترامب يمتلك القوة الاقتصادية والعسكرية، لكنني أمتلك ما يرتكز عليه نفوذه: أستطيع تحطيم الاعتقاد الجماعي الذي يدعمه”. بل إنه يُصرّح صراحةً بأن هذا هو تفكيره: حيث يدور خطابه بالكامل حول تشبيه فاتسلاف هافيل الشهير (والذي يُعَد مهندس إسقاط الشيوعية في تشيكوسلوفاكيا السابقة إبان ما عُرف بـ “الثورة المخملية” في نوفمبر 1989.) بالبائع، وحقيقة أن قوة الاتحاد السوفيتي كانت قائمة على “استعداد الجميع للتظاهر كما لو كان ذلك صحيحاً”، أي على ’العيش في وهم‘.”

“وكما يقول كارني: “عندما يتوقف شخص واحد عن التظاهر، يبدأ الوهم بالتصدع”، وتبدأ “قوة النظام” بأكملها بالانهيار. واليوم، كان كارني هو ذلك “الشخص”. فلا شك أن خطاب كارني في دافوس قد يُثبت أنه من أهم الخطابات التي ألقاها أي زعيم عالمي خلال الثلاثين عاماً الماضية. إنه حقاً حدث تاريخي. والأهم من كل شيء، أن هذا يعني، إن كانت الحرب الباردة الثانية قد وُجدت أصلاً، فإن الغرب قد خسرها خسارةً لا رجعة فيها: فالحرب الباردة تتطلب نظامين متنافسين. وقد أعلن كارني للتو أن أحدهما لم يعد موجوداً. وهذا هو موضوع مقالتي الأخيرة: تحليل معمق لخطاب كارني وتداعياته الجسيمة على ما سيأتي لاحقاً.”

وقد جاء مقال أرنو بيرتراند علىمنصة “سابستاك“، على النحو التالي:

لا شك أن خطاب في دافوس قد يكون من أهم الخطابات التي ألقاها أي زعيم عالمي خلال الثلاثين عاماً الماضية. وهذا النوع من الخطابات سيُخلّد في كتب التاريخ لقرون قادمة. وأنا هنا لا أبالغ، فخطابه ذو أهمية بالغة.

لا أقول هذا من باب المودة له. في الواقع، توقعتُ أن يكون مارك كارني (رئيس وزراء كندا منذ 14 مارس 2025 عقب استقالة جاستن ترودو)، نظراً لخلفيته الليبرالية الراسخة، على غرار معظم نظرائه الأوروبيين. ظننتُ أننا سنشهد نسخة ثانية من ترودو، لكنني مضطر للاعتراف بأننا سنشهد شيئاً أقرب إلى ديجول بلكنة أنجلو-كيبيكية.

يدور خطاب كارني حول تشبيه فاتسلاف هافيل الشهير بالبائع. وهذا وحده كافٍ لتوضيح كل شيء. كان فاتسلاف هافيل، بلا شك، المعارض التشيكي الشهير الذي ربما كان أكثر من أي شخص آخر من تنبأ بنهاية الاتحاد السوفيتي، وبالتالي نهاية الحرب الباردة. كان آخر رئيس لتشيكوسلوفاكيا، وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي الذي ساهم هو في حدوثه، أصبح أول رئيس للجمهورية التشيكية الجديدة.

وكما ورد في خطاب كارني، فإن تشبيه البائع أو صاحب المتجر هو كالتالي: “طرح فاتسلاف هافيل سؤالاً بسيطاً: كيف استطاع النظام الشيوعي الحفاظ على نفسه؟ وبدأ إجابته ببائع خضار. كل صباح، يضع هذا البائع لافتة في نافذته كُتب عليها: “يا عمال العالم، اتحدوا!”. في الحقيقة، هو لا يُصدقها. ولا أحد يُصدقها كذلك تجنباً للمشاكل. لكنه يضع اللافتة على أي حال، إشارةً إلى الامتثال، وللتعايش. ولأن كل بائع في كل شارع يفعل الشيء نفسه، يستمر النظام.

ليس بالعنف وحده يحدث ذلك، بل بمشاركة عامة الناس في طقوس يعلمون في قرارة أنفسهم أنها زائفة. وقد أطلق هافيل على هذا “العيش في كذبة”. لا تُستمد قوة النظام من حقيقته، بل من استعداد الجميع للتصرف كما لو كان حقيقة. وهشاشته تنبع من المصدر نفسه: عندما يتوقف شخص واحد عن التصرف حيال ذلك – أي عندما يُزيل بائع الخضار لافتته – يبدأ الوهم بالتصدع.”

ماذا كانت الخلاصة التي خرج بها كارني؟ يقول: “حان الوقت للشركات والدول أن تزيل لافتاتها”، في إشارة إلى “الهيمنة الأمريكية”. ويضيف، في إشارة أخرى إلى تشبيه هافيل: “لا يمكنكم العيش في وهم المنفعة المتبادلة من خلال التكامل عندما يصبح التكامل مصدراً لتبعيتكم”.

والآن، تأملوا في مدى غرابة هذا الأمر. حيث أحد أقرب حلفاء أمريكا: دولة من مجموعة السبع، ودولة من تحالف العيون الخمس، ودولة من حلف الناتو – وهي أيضاً جارتها! – قد قارنت الهيمنة الأمريكية، بشكل مباشر ورسمي، على الساحة العالمية، بالاتحاد السوفيتي، وأعلنت صراحةً نهايته، قائلةً إن الوقت قد حان للتوقف عن “العيش في وهم”.

يا للعجب! إذا كنت تفهم شيئاً عن هياكل القوة العالمية، فلا بد أن تُذهلك هذه التصريحات. وكما في مقال هافيل نفسه، فإن ما يفعله كارني هنا هو في جوهره إعلان خسارة الغرب للحرب الباردة الجديدة، إن وُجدت أصلاً. وهذا هو الأمر. هذا هو الخطاب. ولا رجعة في هذا: لقد انكشف السر. فكارني وهافيل محقان: بمجرد أن يقرر صاحب متجر ما، وخاصةً متجر رمزي كدولة “كندا”، إزالة اللافتة، فقد انتهى الأمر.

وبصفته مصرفياً مركزياً، يدرك كارني هذا الأمر أكثر من أي شخص آخر: فالنظام العالمي – كالثقة في العملة أو النظام المالي – يعتمد دائماً بشكل أساسي على استمرار الاعتقاد. فأنظمة السلطة توجد لأن المشاركين يتصرفون كما لو كانت موجودة. فالإدراك هو جزء لا يتجزأ من الواقع. وبمجرد أن يُقرّ المشاركون بـ “الوهم”، كما فعل كارني للتو، ينهار النظام نفسه. وهذا بالمناسبة مفهوم رسمي في نظرية الألعاب: الانتقال من المعرفة الخاصة إلى المعرفة العامة هو ما يُطلق سلسلة من التداعيات.

هكذا انتصر الغرب في الحرب الباردة، وهكذا خسرها الاتحاد السوفيتي. وقد صرّح جورج كينان، مهندس استراتيجية الولايات المتحدة في الحرب الباردة، بأن النصر يكمن في “خلق انطباع لدى شعوب العالم عموماً بوجود دولة تعرف ما تريد، وتتعامل بنجاح مع مشاكلها الداخلية ومسؤولياتها كقوة عالمية، وتتمتع بحيوية روحية قادرة على الصمود في وجه التيارات الأيديولوجية الكبرى في عصرها”. مرة أخرى، الأمر يتعلق بالإدراك والإيمان.

والآن، من سيستمر في الترويج لهيمنة الولايات المتحدة بعد كلمات كارني؟ كان الجميع يعلمون سراً أنها مجرد مسرحية (كما أقرّ كارني نفسه: “كنا نعلم أن قصة النظام الدولي القائم على القواعد كانت زائفة جزئياً، لكن هذه الخدعة كانت مفيدة”). لكن بعد خطابه، بات الجميع يعلمون أن الجميع يعلم: حيث أصبحت المعرفة الخاصة الآن معرفة عامة.

هل سيتمكن ستارمر (رئيس وزراء المملكة المتحدة منذ 5 يوليو 2024)، وميرز (مستشار ألمانيا ورئيس الاتحاد الديمقراطي المسيحي)، وتاكايتشي (رئيسة وزراء اليابان ورئيسة الحزب الليبرالي الديمقراطي) من الاستمرار، بجدية تامة، في الادعاء بأنهم يعيشون في كتلة متماسكة ومستدامة بقيادة الولايات المتحدة، بعد أن تجرأ كارني – أحد أعضائها البارزين – على القول بأنه “يُزيل الراية” وأن “النظام القديم لن يعود”؟

قد يتمكنون من ذلك لفترة، كما تأخرت بعض دول الكتلة السوفيتية عن غيرها في مواجهة الحقيقة المُرّة، ولكن عملياً، لم يعد الغرب كياناً متماسكاً يُناضل للحفاظ على “نظام قائم على القواعد”. وبالتالي، انتهت الحرب الباردة الجديدة. لقد خسرها الغرب لعدم وجود مشروع متماسك فعلياً للدفاع عنه.

لكن هل يعني هذا أن الصين انتصرت؟ أو ربما انتصرت مجموعة البريكس؟ أو أن أي جهة “انتصرت” أصلاً؟ الأمر يعتمد على وجهة نظرك. فكارني لا يدعو لانضمام كندا إلى نظام تقوده الصين، أو إلى مجموعة البريكس، أو أي شيء من هذا القبيل.

بل على العكس تماماً: يقول إن هذا العصر الجديد محفوف بالمخاطر بشكل خاص بالنسبة للدول المتوسطة القوة مثل كندا، لأنها أصبحت هدفاً للقوى العظمى. ويدعو إلى تشكيل تحالفات بين هذه الدول، قائلاً: “يجب علينا – نحن الدول متوسطة القوة – أن نتوقف عن التنافس فيما بيننا لنكون الأكثر تساهلاً. هذه ليست سيادة، بل هي ممارسة للسيادة مع قبول التبعية”.

لذا، على الأقل وفقاً لكارني، فإننا لا نواجه عالماً تبدأ فيه الدول التابعة للولايات المتحدة سابقاً بالانضمام إلى نظام تقوده الصين، كما فعلت دول الكتلة السوفيتية سابقاً، بل وحتى روسيا نفسها، عندما انضمت إلى النظام الليبرالي الذي تقوده الولايات المتحدة. في الواقع، لا يزال كارني ملتزماً في خطابه بالعديد من المبادئ الليبرالية، مثل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وأوكرانيا، وحقوق الإنسان.

ومع ذلك، فثمّة فرق جوهري واحد، وهو أنه: يُجرّد ليبراليته صراحةً من أي نزعة للخلاص. فلا حديث عن نشر الديمقراطية، ولا شروط، ولا تلميح إلى أن الانخراط مع الصين أو قطر أو أي دولة غير ليبرالية يجب أن ينتظر أو يهدف في نهاية المطاف إلى إصلاحها السياسي. وعلى هذا النحو، فما يصفه كارني هو أن كندا ليبرالية في الداخل، لكنها ذات سيادة بين دول العالم. هذه ليست الليبرالية التي بنت النظام العالمي ما بعد الحرب الباردة، بل هي ليبرالية داخلية تصالحت مع حدودها.

أما فيما يتعلق بالصين، فهناك سوء فهم شائع للغاية، وهو: أنها، مثل قطبي الحرب الباردة، تسعى إلى الحلول محل أمريكا كقوة مهيمنة عالمياً. والحقيقة هي أنه لطالما رفضت الصين مصطلح “الحرب الباردة الجديدة” تحديداً لأنها ترفض فكرة التكتلات. ولم تُصرّح الصين قط، ولو من بعيد، برغبتها في قيادة كتلة معادية للغرب، فضلاً عن نظام عالمي جديد.

وآخر ما ترغب فيه الصين هو أن تكون شرطي العالم كالولايات المتحدة، أو أن تقود جهوداً عالمية لحث الدول على تبني الاشتراكية ذات الخصائص الصينية (أو الاشتراكية بشكل عام). وبالطبع، لا يعني هذا أن الصين لا ترغب في نظام جديد، بل على العكس تماماً. فما يدعون إليه – ويتضح ذلك جلياً عند قراءة “مبادرة الحوكمة العالمية” الأخيرة للرئيس شي، التي نُشرت في سبتمبر الماضي – هو إلى عالمٌ تسوده:

مساواة السيادة حقيقةٌ لا مجرد شعار (ينبغي أن تتمتع الدول “بإدارة شؤونها الداخلية خالية من التدخل الخارجي، وأن يكون لها الحق في اختيار نظامها الاجتماعي ومسار تنميتها باستقلالية”). حيث لا تُملي أي قوة منفردة شروطها، ولا تفرض أي كتلة أيديولوجية ولاءها (حيث تدعو مبادرة الحوكمة العالمية إلى “مزيد من الديمقراطية في العلاقات الدولية”، وتؤكد على أن “يُقرر الجميع الشؤون العالمية، ويبني الجميع نظام الحوكمة، ويتقاسم الجميع ثمار الحوكمة”).

وأن تُطبق القواعد الدولية بالتساوي على الجميع، دون ازدواجية المعايير التي ميزت النظام الليبرالي (“يجب تطبيق القانون والقواعد الدولية بالتساوي وبشكل موحد، دون أي ازدواجية في المعايير أو فرض. ويجب على الدول الكبرى، على وجه الخصوص، أن تأخذ زمام المبادرة” في ذلك).

ويتعزز دور الأمم المتحدة كمنتدى متعدد الأطراف بشكل حقيقي، لا أن تُفرغ من مضمونها لتكون غطاءً للهيمنة (“تُعد الأمم المتحدة المنصة الأساسية لممارسة التعددية وتعزيز الحوكمة العالمية، ودورها يجب تعزيزه لا إضعافه. وينبغي أن تفسح السلوكيات المهيمنة وأطر “إما معنا أو ضدنا” المجال للتعاون والتعددية. ويجب رفض ممارسة الأحادية… وينبغي تجنب جميع الترتيبات التمييزية والإقصائية… ويجب التمسك بمبدأ التشاور الموسع والمساهمة المشتركة لتحقيق المنفعة المشتركة.

هل لاحظتم شيئاً؟ هذا يكاد يكون مطابقاً لما وصفه كارني للتو في خطابه.. سيادة حقيقية، لا مجرد “ممارسة السيادة مع قبول التبعية”؟ هذا هو محور حديث كارني. لا وجود لقوة مهيمنة تملي شروطها؟ ويُحذر كارني مراراً من عالم تتفاوض فيه الدول “بشكل ثنائي مع قوة مهيمنة” وتُجبر، بسبب ضعفها، على “قبول ما يُعرض عليها”. معايير متساوية للجميع؟ يقول كارني إن الصمت من جانب الأصدقاء إزاء الإكراه، بينما يدينه الخصوم، ليس إلا “إبقاء اللافتة معلقة”.

وماذا عن مركزية الأمم المتحدة؟ يضع كارني ميثاق الأمم المتحدة في صميم القيم الأساسية لكندا. من خلال تحالفات مرنة بدلاً من التكتلات الجامدة؟ ويدعو كارني إلى “هندسة متغيرة – تحالفات مختلفة لقضايا مختلفة” – عكس تحالفات الحرب الباردة.

وكما يُتداول، بأننا نلتقي بكارني في مرحلة من حياته متأثرة بشدة بالفكر الصيني. إذن، هل “انتصرت” الصين؟ بالمعنى الذي ساد خلال الحرب الباردة – أي استبدال قوة مهيمنة بأخرى – بالطبع، كلا. لكن هذا لم يكن الهدف أبداً. لم تنتصر الصين كقوة، بالمعنى الدقيق للكلمة. لكن الصين كحجة ومنطق تنتصر بقوة في واقع الأمر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى