ترجمات

راي داليو: درست 500 عام من التاريخوأخشى أننا ندخل المرحلة الأكثر خطورة من “الدورة الكبرى”

نشرت مجلة “فورتشن” الأمريكية، التي تصدرها شركة فورتشن ميديا جروب هولدينجز، وهي شركة إعلامية عالمية متخصصة في مجال الأعمال، في 14 مارس 2026، مقالاً بعنوان: “راي داليو: درست 500 عام من التاريخ وأخشى أننا ندخل المرحلة الأكثر خطورة من ’الدورة الكبرى‘” لـ “راي داليو”، وهو مستثمر عالمي في الاقتصاد الكلي لأكثر من 50 عاماً، أسس شركة بريدج ووتر أسوشيتس في مدينة نيويورك، وأدارها طوال معظم تلك السنوات الخمسين، ليحولها تحت قيادته إلى أكبر صندوق تحوط في العالم.

وقد جاء المقال على النحو التالي:

لكوني مستثمراً عالمياً في الاقتصاد الكلي لأكثر من 50 عاماً، كان عليّ دراسة علاقات السبب والنتيجة التي تحرك التاريخ لأتمكن من أن أضع رهاناتي. وما وجدته هو أن جميع الأنظمة النقدية والسياسية والجيوسياسية تصعد وتتطور وتنهار وفق نمط متكرر أسميته “الدورة الكبرى”، والتي تستمر عادةً حوالي 75 عاماً، مع هامش خطأ يبلغ حوالي 30 عاماً.

وأعتقد أن الأوقات المقبلة ستكون مختلفة جذرياً عما اعتاد عليه معظم الناس، وأنها ستكون أقرب إلى حقبة ما قبل عام 1945 المضطربة منها إلى ما شهدناه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

نحن الآن في المرحلة الخامسة

في كتابي “مبادئ التعامل مع النظام العالمي المتغير”، وصفتُ ست مراحل للدورة الكبرى. المرحلة السادسة هي مرحلة الانهيار – أي فترة الفوضى العارمة. أما المرحلة الخامسة فهي ما يسبق فترة الفوضى مباشرةً، وهي المرحلة التي نمر بها الآن.

وأجد أن رؤيتي للأمور اليوم تختلف اختلافاً كبيراً عن رؤية معظم الناس، وذلك لاختلاف وجهات نظرنا. لكن رؤيتي قد تشكلت بحكم كوني مستثمراً في الاقتصاد الكلي العالمي، حيث أراهن على ما سيؤول إليه المستقبل. وسعياً مني لتحقيق ذلك على أكمل وجه، وجدتُ أنه من المفيد جداً دراسة علاقات السبب والنتيجة التي حرّكت أحداث الاقتصاد الكلي العالمي مراراً وتكراراً على مدى الخمسمائة عام الماضية.

ومن هذا المنظور، تبدو مشاهدة ما يحدث الآن أشبه بمشاهدة فيلم شاهدته مراراً وتكراراً، لأن الأحداث تتكرر بنفس الطريقة التي شاهدتها بها مراراً. لقد كان هذا المنظور بالغ الأهمية بالنسبة لي في توقعاتي، لذا، في هذه المرحلة من حياتي، أرغب في مشاركته مع الآخرين على أمل أن يساعدهم في الاستعداد لما هو قادم.

وعلى العكس تماماً من وجهة نظري، يبدو لي أن معظم الناس يشعرون بالدهشة مما يحدث لأنهم في الحقيقة لم يشهدوا مثيلاً له في حياتهم، ولأنهم أيضاً يركزون على أحداث اليوم أكثر من تركيزهم على كيفية تطور الأنظمة النقدية والسياسية الداخلية والجيوسياسية الدولية عبر الزمن.

هذا ليس جديداً، بل يبدو كذلك فحسب

في ثنايا بحثي في ​​التاريخ، لاحظتُ أن جميع الأنظمة النقدية والسياسية المحلية والدولية بدأت وتطورت وانهارت ضمن دورة كبرى. فعلى سبيل المثال، رأيتُ كيف انهارت الأنظمة النقدية والسياسية والجيوسياسية خلال فترة الاضطرابات الكبيرة بين عامي 1929 و1945، وكيف نشأت أنظمة جديدة عام 1945، وكيف تطورت هذه الأنظمة الجديدة لتصل بالظروف إلى وضعها الحالي، وهو وضع مشابه لما كان عليه في الفترة بين عامي 1929 و1939. كما لاحظتُ كيف كان للكوارث الطبيعية الكبرى (كالجفاف والفيضانات والأوبئة) واختراعات التقنيات الحديثة تأثير كبير على الأنظمة النقدية والسياسية والجيوسياسية، مما أثر بدوره على الدورة الكبرى، والعكس صحيح.

وكانت تطورات هذه الأنظمة خلال دوراتها الكبرى مدفوعةً في الغالب بنفس ديناميكيات السبب والنتيجة. فعلى سبيل المثال، خلال هذه الفترة الممتدة لخمسة قرون، وفي مختلف البلدان، لاحظتُ مراراً كيف كانت دورات الديون/النقدية الكبرى مدفوعةً بارتفاع الديون ومدفوعات خدمة الدين مقارنةً بالدخل. وقد أدى ذلك إلى تقليص الإنفاق حتى تسبب في مشاكل خدمة الدين وقيود الإنفاق.

ورأيتُ أنه عندما تزامن ذلك مع وجود كميات كبيرة من أصول الدين (السندات) والتزامات الدين (الديون) القائمة، فضلاً عن عجز كبير في الميزانية يتطلب بيع أصول الدين (أي بيع السندات) أكثر مما هو مطلوب، فإن اختلال التوازن بين العرض والطلب الناتج أدى إلى انخفاض قيمة الدين و/أو العملة.

لقد رأيتُ أيضاً كيف أدت فترات الصراعات الداخلية والدولية الكبرى – وخاصةً فترات ما قبل الحرب – إلى تخوف الدائنين من أن تقوم الدولة المدينة ذات العملة الاحتياطية بتخفيض قيمة عملتها أو التخلف عن سداد ديونها، ورأيتُ كيف دفع ذلك هؤلاء الدائنين والبنوك المركزية إلى تحويل جزء من حيازاتهم من السندات إلى الذهب لحماية أنفسهم من سداد هذه الديون بعملة منخفضة القيمة أو عدم سدادها على الإطلاق بسبب حروب رؤوس الأموال. ما يحدث الآن في الأسواق ومع النظام النقدي يتوافق مع هذا النمط.

ليس هناك قدر محتوم – لكنني لستُ متفائلاً

في كتابي “مبادئ التعامل مع النظام العالمي المتغير”، شرحتُ كيف تطورت هذه الدورات وكيف انهارت. تحدث الانهيارات الكبرى فيما أسميه المرحلة السادسة من الدورة، وهي فترة اضطراب شديد. بدأت آخر مرحلة رئيسية من المرحلة السادسة عام 1929 وانتهت عام 1945 بعد الحرب العالمية الثانية، حين كان هناك فائزون واضحون، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، التي حددت كيفية عمل الأنظمة الجديدة. أدى ذلك إلى إرساء أنظمة نقدية وسياسية وجيوسياسية بقيادة الولايات المتحدة. نحن الآن في المرحلة الخامسة الجديدة، وهي المرحلة التي تسبق الانهيارات مباشرة.

ومن أهم مؤشرات المرحلة الخامسة مع تقدمها نحو المرحلة السادسة هي:

  1. ديون حكومية ضخمة ومتزايدة بسرعة، ونزاعات جيوسياسية تُثير مخاوف بشأن قيمة وأمن النقود، لا سيما الاحتياطيات من النقد الأجنبي، مما يدفع نحو التخلي عن العملات الورقية والتحول إلى الذهب.
  2. فجوات كبيرة في الدخل والثروة والقيم داخل الدول، تُفضي إلى صعود الشعبوية اليمينية واليسارية، وخلافات مستعصية لا يُمكن حلها بالتسويات وسيادة القانون.
  3. التحول من نظام عالمي تهيمن عليه قوة عظمى ويسوده سلام نسبي، إلى نظام عالمي يعكس صراع القوى العظمى.

وقد أدت هذه الظروف على مر التاريخ عادةً إلى مشاكل مالية ونزاعات بدلاً من الالتزام بالقواعد. وقد شكلت تحدياً خاصاً للديمقراطيات، لأنها تقوم على حق الاختلاف في الرأي والالتزام بالقواعد، لذا عندما تشتد الخلافات ويغيب الإيمان الراسخ بنظام الالتزام بالقواعد، تعاني الديمقراطيات من الفوضى ويصعد القادة المستبدون إلى السلطة. على سبيل المثال، في ثلاثينيات القرن العشرين، تحولت أربع ديمقراطيات كبرى (ألمانيا، اليابان، إيطاليا، وإسبانيا) إلى أنظمة استبدادية.

عندما اجتمعت هذه الظروف مع فجوات كبيرة في الثروة والقيم وظروف اقتصادية سيئة، أدت عادةً إلى الفوضى والصراع، وأحياناً إلى حروب أهلية. ليس هذا بالأمر الجديد، فقد كتب أفلاطون عنه في كتاب الجمهورية عام 375 قبل الميلاد.

واليوم، نحن نشهد ما يلي:

  • ديون ضخمة وحالات عجز كبيرة، وتدهور في قيمة العملات الورقية بقيادة الدولار وارتفاع سعر الذهب،
  • استقطاب سياسي وأيديولوجي متزايد، وشعبوية داخل الدول (يُطلق عليها الآن في الولايات المتحدة مصطلحيMAGA  )اجعل أمريكا عظيمة مجدداً( و WOKE )مستيقظون)، وهي ناجمة عن فوارق كبيرة ومتنامية في الثروة والقيم، تتجلى في تطورات شبيهة بفترة ما قبل الحرب الأهلية، مثل نشر الرئيس للقوات في المدن والنزاعات المرتبطة بها، مثل تلك التي شهدتها مينيابوليس، والتساؤل حول إمكانية إجراء الانتخابات بشكل طبيعي،
  • انهيار النظام الدولي متعدد الأطراف والقائم على القواعد، والتحالفات التي سادت بعد عام 1945، مثل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وظهور نظام عالمي جديد يُشبه إلى حد كبير العديد من الأنظمة العالمية التي سادت قبل عام 1945، والتي شهدت صراعات بين القوى العظمى وتحركات جيوسياسية من نوع “دبلوماسية القوة”، كما نشهد حالياً مع جرينلاند وفنزويلا وإيران وحلفائها، وكذلك الصين وروسيا وحلفائهما.

وعندما أتأمل هذه الديناميكيات التاريخية والمعاصرة، أجد أنه من الواضح تماماً أن ما يحدث الآن أقرب إلى ما قبل عام 1945 منه إلى ما بعده الذي اعتدنا عليه، مما يُضلل توقعات معظم الناس ويُصيبهم بالصدمة مما يجري. وفي الوقت نفسه، فإنه ليس كل شيء هو قدر محتوم. فهناك احتمال أن يتجنب قادتنا، فرادى وجماعات، الصراع، وأن يجمعوا الناس معاً للقيام بالأمور الصعبة والذكية اللازمة لمواجهة هذه التحديات بكفاءة كافية للتغلب على الصعاب. ونظراً لطبيعة البشر، فأنا لست متفائلاً.

وبما أننا جميعاً مُضطرون للمراهنة على المستقبل بطريقة أو بأخرى، فإني آمل أن يُفيدكم هذا المنظور الشامل للأمر كما أفادني شخصياً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى