نحن والعالم عدد 19 فبراير 2026

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
يقوم هذا التقرير، الصادر عن المعهد المصري للدراسات، على رصد عدد من أبرز التطورات التي شهدتها الساحة الإقليمية والدولية، والتي يمكن أن يكون لها تأثيرات مهمة على المشهد المصري والعربي والإقليمي، في الفترة بين 13 فبراير2026 – 19 فبراير 2026.
يشهد العالم لحظة انتقالية عميقة تتقاطع فيها التحولات الجيوسياسية مع صراعات داخلية وإقليمية تعيد رسم ملامح النظام الدولي. من ميونيخ حيث أُعلن عملياً أفول نظام ما بعد 1945، إلى الشرق الأوسط الذي يقف على حافة تصعيد وشيك بين واشنطن وطهران، تبدو المرحلة أقرب إلى إعادة توزيع شامل للقوة.
وفي الداخل الأمريكي تتصاعد انقسامات الهوية والسياسة حول إسرائيل وغزة، بينما تعيد سوريا تشكيل بنيتها السياسية والأمنية. أما تركيا فتمضي في إعادة هندسة دورها الأمني والاقتصادي ضمن بيئة دولية مضطربة.
إنها لحظة إعادة تموضع كبرى، لا تقتصر على دولة بعينها، بل تطال توازنات النظام العالمي بأسره.
مؤتمر ميونخ للأمن 2026

تفكيك النظام الدولي: إقرار رسمي في مؤتمر ميونيخ للأمن 2026
يشهد العالم في عام 2026 منعطفاً استراتيجياً عميقاً، عبّر عنه تقرير مؤتمر ميونيخ للأمن بعنوان صادم “تحت التدمير”، في إشارة إلى مرحلة انتقالية لم يعد فيها النظام الدولي لما بعد عام 1945 يتعرض لضغوط فحسب، بل يدخل طور التفكك البنيوي. الرسالة التي خرج بها قادة غربيون بارزون كانت واضحة: النظام القديم انتهى، والعالم يدخل حقبة صراع قوى عظمى مفتوحة.
من إدارة النظام إلى هدمه
شكّل مؤتمر ميونيخ 2026 منصة لإعلان غير مباشر عن نهاية منظومة الاستقرار التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية. المستشار الألماني فريدريش ميرتس أكد أن “النظام العالمي كما عرفناه لم يعد قائماً”، بينما تحدث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن ضرورة استعداد أوروبا للحرب. أما وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو فأقرّ بأن “العالم القديم انتهى” وأننا نعيش عصراً جيوسياسياً جديداً.
هذا التحول يرتبط، بحسب مراقبين، بإعادة تموضع الولايات المتحدة نفسها. فالإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب، التي مثّلت لعقود حجر الزاوية في النظام الليبرالي الدولي، باتت يُنظر إليها كعامل تفكيك له عبر سياسات تقوم على فرض الاشتراطات الاقتصادية، وإعادة تعريف التحالفات، وتوسيع أدوات الإكراه التجاري والمالي.
مؤشر ميونيخ: تغيّر إدراك المخاطر
كشف “مؤشر ميونيخ للأمن 2026” عن تحولات لافتة في إدراك المخاطر. فبينما كانت روسيا تُعد التهديد الأكبر في السنوات الماضية، باتت الولايات المتحدة تُصنّف مصدراً متزايداً لعدم اليقين في نظر عدد من الدول الأوروبية. كما تصدّرت “الحروب التجارية” قائمة المخاطر العالمية، متقدمة على التغير المناخي الذي تراجع في سلم الأولويات رغم تصاعد تكاليفه الفعلية.
وتشير نتائج المؤشر إلى أن الهجمات السيبرانية، والأزمات المالية، وحملات التضليل باتت تُعتبر تهديدات أكثر إلحاحاً من قضايا البيئة، ما يعكس انتقال مركز الثقل من المخاطر الوجودية طويلة الأمد إلى المخاطر الفورية المرتبطة بالاستقرار الاقتصادي والأمني.
أزمة الثقة عبر الأطلسي
حاولت جلسات المؤتمر احتواء أزمة الثقة المتفاقمة بين أوروبا والولايات المتحدة. ورغم أن خطاب ماركو روبيو حمل نبرة تصالحية نسبياً، فإن الطمأنة الأمريكية جاءت مشروطة بمواءمة المصالح الأوروبية مع أجندة “أمريكا أولاً”. هذا التذبذب بين التعاون والاشتراط دفع قادة أوروبيين إلى تسريع الحديث عن “الاستقلال الاستراتيجي”.
برزت أزمة السيادة على غرينلاند مثالاً على هشاشة العلاقة، بعدما أثارت تصريحات الرئيس ترامب حول “الاستحواذ” على الجزيرة صدمة في الدنمارك. وأدى ذلك إلى تحركات أوروبية داعمة للسيادة الدنماركية، عكست قلقاً متزايداً من النزعات الأحادية في السياسة الأمريكية.
أوكرانيا: سلام مشروط أم تجميد للصراع؟
احتلت الحرب الأوكرانية موقعاً مركزياً في مداولات المؤتمر، مع الكشف عن “خطة سلام من 20 نقطة” تهدف إلى تجميد القتال على خطوط المواجهة الحالية مقابل ضمانات أمنية لأوكرانيا. الرئيس فولوديمير زيلينسكي وصف الخطة بأنها “صلبة بنسبة 90%”، فيما بقيت قضايا مثل دونباس وزابوروجيا عالقة.
حلف الناتو، عبر أمينه العام مارك روته، شدد على ضرورة استمرار دعم كييف لضمان التفاوض من موقع قوة، محذراً من أن موسكو قد تستخدم أي هدنة لالتقاط الأنفاس. المشهد يعكس انتقال الصراع من معركة ميدانية مفتوحة إلى مساومة جيوسياسية معقدة.
الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي
انتقل مفهوم “الاستقلال الاستراتيجي” من كونه طرحاً نظرياً إلى ضرورة عملية. أعلنت برلين خططاً لتعزيز قدرات البوندسفير، وبدأت نقاشات أوروبية حول الردع النووي الذاتي في حال تراجع المظلة الأمريكية. كما تسارعت الجهود لبناء قاعدة صناعية دفاعية أوروبية وتقليل الاعتماد على التكنولوجيا الأمريكية والصينية.
ورغم التحديات البيروقراطية والانقسامات الداخلية، فإن التحول الذهني الأوروبي يبدو أعمق من أي وقت مضى، مدفوعاً بإدراك أن الاعتماد المطلق على واشنطن لم يعد خياراً مستداماً.
الجيواقتصاد وصعود الإكراه
أظهر التقرير أن التجارة الدولية باتت ساحة صراع مفتوحة. تزايدت الرسوم الجمركية والقيود التكنولوجية، وتراجعت فاعلية منظمة التجارة العالمية، فيما توسعت أدوات الحرب المالية مثل العقوبات وتجميد الأصول. هذه البيئة عززت منطق التحالفات المرنة بدل النظام متعدد الأطراف التقليدي.
رؤى صينية وروسية بديلة
قدّم وزير الخارجية الصيني وانغ يي مبادرة لحوكمة عالمية متعددة الأقطاب، مؤكداً رفض الأحادية. أما روسيا، عبر سيرغي لافروف، فاعتبرت أن “نظام القواعد الغربي” انتهى، داعية إلى هندسة أمنية أوراسية جديدة. في المقابل، أكد الناتو استعداده للدفاع عن جناحه الشرقي، ما يعكس استمرار حالة الردع المتبادل.
راي داليو: قراءة في “الدورة الكبرى”لصعود وهبوط القوى الكبرى – ميونيخ 2026 وإقرار الانهيار
قال رجل الأعمال والمفكر الأمريكي البارز راي داليو في تغريدة صادمة، حازت على عشرات الملايين من المشاهدات، ومقال مفسر يستحق القراءة التفصيلية، تعليقاً على ما تمخض عنه مؤتمر ميونيخ للأمن 2026:
“رسمياً، النظام العالمي انهار It’s official. The world order has broken down “.
حيث وصف في المقال ما يحدث بأنه دخول “المرحلة السادسة” من الدورة الكبرى للنظام والاضطراب (طبقاً للدورة الحضارية لصعود وهبوط الأمم التي اقترحها منذ سنوات)، حيث تسود فترة بلا قواعد واضحة، وتتصاعد صدامات القوى العظمى. ويشير تحليله إلى أن الحروب الكبرى غالباً ما تسبقها حروب تجارية وتكنولوجية ومالية، وأن أخطر اللحظات تكون حين تتقارب القوى عسكرياً وتتصاعد الخلافات الوجودية.
يرى المفكر والمستثمر الأمريكي الملياردير راي داليو ، مؤسس أكبر صندوق تحوط في العالم، أن ما يجري اليوم لا يمكن فهمه باعتباره مجرد توتر جيوسياسي عابر، بل هو جزء من “الدورة الكبرى للنظام والاضطراب الخارجي” — وهي مرحلة تاريخية تتكرر كل قرن تقريباً عندما ينهار توازن القوة الذي قام عليه النظام الدولي السابق، وتدخل القوى الكبرى في طور صراع مفتوح لإعادة تشكيله.
وفقاً لداليو، تمر الإمبراطوريات والقوى العظمى بست مراحل متكررة: صعود قائم على الإنتاجية والابتكار، ثم توسع اقتصادي ومالي، فذروة نفوذ، ثم تراكم ديون واستقطاب داخلي، ثم تراجع تدريجي في التماسك والثقة، وأخيراً مرحلة اضطراب خارجي تتفكك فيها القواعد التي حكمت النظام السابق. هذه المرحلة الأخيرة — التي يصفها بالمرحلة السادسة — هي الأخطر، لأنها تتميز بثلاث سمات متزامنة:
- تآكل النظام الداخلي للقوة المهيمنة
يبدأ الضعف من الداخل عبر استقطاب سياسي، اختلالات مالية، وتراجع في الثقة بالمؤسسات. الديون المرتفعة، التفاوت الاجتماعي، وصعود الشعبوية ليست ظواهر معزولة، بل مؤشرات على أن النظام لم يعد يعمل لصالح أغلبية السكان. في هذه اللحظة، تصبح السياسة الخارجية أكثر عدوانية أو انكفائية لتعويض التآكل الداخلي. - صعود قوة منافسة تقترب من الندّية
أخطر لحظة تاريخياً، بحسب داليو، هي عندما تتقارب القدرات العسكرية والاقتصادية بين قوة صاعدة وأخرى مهيمنة. هنا تصبح الحسابات أكثر حساسية، لأن كل طرف يرى في الآخر تهديداً وجودياً. في السياق الحالي، يشير داليو بوضوح إلى التوتر الأمريكي–الصيني حول تايوان باعتباره المثال الأكثر وضوحاً على هذا التقارب الخطير. - انهيار فعالية القواعد الدولية
في المراحل المستقرة، تعمل المؤسسات الدولية — مثل الأمم المتحدة أو منظمة التجارة العالمية — كآليات تحكيم نسبية. أما في المرحلة السادسة، فتفقد هذه المؤسسات قدرتها على ضبط السلوك، لأن القوة الفعلية تعود إلى الدول لا إلى القواعد. حين تصبح دولة أقوى من المنظومة نفسها، فإنها تفرض إرادتها بدل الاحتكام إليها.
الحروب التي تسبق الحرب
يؤكد داليو أن الحروب العسكرية لا تبدأ فجأة. بل تسبقها عادة سلسلة من “حروب غير عسكرية” تتصاعد تدريجياً:
- حروب تجارية (رسوم جمركية، قيود تصدير)
- حروب تكنولوجية (حظر تقنيات، قيود على أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي)
- حروب مالية (عقوبات، تجميد أصول، إقصاء من أنظمة الدفع)
- حروب جيوسياسية (تحالفات، توسيع مناطق نفوذ)
هذه الأدوات تُستخدم لاختبار الإرادة والقدرة قبل الوصول إلى الصدام العسكري. لكن المشكلة — كما يوضح — أن هذه الحروب “الناعمة” قد تتدحرج نحو مواجهة مباشرة عندما يشعر أحد الأطراف أن خسارته للنفوذ أصبحت غير قابلة للاحتواء.
قانون القوة بدل القانون الدولي
في الداخل، تحكم المجتمعات قوانين واضحة، وقضاء، وأجهزة تنفيذ. أما في النظام الدولي، فلا توجد سلطة عليا قادرة على فرض القانون على القوى الكبرى. لذلك، حين تتصاعد الخلافات، لا يلجأ الخصوم إلى المحاكم بل إلى التهديد والردع. وهنا يعود النظام الدولي إلى منطق “القوة هي الحق”.
داليو يحذر من أن هذه المرحلة تتسم بسوء تقدير الحسابات. فالحروب — بحسب دراسته التاريخية — دائماً أسوأ مما يتخيله قادتها، ونادراً ما تسير وفق المخطط. والكارثة تكمن في أن الأطراف تدخلها غالباً وهي تعتقد أنها ستنتهي بسرعة وبكلفة محدودة.
الدرس من الحرب العالمية الثانية
يستخدم داليو الكساد الكبير مثالاً على كيف يتداخل الانهيار المالي مع الاستقطاب الداخلي، ليولد أنظمة أكثر تطرفاً وعدوانية خارجياً. فالحروب الاقتصادية (مثل الرسوم الحمائية الأمريكية في الثلاثينيات) سبقت الانفجار العسكري. وعندما تبدأ الحرب العسكرية، تتحول جميع أدوات الصراع الأخرى إلى أسلحة مكمّلة.
ويشير إلى أن تمويل الحروب غالباً ما يتم بطباعة النقود وإصدار ديون ضخمة، ما يؤدي إلى إضعاف العملات، وهي ديناميكية مالية تعيد تشكيل موازين الثروة العالمية.
هل يمكن تجنب المسار الكارثي؟
لا يرى داليو أن الانحدار حتمي، لكنه مشروط. يمكن تجنب الصدام إذا:
- حافظت الدولة المهيمنة على إنتاجيتها وانضباطها المالي
- تجنبت الاستقطاب الداخلي الحاد
- سعت إلى ترتيبات رابح–رابح بدل منطق الإقصاء
- أدارت تنافسها مع القوة الصاعدة عبر مقايضات مدروسة.
المبدأ الذي يشدد عليه هو فهم “الخطوط الحمراء” للخصم بوضوح، والتفاوض على ما هو مهم لكلا الطرفين بدل الانزلاق إلى صراع وجود.
باختصار، فإن ما يقوله داليو أن ما يحدث الآن ليس عشوائياً ولا جديداً، وإنما يتبع نموذجاً ذا معالم واضحة، له مقدمات تفضي إلى نتائج حتمية (شاهد).
تعليق المعهد المصري: ما الذي يعنيه هذا للحظة الراهنة؟
إذا أسقطنا هذا التحليل على المشهد الذي أبرزه مؤتمر ميونيخ 2026، فإن تآكل النظام التجاري متعدد الأطراف، وتصاعد الحروب الاقتصادية والتكنولوجية، وعودة خطاب “سياسات القوى العظمى”، كلها مؤشرات على دخول العالم هذه المرحلة السادسة.
لكن الفارق الجوهري اليوم هو أن الترابط الاقتصادي والنووي، ومستويات التكنولوجيا المستخدمة في الحروب، يجعل أي حرب كبرى أكثر تدميراً من أي وقت مضى. ولهذا، فإن التحدي لا يكمن في منع التنافس — فهو حتمي — بل في منعه من التحول إلى صدام عسكري شامل.
بكلمات أخرى، العالم لا يعيش مجرد أزمة نظام، بل يعيش دورة تاريخية كاملة تعيد توزيع القوة. والسؤال ليس ما إذا كان النظام السابق قد انتهى — بل كيف سيُبنى النظام التالي، وبأي كلفة.
لحظة انتقالية مفتوحة
ما كشفه مؤتمر ميونيخ 2026 يتجاوز توصيف أزمة عابرة؛ إنه إعلان عن دخول مرحلة انتقالية، عنوانها هو الهدم، قد تطول ويترتب عليها أثار مدمرة، حيث تتراجع القواعد المستقرة لصالح منطق القوة والمساومة. وبينما تسعى أوروبا إلى إعادة تعريف موقعها، وتعيد واشنطن صياغة أولوياتها، وتطرح بكين وموسكو رؤى بديلة، يتشكل نظام عالمي جديد لم تتضح معالمه بعد.
المؤكد أن مرحلة ما بعد 1945 قد انتهت فعلياً. أما شكل المرحلة التالية، فسيُحدد بمدى قدرة القوى الكبرى على إدارة تنافسها دون الانزلاق إلى صدام عسكري مباشر، في عالم لم يعد فيه الاستقرار أمراً مفروغاً منه.
روبيو من ميونيخ: “العالم القديم انتهى” وأوروبا أمام خيار الاصطفاف
أثار خطاب وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في مؤتمر ميونيخ للأمن جدلاً واسعاً، بعدما اعتبر أن “العالم القديم قد انتهى” وأن الولايات المتحدة تدخل مرحلة جديدة من إعادة صياغة النظام الدولي، داعياً الدول الأوروبية إلى إعادة تعريف موقعها ضمن التحالف الغربي.
وفي مستهل كلمته، قال روبيو إن العالم “يتغير بسرعة كبيرة”، مضيفاً أن الحقبة التي نشأ فيها جيله السياسي لم تعد قائمة، وأن عصراً جيوسياسياً جديداً يتطلب من الحلفاء إعادة النظر في أدوارهم. وأكد أن واشنطن تريد “أن يزدهر الغرب مجدداً”، لكنها لن تستمر في إدارة التحالفات وفق الصيغ التقليدية السابقة.
وبحسب مضمون الخطاب، شدد الوزير الأميركي على أن الولايات المتحدة لا تضع “النظام العالمي” فوق “المصالح الحيوية للشعب الأميركي”، مشيراً إلى ضرورة إصلاح مؤسسات التعاون الدولي بدل تفكيكها بالكامل. غير أنه أوضح أن بلاده مستعدة لإعادة بناء ترتيبات النظام الدولي “حتى لو اضطرت للقيام بذلك منفردة”، مع تفضيل أن يتم ذلك بالشراكة مع أوروبا.
الناتو “علاقة تبادلية”
وفي إشارة مباشرة إلى حلف شمال الأطلسي، وصف روبيو التحالف بأنه “علاقة بين دول ذات مصالح”، معتبراً أن دعم واشنطن للحلف يجب أن يقابله التزام أوروبي أكبر بالإنفاق الدفاعي وتعزيز القدرات الذاتية. وقال إن الولايات المتحدة تريد “حلفاء قادرين على الدفاع عن أنفسهم”، في إشارة إلى ما تعتبره واشنطن اختلالاً في تقاسم أعباء الدفاع.
كما وجّه انتقادات لسياسات أوروبية تتعلق بالهجرة والطاقة والمناخ، معتبراً أنها أضعفت الاقتصادات الأوروبية وجعلتها أكثر هشاشة أمام الأزمات.
الدولار والحرب الاقتصادية
وتطرق الخطاب إلى البعد الاقتصادي في الصراع الجيوسياسي، مؤكداً أن النظام العالمي السابق لم يكن قائماً فقط على الناتو، بل على مكانة الدولار كعملة احتياط عالمية. وأشار إلى أن الإدارة الأميركية ترى في سعر الدولار عنصراً من عناصر التنافسية الصناعية، في ظل سعيها لإعادة توطين سلاسل الإمداد والتصنيع داخل الولايات المتحدة.
وجاءت هذه التصريحات في وقت تشير فيه تقارير مالية إلى تراجع حيازات الصين من سندات الخزانة الأميركية إلى مستويات لم تُسجل منذ عام 2008، مع دعوات صينية لتقليل الانكشاف على الديون الأميركية، ما يعكس تصاعد التوترات المالية بين القوتين الاقتصاديتين الأكبر في العالم.
المعادن النادرة وأمن الإمدادات
وفي سياق متصل، أبرزت الإدارة الأميركية ملف “المعادن الحرجة” باعتباره أحد ميادين الصراع الاستراتيجي مع الصين. وأعلنت عن إطلاق مشروع يُعرف باسم “Project Vault” لإنشاء احتياطي استراتيجي من المعادن النادرة بقيمة تقارب 12 مليار دولار، بهدف تقليل الاعتماد على الخارج في قطاعات الدفاع والتكنولوجيا المتقدمة.
وتشير البيانات إلى أن الولايات المتحدة تعتمد بشكل شبه كامل على الاستيراد في بعض المعادن الحيوية، مثل النيوبيوم والعناصر الأرضية النادرة المستخدمة في الصناعات العسكرية والفضائية، بينما تسيطر دول محددة، أبرزها الصين والبرازيل، على النسبة الأكبر من الإنتاج العالمي.
أوروبا بين واشنطن وبكين
ويرى مراقبون أن خطاب روبيو حمل رسالة واضحة إلى العواصم الأوروبية مفادها أن المرحلة المقبلة ستشهد إعادة تموضع استراتيجي، مع احتدام المنافسة بين واشنطن وبكين على النفوذ المالي والتكنولوجي والصناعي. ويضع هذا التنافس أوروبا في موقع حساس بين أكبر شريكين تجاريين لها.
وفي ختام كلمته، أكد روبيو أن الولايات المتحدة تفضّل “العمل مع الحلفاء”، لكنها لن تتردد في التحرك بمفردها إذا اقتضت مصالحها ذلك، في ما اعتبره محللون مؤشراً على مرحلة جديدة من إعادة تنظيم التحالفات الغربية وسط تحولات عالمية متسارعة.
أمريكا
تعكس الساحة الأمريكية انقساماً متصاعداً حول إسرائيل وغزة، تجلّى في مقالات نقدية حادة لسياسات نتنياهو، وخلافات داخل التيار المحافظ ذاته.
وبينما تواصل واشنطن إعادة صياغة تحالفاتها وفق منطق “أمريكا أولاً”، تتزايد الأصوات المطالِبة بإعادة تقييم الدعم غير المشروط لإسرائيل داخل الحزبين.
في الوقت نفسه، تتجه الإدارة الأمريكية إلى موازنة التصعيد مع إيران عبر مفاوضات مشروطة وحشد عسكري موازٍ.
المشهد يكشف عن تحول أعمق في المزاج السياسي الأمريكي، حيث تتقاطع الحسابات الاستراتيجية مع ضغوط الرأي العام الداخلي.
فريدمان يحذّر: سياسات نتنياهو تهدّد إسرائيل وعلاقاتها بواشنطن
في مقال تحليلي نشره الكاتب الأمريكي توماس ل. فريدمان، وجّه انتقادات حادة لحكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، معتبراً أن سياساتها الحالية في الضفة الغربية وقطاع غزة لا تهدّد الفلسطينيين فحسب، بل تضرب أيضاً المصالح الأمريكية وأمن اليهود حول العالم، بل وتمسّ طبيعة إسرائيل كدولة ديمقراطية.
اتهام بخداع واشنطن
يرى فريدمان أن نتنياهو ينجح في إبقاء التركيز الأمريكي منصباً على التهديد الإيراني — النووي والصاروخي — بينما تتسارع، بحسب وصفه، خطوات إسرائيل نحو تكريس واقع ضمّ فعلي في الضفة الغربية، مع استمرار السيطرة العسكرية في غزة دون منح الفلسطينيين حقوقاً سياسية.
ويقول الكاتب إن هذا المسار يُقدَّم للولايات المتحدة باعتباره ضرورة أمنية، لكنه في نظره يهدد بتحويل إسرائيل إلى دولة معزولة دولياً، ويضعف الدعم الشعبي الأمريكي لها، خصوصاً بين الأجيال الشابة.
تحذير من تداعيات ديموغرافية وسياسية
يستند فريدمان إلى تحذيرات صدرت عن رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت، الذي تحدث عن تصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية، محذراً من أن استمرار هذه السياسات سيؤدي إلى واقع لا يمكن التمييز فيه بين إسرائيل ونظام فصل عنصري.
ويشير الكاتب إلى أن فكرة سيطرة نحو سبعة ملايين يهودي إسرائيلي على عدد مماثل تقريباً من الفلسطينيين دون منحهم حقوقاً سياسية كاملة تمثل، بحسب وصفه، “مغامرة ديموغرافية خطيرة”.
انقسام داخل الولايات المتحدة
يلفت فريدمان إلى تحولات في الرأي العام الأمريكي، مستشهداً باستطلاع رأي أظهر أن أكثر من نصف الجمهوريين دون سن 45 عاماً يفضلون مرشحاً رئاسياً يدعو إلى تقليص المساعدات العسكرية لإسرائيل.
كما أشار إلى تصريحات النائبة الديمقراطية ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز، التي اعتبرت أن الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل “لا معنى له”، وربطت بينه وبين ما وصفته بالإبادة الجماعية في غزة.
ويرى فريدمان أن استمرار سياسات الحكومة الإسرائيلية الحالية سيزيد من الانقسام داخل المجتمع الأمريكي، ويضع اليهود في الشتات أمام خيارات صعبة تتعلق بموقفهم من إسرائيل.
التهديد الإيراني… والتهديد الداخلي
ورغم تأكيده أن إيران لا تزال تمثل تهديداً أمنياً حقيقياً لإسرائيل، خاصة في ضوء إعادة بناء قدراتها الصاروخية بعد الضربات التي استهدفت منشآتها في يونيو الماضي، يرى فريدمان أن التركيز الحصري على هذا الخطر الخارجي يغفل ما يعتبره تهديداً داخلياً أكبر: تقويض مؤسسات الدولة الإسرائيلية.
ويتهم الكاتب نتنياهو بالسعي منذ ثلاث سنوات إلى إضعاف السلطة القضائية، فيما يُعرف بخطة “الإصلاح القضائي”، إضافة إلى محاولات لإقصاء المدعية العامة، ومنع تشكيل لجنة تحقيق مستقلة في إخفاقات 7 أكتوبر.
فرصة ضائعة للتطبيع الإقليمي
بحسب فريدمان، فإن إسرائيل اليوم تتمتع بتفوق عسكري وتكنولوجي غير مسبوق في نظر جيرانها العرب، وكان يمكن استثمار ذلك في إطلاق مفاوضات جدية حول حل الدولتين، ما قد يفتح الباب أمام تطبيع شامل مع السعودية ودول عربية أخرى.
ويرى أن هذا السيناريو كان سيخدم المصالح الأمريكية عبر تقليل الحاجة إلى الوجود العسكري المكثف في المنطقة، وإعادة توجيه الاهتمام الاستراتيجي نحو آسيا والصين.
لكن، في المقابل، يشير إلى أن شخصيات بارزة في حكومة نتنياهو، مثل وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، تحدثت علناً عن تشجيع “هجرة” الفلسطينيين، في ما يراه الكاتب مؤشراً على اتجاه مختلف تماماً.
صراع الرؤى داخل إسرائيل
يخلص فريدمان إلى أن الخطر الأكبر على إسرائيل — من وجهة نظره — لا يأتي من إيران وحدها، بل من المسار السياسي الذي تتبناه الحكومة الحالية، والذي قد يؤدي إلى عزلة دولية متزايدة، وتوتر مع واشنطن، وانقسام داخلي أعمق.
ويصف الائتلاف الحاكم بأنه مزيج من قوميين متشددين، وحركات دينية ترى الصراع بمنظور خلاص ديني، وأحزاب حريدية ذات توجهات محافظة اجتماعياً، ما يجعل أجندته — بحسب فريدمان — بعيدة عن الرؤية الليبرالية التي تأسست عليها إسرائيل الحديثة.
تجدر الإشارة إلى أن توماس فريدمان هو أحد أهم الكتاب الأمريكيين اليهود من ذوي التوجه الصهيوني الداعم لإسرائيل، لكن من منظور علماني ليبرالي مناهض لحكومة نتنياهو وتوجهاتها اليمينية المتشددة.
خلاف داخل معسكر ترامب.. إقالة كاري بريجان-بولر من لجنة الحرية الدينية بعد جدل حول إسرائيل وغزة
تحولت جلسة استماع داخل لجنة “الحرية الدينية” التابعة لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى أزمة سياسية داخل المعسكر المحافظ، حيث أعقب الجلسة في اليوم التالي مباشرة إقالة العضوة كاري بريجان-بولر على خلفية مداخلات حادة بشأن الحرب في غزة وتعريف “الصهيونية” وعلاقتها بمعاداة السامية.
بريجان-بولر، ملكة جمال كاليفورنيا السابقة، والتي اشتهرت عام 2009 بموقفها العلني ضد زواج المثليين، وأصبحت لاحقاً من رموز اليمين المحافظ، دخلت الجلسة التي عُقدت في “متحف الكتاب المقدس” بواشنطن مرتدية دبوساً يحمل علم فلسطين. وخلال جلسة مخصصة لمناقشة معاداة السامية في الولايات المتحدة، وجّهت أسئلة مباشرة إلى متحدثين يهود حول العمليات الإسرائيلية في غزة، متسائلة عما إذا كانوا مستعدين لإدانة ما وصفته بـ“قتل عشرات الآلاف من المدنيين”.
صدام حول تعريف معاداة السامية
التوتر بلغ ذروته حين طرحت بريجان-بولر سؤالاً حول ما إذا كان رفض الصهيونية يُعد تلقائياً معاداة للسامية. أحد المتحدثين، وهو رئيس جامعة يشيفا في نيويورك، أجاب بأن إنكار حق اليهود في إقامة دولة بينما يُقبل هذا الحق لغيرهم يُعد “ازدواجية ومعاداة للسامية”. أما بريجان-بولر فذهبت إلى أن الكاثوليك “لا يتبنون الصهيونية”، متسائلة إن كان ذلك يجعلهم معادين للسامية.
عند هذه النقطة، تدخّل نائب حاكم تكساس دان باتريك، رئيس اللجنة والمقرّب من ترامب، مؤكداً أن اللجنة “تركز على الحرية الدينية لجميع المواطنين” وليس على “إعادة تعريف اللاهوت أو مهاجمة دول بعينها”، في إشارة واضحة إلى أن النقاش خرج عن الإطار المحدد له.
قرار الإقالة وردود فعل غاضبة
في اليوم التالي، أعلن باتريك عبر منصة “إكس” إزالة بريجان-بولر من عضوية اللجنة، معتبراً أنها “حاولت اختطاف الجلسة لخدمة أجندة شخصية وسياسية”. ونقلت وسائل إعلام محافظة عن مسؤول سابق في البيت الأبيض قوله إن اللجان الرئاسية “تُوجد لدعم أجندة الرئيس، لا لتحويلها إلى منصة شخصية”.
في المقابل، رفضت بريجان-بولر القرار واعتبرته تجاوزاً للصلاحيات، مؤكدة أن اللجنة “ليست ملكاً لرئيسها بل للرئيس نفسه”. واتهمت باتريك بالتحرك ضمن “إطار سياسي صهيوني”، معلنة أنها “لن تنحني لإسرائيل” وأن ولاءها “للمسيح الملك”، في خطاب يعكس مزجاً واضحاً بين الهوية الدينية والموقف السياسي. (انظر)
انكشاف خطوط التماس داخل اليمين
تكشف الواقعة عن توتر متصاعد داخل التيار المحافظ الأميركي، خصوصاً بين جناح تقليدي مؤيد بقوة لإسرائيل، وآخر يمزج بين الكاثوليكية المحافظة ونزعة قومية دينية تتبنى خطاباً أكثر انتقاداً للسياسات الإسرائيلية في غزة.
اللجنة، التي أنشأها ترامب بقرار تنفيذي في مايو الماضي وتعمل تحت مظلة وزارة العدل، تهدف رسمياً إلى حماية “المشاركة الكاملة في ديمقراطية تعددية” والدفاع عن حرية ممارسة الشعائر الدينية. غير أن الحادثة تثير تساؤلات حول حدود هذا التعدد داخل المؤسسات المرتبطة بالمشروع السياسي لترامب، خاصة عندما يتقاطع النقاش الديني مع ملف شديد الحساسية مثل إسرائيل.
بين الإيمان والانضباط الحزبي
إقالة بريجان-بولر تضع إدارة ترامب أمام مفارقة: لجنة أنشئت للدفاع عن حرية المعتقد وجدت نفسها في قلب جدل حول مدى تقبلها للاختلاف داخل صفوفها. وبينما يرى مؤيدو القرار أن اللجنة ليست ساحة للجدل الجيوسياسي، يعتبر منتقدوه أن ما جرى يضيّق هامش النقاش داخل المعسكر المحافظ نفسه.
في المحصلة، لم تعد القضية مجرد خلاف حول إدارة جلسة استماع، بل أصبحت مؤشراً على صراع أعمق داخل اليمين الأميركي بشأن العلاقة بين الدين والسياسة، وحدود الولاء لإسرائيل، وما إذا كان الخط الفاصل بين “حرية الضمير” و ”الانضباط الحزبي” آخذاً في التضييق.
فوز التقدمية أنيليلليا ميخيا في الانتخابات التمهيدية الخاصة لمقعد نيوجيرسي بالكونغرس
فازت الناشطة التقدمية أنيليلليا ميخيا في الانتخابات التمهيدية الخاصة للحزب الديمقراطي لملء المقعد الشاغر في مجلس النواب الأميركي عن الدائرة الحادية عشرة في ولاية نيوجيرسي، وفق ما أعلنت وكالة أسوشيتد برس.
وجاء إعلان فوز ميخيا بعد أسبوع من انتهاء الاقتراع في الخامس من فبراير/شباط، في سباق اتسم بالمنافسة الشديدة وضم أكثر من عشرة مرشحين، أبرزهم النائب السابق توم مالينوسكي الذي أقر بالهزيمة قبل الإعلان الرسمي للنتيجة.
تحوّل في توجهات الدائرة
تمثل النتيجة مؤشراً على التحول السياسي في الدائرة الحادية عشرة، التي تضم أجزاء من مقاطعات إسيكس وموريس وباسايك وبعض ضواحي نيويورك الثرية. فقد كانت الدائرة تقليدياً تميل للجمهوريين، قبل أن تتحول إلى الديمقراطيين خلال الموجة الانتخابية عام 2018 التي جاءت بالرئيس السابق دونالد ترامب إلى واجهة الاستقطاب السياسي الوطني.
وبدلاً من اختيار مرشح معتدل يخلف الحاكمة الحالية ميكي شيريل – التي شغلت المقعد سابقاً – فضّل الناخبون الديمقراطيون مرشحة ذات توجهات تقدمية واضحة.
برنامج يساري ودعم وطني
ميخيا (48 عاماً) خاضت حملتها على أساس سياسات اقتصادية شعبوية، ودعت إلى إلغاء وكالة الهجرة والجمارك الأميركية (ICE)، وهو طرح يُتوقع أن يستغله الجمهوريون لتصويرها على أنها بعيدة أكثر من اللازم عن المزاج العام للدائرة.
وتحظى ميخيا بسجل طويل في العمل التنظيمي التقدمي؛ فقد كانت مديرة تحالف العائلات العاملة في نيوجيرسي، كما شغلت منصب المديرة السياسية لحملة السيناتور بيرني ساندرز الرئاسية عام 2020، وعملت لاحقاً نائبة لمديرة مكتب شؤون المرأة بوزارة العمل خلال إدارة الرئيس جو بايدن.
ونالت دعماً من شخصيات بارزة في الجناح التقدمي للحزب الديمقراطي، من بينهم السيناتور بيرني ساندرز، والنائبة ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز، والسيناتورة إليزابيث وارن.
دور AIPAC والجدل حول غزة
شهد السباق أيضاً تدخلاً لافتاً من لجنة الشؤون العامة الأميركية-الإسرائيلية (AIPAC) عبر لجنة إنفاق سياسي مرتبطة بها، في محاولة لعرقلة مالينوسكي بعدما أثار تساؤلات بشأن الدعم الأميركي غير المشروط لإسرائيل.
غير أن هذا التدخل بدا أنه لم يحقق النتائج المرجوة، إذ تمكنت ميخيا – التي صرحت بأنها تعتبر ما يجري في غزة “إبادة جماعية” – من تحقيق تقدم طفيف وحسم السباق لصالحها.
المحطة التالية
ستواجه ميخيا المرشح الجمهوري جو هاثاواي في الانتخابات العامة الخاصة المقررة في 16 أبريل/نيسان المقبل، لإكمال ما تبقى من ولاية المقعد حتى يناير/كانون الثاني.
كما ستشهد الدائرة لاحقاً انتخابات تمهيدية منتظمة في الثاني من يونيو/حزيران، تليها الانتخابات العامة للدورة الجديدة في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني.
بعد “ملفات إبستين”.. عودة الجدل حول “عيون مغلقة على مصراعيها” وعلاقة هوليوود بالنخب النافذة
أعاد نشر وثائق جديدة مرتبطة بقضية جيفري إبستين فتح نقاشات قديمة حول طبيعة العلاقة بين النخب السياسية والمالية، وأجهزة الاستخبارات، وصناعة السينما في الولايات المتحدة. وفي هذا السياق، عاد فيلم “Eyes Wide Shut”- “عيون مغلقة على مصراعيها” للمخرج الراحل ستانلي كوبريك، إلى الواجهة بوصفه عملاً يُنظر إليه – في بعض الأوساط – على أنه قراءة مبكرة لعالم من الطقوس الجنسية السرية وشبكات الابتزاز وسيطرة النخب داخل الطبقات العليا.
في مقابلة حديثة مع برنامج “Redacted”، قدّم الباحث والكاتب جاي داير، في إطار الحديث عن شبكات السيطرة والتحكم التي كشفتها قضية إبستين، قراءة مطوّلة للفيلم، معتبراً أنه لم يكن عملاً خيالياً صرفاً، بل “مرآة رمزية” لعلاقات متشابكة بين النخبة المالية، وأجهزة الاستخبارات، وثقافة الابتزاز الجنسي.
من الرواية الألمانية إلى نيويورك المعاصرة
الفيلم الصادر عام 1999 يستند إلى رواية ألمانية تعود إلى عشرينيات القرن الماضي بعنوان Traumnovelle، لكنه نُقل إلى بيئة نيويورك الحديثة، حيث يتتبع طبيباً ثرياً يكتشف وجود طبقة أعلى من النخب تمارس طقوساً سرية تتجاوز حدود القانون والأخلاق.
يرى داير أن كوبريك لم يبتدع فكرة “الحفلات المقنّعة” والطقوس السرية من فراغ، بل استند إلى تقاليد أوروبية قديمة، من بينها حفلات تنكرية كانت – وفق بعض الدراسات التاريخية – بيئة ملائمة للابتزاز السياسي والمالي.
شبكات الابتزاز والاستخبارات
الطرح الذي قدّمه داير يتجاوز السينما إلى قراءة أوسع للعلاقة التاريخية بين أجهزة الاستخبارات وصناعة الترفيه. واستشهد بعدد من الكتب الأكاديمية التي تناولت التعاون بين هوليوود ووكالات أمنية مثل وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) والبنتاغون، سواء عبر الاستشارات أو الدعم اللوجستي للأفلام ذات الطابع السياسي أو العسكري.
كما أشار إلى مفهوم “الابتزاز الجنسي” أو ما يُعرف في أدبيات الاستخبارات بـ “honey traps”، باعتباره أداة تاريخية استُخدمت في سياقات متعددة، من الحرب الباردة إلى عمليات سرية موثقة في برامج مثل “Operation Midnight Climax”، وهو برنامج تابع لمشروع MK-Ultra، جرى الكشف عنه في وثائق لاحقة.
إبستين والجدل المتجدد
إعادة نشر أجزاء من وثائق إبستين أعادت إحياء النقاش حول استخدام الجنس والعلاقات الخاصة كوسيلة ضغط على شخصيات نافذة. وبينما لم تثبت المحاكمات والوثائق المنشورة وجود “شبكة طقوسية” كما تصفها بعض النظريات، فإنها كشفت عن علاقات واسعة ومعقّدة بين إبستين ورجال أعمال وسياسيين وأكاديميين.
ويؤكد مراقبون أن الخلط بين الوقائع المثبتة والقراءات التأويلية يظل أحد أبرز سمات النقاش الدائر، خصوصاً في الفضاء الرقمي حيث تنتشر نظريات تتجاوز ما تم إثباته قانونياً.
كوبريك.. تحذير أم استشراف؟
من الأسئلة التي طُرحت في المقابلة: هل كان كوبريك يحاول “تحذير الجمهور”، أم أن الفيلم مجرد عمل فني مفتوح على التأويل؟
يشير داير إلى أن كوبريك – المعروف بنزعته النقدية تجاه السلطة – ربما استخدم الفن كوسيلة للتعبير عن رؤيته للعالم، لكنه لا يقدم دليلاً مادياً على أن الفيلم كان “فضحاً مباشراً” لشبكات قائمة.
ويظل موت كوبريك بعد فترة وجيزة (أسبوعين) من إنهاء النسخة النهائية للفيلم عام 1999 عنصراً غذّى كثيراً من التكهنات، رغم عدم وجود أدلة رسمية تدعم فرضيات تتجاوز الأسباب المعلنة لوفاته.
هوليوود والتأثير السياسي
النقاش لم يتوقف عند فيلم واحد، بل امتد إلى فكرة “التشكيل الثقافي” عبر السينما، سواء من خلال دعم عسكري مباشر لبعض الأفلام، أو عبر ما يُعرف بـ “البرمجة التنبؤية”، وهي فرضية تقول إن الأعمال الفنية قد تُمهّد الجمهور نفسياً لتقبل أحداث سياسية أو اجتماعية لاحقة.
غير أن باحثين في الإعلام يشيرون إلى أن التأثير الثقافي لا يعني بالضرورة وجود “مخطط مركزي”، بل قد يكون نتاج تفاعل بين المصالح السياسية، والتمويل، وصناعة الترفيه، والسوق.
بين الوثيقة والنظرية
يبقى الثابت في قضية إبستين هو وجود شبكة علاقات واسعة واستغلال جنسي مثبت قضائياً، بينما تبقى الادعاءات المتعلقة بـ “طقوس نخبوية منظمة عالمياً” ضمن نطاق النظريات التي لم تُدعّم بأدلة قانونية حاسمة.
ومع استمرار نشر الوثائق ومتابعة التحقيقات، يبدو أن الجدل حول العلاقة بين السلطة والمال والجنس سيظل مادة خصبة للنقاش، سواء في المحاكم أو في السينما أو على منصات الإعلام البديل.
إيران
تقف إيران عند مفترق حاسم بين مسار تفاوضي هش في جنيف، وتصعيد عسكري متدرج في الخليج. واشنطن تحشد حاملات طائرات وتلوّح بالعقوبات والضربات، بينما تعيد طهران هندسة مجالها الجوي وتستعرض قدراتها في مضيق هرمز.
الفجوة التفاوضية ما تزال واسعة، مع تمسك كل طرف بشروط قصوى قد تجعل الفشل أقرب من النجاح. وفي حال انهيار المسار الدبلوماسي، تبدو المنطقة أمام سيناريوهات تتراوح بين ضربات محدودة وحرب إقليمية واسعة. إنها لحظة اختبار لميزان الردع في الشرق الأوسط بأسره.
بين جنيف وهرمز.. إيران على حافة مفترق حاسم
تدخل الأزمة الإيرانية مرحلة دقيقة تتقاطع فيها الدبلوماسية مع استعراض القوة، بينما تتحرك طهران وواشنطن على مسارين متوازيين: مفاوضات نووية غير مباشرة في جنيف بوساطة عُمانية، وحشد عسكري متصاعد في مياه الخليج وشرق المتوسط.
في جنيف، أجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مباحثات فنية مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي تمهيداً لجولة تفاوض جديدة مع الولايات المتحدة. وتؤكد طهران أنها جاءت بـ«أفكار عملية لاتفاق عادل»، لكنها شددت في الوقت ذاته على أن «الاستسلام أمام التهديدات ليس مطروحاً».
مفاوضات على حافة الانهيار
الفجوة بين الطرفين لا تزال واسعة. إيران تتمسك برفع العقوبات مقابل قيود محدودة على برنامجها النووي، بينما تطالب واشنطن باتفاق أشمل يشمل البرنامج الصاروخي وسياسات طهران الإقليمية. الرئيس الأميركي دونالد ترامب لوّح بـ«عواقب» في حال عدم التوصل إلى اتفاق، معلناً مشاركته غير المباشرة في المحادثات.
ويحذر محللون من أن فرص النجاح تبدو ضئيلة في ظل صعوبة تقديم تنازلات جوهرية، سواء بالنسبة لإدارة ترامب التي تواجه ضغوطاً داخلية، أو لطهران التي تخشى انعكاسات سياسية داخلية لأي تراجع كبير.
سماء مُعاد هندستها
بالتوازي مع المسار التفاوضي، كشفت إشعارات الملاحة الجوية الإيرانية (NOTAM) عن إعادة تنظيم واسعة للمجال الجوي من مضيق هرمز جنوباً إلى تخوم القوقاز شمالاً. أكثر من ثلثي الإشعارات الصادرة منذ مطلع يناير ارتبطت بأنشطة عسكرية مباشرة، شملت مناورات بالذخيرة الحية، وتفعيل مناطق خطر، وتعليق بعض أنماط الطيران المدني.
في الجنوب، فُرضت قيود منخفضة الارتفاع قرب مضيق هرمز، ما يعكس استعداداً لاعتراض تهديدات مثل الطائرات المسيّرة أو الصواريخ المجنحة. وعلى الجبهة الغربية، شُددت مسارات التحليق القادمة من العراق، في إشارة إلى حساسية هذا الممر الجوي. أما في العاصمة طهران، فتم تعليق رحلات الطيران البصري، في خطوة تعكس نشاطاً دفاعياً مكثفاً.
هذه التحركات لا تعني بالضرورة اقتراب مواجهة وشيكة، لكنها توحي بإعادة هندسة دفاعية متعددة الطبقات، استعداداً لأسوأ السيناريوهات.
الحشد الأميركي.. نافذة منتصف مارس؟
في المقابل، تشير تقديرات إسرائيلية إلى أن النصف الثاني من مارس/آذار قد يمثل نافذة زمنية مرجحة لأي تحرك عسكري أميركي، في حال فشل المفاوضات. وتشمل المؤشرات المحتملة تمركز ثلاث حاملات طائرات أميركية في نطاق القيادة الوسطى، ما يتيح إطلاق مئات الطلعات الجوية يومياً في الأيام الأولى لأي مواجهة.
القيادة الأميركية نشرت بالفعل صوراً لطائرات حرب إلكترونية ومقاتلات متقدمة تستعد للإقلاع من على متن حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن»، فيما تتحرك «جيرالد فورد» لتعزيز الوجود البحري في المنطقة.
هرمز.. ورقة الاقتصاد العالمي
إيران، من جهتها، أجرت مناورات بحرية طارئة في مضيق هرمز، مؤكدة أن الرد سيكون «سريعاً وشاملاً» على أي تهديد. ويُعد المضيق شرياناً حيوياً يمر عبره نحو 20% من النفط العالمي، ما يمنح طهران ورقة ضغط استراتيجية.
وتلوّح طهران بسُلّم تصعيد يبدأ بإغلاق المضيق، وقد يمتد إلى استهداف قواعد أميركية في الخليج أو منشآت طاقة إقليمية، في حال تعرضها لهجوم.
سيناريوهات المواجهة
في حال انهيار المسار الدبلوماسي، تتراوح السيناريوهات بين:
- تصعيد اقتصادي وحصار بحري دون مواجهة مباشرة.
- ضربات محدودة تستهدف منشآت نووية وصاروخية.
- حرب موسعة تستهدف البنية العسكرية الإيرانية، وصولاً إلى تغيير النظام الحاكم.
- صراع إقليمي شامل قد يشمل أطرافاً أخرى في العراق ولبنان وباب المندب.
ويرى بعض الباحثين أن إيران قد تجد نفسها في وضع معقد حتى لو نجحت المفاوضات، إذ قد تسعى إسرائيل إلى توجيه ضربة منفصلة لبرنامجها الصاروخي، في إطار تنسيق مع واشنطن.
بين الردع والدبلوماسية
المشهد الحالي يعكس معادلة دقيقة: واشنطن تستكمل استعداداتها العسكرية بالتوازي مع التفاوض، وطهران تعيد تموضع دفاعاتها وتلوّح بأدوات الردع الاقتصادي والعسكري.
وبينما يؤكد الطرفان تفضيل الحل الدبلوماسي، فإن تآكل الثقة، واتساع الفجوة التفاوضية، والضغوط الإقليمية، تجعل المنطقة أقرب من أي وقت مضى إلى مفترق حاسم.
في المحصلة، تقف إيران اليوم عند تقاطع معقد بين جنيف وهرمز: طاولة مفاوضات تضيق مساحتها، وسماء وبحار تُعاد هندستها استعداداً لاحتمالات لا تزال مفتوحة على كل السيناريوهات.
تقدير موقف للمعهد المصري: مألات التصعيد الأمريكي تجاه إيران في ظل المفاوضات الجارية
أولاً: السياق العام
في خضم مرحلة المفاوضات الجارية اليوم بين الولايات المتحدة وإيران، تتزامن المسارات الدبلوماسية مع تحركات عسكرية أمريكية لافتة في الإقليم. هذا التوازي بين التفاوض والحشد العسكري يعكس نمطاً مألوفاً في إدارة الأزمات الكبرى؛ حيث تُستخدم أدوات الردع والاستعداد القتالي كأداة ضغط موازية للمسار التفاوضي.
من منظور استراتيجي، يمكن قراءة التحركات الأمريكية باعتبارها محاولة لتحقيق جملة من الأهداف المركبة، تتجاوز ضبط الملف النووي الإيراني إلى إعادة تشكيل بيئة التوازنات الإقليمية والدولية في المنطقة.
ثانياً: الأهداف الأمريكية
1- إضعاف المحور الصيني – الروسي
تسعى واشنطن إلى تقليص تموضع إيران ضمن محور المنافسين الدوليين، لا سيما الصين وروسيا، بما يؤدي إلى إضعاف قدرتهما على توظيف الساحة الشرق أوسطية في صراعهما مع الولايات المتحدة. فصل طهران عن هذين القطبين يعني تقليص هامش المناورة الاستراتيجية لكلا الطرفين. وقد تستهدف الولايات المتحدة أيضاً السيطرة على النفط الإيراني، والذي تعتمد عليه الصين بدرجة كبيرة، فضلاً عن السيطرة على الممرات البحرية في المنطقة، لتحصيل المزيد من أوراق القوة في معادلة التنافس الأمريكي – الصيني في ملفات الطاقة، والممرات البحرية، والانتشار العسكري.
2- إعادة تشكيل البيئة الإقليمية وفق تصور “الشرق الأوسط الجديد”
إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي الجديدة (نوفمبر 2025) تستهدف تقليص التواجد العسكري الأمريكي المباشر خارج مجالها الحيوي في نصف الكرة الغربي. يرتبط هذا الهدف بمحاولة هندسة نظام إقليمي تكون فيه إسرائيل الطرف الأكثر تفوقاً، نيابة عن الولايات المتحدة، دون وجود قوة إقليمية مناوئة قادرة على موازنتها. ويتطلب ذلك تحجيم إيران بوصفها الفاعل الأكثر تأثيراً في معادلة الردع، سواءً المباشر، أو غير المتماثل عبر شبكة حلفائها الإقليميين.
3- تغيير السلوك الاستراتيجي للنظام الإيراني
تستهدف الولايات المتحدة تغيير السلوك الإستراتيجي لإيران، بما يخدم أهدافها الإستراتيجية، ويدخل في ذلك الإطار :
- التخلي عن البرنامج النووي والوصول إلى صفر تخصيب.
- تقليص أو إنهاء فعالية البرنامج الصاروخي الباليستي.
- إعادة تعريف علاقة إيران بحلفائها الإقليميين (الحوثيون، حزب الله، الفصائل العراقية، المقاومة الفلسطينية).
هذا الطرح يعني أن المطلوب أمريكياً ليس تعديلاً جزئياً، بل إعادة تموضع كاملة للسياسة الإقليمية الإيرانية، بحيث تستسلم تماماً للقيادة الإسرائيلية للمنطقة، فهل هذه الأهداف يمكن أن تكون مقبولة إيرانياً؟
ثالثاً: طبيعة التفاوض – “التفاوض بالقوة”
وفق هذه القراءة، فإن الشروط المطروحة أمريكياً قد لا تكون مصممة للتوصل إلى تسوية وسط، بل لخلق معادلة ضغط قصوى تضع إيران أمام خيارين: الاستسلام التام أو المواجهة.
إذا صحّ هذا التقدير، فإن فشل المفاوضات قد يشكّل مبرراً سياسياً لانتقال واشنطن إلى الخيار العسكري، بعد استنفاد المسار الدبلوماسي رسمياً، بمعنى أن المفاوضات مصممة لتفشل، ولتعطي الفرصة لاستكمال الحشد العسكري، ثم تبرير الضربة.
رابعاً: مؤشرات الاستعداد العسكري الأمريكي
التحركات العسكرية الأخيرة تعزز فرضية التحضير المسبق لسيناريو تصعيد. ويتزايد الحشد العسكري بشكل مستمر، توج بقرار إرسال حاملة الطائرات الأكبر في العالم؛ USS Gerald R. Ford ، ما سيخدم بالأساس توفير المزيد من الحماية لإسرائيل حال تعرضها لرد فعل إيراني كبير.
تفاصيل الحشد تشير إلى استعداد لعمليات جوية ممتدة وعالية الكثافة، وهو ما يتسق مع سيناريو ضربة واسعة تستهدف البنية التحتية النووية والصاروخية، والأهم السعي لتغيير النظام الإيراني الذي وصلت القناعة الأمريكية أنه يستحيل تغيير سلوكه.
خامساً: السيناريوهات المحتملة
1- ضربة مركزة محدودة
استهداف المنشآت النووية والباليستية دون الانخراط في حرب إسقاط نظام مباشرة، وهو ما لن يغير كثيراً من الوضع القائم، ويكون الهدف منه فقط حفظ ماء الوجه.
2- عملية مركبة واسعة
مزيج من ضربات عسكرية واسعة، تستهدف أولاً الصفوف الأولى من جميع القيادات الإيرانية، مع عمليات إرباك داخلي، بما يشمل تحريك أطراف داخلية مسلحة أو استثمار توترات اجتماعية بهدف إنهاك النظام. سيدفع هذا الخيار بالضرورة إلى حالة من الفوضى الداخلية، فضلاً عن رد الفعل الإيراني التي قد تلجأ إلى توسيع نطاق المواجهة، إما مباشرة أو عبر أدواتها الإقليمية، ما سيؤدي إلى حرب طويلة الأمد ترفع الكلفة على الولايات المتحدة وإسرائيل، وعلى كامل الإقليم. برغم هذه التكلفة، فقد لا يكون هكذا سيناريو مرفوضا بالكلية أمريكياً وإسرائيلياً.
3- الوصول إلى توافق
قد يكون هذا باقتناع الأطراف باستحالة تحقيق الأهداف من الحرب، خاصة إذا ما استجابت أمريكا للإغراء الإيراني الذي تردد الحديث عنه مؤخرا حول حوافز واستثمارات هائلة لأمريكا في إيران.
سادساً: معادلة الردع وإشكالية السلاح النووي
إذا كانت إيران قد اقتربت بالفعل من العتبة النووية أو تجاوزتها — وفق بعض التقديرات — فإن ذلك لا يعني بالضرورة تراجع احتمالية الضربة، بل على العكس، قد يدفع واشنطن إلى تسريعها قبل ترسيخ ميزان ردع نووي مستقر.
في المقابل، قد تلجأ طهران إلى إشعال الإقليم ورفع مستوى الفوضى الاستراتيجية، وهو سيناريو قد ترى واشنطن أنه قابل للإدارة أو حتى الاستثمار في سياق إعادة ترتيب البيئة الإقليمية.
سابعاً: البعد الدولي
إطالة أمد المواجهة قد تفتح المجال أمام الصين وروسيا لتوظيف الانشغال الأمريكي في الشرق الأوسط لتحقيق مكاسب في ملفات أخرى؛ روسيا في الساحة الأوكرانية، والصين في ملف تايوان والمحيطين الهندي والهادئ.
ثامناً: خلاصة تقدير الموقف
يبدو لنا أن الولايات المتحدة وإسرائيل تتحركان ضمن رؤية متطابقة تجاه الملف الإيراني، وأن أي حديث عن فجوة استراتيجية عميقة بين الطرفين لا يجد ما يدعمه في المؤشرات العملية.
المعادلة الحالية تشير إلى أن المفاوضات تمثل مرحلة اختبار أخير؛ فإذا فشلت، وهو الأرجح، فإن احتمالية الانتقال إلى الخيار العسكري هو الاحتمال الأقرب من وجهة نظرنا، سواء بضربة مركزة محدودة أو عملية واسعة مركبة، و الثاني هو الأكثر رجحاناً من وجهة نظرنا، في ضوء الأهداف الاستراتيجية المذكورة، التي تتطلب تغيير النظام الإيراني بشكل كامل.
إلا أننا نرى أن هدف إسقاط النظام بكامله يصعب تحقيقه، حيث أن بنية النظام الإيراني تتسم بتعدد المستويات وتشابكها؛ إذ يُقدَّر عدد عناصر الحرس الثوري، القوة الضاربة للنظام، بنحو 300 ألف عنصر، مدعوماً بقوات احتياط تبلغ قرابة المليون عنصر، إضافة إلى ما يقارب مليون عنصر أخر ضمن قوات التعبئة الشعبية (الباسيج). هذه الكتلة البشرية الكبيرة تمنح النظام قدرة تعبئة واسعة في حال التصعيد، كما أنها لن تظل صامته حتى لو نجح استهداف جميع القيادات المعروفة. هذا الحجم في حد ذاته قد يطرح تحدياً في حال تعرض منظومة القيادة والسيطرة لارتباك أو فراغ مؤقت نتيجة ضربات مركزة أو عمليات استهداف للقيادات؛ ففي مثل هذا السيناريو، قد تنشأ تحركات منفصلة من بعض التشكيلات أو الوحدات دون تنسيق مركزي كامل، سواء بدافع المبادرة الميدانية أو نتيجة اضطراب هيكل القيادة، ما سيترتب عليه فوضى واسعة، ليس في إيران فقط، ولكن في كل المنطقة.
وفي حال حدوث ذلك، قد تمتد نطاقات الاستهداف إلى ساحات أخرى في الإقليم، إما مباشرة أو عبر أذرع أو شبكات مرتبطة بإيران، الأمر الذي قد يدفع المنطقة إلى حالة من الفوضى الإقليمية الواسعة، تتسم بتعدد الجبهات وغياب الضبط المركزي الصارم لإيقاع التصعيد، ونحن مع الأسف نرى أن هذا الاحتمال هو الأكثر رجحاناً في السيناريوهات المطروحة، وأنه جاري الإعداد لتنفيذه في موعد أقصاه الأسابيع القليلة المقبلة.
سوريا
تدخل سوريا مرحلة إعادة تشكيل سياسي وعسكري شاملة، مع تسارع الانسحاب الأمريكي وتسليم قواعد استراتيجية للجيش السوري، بالتوازي مع مسار دمج “قسد” ضمن مؤسسات الدولة.
وفي ظل استعداد الرئيس أحمد الشرع لتشكيل حكومة موسعة ذات شرعية داخلية وخارجية، تبدو دمشق أمام اختبار تثبيت الاستقرار بعد سنوات من الانقسام.
التحولات لا تقتصر على البنية العسكرية، بل تمتد إلى إعادة تعريف دور الإسلام السياسي وموقع القوى المحلية في الدولة الجديدة. وبين تحديات الدمج والمخاوف الأمنية، يتشكل مشهد سوري مختلف عما عرفته البلاد خلال العقد الماضي.
مركز الجزيرة للدراسات: الإخوان المسلمون في سوريا.. خطوة إلى الخلف أم نهاية دور تاريخي؟
لم يكن سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024 حدثاً عسكرياً فحسب، بل مثّل لحظة مفصلية أعادت تشكيل الخريطة الفكرية والسياسية للإسلاميين في سوريا. فمنذ إطلاق عملية “ردع العدوان” بقيادة هيئة تحرير الشام في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، وما تبعها من انهيار مفاجئ للنظام، دخلت البلاد طوراً جديداً انتقلت فيه حركة جهادية محلية إلى موقع إدارة الدولة، في سابقة لم يشهدها المشهد السوري الحديث.
هذا التحول لم يقتصر على تبدل موازين القوى، بل كشف عن مسار طويل من إعادة التشكّل داخل التيارات الإسلامية، خصوصاً السلفية الجهادية التي تحولت من مشروع عابر للحدود إلى صيغة محلية ذات خطاب سياسي محافظ بملامح وطنية. فقد عملت هيئة تحرير الشام، منذ انفصالها عن تنظيم القاعدة عام 2016، على إعادة تموضع تدريجي شمل إعادة الهيكلة التنظيمية، وتوسيع التجنيد المحلي، وتطوير أدوات الحكم والإدارة، وصولاً إلى إنشاء مؤسسات أمنية وعسكرية ومدنية شبه دولتية في إدلب قبل الانتقال إلى دمشق.
في المقابل، بدت جماعة الإخوان المسلمين، التنظيم السياسي الإسلامي الأقدم في سوريا، خارج لحظة التحول. فعلى الرغم من احتفاظها بتماسك تنظيمي تاريخي، لم تستطع الجماعة ترجمة حضورها الرمزي إلى نفوذ فعلي على الأرض خلال سنوات الثورة. ومع وصول هيئة تحرير الشام إلى السلطة، انتقل ثقل التمثيل السني غير المعلن إلى منظومة الحكم الجديدة، ما وضع الإخوان أمام معادلة صعبة: إما التراجع التكتيكي لتجنب صدام مبكر، أو مواجهة منافسة غير متكافئة مع قوة خرجت من رحم الميدان وتمكنت من إسقاط النظام.
التحولات التي شهدتها الساحة السورية طالت أيضاً حركات الإحياء الديني، التي أعادت تنظيم نفسها في المنفى أو في مناطق المعارضة، وأسست كيانات مؤسسية، مثل المجلس الإسلامي السوري وروابط العلماء. غير أن حل المجلس الإسلامي السوري في يونيو/حزيران 2025 عُدّ خطوة لإعادة توحيد المرجعية الدينية تحت سلطة الدولة الجديدة، وسط مخاوف من احتكار التمثيل الديني.
على المستوى العسكري، شكّلت تجربة إدلب نموذجاً مبكراً لما بعد الأسد. فقد طورت هيئة تحرير الشام بنية أمنية مركزية، وأنشأت جهازاً للتجنيد وكلية عسكرية، وعملت على تطوير الطيران المسيّر، ونفذت عمليات بعيدة المدى أظهرت قدرات استخبارية وعسكرية متقدمة. كما نجحت في بناء اقتصاد حرب قائم على المعابر والجباية المحلية والاستثمارات، ما منحها استقلالية نسبية عن التمويل الخارجي، بخلاف فصائل أخرى بقيت رهينة الدعم الإقليمي.
تزامن ذلك مع متغيرات إقليمية ودولية حاسمة: انشغال روسيا بحرب أوكرانيا وسحب جزء كبير من قواتها من سوريا، تصاعد الاحتجاجات في السويداء، انتفاضة العشائر شرق الفرات، والضربات الإسرائيلية الواسعة ضد النفوذ الإيراني. هذه العوامل مجتمعة وفّرت نافذة استراتيجية استثمرتها الهيئة لإطلاق هجومها الحاسم.
لكن التحول الأكبر قد يكون فكرياً. ففشل تجربة تنظيم الدولة الإسلامية في إقامة “الخلافة” شكّل ضربة قاصمة لفكرة الحكم العابر للحدود، ورسّخ النزعة المحلية على حساب الطموح الأممي. ومع تراجع خطاب “المظلومية السنية” في سوريا بعد سقوط النظام، وتراجع النفوذ الإيراني، تغيّر الإطار الأيديولوجي الذي غذّى الإسلام السياسي لعقود.
اليوم، يجد الإخوان المسلمون أنفسهم أمام لحظة مراجعة تاريخية. فبين شيخوخة القيادة، والانقسامات المناطقية، وتراجع القاعدة الاجتماعية، وتبدل المزاج الإقليمي المناهض للإسلام السياسي، تبدو فرصتهم في استعادة الدور القيادي محدودة. ورغم أن حل التنظيم لا يعني نهاية حضوره الاجتماعي أو السياسي، فإن المشهد الجديد يفرض إعادة تموضع عميقة قد تفضي إلى ولادة أحزاب بديلة بمرجعية إسلامية محلية أقل أيديولوجية وأكثر براغماتية.
في المقابل، تواجه السلطة الجديدة تحديات أمنية مستمرة، أبرزها تحركات خلايا تنظيم الدولة الإسلامية داخل المدن، ومحاولات شبكات موالية لإيران إعادة تنظيم نفسها. ويظل استقرار التجربة مرهوناً بقدرة الحكم الجديد على إدارة التوازنات الداخلية، واحتواء الخصوم، وتجنب الانزلاق إلى صراعات أيديولوجية مبكرة.
ما جرى في سوريا لا يقتصر أثره على حدودها. فالجغرافيا السياسية للبلاد وموقعها في المخيلة الإسلامية والعربية يجعلان من تجربتها مختبراً إقليمياً لتحولات أعمق في مسار الإسلام السياسي. ومع اقتراب الذكرى المئوية لتأسيس جماعة الإخوان المسلمين عام 2028، تبدو سوريا وكأنها تفتح فصلاً جديداً يتجاوز الصيغ التقليدية للحركات الإسلامية، نحو مشهد تتقدم فيه الدولة الوطنية بمرجعية دينية محلية على حساب المشاريع العابرة للحدود.
التجربة لا تزال في بدايتها، والحكم عليها سابق لأوانه، لكن المؤكد أن تحولات كبرى قد حدثت بالفعل، وأن ارتداداتها مرشحة لتتجاوز الداخل السوري إلى فضاء إقليمي أوسع.
تحول في التوازنات.. دلالات الانسحاب الأمريكي من قاعدة التنف بسوريا
لا يُقرأ الانسحاب الأمريكي من قاعدة التنف في البادية السورية بوصفه خطوة عسكرية منفصلة، بل باعتباره مؤشراً على إعادة تموضع أوسع في الإستراتيجية الأمريكية تجاه سوريا والمنطقة. فالقاعدة التي أُنشئت عام 2016 ضمن الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية، تحولت خلال سنوات إلى عقدة جيوسياسية تتحكم بمثلث حدودي حساس يربط سوريا بالعراق والأردن، وتطل على طرق إمداد حيوية بين دمشق وبغداد.
ومع إتمام الانسحاب، انتشرت وحدات من الجيش السوري في محيط القاعدة، بالتوازي مع نقل آلاف من معتقلي تنظيم الدولة إلى العراق، في خطوة تعكس انتقال المسؤولية الأمنية الكاملة في هذا القطاع إلى دمشق. ويأتي ذلك ضمن عملية تقليص أوسع للوجود العسكري الأمريكي في سوريا، شملت إخلاء ست قواعد خلال عام واحد، بعد إعلان واشنطن في أبريل/نيسان 2025 نيتها خفض عدد قواتها إلى النصف والإبقاء على وجود محدود في نقاط محددة.
عقدة جيوسياسية
استمدت التنف أهميتها من موقعها الذي يسمح بمراقبة مساحات واسعة من البادية وقطع خطوط الإمداد العابرة للحدود. كما شكلت منصة دعم لفصيل محلي عُرف سابقاً باسم “مغاوير الثورة”، قبل أن يُدمج لاحقاً ضمن هيكلية أمنية سورية تحت مظلة “أمن البادية”.
وخلال سنوات تشغيلها، أدت القاعدة ثلاث وظائف رئيسية: ضبط الحدود، تعطيل مسارات الدعم اللوجستي للتنظيمات المسلحة، وفرض نقطة ارتكاز أمريكية في منطقة ظلّت لسنوات خارج السيطرة الحكومية المباشرة.
إعادة تعريف الدور الأمريكي
يرى مراقبون أن الانسحاب يعكس انتقال واشنطن من نمط الانتشار المباشر إلى ما يمكن وصفه بـ”الردع عن بعد”، عبر الاعتماد على المراقبة الجوية والشراكات المحلية بدل التمركز الأرضي. وبهذا المعنى، لم تعد التنف ضرورة عملياتية لفرض توازن ميداني، خاصة مع وجود ترتيبات أمنية جديدة شرقي البلاد وتفاهمات بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية.
وتشير تقديرات إلى أن واشنطن لم تعد راغبة في إبقاء قواتها في بيئة صحراوية معقدة، خصوصاً بعد تراجع تهديد التنظيم إلى مستوى الخلايا المتفرقة، ومع توفر دعم جوي للتحالف الدولي عند الحاجة.
توازنات الجنوب
عسكرياً، يمثل الانسحاب إنهاءً لوجود أجنبي مباشر في نقطة إستراتيجية حساسة، ويمنح دمشق هامشاً أوسع لإدارة أمن البادية وربط الجغرافيا العسكرية في الجنوب الشرقي. إلا أن هذا التطور لا يعني انقلاباً جذرياً في ميزان القوى، إذ إن خطوط التماس في الجنوب الغربي كانت قد استقرت نسبياً منذ سنوات ضمن تفاهمات إقليمية.
ويبقى التحدي الأساسي في قدرة القوات المنتشرة حديثاً على تأمين مساحات صحراوية شاسعة شكّلت تاريخياً بيئة خصبة لخلايا تنظيم الدولة، لا سيما في ظل التحول الذي اعتمده التنظيم نحو بنية أكثر لامركزية تعتمد على الخلايا النائمة والعبوات الناسفة.
ما تبقى من الوجود الأمريكي
رغم إخلاء التنف، ما تزال قاعدتان أمريكيتان قائمتين في أقصى شمال شرق سوريا: الأولى في رميلان وتضم قيادة للتحالف الدولي ومهبطاً للطائرات المروحية، والثانية في قسرك قرب تل تمر. وتقع القاعدتان ضمن مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، ما يعني أن الانسحاب من التنف لا يعادل خروجاً أمريكياً كاملاً من المشهد السوري.
بين الاستقرار والفراغ
يقدّر محللون أن الأثر الإستراتيجي للانسحاب سيتحدد وفق ثلاثة عوامل رئيسية: مستوى التنسيق الأمني بين دمشق وعمّان وبغداد، قدرة الدولة السورية على ضبط البادية ومنع عودة النشاط العابر للحدود، وطبيعة الحضور الإيراني في المرحلة المقبلة.
بهذا المعنى، فإن ما جرى هو تحول في آليات إدارة التوازن أكثر منه تغييراً في جوهره. فقاعدة التنف كانت أداة ضغط سياسية وأمنية بقدر ما كانت موقعاً عسكرياً، ومع انتقال إدارتها إلى الدولة السورية، يبدأ اختبار جديد لقدرة دمشق على تثبيت الاستقرار في منطقة لطالما كانت مسرحاً للتجاذبات الإقليمية.
وإذا نجحت الحكومة السورية في سد أي فراغ أمني ومنع عودة الخلايا المتطرفة، فقد يتجه الجنوب الشرقي نحو استقرار نسبي. أما إذا تعثرت عملية الضبط، فقد تعود المنطقة إلى دائرة التنافس الإقليمي، وإن بصيغ مختلفة عن السابق.
إلهام أحمد: مظلوم عبدي لن يتولى أي منصب في الحكومة السورية وسط جدل حول “الحكم الكردي”
أكدت إلهام أحمد، الرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية لما يسمى الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، أن قائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مظلوم عبدي حسم قراره بعدم تولي أي منصب رسمي في الحكومة السورية، رغم عرض مناصب عليه، مشيرة إلى أن هذا القرار يأتي في ظل استمرار عملية دمج أجهزة قسد ضمن مؤسسات الدولة، ولا سيما في البنية العسكرية.
وجاءت تصريحات إلهام أحمد في مقابلة مع قناة الجزيرة مباشر من ميونيخ، عقب لقاء جمعها وعبدي بوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن. وذكرت أن الاجتماع ركّز على مسار دمج قوات قسد في الجيش السوري، إضافة إلى إعادة ترتيب المؤسسات الإدارية والخدمية ضمن إطار الدولة.
دمج عسكري بدأ فعلياً
وكشفت إلهام أحمد أن عملية الدمج العسكري انطلقت ميدانياً، موضحة أنه تم في محافظة الحسكة سحب القوات من الجبهات من الطرفين وإعادة تموضعها في نقاط متفق عليها، تمهيداً لدمجها ضمن تشكيلات جديدة. ووفق الاتفاق الجاري، يجري العمل على تشكيل ثلاثة ألوية في الحسكة ولواء في كوباني، تتبع لوزارة الدفاع السورية، بينما لا تزال مسألة التسمية النهائية قيد النقاش مع الوزارة.
وأضافت أن تبادل البيانات الخاصة بالأفراد يجري ضمن آلية الدمج، كما أن قسد قدمت أسماء مرشحين لمنصب معاون وزير الدفاع، في حين لا يزال الملف قيد البحث. وأشارت إلى أن الاتفاق لا يتضمن نصاً صريحاً على حل مؤسسات الإدارة الذاتية، بل يناقش إعادة ترتيبها ضمن صيغة لا مركزية داخل الدولة السورية، بما يحافظ على دورها الخدمي والإداري.
اهتمام دولي ومتابعة أمريكية
وصفت إلهام أحمد مستوى الاهتمام الدولي بعملية الدمج بأنه “عالٍ جداً”، معتبرة أن تشكيل وفد مشترك من الحكومة السورية وقسد في ميونخ عكس توافقاً سورياً حظي بترحيب أمريكي. وأوضحت أن واشنطن أبدت استعدادها لمتابعة العملية عن قرب والمساعدة في تذليل العقبات، سواء في الجوانب العسكرية والأمنية أو في المرحلة اللاحقة المتعلقة بصياغة الدستور.
وأكدت أن العلاقة مع الولايات المتحدة ما تزال قائمة على التواصل والتنسيق، خصوصاً في ما يتعلق بمراقبة تنفيذ الاتفاق، رافضة الحديث عن تراجع الدعم الأمريكي.
جدل “الحكم الكردي”
بالتزامن مع هذه التصريحات، أثارت مقابلة سابقة لمظلوم عبدي مع وسائل إعلام كردية جدلاً واسعاً على منصات التواصل السورية، بعدما قال إن “الأكراد يريدون حكماً كردياً محلياً تحت أي مسمى، وحماية خصوصية مناطقهم وإدارتها بأنفسهم”.
وجاءت هذه التصريحات في توقيت حساس، عقب إعلان اتفاق الاندماج في 30 يناير/كانون الثاني الماضي، الذي نص على انضواء قسد تحت راية وزارتي الدفاع والداخلية. واعتبر منتقدون أن حديث عبدي بدا خارج سياق الاتفاق، فيما رأى آخرون أنه موجّه لطمأنة القاعدة الشعبية الكردية في ظل التحولات الجارية.
وتباينت القراءات بين من اعتبر التصريحات محاولة لإعادة فتح النقاش حول جوهر الاتفاق تحت عنوان “خصوصية المناطق الكردية”، وبين من رأى أنها جزء من خطاب داخلي يهدف إلى امتصاص القلق الشعبي خلال مرحلة انتقالية معقدة.
صورة ميونيخ ورسائل المرحلة
في مؤتمر ميونيخ، تقدّم وزير الخارجية السوري الوفد الرسمي، بينما حضر مظلوم عبدي وإلهام أحمد ضمن الوفد السوري، في مشهد اعتبره مراقبون مؤشراً على طبيعة المرحلة المقبلة، حيث يجري التعامل مع قسد كقوة مندمجة في مؤسسات الدولة لا ككيان موازٍ لها.
ويأتي إعلان عبدي عدم تولي منصب حكومي في وقت تتسارع فيه خطوات الدمج العسكري والإداري، وسط تحديات ميدانية وسياسية، أبرزها الخطاب التحريضي ومحاولات تأجيج التوترات الكردية العربية، بحسب ما أشارت إليه إلهام أحمد.
ومع استمرار المباحثات حول الصيغة النهائية للعلاقة بين الإدارة الذاتية والدولة المركزية، تبدو المرحلة الحالية اختباراً لقدرة الأطراف على تثبيت التفاهمات وتحويلها إلى ترتيبات دستورية وإدارية مستقرة، في ظل رقابة دولية ومشهد داخلي لا يخلو من التعقيدات.
الجيش السوري يتسلم قاعدة الشدادي بعد تنسيق مع واشنطن
أعلنت وزارة الدفاع السورية أن الجيش السوري تسلّم قاعدة الشدادي العسكرية في ريف الحسكة شمال شرقي البلاد، بعد تنسيق مباشر مع الجانب الأمريكي، في خطوة تعكس استمرار إعادة ترتيب الوجود العسكري الأجنبي في سوريا.
وقالت إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع، في تصريح لوكالة الأنباء السورية، إن “قوات الجيش العربي السوري تسلمت قاعدة الشدادي العسكرية بعد التنسيق مع الجانب الأمريكي”، مؤكدة انتقال السيطرة الكاملة على الموقع إلى القوات الحكومية.
وتُعد قاعدة الشدادي من أبرز النقاط الإستراتيجية في منطقة الجزيرة السورية، نظراً لموقعها الذي يربط بين محافظتي الحسكة ودير الزور، وقربها من مناطق حقول النفط الرئيسية. وكانت القاعدة خاضعة لسيطرة قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة منذ عام 2016، عقب طرد تنظيم الدولة الإسلامية منها، واستخدمت مركزاً لإدارة العمليات وتأمين الحقول النفطية في المنطقة.
ضمن مسار الانسحاب الأمريكي
يأتي تسليم القاعدة بعد أيام من انسحاب القوات الأمريكية من قاعدة التنف في البادية السورية، وفي سياق اتفاق رعته واشنطن لدمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ضمن مؤسسات الدولة السورية، عسكرياً وإدارياً.
وكانت الحكومة السورية قد أعلنت في 30 يناير/كانون الثاني الماضي التوصل إلى اتفاق شامل مع قسد يهدف إلى إنهاء حالة الانقسام، ودمج القوات العسكرية في إطار وزارتي الدفاع والداخلية، معتبرة الاتفاق مكملاً لتفاهم سابق جرى توقيعه في 18 من الشهر نفسه.
وفي هذا السياق، صرّح المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توم براك، أن الوجود الأمريكي في سوريا “لن يكون طويل الأمد”، داعياً الأطراف المحلية إلى الاندماج ضمن مؤسسات الدولة السورية.
إخلاء قواعد أخرى
ووفق مصادر عسكرية سورية تنشط بالتنسيق مع قوات التحالف الدولي، فإن الولايات المتحدة أخلت منذ منتصف عام 2025 عدة قواعد في ريفي دير الزور والحسكة، من بينها حقلا العمر وكونيكو وقاعدة تل البيادر، حيث جرى تدمير التحصينات التي أُنشئت فيها بعد الانسحاب.
وبدأت واشنطن بطرح فكرة تقليص وجودها العسكري أو الانسحاب الكامل عقب التغيير السياسي الذي أعقب سقوط نظام بشار الأسد، كما أن قرار الانسحاب من قاعدتي الشدادي والتنف جاء بعد أشهر من انضمام دمشق إلى التحالف الدولي لمكافحة تنظيم الدولة.
إعادة رسم المشهد شمال شرق سوريا
تسلّم قاعدة الشدادي يعزز سيطرة الحكومة السورية على مفاصل جغرافية حساسة في الشمال الشرقي، ويُعد جزءاً من عملية أوسع لإعادة دمج المناطق التي كانت خارج سيطرة الدولة ضمن هيكلية أمنية وعسكرية موحدة.
ومع استمرار الانسحابات الأمريكية التدريجية، يتجه المشهد في الجزيرة السورية نحو مرحلة جديدة تتسم بانتقال إدارة الملفات الأمنية والعسكرية إلى دمشق، وسط متابعة دولية لمسار الدمج وترتيبات ما بعد الانسحاب.
تقرير: سوريا تتجه لتشكيل حكومة جديدة بصلاحيات موسعة ومرشح بارز لرئاسة الوزراء بدعم أميركي
كشفت مصادر مطلعة أن الرئيس السوري أحمد الشرع يستعد خلال الأسابيع المقبلة لإطلاق مشاورات موسعة لتشكيل حكومة سورية جديدة ذات صلاحيات موسعة، في خطوة تهدف إلى إنهاء المرحلة الانتقالية وتعزيز الشرعية الداخلية والدولية للسلطة في دمشق.
وبحسب مصدر سوري مقرب من الرئاسة، فإن الحكومة المرتقبة ستضم شخصيات من مختلف المكونات الاجتماعية والسياسية في البلاد، في مسعى لطمأنة الأقليات وإعادة بناء الثقة بالمؤسسات الرسمية بعد سنوات من الانقسام والصراع. وأشار المصدر إلى أن الاختيارات ستركز على شخصيات تحظى بـ“شرعية محلية ودولية” في آن واحد.
مرشح بارز بدعم واشنطن
وتتداول أوساط سياسية اسم السياسي السوري المخضرم فهد المصري، رئيس الحزب السوري الحر، كأحد أبرز المرشحين لتولي منصب رئيس الوزراء في الحكومة الجديدة. ونقلت تقارير إعلامية عن مسؤول أميركي قوله إن إدارة الرئيس دونالد ترامب “تقدّر مواقف المصري الداعمة لسياسات واشنطن تجاه سوريا والمنطقة”، مضيفاً أن وجوده في موقع مؤثر “سيخدم مصلحة سوريا والاستقرار الإقليمي”.
وفي تعليق مقتضب، لم يؤكد المصري أو ينفِ ترشيحه للمنصب، مكتفياً بالتشديد على أن “الأولوية يجب أن تبقى لاستقرار سوريا ووحدتها، لا للمناصب الفردية”.
إعادة هيكلة حكومية
وبحسب المصدر السوري، فإن الحكومة الجديدة ستتبنى “خطة مرحلية لدمج عدد من الوزارات” بهدف تحقيق قدر أكبر من التكامل والكفاءة في الأداء الإداري، في إشارة إلى توجه لإعادة هيكلة الجهاز التنفيذي وتقليص التداخل المؤسسي.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تأتي في سياق محاولات الانتقال من صيغة “حكومة انتقالية” إلى نموذج أكثر ديمومة، وسط ضغوط داخلية وخارجية لإطلاق عملية سياسية أوسع تشمل مختلف القوى الفاعلة.
المسار الكردي وإعادة الدمج
وفي سياق متصل، أفاد مسؤول أميركي بأن من بين الأفكار المطروحة لإنجاح هذا المسار إعادة دمج الأكراد السوريين ضمن مؤسسات الدولة في دمشق، بما يعزز شرعية الحكومة الجديدة. وأشار إلى أن قرار السفير الأميركي لدى تركيا والمبعوث الخاص إلى سوريا توم باراك وقف دعم قوات سوريا الديمقراطية (قسد) يعكس قناعة في واشنطن بضرورة اندماج الأكراد في هيكل الحكم المركزي.
وأضاف المسؤول أن “اعتبار التفويض الأميركي السابق لقسد منتهياً يهدف إلى تشجيع الأكراد على تسريع الاندماج والمشاركة في تشكيل حكومة واسعة وشاملة”.
مرحلة مفصلية
تشير هذه التحركات إلى مرحلة مفصلية في المشهد السوري، حيث تسعى دمشق إلى إعادة صياغة بنيتها التنفيذية في ظل متغيرات إقليمية ودولية متسارعة. وبينما تراهن الرئاسة السورية على حكومة أكثر شمولاً لتثبيت الاستقرار، يبقى نجاح الخطوة مرهوناً بقدرة الأطراف المختلفة على التوافق حول صيغة حكم توازن بين الاعتبارات الداخلية ومتطلبات الانفتاح الدولي.
هيومن رايتس ووتش: معتقلو تنظيم الدولة المنقولون من سوريا إلى العراق معرضون للتعذيب والإعدام
حذّرت هيومن رايتس ووتش من أن آلاف المعتقلين المنقولين من شمال شرق سوريا إلى العراق بتهمة الانتماء المزعوم إلى تنظيم الدولة الإسلامية يواجهون خطر الإخفاء القسري والمحاكمات الجائرة والتعذيب، فضلاً عن احتمال صدور أحكام بالإعدام بحقهم.
وقالت المنظمة إن الولايات المتحدة نقلت نحو 5700 معتقل منذ 21 يناير/كانون الثاني الماضي، في إطار عملية “العزم الصلب” لمكافحة تنظيم الدولة، وذلك بالتزامن مع هجوم عسكري شنّته الحكومة السورية لاستعادة السيطرة على مناطق شمال شرق البلاد من قوات سوريا الديمقراطية (قسد).
مخاوف من انتهاك مبدأ عدم الإعادة القسرية
ونقلت المنظمة عن الباحثة في شؤون العراق سارة صنبر قولها إن المعتقلين “احتُجزوا لسنوات دون مراعاة الإجراءات القانونية الواجبة، وهم الآن محتجزون في بلد آخر دون ضمانات كافية”، مؤكدة أن تحقيق العدالة لضحايا جرائم التنظيم “يتطلب محاكمات عادلة للمتهمين”.
وأشار التقرير إلى أن وجود خطر جسيم للتعذيب في العراق قد يجعل عمليات النقل مخالفة لمبدأ عدم الإعادة القسرية في القانون الدولي، الذي يحظر إعادة أي شخص إلى دولة قد يتعرض فيها لسوء المعاملة. كما اعتبرت المنظمة أن الدور الأميركي في احتجاز المعتقلين ونقلهم قد يثير شبهة التواطؤ في حال وقوع انتهاكات لاحقة.
احتجاز في الناصرية والكرخ
وبحسب مصادر صحفية استند إليها التقرير، فإن السلطات العراقية تحتجز المعتقلين في سجني الناصرية والكرخ، بانتظار تحقيقات يشرف عليها مجلس القضاء الأعلى. وكان المجلس قد أعلن أن من بين المنقولين قيادات بارزة في تنظيم الدولة متهمين بارتكاب جرائم إبادة جماعية واستخدام أسلحة كيميائية.
ونقلت صحيفة نيويورك تايمز عن مسؤولين عراقيين قولهم إن الولايات المتحدة وافقت على تغطية تكاليف احتجاز ومحاكمة هؤلاء المعتقلين.
“محاكمات 10 دقائق” وسجون مكتظة
ذكّرت هيومن رايتس ووتش بأن العراق أجرى بين عامي 2018 و2019 محاكمات واسعة في قضايا الإرهاب، وُصف كثير منها بأنها انتهكت حقوق المتهمين بشكل جسيم، إذ صدرت أحكام بالإعدام بعد جلسات لم تتجاوز عشر دقائق، ومن دون حضور محامين، استناداً إلى شهادات مخبرين مجهولين أو اعترافات قيل إنها انتُزعت تحت التعذيب.
وأكد التقرير أن نظام السجون العراقي يعاني من الاكتظاظ وسوء الأوضاع، مع توثيق حالات اختفاء قسري وتعذيب. وتشير بيانات وزارة العدل العراقية إلى وجود نحو 67 ألف سجين في 30 سجناً حتى مطلع الشهر الجاري، بينهم قرابة 1600 أجنبي، من دون احتساب سجون إقليم كردستان ومراكز الاحتجاز التابعة لقوات الأمن.
الإعدام وقانون مكافحة الإرهاب
وأشارت المنظمة إلى أن العراق يعتمد بشكل واسع على عقوبة الإعدام، خاصة في قضايا الإرهاب، ويُقدَّر عدد المحكومين بالإعدام بنحو 8 آلاف شخص. كما أعدم ستة أشخاص في 10 فبراير/شباط 2026، في أول تنفيذ جماعي للأحكام منذ تعليق الإعدامات عقب قانون العفو العام في يناير/كانون الثاني 2025.
وأضاف التقرير أن العراق يفتقر إلى تشريع يجرّم الجرائم الدولية الأساسية، مثل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، وأن مقاتلي تنظيم الدولة يُحاكمون بموجب قانون مكافحة الإرهاب لعام 2005، الذي ينص على الإعدام لمجرد الانتماء إلى جماعة إرهابية.
واختتمت المنظمة تقريرها بالتأكيد على أن محاسبة المسؤولين عن جرائم تنظيم الدولة يجب أن تتم وفق معايير العدالة الدولية، محذرة من أن أي انتهاكات جديدة قد تُقوّض الثقة في مسار العدالة وتعرّض حقوق المتهمين للخطر.
يذكر أنه وبحسب المتحدث باسم وزارة العدل العراقية محمد لعيبي، بلغ العدد الإجمالي للمحتجزين المنقولين 5703 عنصراً ينتمون إلى 61 دولة مختلفة، في مؤشر على الطبيعة العابرة للحدود للتنظيم.
وأوضح لعيبي أن التوزيع الجنسي جاء على النحو التالي:
- 4253 عنصراً من الدول العربية، منهم 3543 سورياً و 467 عراقياً.
- 983 عنصراً من جنسيات أجنبية غير عربية
وبذلك يمثل السوريون النسبة الأكبر من إجمالي المنقولين، فيما يشكل العرب – بمن فيهم العراقيون والسوريون – الكتلة الغالبة داخل السجناء، مقابل نحو ألف عنصر من جنسيات أجنبية متنوعة.
تركيا
تمضي تركيا في عام مضطرب عالمياً نحو تثبيت معادلة “تركيا بلا إرهاب”، معززة دور جهاز استخباراتها في إدارة التهديدات الهجينة داخلياً وخارجياً. وفي الوقت ذاته، أطلقت أنقرة خطة صناعية كبرى لإعادة توزيع الثقل الاقتصادي نحو الأناضول، في محاولة لتفكيك التكدس في مرمرة وتقليل المخاطر الزلزالية. بين دبلوماسية الاستخبارات والتحول الصناعي، تسعى تركيا إلى تحصين موقعها الإقليمي في ظل تصاعد التنافس الدولي. ويعكس ذلك توجّهاً استراتيجياً يجمع بين الأمن والاقتصاد كركيزتين لإعادة تموضع طويل الأمد.
جهاز الاستخبارات التركي يصدر تقرير “أنشطة 2025”: عام اضطراب عالمي وترسيخ لمعادلة “تركيا بلا إرهاب”
أصدر جهاز الاستخبارات الوطني التركي تقريره السنوي بعنوان “أنشطة عام 2025”، متضمّناً في مقدمته تقييماً شاملاً لرئيس الجهاز إبراهيم قالن، استعرض فيه ملامح المشهد الدولي المضطرب، ودور أنقرة في إدارة التحديات الأمنية عبر ما وصفه بـ“دبلوماسية الاستخبارات”، إلى جانب عرض أبرز عمليات ومهام الجهاز خلال العام.
عالم يتجه نحو الهشاشة والهجين الأمني
وصف قالن عام 2025 بأنه عام اتسم بتفاقم الحروب والنزاعات، واهتزاز القيم والمعايير الدولية، في ظل عجز النظام الدولي القائم عن تسوية الأزمات. وأشار إلى أن موازين القوى الاستراتيجية تشهد إعادة تعريف متسارعة، مدفوعة بتحولات جيو-اقتصادية عميقة، وتطورات تكنولوجية تُنتج مخاطر جديدة.
وأكد أن التهديدات التقليدية لم تعد بمعزل عن أنماط “هجينة”، تجمع بين العسكري والاقتصادي والسيبراني والمعلوماتي، ما يجعل الغموض والفوضى سمة ملازمة للمشهد العالمي.
الشرق الأوسط: هدنة هشّة وتصعيد ممتد
في ما يخص المنطقة، أشار التقرير إلى أن الهدنة المؤقتة لمدة ستين يوماً في غزة، التي تمت بوساطة دولية، لم تفضِ إلى سلام دائم، ما عمّق الأزمة الإنسانية. كما اعتبر أن توسيع إسرائيل نطاق عملياتها ليشمل لبنان وسوريا واليمن وإيران أبقى المنطقة في حالة هشاشة مستمرة.
وأكد قالن أن الجهاز انخرط في جهود تثبيت وقف إطلاق النار، وتسهيل إيصال المساعدات الإنسانية، ودعم تبادل الأسرى، والمساهمة في جهود المصالحة الفلسطينية، إلى جانب الدفع نحو حل الدولتين.
أوكرانيا والمواجهة الكبرى بين واشنطن وبكين
تناول التقرير الحرب الروسية-الأوكرانية بوصفها حالة جمود بين الدعم العسكري الغربي واستراتيجية الاستنزاف الصناعي الروسية، مع تصاعد التلويح النووي وتنامي دور أنظمة الأسلحة الذاتية.
وعلى الصعيد الجيوسياسي، رأى قالن أن التنافس بين الولايات المتحدة والصين — مدفوعاً بالرسوم الجمركية والصراع التكنولوجي — يعيد تشكيل سلاسل التوريد العالمية، ويعزز ملامح حرب باردة جديدة، مع انعكاسات مباشرة على إفريقيا التي باتت ساحة تنافس على الموارد والنفوذ.
“تركيا بلا إرهاب”… هدف أمني واستراتيجي
محلياً، اعتبر قالن أن عام 2025 شكّل مرحلة “توازن وتحصين استراتيجي” في السياسة الخارجية والأمن الداخلي، مشيراً إلى أن مسار “تركيا بلا إرهاب” اكتسب زخماً في الربع الأول من العام عبر خطوات ملموسة ونداءات لإلقاء السلاح.
وأوضح أن هذا المسار يحظى بدعم لجنة التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية، وأنه لا يمثل إنجازاً أمنياً فحسب، بل مكسباً استراتيجياً يتيح للدولة تعزيز استقرارها الداخلي ومكانتها الإقليمية.
مكافحة التنظيمات والتهديدات العابرة للحدود
أكد التقرير استمرار العمليات ضد تنظيم فتح الله غولن داخل تركيا وخارجها بالتنسيق مع الجهات الأمنية، إلى جانب ملاحقة التنظيمات الراديكالية، وعلى رأسها تنظيم داعش، وتقديم دعم عملياتي لدول إفريقية تواجه تهديد هذه الجماعات.
وفي الملف السوري، أشار قالن إلى اتخاذ خطوات استباقية لمنع تشكل تهديدات جديدة على الحدود، مع تبني رؤية شاملة لإدارة الأزمة منذ بدايتها وحتى مسار الحل.
مكافحة التجسس وتطوير القدرات التقنية
أبرز التقرير إحباط أنشطة استخباراتية استهدفت تركيا، وكشف شبكات عملاء مرتبطة بجهات معادية. كما شدد على أن التقدم في تحليل البيانات الضخمة، والذكاء الاصطناعي، واستخبارات الصور والإشارات والأقمار الصناعية، والاستخبارات السيبرانية، عزز موقع الجهاز بين نظرائه دولياً.
وبيّن قالن أن الجهاز يعمل وفق نموذج هجين يجمع بين الأساليب التقليدية والتقنيات الحديثة، مع تكثيف التعاون مع أجهزة صديقة في آسيا الوسطى والبلقان والشرق الأوسط وإفريقيا، في مجالات مكافحة الإرهاب والتدريب وتبادل المعلومات.
التزام بالشفافية واستمرار الجاهزية
واختتم قالن بالتأكيد على أن التقرير أُعد وفق مبادئ الشفافية والمساءلة، وأن الجهاز سيواصل رفع جاهزية الدولة لمواجهة التهديدات المتغيرة، معرباً عن فخره بمنتسبي المؤسسة، ومجدداً الالتزام بحماية استقلال الجمهورية التركية وأمن شعبها في ظل بيئة دولية متقلبة.
“ثورة الأناضول الصناعية”.. أنقرة تطلق 16 منطقة إنتاج عملاقة لإعادة رسم الخريطة الاقتصادية
أطلقت الحكومة التركية رسمياً مخططاً واسع النطاق لإعادة توزيع الثقل الصناعي في البلاد، عبر إنشاء 16 منطقة صناعية عملاقة في 13 ولاية داخل الأناضول، في خطوة تهدف إلى تخفيف الضغط السكاني والصناعي عن إسطنبول ومنطقة مرمرة، وتعزيز التحول الهيكلي في الاقتصاد التركي خلال العقود الثلاثة المقبلة.
وكشف وزير الصناعة والتكنولوجيا محمد فاتح كاجر تفاصيل “المخطط الرئيسي” الذي دخل حيز التنفيذ، مؤكداً أن المشروع لا يقتصر على زيادة الطاقة الإنتاجية، بل يستهدف “إعادة تشكيل الخريطة الديموغرافية والبيئية” لتركيا.
59 ألف هكتار.. “مدن إنتاج” لا مناطق صناعية
بحسب الخطة الحكومية، تمتد المناطق الجديدة على مساحة إجمالية تبلغ 59 ألف هكتار، أي ما يعادل 16 ضعف متوسط مساحات المناطق الصناعية المنظمة الحالية (OSB). وتوصف هذه المشاريع بأنها “مدن إنتاج متكاملة” تضم منشآت صناعية، ومراكز لوجستية، وبنى تحتية للنقل والطاقة.
وتشمل الولايات الـ13 المستفيدة من المشروع:
- قونية (أكبر حصة، في إرغلي ومركز المدينة)
- هاتاي (منطقة حصة – 7 آلاف هكتار)
- كارامان (منطقتان شرقاً وشمالاً)
- نيغدة (منطقتان في بور)
- أنقرة
- أكسراي
- إسكي شهير
- قيصري
- نوشهير
- يوزغات
- أماسيا
- كاستامونو
- كيرشهير
ويمتد “حزام الأناضول الصناعي” من البحر الأسود شمالاً إلى البحر المتوسط جنوباً، في مسار يهدف إلى خلق توازن جغرافي جديد في توزيع الاستثمار.
إنقاذ إسطنبول ومرمرة
ترتكز الفلسفة الحكومية للمشروع على ثلاثة أهداف رئيسية:
- تفكيك التكدس الصناعي في مرمرة: إذ تضم المنطقة أكثر من 20 مليون نسمة ونحو 8 آلاف منشأة صناعية، ما أدى إلى ضغوط بيئية متزايدة، أبرزها مشكلة “صمغ البحر” في بحر مرمرة.
- تقليل المخاطر الزلزالية: نقل جزء من الثقل الصناعي بعيداً عن خط صدع شمال الأناضول، تحسباً لزلزال محتمل في إسطنبول قد يهدد شللاً اقتصادياً واسعاً.
- عكس الهجرة الداخلية: توفير فرص عمل واسعة في مدن الأناضول لوقف تدفق السكان نحو الغرب، وتشجيع انتقال الاستثمارات والكوادر الصناعية إلى الداخل.
ربط الأناضول بشبكات عالمية
يمتد البعد الاستراتيجي للمشروع إلى ما هو أبعد من الداخل التركي، إذ تخطط الحكومة لربط المناطق الصناعية الجديدة بشبكات نقل دولية تشمل “ممر زنغزور” و“طريق التنمية” و“طريق الحرير الحديدي”، عبر خطوط قطارات فائقة السرعة وموانئ متصلة بالبحرين الأسود والمتوسط.
ويهدف هذا الربط إلى تحويل تركيا من مجرد ممر عبور تجاري بين الشرق والغرب إلى مركز تصنيع وتخزين وتصدير إقليمي.
إعادة تموضع اقتصادي طويل الأمد
وتصف الحكومة المشروع بأنه “نقلة قرن” في السياسة الصناعية، مع رؤية تمتد لثلاثين عاماً، تضع الأناضول في قلب الاستراتيجية الاقتصادية المقبلة. ويرى محللون أن نجاح الخطة سيعتمد على سرعة تنفيذ البنية التحتية، وحوافز الاستثمار، وقدرة المدن الجديدة على جذب رؤوس الأموال بعيداً عن إسطنبول.
في حال تحققت الأهداف المعلنة، قد يشهد الاقتصاد التركي تحوّلاً جغرافياً غير مسبوق، يعيد توزيع مراكز الثقل الصناعي ويخفف الضغوط عن العاصمة الاقتصادية للبلاد، في واحدة من أكبر عمليات إعادة الهيكلة الإقليمية في تاريخ الجمهورية الحديثة.
متابعات عربية
لبنان يمنح الجيش 4 أشهر لتنفيذ المرحلة الثانية من خطة نزع سلاح حزب الله
أعلنت الحكومة اللبنانية أن الجيش سيحتاج إلى أربعة أشهر على الأقل لإنجاز المرحلة الثانية من خطة نزع سلاح حزب الله في جنوب البلاد، في إطار تنفيذ قرار مجلس الوزراء القاضي بحصر السلاح بيد الدولة.
وقال وزير الإعلام بول مرقص، عقب جلسة للحكومة، إن مجلس الوزراء اطّلع على التقرير الشهري الذي قدمته قيادة الجيش بشأن خطة حصر السلاح في مختلف المناطق اللبنانية، مشيراً إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب “فترة زمنية لا تقل عن أربعة أشهر”، قابلة للتمديد تبعاً للإمكانات المتوافرة والاعتداءات الإسرائيلية والعوائق الميدانية.
نطاق المرحلة الثانية
تتألف خطة الجيش من خمس مراحل، وتشمل المرحلة الثانية المنطقة الممتدة من شمال نهر الليطاني حتى نهر الأولي شمال مدينة صيدا، على مسافة تقارب 60 كيلومتراً من الحدود الجنوبية مع إسرائيل، ونحو 40 كيلومتراً جنوب بيروت.
وكان الجيش أعلن مطلع يناير/كانون الثاني إنجاز المرحلة الأولى التي شملت جنوب نهر الليطاني، إلا أن إسرائيل شككت في فعالية الخطوة واعتبرتها غير كافية، واستمرت في تنفيذ ضربات داخل الأراضي اللبنانية.
خلفية القرار
أقرت الحكومة اللبنانية في أغسطس/آب الماضي خطة نزع سلاح حزب الله، وكلفت الجيش تنفيذها، وذلك عقب اتفاق وقف إطلاق النار بين الحزب وإسرائيل في نوفمبر/تشرين الثاني 2024.
ويأتي تسريع تنفيذ المراحل التالية في ظل ضغوط دولية متزايدة لتعزيز سلطة الدولة اللبنانية في الجنوب، خصوصاً مع إعلان باريس استضافة مؤتمر دولي في 5 مارس/آذار المقبل لدعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي.
اعتراض حزب الله
في المقابل، رفض الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم التركيز الحكومي على ملف نزع السلاح، واعتبر في كلمة ألقاها خلال فعالية حزبية أن هذا المسار “خطيئة كبرى” لأنه يخدم أهداف إسرائيل، داعياً إلى وقف أي تحرك عنوانه حصر السلاح.
وأكد قاسم أن الحزب لا يسعى إلى الحرب، لكنه “لن يستسلم”، مشدداً على أن إسرائيل تدرك أن أي مواجهة جديدة لن تكون نتائجها مضمونة.
كما ذكّر بأن الدستور اللبناني، استناداً إلى اتفاق الطائف، ينص على اتخاذ الإجراءات اللازمة لتحرير الأراضي من الاحتلال الإسرائيلي، في إشارة إلى استمرار النزاع الحدودي.
اختبار سياسي وأمني
تمثل المرحلة الثانية اختباراً حاسماً لقدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ التزاماتها الأمنية في الجنوب، وسط توازنات سياسية دقيقة ومخاوف من تصعيد إسرائيلي. كما يرتبط نجاح الخطة بتوفير دعم مالي ولوجستي للجيش، في ظل أزمة اقتصادية حادة تعاني منها البلاد منذ سنوات.
وبينما تؤكد الحكومة أن الخطة تسير وفق جدول زمني واضح، يبقى المشهد مفتوحاً على احتمالات متعددة، في ظل تعقيدات داخلية وضغوط إقليمية متشابكة.
الحريري: سأزور سوريا قريباً ولم ألتقِ حزب الله
أعلن رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق سعد الحريري عزمه زيارة سوريا في أقرب وقت ممكن، مشيراً إلى أن الموعد السابق للزيارة أُجّل بسبب اندلاع الحرب بين إسرائيل وإيران في يونيو/حزيران 2025.
وقال الحريري، خلال لقائه صحفيين في منزله ببيروت، إن الرئيس السوري أحمد الشرع يواجه “تحديات كبيرة”، من دون الخوض في تفاصيل، متمنياً له التوفيق في إدارتها.
لا لقاء مع حزب الله
ونفى الحريري عقد أي لقاء مع حزب الله، مؤكداً أن الحزب جزء من المكوّن السياسي اللبناني، وأن أي حوار رسمي سيُعلن في حال حصوله. وأضاف أن الحوار القائم داخل الحكومة يشمل مختلف الأطراف، بما فيها الأحزاب الشيعية.
ووصف جهود الحكومة لحصر السلاح بيد الدولة بأنها “أمر جيد”، مشدداً في الوقت نفسه على أن الأولوية تبقى لتعزيز الاستقرار ودور الدولة.
استقرار لا إصلاحات
ورأى رئيس تيار المستقبل أن لبنان يمر بمرحلة استقرار أكثر منها مرحلة إصلاحات، معتبراً أن الحكومة الحالية برئاسة نواف سلام تمثل صيغة كان يتمنى تشكيلها سابقاً.
وأشار إلى أن “لا جوّ انتخابي” حالياً في البلاد، رغم أن الانتخابات البرلمانية مقررة في العاشر من مايو/أيار المقبل، مؤكداً أن تيار المستقبل سيخوض الاستحقاق النيابي بعد أربع سنوات من تجميد نشاطه السياسي.
وكان الحريري قد أعلن في يناير/كانون الثاني 2022 تعليق عمله السياسي وعدم المشاركة في الانتخابات النيابية، قبل أن يعلن عودته خلال كلمة ألقاها في الذكرى الـ21 لاغتيال والده رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري.
الموقف من الجنوب والدور السعودي
وفي الشأن الجنوبي، وصف الحريري ما تقوم به إسرائيل في جنوب لبنان بأنه “جرائم حرب تماماً كما في غزة”، في ظل استمرار الخروقات لاتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2024.
كما شدد على ضرورة تجنب الانخراط في أي خلاف عربي–عربي، معتبراً أن الدور السعودي ساهم في تثبيت اتفاق الطائف ودعم استقرار لبنان.
وختم بالقول إن المجتمع الدولي ينظر إلى لبنان بوصفه بلداً “يضيع الفرص”، رغم امتلاكه ثروات كبيرة، مرجعاً ذلك إلى سوء الإدارة وتراكم الأزمات.
متابعات إفريقية
إجراءات عسكرية متبادلة.. إثيوبيا وإريتريا على حافة مواجهة جديدة
تشهد منطقة القرن الإفريقي تصعيداً متسارعاً بين إثيوبيا وإريتريا، مع مؤشرات ميدانية وسياسية تنذر بإمكانية اندلاع مواجهة عسكرية جديدة، خاصة في إقليم تيجراي الحدودي شمالي إثيوبيا.
تعبئة عسكرية إثيوبية
فتحت رئاسة أركان الجيش الإثيوبي باب التسجيل الفوري للمسرحين من الخدمة العسكرية، من رتب ضباط الصف حتى رتبة مقدم، ضمن إجراءات وصفت بأنها استعدادات طارئة. ووضعت السلطات شروطاً مشددة لقبول المتقدمين، تمنع انضمام أي عناصر يشتبه في ارتباطها بجماعات مسلحة مناوئة للحكومة.
بالتوازي، بدأت حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد نقل آليات ومعدات عسكرية ثقيلة إلى إقليم تيجراي وعلى طول الحدود مع إريتريا، في خطوة تعكس مستوى عالٍ من الجاهزية العملياتية، وتُعد تصعيداً ميدانياً لافتاً في منطقة لا تزال تعاني تداعيات الحرب السابقة.
اتهامات مباشرة لأسمرة
طالبت أديس أبابا رسمياً إريتريا بسحب قواتها فوراً من الأراضي الإثيوبية، متهمة إياها بالتوغل داخل الحدود الشمالية الشرقية، وبإجراء مناورات عسكرية مشتركة مع “جماعات متمردة” على الحدود الشمالية الغربية.
وقالت وزارة الخارجية الإثيوبية في بيان إن التطورات الأخيرة تشير إلى أن أسمرة “اختارت مسار التصعيد”، معتبرة أن التحركات الإريترية لا تمثل استفزازات عابرة، بل “أعمالاً عدوانية صريحة” تهدد أمن البلاد.
وأضاف البيان أن استمرار التعاون بين إريتريا وجبهة تحرير تيجراي يشكل تهديداً مباشراً للاستقرار، داعياً إلى وقف فوري لجميع أشكال الدعم المقدم للجماعات المسلحة.
رد إريتري حاد
في المقابل، رفضت وزارة الخارجية الإريترية الاتهامات الإثيوبية، ووصفتها بأنها “كاذبة ومختلقة”، معتبرة أن تصريحات وزير الخارجية الإثيوبي تعكس “حملة عدائية جديدة” ضمن سلسلة توترات ممتدة منذ أكثر من عامين.
وأكدت أسمرة أنها لا تسعى إلى تصعيد أو الدخول في نزاعات جديدة من شأنها تعقيد الأوضاع وزيادة حدة التوتر، مشددة على تمسكها بعدم الانخراط في “خلافات لا معنى لها”.
خلفية صراع معقد
يأتي هذا التصعيد في سياق تاريخ طويل من التوتر بين البلدين. ففي عام 2020، استدعى رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد قوات إريترية للمشاركة في العمليات العسكرية ضد جبهة تحرير تيجراي، ورغم نفي الطرفين بدايةً وجود تدخل إريتري، أقر آبي أحمد لاحقاً في مارس 2021 بدخول القوات الإريترية إلى الإقليم.
ومنذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في تيجراي عام 2022، بقي ملف الوجود الإريتري أحد أكثر الملفات حساسية، مع اتهامات متكررة بوجود قوات إريترية داخل الأراضي الإثيوبية.
مخاوف من انزلاق إقليمي
يرى مراقبون أن الحشد العسكري المتبادل والاتهامات العلنية يرفعان منسوب المخاطر في منطقة القرن الإفريقي، التي تعاني أصلاً من أزمات إنسانية وأمنية متشابكة.
وفي حال اندلاع مواجهة جديدة، قد تتجاوز تداعياتها حدود تيجراي، لتؤثر على توازنات إقليمية أوسع، خاصة في ظل حساسية الممرات البحرية في البحر الأحمر، وتداخل المصالح الدولية في المنطقة.
حتى الآن، لم يُعلن رسمياً عن اشتباكات مباشرة، لكن وتيرة الإجراءات العسكرية والتصريحات المتبادلة تشير إلى أن المنطقة تقف على حافة مرحلة شديدة الحساسية، قد تتحدد ملامحها خلال الأسابيع القليلة المقبلة.
متابعات دولية
الصين ترفع وارداتها من الخام الروسي إلى مستوى قياسي جديد في فبراير
تتجه واردات الصين من النفط الخام الروسي إلى تسجيل مستوى قياسي جديد خلال فبراير/شباط الجاري، مواصلة ارتفاعها للشهر الثالث على التوالي، مدفوعة بزيادة مشتريات المصافي الصينية المستقلة التي استفادت من الخصومات السعرية الكبيرة، في وقت خفضت فيه الهند وارداتها من الخام الروسي.
وأفاد متعاملون وبيانات تتبع السفن بأن الشحنات البحرية الروسية المتجهة إلى الصين مرشحة للارتفاع إلى نحو 2.08 مليون برميل يومياً خلال الشهر الجاري، بحسب تقييم مبكر أجرته شركة “فورتيكسا أناليتيكس”، متجاوزة متوسط يناير/كانون الثاني البالغ نحو 1.7 مليون برميل يومياً وفق بيانات شركة “كبلر” المتخصصة.
تراجع الهند يعزز موقع الصين
منذ نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، حلت الصين محل الهند كأكبر مستورد للنفط الروسي المنقول بحراً، بعد أن دفعت العقوبات الغربية على موسكو والضغوط المرتبطة بالمفاوضات التجارية مع الولايات المتحدة نيودلهي إلى تقليص مشترياتها إلى أدنى مستوياتها في عامين خلال ديسمبر/كانون الأول.
وتشير بيانات “كبلر” إلى أن واردات الهند من الخام الروسي قد تنخفض إلى نحو 1.159 مليون برميل يومياً في فبراير/شباط.
خصومات جذابة للمصافي المستقلة
تُعد المصافي الصينية الخاصة، ولا سيما في إقليم شاندونغ، أكبر مشترٍ عالمي للنفط الخاضع للعقوبات من روسيا وإيران وفنزويلا. وقال متعامل صيني لوكالة رويترز إن الخام الروسي بات “أكثر تنافسية نسبياً” مقارنة بالنفط الإيراني، من حيث الجودة واستقرار الإمدادات.
ويجري تداول خام “إسبو” الروسي حالياً بخصم يتراوح بين 8 و9 دولارات للبرميل مقارنة بعقود خام برنت الآجلة لشهر مارس/آذار، في حين يُقيَّم الخام الإيراني الخفيف – المشابه في الجودة – بخصم يتراوح بين 10 و11 دولاراً للبرميل عن برنت.
تراجع الإمدادات الإيرانية
في المقابل، قدّرت “فورتيكسا” أن شحنات النفط الإيراني إلى الصين تراجعت إلى نحو 1.03 مليون برميل يومياً هذا الشهر، مقارنة بـ1.25 مليون برميل يومياً في يناير/كانون الثاني، وسط حالة عدم يقين بشأن احتمال تصعيد عسكري بين الولايات المتحدة وإيران إذا فشلت المفاوضات حول الملف النووي.
وقالت إيما لي، محللة شؤون الصين في الشركة، إن المصافي المستقلة باتت تنظر إلى النفط الروسي على أنه أكثر موثوقية في المرحلة الحالية، في ظل المخاوف من اضطراب الإمدادات الإيرانية.
تحولات في خريطة الطاقة الآسيوية
تعكس هذه الأرقام تحولا مستمراً في خريطة تجارة الطاقة الآسيوية، حيث تستفيد الصين من إعادة توجيه الصادرات الروسية شرقاً نتيجة العقوبات الغربية، بينما تعيد الهند موازنة وارداتها وسط اعتبارات سياسية واقتصادية.
ومن المتوقع أن يستمر هذا الاتجاه ما دامت الفجوة السعرية قائمة، في وقت تواصل فيه الأسواق العالمية مراقبة تداعيات العقوبات الغربية، والتوترات الجيوسياسية، ومسار المفاوضات النووية مع إيران على تدفقات النفط إلى أكبر مستورد للطاقة في العالم.
من قوة هامشية إلى حزب معارض رئيسي.. صعود “الجماعة الإسلامية” في بنغلاديش
حققت جماعة “بنغلاديش الجماعة الإسلامية” تحولاً سياسياً غير مسبوق في الانتخابات البرلمانية الوطنية الثالثة عشرة، بعدما انتقلت من حزب يُنظر إليه لعقود كقوة ثانوية تعتمد على التحالفات، إلى أحد القطبين الرئيسيين في المشهد السياسي البنغلاديشي، بينما أدى طارق رحمن ونواب حزبه اليمين الدستورية أمام البرلمان، حيث من المقرر أن يتولى رئاسة الوزراء .
بعد أن كان أفضل أداء انتخابي لحزب الجماعة الإسلامية يعود إلى عام 1991 بحصوله على 17 مقعداً، ثم تراجعه إلى ثلاثة مقاعد فقط عام 1996 عند خوضه الانتخابات منفرداً، تمكن هذا العام من حصد 68 مقعداً بمفرده، و77 مقعداً باحتساب حلفائه. كما نال ما بين 30 و35% من الأصوات في نحو 225 دائرة انتخابية خاضها، مقارنة بنسبة تراوحت تاريخياً بين 5 و10%.
ورغم فوز الحزب القومي البنغلاديشي (BNP) بأغلبية ساحقة بلغت 209 مقاعد منفرداً، فإن صعود الجماعة الإسلامية إلى مرتبة القوة السياسية الثانية يمثل تحولاً تاريخياً في ميزان القوى، خصوصاً بعد سنوات من القمع السياسي في عهد رئيسة الوزراء السابقة الشيخة حسينة.
تأثير نظام الدوائر
يرى محللون أن نظام “الفائز الأول” المعتمد في بنغلاديش قد يضخم الفارق في عدد المقاعد مقارنة بنسب التصويت الفعلية، ما يعني أن الفجوة بين تحالف الحزب القومي البنغلاديشي وتحالف الجماعة قد تكون أقل مما توحي به النتائج البرلمانية.
وأشار توماس كين، مستشار بنغلاديش وميانمار في “مجموعة الأزمات الدولية”، إلى أن الجماعة وحلفاءها اقتربوا في عدد من الدوائر من هزيمة مرشحين بارزين للحزب القومي، ما يعكس تقارباً في القاعدة التصويتية يتجاوز القراءة السطحية للأرقام.
دور الذراع الطلابي
لا يمكن فهم صعود الجماعة الإسلامية دون التوقف عند دور جناحها الطلابي “إسلامي شاترا شيبير”، الذي بنى على مدى عقود شبكة تنظيمية منهجية تبدأ من المدارس وتمتد إلى الجامعات، حيث يخضع الأعضاء لتدريب فكري وتنظيمي مستمر.
وقد ساهم هذا الامتداد في خلق قاعدة كوادر منضبطة ومؤدلجة تنتقل بسلاسة من النشاط الطلابي إلى العمل المهني والحزبي، وهو ما منح الحزب بنية تنظيمية متماسكة نادرة في السياسة البنغلاديشية.
وسجل الجناح الطلابي مكاسب ملحوظة في انتخابات الجامعات الأخيرة، ما عزز صورة الحزب لدى شريحة من الشباب الباحثين عن “النظام والانضباط” في مقابل الفوضى السياسية التقليدية.
شبكة مؤسسات اجتماعية
إلى جانب النشاط السياسي، طورت الجماعة على مدار سنوات منظومة واسعة من المؤسسات تشمل مراكز تعليمية، وجمعيات خيرية، ومنشآت طبية، ومؤسسات مالية صغيرة، توفر خدمات وفرص عمل في مناطق تعاني ضعف الخدمات الحكومية.
وتؤدي هذه الشبكات دوراً مزدوجاً: ترسيخ الولاء المحلي عبر تقديم خدمات ملموسة، وتعزيز صورة الحزب كقوة منظمة وفعالة. وعلى عكس التحالفات الانتخابية المؤقتة، تعمل هذه المؤسسات بشكل دائم، ما يخلق قاعدة دعم مستمرة يمكن ترجمتها انتخابياً.
الحضور النسائي والجدل الديني
برز دور النساء في الحملة الانتخابية الأخيرة بصورة لافتة، حيث شاركت ناشطات في حملات ميدانية واسعة، خصوصاً في المناطق الريفية، وتمكنّ من الوصول إلى شرائح مجتمعية يصعب على الناشطين الرجال مخاطبتها.
غير أن الحملة لم تخلُ من جدل، إذ اتهمت قيادات من أحزاب منافسة بعض أنصار الجماعة بتوظيف الخطاب الديني في الدعاية الانتخابية، عبر إيحاءات تربط التصويت للحزب بالمكافأة الأخروية، وهو ما تنفيه الجماعة. وأعاد ذلك النقاش حول حدود توظيف الدين في السياسة.
خطاب الإصلاح بدل الأيديولوجيا
على خلاف صورتها التقليدية، ركزت الجماعة في خطابها الانتخابي على شعارات “الحكم الأخلاقي” ومكافحة الفساد والمساءلة، متجنبة الدعوة العلنية إلى تغييرات أيديولوجية جذرية.
ويرى بعض الأكاديميين أن الانتخابات لم تكن صراعاً بين “الإسلام والعلمانية”، بل بين قوى التغيير والوضع القائم، ما أتاح للجماعة إعادة تقديم نفسها كقوة إصلاحية أكثر منها تياراً عقائدياً صرفاً.
أثر القمع السابق
استفادت الجماعة من سردية المظلومية بعد سنوات من الاعتقالات والاختفاءات القسرية التي طالت كوادرها في عهد الحكومة السابقة. وبخلاف الحزب القومي البنغلاديشي الذي سبق أن تولى السلطة، استطاعت الجماعة أن تجمع بين صورة “الضحية” وصورة “القوة غير المجربة”، ما جذب ناخبين ساخطين على النخبة السياسية التقليدية.
نحو ثنائية سياسية جديدة؟
مع حظر وإضعاف حزب رابطة عوامي، الذي كان أحد قطبي السياسة البنغلاديشية، تبدو الجماعة الإسلامية وقد ملأت الفراغ كأبرز منافس للحزب القومي البنغلاديشي.
ويرى مراقبون أن الحفاظ على الزخم الانتخابي سيعتمد على قدرة الجماعة على توسيع قاعدتها خارج أنصارها التقليديين، والاحتفاظ بأصوات الناخبين الذين منحوا الحزب فرصة بدافع الرغبة في التغيير أو مكافحة الفساد.
وبينما يبقى المستقبل مفتوحاً على احتمالات عدة، فإن النتيجة الحالية تثبت أن الجماعة الإسلامية انتقلت من هامش السياسة البنغلاديشية إلى قلبها، مستفيدة من مزيج من الانضباط التنظيمي، والشبكات الاجتماعية، والخطاب الإصلاحي، وسردية ما بعد القمع، في أقوى حضور انتخابي لها منذ تأسيسها.
محاولة هندية لرسم ملامح حوكمة الذكاء الاصطناعي من منظور الدول النامية
انطلقت في العاصمة الهندية نيودلهي فعاليات “قمة الهند لتأثيرات الذكاء الاصطناعي”، في حدث تقني وسياسي رفيع المستوى تسعى من خلاله الهند إلى بلورة رؤية لحوكمة الذكاء الاصطناعي تنطلق من أولويات الدول النامية، في ظل احتدام المنافسة العالمية بين الولايات المتحدة والصين على قيادة هذا القطاع.
ووفق ما أوردته وكالة رويترز، تهدف نيودلهي إلى استثمار الزخم العالمي حول تقنيات الذكاء الاصطناعي لجذب استثمارات ضخمة في البنية التحتية السحابية وتطوير التطبيقات. وأعلنت شركات كبرى مثل غوغل (ألفابت)، ومايكروسوفت، وأمازون خططاً استثمارية في السوق الهندية تصل قيمتها الإجمالية إلى نحو 68 مليار دولار حتى عام 2030، تشمل مراكز بيانات وحلول حوسبة سحابية متقدمة.
استراتيجية “الاستخدام واسع النطاق”
في مقابل تركيز واشنطن وبكين على تطوير النماذج اللغوية الكبرى، تعتمد الهند نهجاً مختلفاً يقوم على توسيع نطاق الاستخدام التجاري والمجتمعي للتطبيقات القائمة. وتُظهر البيانات أن عدد المستخدمين اليوميين لتطبيق “شات جي بي تي” في الهند تجاوز 72 مليون مستخدم بنهاية 2025، ما جعلها أكبر سوق عالمي لشركة “أوبن إيه آي”.
ويرى مراقبون أن هذه الاستراتيجية تعكس محاولة هندية لبناء اقتصاد رقمي قائم على التطبيقات والخدمات، بدلاً من الدخول في سباق مكلف لتطوير النماذج الأساسية من الصفر.
حضور عالمي وتحركات دبلوماسية
ومن المنتظر أن تشهد القمة مشاركة رؤساء تنفيذيين لشركات كبرى، من بينها ألفابت وأوبن إيه آي وغوغل ديب مايند، إضافة إلى شركة ريلاينس الهندية. كما يرتقب عقد لقاء بين رئيس الوزراء ناريندرا مودي والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على هامش الفعاليات، في إشارة إلى البعد الجيوسياسي المتصاعد لملف الذكاء الاصطناعي.
تحذيرات اقتصادية
رغم أجواء التفاؤل، برزت تحذيرات من تداعيات الأتمتة على سوق العمل. ونقلت رويترز عن بنك “جيفريز” توقعات بأن قطاع تكنولوجيا المعلومات الهندي، الذي تُقدّر قيمته بنحو 283 مليار دولار، قد يشهد تراجعاً في إيرادات مراكز الاتصال بنسبة تقارب 50% بحلول 2030، نتيجة الاعتماد المتزايد على أدوات الذكاء الاصطناعي.
ويقول محللون إن التحدي أمام الهند يتمثل في الموازنة بين جذب الاستثمارات وتعزيز مكانتها الرقمية، وبين حماية سوق عمل ضخم يعتمد على الخدمات التقنية والدعم الفني.
وبين طموح التحول إلى مركز عالمي للتقنيات المتقدمة، والسعي لتمثيل صوت الجنوب العالمي في نقاشات حوكمة الذكاء الاصطناعي، تحاول نيودلهي رسم مسار ثالث في سباق تكنولوجي يتجاوز حدوده الاقتصاد إلى السياسة والأمن العالميين.
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.




