نحن والعالم عدد 2 أبريل 2026

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
يقوم هذا التقرير، الصادر عن المعهد المصري للدراسات، على رصد عدد من أبرز التطورات التي شهدتها الساحة الإقليمية والدولية، والتي يمكن أن يكون لها تأثيرات مهمة على المشهد المصري والعربي والإقليمي، في الفترة بين 26 مارس 2026 – 2 إبريل 2026.
في ظل تصاعد الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، قدّم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطابًا جمع بين إعلانًا مبهمًا عن اقتراب نهاية الصراع والتلويح بتوسيع العمليات العسكرية والمزيد من تدمير إيران وإعادتها للعصر الحجري، ما عمّق حالة الغموض، وزاد من وتيرة الإحتجاجات في الداخل الأمريكي على استمرار الحرب.
تزامن ذلك مع اضطراب حاد في الأسواق العالمية، حيث ارتفعت أسعار النفط والغاز وتراجعت الأسهم وارتفعت عائدات السندات، وسط مخاوف من أزمة طاقة عالمية.
وفي قلب الأزمة، تحوّل مضيق هرمز إلى نقطة صراع دولي، مع تعطّل الملاحة وبحث أكثر من 40 دولة عن آليات لإعادة فتحه، دون نتائج حاسمة.
في المقابل، ردّت إيران بتصعيد عسكري ورفضت الشروط الأمريكية، ما يعكس انسداد أفق الحل السياسي في المرحلة الحالية.
وبين الضغوط الاقتصادية، والتحركات الدولية، والتصعيد المتبادل، يبدو أن العالم دخل مرحلة صراع مفتوح قد يعيد تشكيل موازين القوى والنظام الاقتصادي العالمي.
أمريكا
تواجه الولايات المتحدة تصاعدًا في التوترات الداخلية والخارجية على خلفية الحرب مع إيران، حيث قدّم الرئيس دونالد ترامب خطابًا متناقضًا بين إعلان قرب نهاية الحرب والتلويح بتوسيعها.
اقتصاديًا، انعكس التصعيد على الأسواق الأمريكية مع ارتفاع أسعار الطاقة وارتفاع عائدات السندات، وزيادة المخاوف من عودة التضخم فضلًا عن ركود محتمل.
في الداخل، اندلعت احتجاجات واسعة تحت شعار “لا ملوك” رفضًا للحرب، ما يعكس اتساع الغضب الشعبي والانقسام السياسي.
كما برز انقسام داخل التيار المحافظ نفسه، بين داعمين للتصعيد ومعارضين يخشون التورط في حرب طويلة.
بالتوازي، تتزايد الانتقادات لغياب استراتيجية واضحة، في وقت تبدو فيه واشنطن عالقة بين خيار التصعيد أو البحث عن مخرج سياسي.
خطاب ترامب حول حرب إيران يعيد رسم المشهد: تصعيد عسكري واضطراب اقتصادي عالمي
في أول خطاب رسمي له يوجهه للأمة منذ اندلاع الحرب، حاول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تقديم صورة توحي بأن الصراع يقترب من نهايته، مؤكدًا أن “الأهداف الاستراتيجية الأساسية شارفت على الاكتمال”. وأشار إلى أن القدرات العسكرية الإيرانية تعرضت لضربات كبيرة، شملت تدمير أجزاء من سلاح الجو والبحرية، وتقليص القدرة الصاروخية، ومقتل عدد كبير من القادة.
لكن هذه النبرة المنتصرة لم تستمر طويلًا، إذ سرعان ما انتقل الخطاب إلى لهجة تهديد واضحة، حيث لوّح ترامب بتوسيع العمليات العسكرية، بما في ذلك استهداف البنية التحتية الحيوية داخل إيران وإعادتها للعصر الحجري، في حال فشل المفاوضات. كما تحدث عن “تغيير في القيادة الإيرانية” واعتبرها أقل تشددًا، في محاولة لتقديم مبرر سياسي لمسار الحرب.
دعوة مثيرة للجدل: “سيطروا على مضيق هرمز”
في واحدة من أبرز نقاط الخطاب، دعا ترامب الدول المستفيدة من النفط إلى التدخل المباشر لإعادة فتح مضيق هرمز، معتبرًا أن مسؤولية تأمينه لم تعد تقع على عاتق الولايات المتحدة وحدها حيث لا يمثل نفط الخليج لأمريكا أهمية تذكر!
هذه الدعوة عكست تحولًا واضحًا في السياسة الأمريكية، من دور الحماية المباشرة للممرات الحيوية إلى تحميل الدول الأخرى مسؤولية تأمين مصالحها، وهو ما أثار تساؤلات واسعة حول مستقبل الدور الأمريكي في أمن الطاقة والملاحة العالمية.
الأسواق العالمية تحت الضغط
لم يمر الخطاب دون تأثير اقتصادي مباشر. فقد تراجعت آمال المستثمرين بإمكانية إنهاء قريب للحرب، بعد أن خلت تصريحات ترامب من أي إشارات واضحة لوقف إطلاق النار أو حل دبلوماسي.
ونتيجة لذلك:
- ارتفعت أسعار النفط الأمريكي بشكل حاد، متجاوزة 111 دولارات للبرميل،
- ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا،
- تراجعت الأسواق المالية العالمية،
هذا التفاعل يعكس حالة القلق من استمرار الحرب، وما قد تسببه من اضطراب طويل الأمد في إمدادات الطاقة العالمية، خاصة مع تصاعد المخاطر في الخليج.
مضيق هرمز: نقطة الاختناق العالمية
يبقى مضيق هرمز في قلب الأزمة، حيث يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية. ومع تصاعد التوترات، تعطلت حركة الملاحة بشكل كبير، ما دفع دولًا عديدة إلى البحث عن حلول لإعادة تشغيل هذا الشريان الحيوي.
وفي المقابل، أعلنت إيران أنها تعمل على صياغة ترتيبات جديدة مع سلطنة عُمان لتنظيم المرور في المضيق، في خطوة تعكس سعيها لتعزيز سيطرتها على هذا الممر الاستراتيجي واستخدامه كورقة ضغط في الصراع .
تصعيد إيراني وتحذيرات من توسع الحرب
ردّت طهران على خطاب ترامب بلهجة حادة، متوعدة بشن هجمات “أوسع وأكثر تدميرًا”، ومؤكدة أنها ستواصل المواجهة حتى تحقيق أهدافها. كما أشارت إلى إمكانية استهداف منشآت في دول إقليمية، ما يزيد من خطر اتساع رقعة الحرب.
هذا التصعيد المتبادل يعزز المخاوف من تحول الصراع إلى مواجهة إقليمية شاملة، خاصة في ظل استمرار الضربات والهجمات عبر أكثر من جبهة.
انتقادات متزايدة لغياب استراتيجية واضحة
على الرغم من إعلان ترامب اقتراب “النصر”، إلا أن خطابه واجه انتقادات واسعة، إذ يرى محللون أنه يعكس تناقضًا واضحًا بين الحديث عن نهاية الحرب والتلويح بتوسيعها.
كما أثارت دعوته الحلفاء لتحمل مسؤولية تأمين مضيق هرمز جدلًا كبيرًا، حيث اعتُبرت مؤشرًا على تراجع الدور الأمريكي التقليدي، وزيادة حالة عدم اليقين في إدارة الأزمة .
مشهد مفتوح على كل الاحتمالات
بين خطاب يؤكد اقتراب نهاية الحرب، وواقع يشير إلى تصعيد متواصل، يقف العالم أمام مرحلة غامضة. فالأزمة لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، بل تحولت إلى اختبار للنظام الدولي بأكمله، من أمن الطاقة إلى استقرار الاقتصاد العالمي.
تحليل المعهد المصري
تعكس الكلمة بوضوح أن المسار العسكري هو الخيار الرئيسي الذي تمضي فيه الولايات المتحدة، بضغوط ممن نرى أنهم يدفعون ترامب لكي يستمر في الحرب (الروافع الخمسة الرئيسية للحرب الحالية – إلى أين يتم الدفع بمسار الحرب؟) ، بينما يبدو أن الطرح التفاوضي الذي يكرره ترامب لا يحمل طابعًا جديًا بقدر ما يمثل أداة ضغط سياسي وعسكري. فالرئيس الأمريكي يبعث برسالة مزدوجة: الاستمرار في التصعيد حتى النهاية، مع فتح باب تفاوض بشروط أقرب إلى الاستسلام.
ويُفهم من تركيزه على استهداف البنية التحتية، خاصة محطات الكهرباء إذا لم تقبل إيران بالتفاوض، أن واشنطن تسعى لرفع كلفة الصمود الإيراني إلى أقصى حد ممكن، ضمن استراتيجية “الضغط الأقصى” لإجبار طهران على القبول بالشروط الأمريكية.
وفي المقابل، يبرز تناقض واضح في الخطاب؛ فإذا كانت الولايات المتحدة قد حققت بالفعل ما تعلنه من إسقاط للنظام الإيراني وتدمير قدراته الاستراتيجية، فلماذا لا تزال تسعى إلى التفاوض؟ هذا التناقض يطرح تساؤلات حول دقة التقييم الأمريكي لنتائج العمليات.
كما أن واقع الميدان لا يعكس بالكامل ما جاء في خطاب ترامب؛ إذ استمرت الضربات الصاروخية الإيرانية قبل كلمة ترامب بشكل غير مسبوق، وبعد كلمته تم استهداف حيفا، وهو ما يقوض الرواية الأمريكية حول القوة الصاروخية الإيرانية، حيث لا زالت فعالة بقوة في الميدان.
الولايات المتحدة تمارس مزيجًا من الضغط العسكري المكثف مع إشارات تفاوضية تعلم أنها لن تؤدي إلى شئ، إلا أن طهران، وفق ما يظهر من تطورات الميدان، لا تزال تحتفظ بقدرات فاعلة، ما يجعل احتمالات خضوعها السريع محدودة.
وفي ظل اكتمال الحشد العسكري الأمريكي في المنطقة، فإن عدم استجابة إيران لشروط التفاوض الأمريكية قد يدفع الصراع نحو مرحلة أكثر تصعيدًا، قد تشمل عمليات برية في المدى القريب.
يظل توسيع نطاق الحرب بهدف إدخال المنطقة في حالة من الفوضى الشاملة، يُستنزف فيها الجميع لصالح إسرائيل، ولصالح مشاريع التغيير الدولية و الإقليمية، أهم الأهداف التي نكررها دائمًا.
أشار ترامب صراحة إلى إمكانية قصف شبكات الكهرباء والبنى التحتية في حال رفضت إيران الإذعان. ورغم تكرار مثل هذه التصريحات خلال الفترة الماضية، والتي كانت تُمنح بعدها مهلات إضافية، فإن هذا السيناريو يظل وارد الحدوث. وفي حال تنفيذه، فمن المرجح أن يقابله رد إيراني يستهدف البنى التحتية، سواء في دول الخليج أو داخل الأراضي المحتلة، ما يفتح الباب أمام نمط من الدمار يطال المنشآت الحيوية والنفطية.
هذا المسار، في جوهره، يمثل استنزافًا واسعًا وفوضى إقليمية عارمة، ستكون محصلتها النهائية استنزاف الخليج على جانبيه في صالح إسرائيل، بما يعزز مشروع هيمنتها على المنطقة.
وفي هذا الإطار، يبرز تصور استراتيجي أوسع، يتمثل في أن تنخرط الولايات المتحدة في إدارة الصراع مرحليًا، قبل أن تنسحب — كما ألمح ترامب — تاركة مساحة أكبر لإسرائيل لفرض سيادتها الإقليمية، وهو ما يعكس هدفًا استراتيجيًا مزدوجًا لكل من واشنطن وتل أبيب.
احتجاجات “لا ملوك” تجتاح الولايات المتحدة رفضًا لسياسات ترامب والتصعيد العسكري مع إيران
تشهد الولايات المتحدة موجة احتجاجات واسعة تحت شعار “لا ملوك”، في تصعيد شعبي لافت ضد سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خاصة في ظل التوترات العسكرية المرتبطة بإيران. وتمتد هذه الاحتجاجات عبر مختلف الولايات، في واحدة من أكبر التعبئات الشعبية خلال الفترة الأخيرة.
وبحسب المنظمين، تم تسجيل أكثر من 3100 فعالية احتجاجية في جميع الولايات الأمريكية الخمسين، مع توقعات بمشاركة تتجاوز 9 ملايين شخص، ما يعكس حجم الغضب الشعبي واتساع رقعة المعارضة.
مينيسوتا في صدارة المشهد
برزت ولاية مينيسوتا كمركز رئيسي لهذه التحركات، حيث شهدت تجمعات حاشدة وفعاليات متواصلة، في وقت تؤكد فيه التقارير أن الاحتجاجات لم تقتصر على المدن الكبرى، بل امتدت إلى مختلف المناطق، ما يمنحها طابعًا وطنيًا شاملًا.
رفض للحرب وشعارات ضد “اقتصاد الصراع”
ورفع المتظاهرون شعارات تعكس رفضهم للتدخلات العسكرية، من بينها:
- “الحرب من أجل الأرباح”
- “قواتنا ليست للبيع”
- “عندما يصبح الظلم قانونًا، تصبح المقاومة واجبًا”
وتعكس هذه الشعارات رؤية متنامية لدى المحتجين بأن السياسات العسكرية الحالية تخدم مصالح اقتصادية أو سياسية ضيقة، على حساب الاستقرار الدولي وحياة المدنيين.
انتقادات حادة لسياسات ترامب
في هذا السياق، صرحت آدا شين، إحدى منظّمات حركة “لا ملوك” في باريس، بأن الاحتجاجات تأتي رفضًا لما وصفته بـ”الحروب غير القانونية والهوجاء” التي تنتهجها إدارة ترامب.
وأضافت أن غياب خطة واضحة، إلى جانب ما اعتبرته “سوء استخدام للسلطة”، يمثلان الدافع الرئيسي وراء هذه التعبئة الشعبية، التي تتجاوز الحدود الأمريكية لتشمل تحركات تضامنية في الخارج.
حراك يتجاوز الداخل الأمريكي
لا تقتصر الاحتجاجات على الولايات المتحدة، إذ تشير المعطيات إلى امتدادها إلى مدن خارجية، في مؤشر على تحوّلها إلى حركة عابرة للحدود، مدفوعة بمخاوف دولية من اتساع رقعة الصراع.
تصاعد التوتر بين الشارع والسلطة
تأتي هذه الاحتجاجات في لحظة حساسة سياسيًا، حيث يتزايد التوتر بين الإدارة الأمريكية وقطاعات واسعة من الرأي العام، في ظل المخاوف من انزلاق أكبر نحو صراع إقليمي واسع.
ومع استمرار التعبئة الشعبية واتساعها، يبقى السؤال مفتوحًا حول قدرة هذه التحركات على التأثير في مسار القرار السياسي، أو الحد من التصعيد العسكري في المرحلة المقبلة.
تصاعد الضغوط في بريطانيا وأوروبا لإقصاء “بالانتير” وسط اتهامات بالضلوع في حروب وتقنيات قاتلة
تتزايد الدعوات داخل بريطانيا وأوروبا لإنهاء التعاقدات مع شركة Palantir الأمريكية، في ظل حملة ضغط تقودها منظمات مدنية، أبرزها تقرير حديث يدعو إلى “طرد الشركة” من المؤسسات العامة، على خلفية اتهامات خطيرة تتعلق بدورها في العمليات العسكرية واستخدام تقنياتها في النزاعات.
اتهامات مباشرة بربط التكنولوجيا بالعمليات العسكرية
يركّز التقرير على حادثة مفصلية وقعت في فبراير 2026، حيث استهدفت ضربة أمريكية مدرسة ابتدائية للبنات في مدينة ميناب الإيرانية، ما أدى إلى مقتل أكثر من 171 شخصًا، معظمهم أطفال.
وبحسب التقرير، فإن نظام الاستهداف المستخدم في العملية هو Maven Smart System، الذي طورته شركة Palantir لصالح البنتاغون، وهو نظام يعتمد على دمج بيانات الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة والرادار والاستخبارات في منصة واحدة، لتحديد الأهداف واقتراح الضربات العسكرية.
ويشير المصدر إلى أن النظام قام بتصنيف المدرسة كهدف عسكري، رغم وجود دلائل واضحة على طبيعتها المدنية، ما يثير تساؤلات حول دقة البيانات المستخدمة، والتي يُعتقد أنها كانت قديمة ولم تُحدّث منذ سنوات.
“تسريع القتل” بدلًا من تحسين القرار
لا يحمّل التقرير المسؤولية لما يُعرف بـ”الذكاء الاصطناعي المنفلت”، بل يركز على طبيعة الأنظمة نفسها، التي تعمل على تسريع سلسلة اتخاذ قرار القتل العسكري (kill chain)، بحيث يتحول الدور البشري إلى مجرد إجراء شكلي للمصادقة.
ويحذر التقرير من أن هذا النوع من الأنظمة لا يخطئ فقط، بل يعيد تشكيل طريقة اتخاذ القرار في الحروب، عبر تقليص الوقت المتاح للمراجعة والتدقيق، ما يزيد من احتمالات وقوع أخطاء كارثية بحق المدنيين.
مخاوف من نقل التكنولوجيا العسكرية إلى القطاع المدني
أحد أخطر أوجه القلق التي يطرحها التقرير هو استخدام نفس الشركة لإدارة بيانات مدنية حساسة، خاصة في بريطانيا، حيث حصلت Palantir على عقود بمئات الملايين لإدارة منصات بيانات، من بينها النظام الصحي (NHS) .
ويرى التقرير أن الخطر لا يكمن فقط في الوضع الحالي، بل في البنية التحتية التقنية التي يتم بناؤها، والتي قد تُستخدم مستقبلًا لأغراض أخرى، مثل مشاركة البيانات مع جهات حكومية أمنية أو أنظمة مراقبة، في حال تغيرت القوانين.
اتهامات أوسع: من غزة إلى الهجرة
لا تقتصر الانتقادات على إيران، إذ يشير التقرير إلى اتهامات سابقة وجهتها جهات دولية، بينها تقارير أممية، تتهم الشركة بالمساهمة في تطوير أدوات تُستخدم في العمليات العسكرية الإسرائيلية، وكذلك في أنظمة تتبع المهاجرين في الولايات المتحدة.
كما يُبرز التقرير تصريحات لقيادات الشركة، تُظهر دعمًا واضحًا للسياسات العسكرية، ما يزيد من الجدل حول العلاقة بين التكنولوجيا والسلطة السياسية.
تصاعد الضغط السياسي في بريطانيا
تأتي هذه الحملة في وقت تتصاعد فيه الضغوط داخل البرلمان البريطاني، حيث دعا نواب إلى مراجعة العقود الممنوحة للشركة، خاصة تلك التي تتيح لها الوصول إلى بيانات حساسة، وسط مخاوف من تداعيات أمنية وأخلاقية.
كما تم طرح مذكرات برلمانية تطالب بمزيد من الشفافية، والتحقيق في كيفية منح هذه العقود، في ظل “اتهامات جدية بانتهاكات حقوق الإنسان” .
نحو معركة أكبر حول “سيادة البيانات”
تعكس هذه القضية صراعًا أوسع يتجاوز شركة واحدة، ليصل إلى سؤال استراتيجي: من يملك البيانات، ومن يتحكم بها؟
في ظل توسع شركات التكنولوجيا الأمريكية في إدارة الأنظمة الحكومية الأوروبية، تتزايد المخاوف من تحول البنية التحتية الرقمية إلى أداة نفوذ سياسي وأمني، خاصة عندما تكون هذه الشركات مرتبطة بشكل مباشر بالمؤسسات العسكرية.
تعليق المعهد المصري: التكنولوجيا في قلب الصراع
يُظهر التقرير أن الجدل حول Palantir لم يعد تقنيًا أو تجاريًا فقط، بل أصبح جزءًا من نقاش أوسع حول:
- أخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي في الحروب،
- حدود العلاقة بين الحكومات وشركات التكنولوجيا،
- ومستقبل الخصوصية والسيادة الرقمية.
ومع تصاعد الحملات المطالبة بإنهاء التعاقدات، تبدو القضية مرشحة للتحول إلى اختبار حقيقي لقدرة الحكومات على الموازنة بين الأمن، التكنولوجيا، والقيم الإنسانية.
تصعيد الحرب مع إيران يهدد بإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي ويدفع نحو مرحلة اضطراب غير مسبوقة
في ظل تصاعد المواجهة مع إيران، تتزايد التحذيرات من أن العالم يقف أمام لحظة تحول استراتيجية قد تعيد رسم ملامح النظام الاقتصادي الدولي، حيث لم تعد تداعيات الحرب محصورة في بعدها العسكري، بل امتدت لتضرب قلب الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد.
ويمكن القول إن الصراع الحالي يتجاوز كونه أزمة إقليمية، ليصبح عاملًا محفزًا لاضطراب اقتصادي واسع النطاق، مع تأثيرات مباشرة على أسعار الطاقة، حركة التجارة، والاستقرار المالي العالمي.
صدمة الطاقة في مركز الأزمة
تتمثل إحدى أبرز تداعيات الحرب في الارتفاع الحاد بأسعار النفط، نتيجة المخاوف المتزايدة بشأن أمن الإمدادات، خاصة في منطقة الخليج التي تمثل شريانًا حيويًا للطاقة العالمية.
كما أن أي تهديد فعلي لتدفق النفط، سواء عبر التوترات العسكرية أو المخاطر التي تحيط بالممرات البحرية، من شأنه أن يدفع الأسعار إلى مستويات مرتفعة، ما ينعكس مباشرة على تكاليف الإنتاج والنقل، ويغذي موجة تضخم عالمية جديدة.
سلاسل الإمداد تحت الضغط
لا تقتصر التداعيات على قطاع الطاقة، بل تمتد إلى سلاسل الإمداد العالمية، التي لا تزال تعاني أصلًا من هشاشة منذ جائحة كورونا. كما أن أي تعطّل في طرق الشحن، أو ارتفاع تكاليف التأمين والنقل، قد يؤدي إلى تباطؤ التجارة العالمية ونقص في السلع.
هذا الوضع يعيد الاقتصاد العالمي إلى نمط “الأزمات المتشابكة”، حيث تتداخل الأزمات الجيوسياسية مع الضغوط الاقتصادية، ما يزيد من تعقيد المشهد.
تضخم متسارع ومخاطر ركود
مع ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف النقل، يبرز التضخم كأحد أخطر التحديات الناتجة عن الحرب. والتضخم قد يدفع البنوك المركزية إلى الاستمرار في سياسات نقدية مشددة، ما يؤدي إلى تباطؤ النمو الاقتصادي.
وتحذر تقارير من أن هذا المسار قد يقود إلى ركود عالمي، خاصة في الاقتصادات المعتمدة على استيراد الطاقة، أو تلك التي تعاني من هشاشة مالية، وبذلك يقع العالم في أسوأ حالة يمكن أن يقع فيه؛ حالة الركود التضخمي Stagflation.
إعادة توزيع موازين القوة الاقتصادية
في المقابل، يتمثل الأثر في إعادة توزيع المكاسب والخسائر بين الدول، فبينما تتكبد الدول المستوردة للطاقة خسائر متزايدة، قد تستفيد الدول المصدّرة من ارتفاع الأسعار وزيادة العائدات.
ويعكس ذلك تحوّلًا في موازين القوة الاقتصادية، حيث يمكن لبعض الدول أن تعزز موقعها في النظام العالمي على حساب أخرى.
نهاية مرحلة الاستقرار العالمي
ويمكن اعتبار أن الحرب مع إيران تمثل نقطة نهاية لمرحلة طويلة من الاستقرار النسبي في الاقتصاد العالمي، وبداية لحقبة جديدة تتسم بعدم اليقين، وارتفاع المخاطر، وتزايد الترابط بين السياسة والاقتصاد.
وفي ظل هذه المعطيات، لم يعد السؤال ما إذا كانت الحرب ستؤثر على الاقتصاد العالمي، بل إلى أي مدى يمكن أن تعيد تشكيله، ومدى قدرة الدول على التكيف مع واقع اقتصادي أكثر اضطرابًا وتعقيدًا.
“انتزاع اليورانيوم”: الخطة الأمريكية الأخطر لإنهاء الحرب مع إيران
في ظل عجز الولايات المتحدة وإسرائيل عن تحقيق حسم عسكري سريع في الحرب مع إيران، بدأت تتبلور داخل دوائر القرار الأمريكية فكرة غير تقليدية تُعد الأخطر منذ بداية الصراع: انتزاع مخزون اليورانيوم الإيراني المخصب ونقله إلى خارج البلاد، بدل الاكتفاء بقصف المنشآت النووية.
هذه الفكرة، التي ظهرت عبر سلسلة من التسريبات والتقارير الإعلامية، لم تعد مجرد طرح نظري، بل تحولت إلى أحد السيناريوهات المطروحة ضمن شروط إنهاء الحرب، ما يكشف تحولًا عميقًا في طبيعة التفكير العسكري الأمريكي.
من القصف إلى “الاستيلاء”: تحول في الهدف العسكري
تشير المعطيات إلى أن المشكلة الأساسية التي تواجهها واشنطن لم تعد في تدمير المنشآت النووية، بل في بقاء المادة النووية نفسها. فالقصف، حتى لو دمّر البنية التحتية، لا يضمن القضاء على اليورانيوم المخصب، الذي يمكن إعادة استخدامه لاحقًا.
لهذا، بدأت تُطرح فكرة نقل هذه المواد خارج إيران، سواء عبر اتفاق سياسي أو عبر عملية عسكرية خاصة، بهدف إزالة التهديد من جذوره بدل احتوائه.
تسريبات متطابقة: خطة متعددة المسارات
تتقاطع عدة تسريبات إعلامية حول هذا السيناريو، حيث تشير تقارير إلى أن ترامب يدرس بالفعل خيار تنفيذ عملية عسكرية لاستخراج مئات الكيلوغرامات من اليورانيوم عالي التخصيب. كما تتحدث تقارير أخرى عن احتمال نشر قوات خاصة على الأرض لتنفيذ المهمة، في ظل قناعة بأن الضربات الجوية وحدها غير كافية.
وفي السياق ذاته، كشفت خطة أمريكية مسربة من 15 بندًا أن إنهاء الحرب قد يتضمن:
- رفعًا واسعًا للعقوبات
- مقابل إزالة كامل مخزون اليورانيوم المخصب
- وإنهاء قدرات التخصيب
- وفرض قيود على البرنامج الصاروخي الإيراني
وهو ما يعكس محاولة لربط الحل العسكري بالنتيجة السياسية النهائية.
العقدة الحقيقية: أين يوجد اليورانيوم؟
تكمن المشكلة الأساسية في أن موقع المخزون الإيراني لم يعد واضحًا بالكامل. فقبل الحرب، كانت التقديرات تشير إلى امتلاك إيران نحو 9874 كغ من اليورانيوم المخصب، منها كميات قريبة من مستوى تصنيع سلاح نووي.
لكن بعد الضربات، فقدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية القدرة على التحقق من هذا المخزون، ما خلق حالة من الغموض الاستراتيجي. وتشير تقديرات إلى أن جزءًا كبيرًا من اليورانيوم ما زال موجودًا داخل أنفاق محصنة تحت الأرض، خاصة في منشأة أصفهان، وربما لم يتعرض للتدمير.
عملية شبه مستحيلة: لماذا تُعد الأخطر؟
على الورق، يبدو “انتزاع اليورانيوم” حلًا حاسمًا، لكن على الأرض، تُعد العملية واحدة من أعقد العمليات العسكرية الممكنة.
فالمواد النووية مخزنة داخل أسطوانات فولاذية ثقيلة، وفي أنفاق عميقة محصنة، ما يعني أن أي قوة ترغب في استخراجها ستحتاج إلى:
- اقتحام مناطق شديدة التحصين
- تأمين الموقع عسكريًا بالكامل
- التعامل مع مواد كيميائية خطرة
- نقلها عبر مسافات طويلة تحت تهديد مباشر
كما أن هذه المواد قد تتحول إلى غازات سامة عند تعرضها للهواء، ما يجعل أي خطأ في التعامل معها كارثة بيئية وصحية.
من “عملية خاصة” إلى حرب مفتوحة؟
تشير تقديرات عسكرية إلى أن مثل هذه العملية لن تكون محدودة كما يُروّج لها، بل قد تتطلب:
- مئات أو آلاف الجنود
- سيطرة جوية كاملة
- دعم لوجستي واسع
- عمليات تستمر أيامًا أو حتى أسابيع.
والأخطر أن مرحلة الانسحاب ستكون الأكثر خطورة، حيث تصبح القوات هدفًا مباشرًا للصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية.
أداة ضغط أم خيار حقيقي؟
رغم كل هذه التعقيدات، يرى بعض المحللين أن طرح هذا السيناريو قد لا يكون هدفه التنفيذ الفعلي، بل استخدامه كورقة ضغط لدفع إيران إلى قبول اتفاق يقضي بتسليم مخزونها النووي تحت إشراف دولي.
بمعنى آخر، قد تكون “عملية الانتزاع” أداة تفاوض أكثر منها خطة حرب، تُستخدم لفرض شروط أقسى في أي تسوية قادمة.
الخلاصة
يكشف هذا السيناريو عن مرحلة جديدة في الحرب، حيث لم يعد الهدف فقط ضرب إيران، بل إعادة تشكيل قدراتها الاستراتيجية بالكامل.
وبين خيار القصف وخيار “الاستيلاء”، تبدو الولايات المتحدة أمام معادلة معقدة: إما القبول بحرب طويلة غير محسومة، أو المخاطرة بعملية عسكرية قد تتحول إلى أخطر مواجهة مباشرة داخل الأراضي الإيرانية.
في النهاية، ما يُطرح اليوم لا يعكس فقط تطورًا في الخطط العسكرية، بل يشير إلى أن الصراع دخل مرحلة البحث عن “الحسم بأي ثمن”، حتى لو كان ذلك عبر سيناريوهات غير مسبوقة.
ترامب يرفع صوت مارك ليفين في لحظة مفصلية: تحريض على توسيع حرب إيران وتغذية الانقسام داخل معسكره
في الوقت الذي ينتظر العالم الخطوة الأمريكية التالية في إيران، تدخل بري أم تراجع، وفي حلقة مثيرة للجدل على قناة Fox News، قدّم الإعلامي المحافظ ذو الميول الصهيونية مارك ليفين طرحًا تصعيديًا غير مسبوق في سياق الحرب مع إيران، تجاوز فيه حدود الدعوة إلى الضربات الجوية أو الردع التقليدي، ليصل إلى الترويج لفكرة إدخال قوات أمريكية إلى داخل إيران لتنفيذ مهام مباشرة على الأرض (أنظر).
ليفين بنى خطابه على فرضية أن الضربات الجوية وحدها لا تكفي، معتبرًا أن الخطر الحقيقي يكمن في ما وصفه بـ”بقاء اليورانيوم المخصب خارج السيطرة”. ومن هنا، دعا إلى إرسال وحدات خاصة أمريكية – وليس جيشًا تقليديًا واسعًا – لتنفيذ عمليات “دقيقة” تهدف إلى الاستيلاء على هذه المواد وتأمينها.
وقال إن هذا لا يتطلب “300 ألف جندي”، بل وحدات خاصة مدربة على مثل هذه المهمات، مستشهدًا بقوات من طراز الفرقة 82 المحمولة جوًا وقوات خاصة أخرى. كما روّج، هو وضيفه اليميني المتشدد مارك ثيسن (أنظر)، (أنظر)، لفكرة أن عدم الاستيلاء على هذا اليورانيوم قد يترك المجال لاستخدامه لاحقًا في “قنبلة قذرة” أو في تهديدات أخرى ضد الولايات المتحدة.
كما أشار في طرحه إلى مخاطر ترك هذه المواد دون سيطرة، ملمحًا إلى إمكانية استخدامها لاحقًا في تهديدات أمنية كبرى، وهو ما استخدمه كأحد المبررات الأساسية لتسويق فكرة التدخل المباشر.
تحليل المعهد المصري
هذا الطرح، رغم تقديمه بصيغة “عملية جراحية”، يتعارض مع تقديرات عسكرية أوسع تشير إلى أن أي عملية داخل الأراضي الإيرانية، مهما كانت محدودة، ستواجه تحديات ميدانية معقدة، وقد تستدعي اشتباكات ممتدة وتأمينًا لوجستيًا واسعًا، ما يفتح الباب أمام تصعيد غير محسوب.
قبل ساعات قليلة من بث الحلقة، قام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بخطوة لافتة، حيث دعا أنصاره بشكل مباشر إلى متابعة حلقة ليفين، مشيرًا إلى أهميتها في فهم ما يجري في إيران.
هذه الخطوة لم تكن مجرد دعم إعلامي، بل حملت دلالات سياسية واضحة، إذ منحت الطرح الذي قدمه ليفين شرعية مضاعفة، ونقلته من كونه رأيًا إعلاميًا إلى موقع أقرب إلى “اختبار سياسي” لخيارات محتملة.
لاحقًا، ومع تصاعد الجدل، عاد ترامب للدفاع عن ليفين، واصفًا إياه بأنه “صوت مهم”، في إشارة إلى تبنيه الضمني لمضمون الخطاب، أو على الأقل فتح الباب أمامه داخل النقاش العام.
ما صدر من ترامب هنا لا يبدو مجرد مجاملة إعلامية لمذيع حليف، بل يدخل في إطار أوسع وصفته تقارير عدة بأنه جزء من “حلقة تغذية راجعة” بين الرئيس وبعض أصوات فوكس نيوز المؤثرة في قراراته، وخصوصًا في ملف إيران. فالتغطيات التي رصدت هذه الحلقة أشارت إلى أن دعوة ترامب لمشاهدة البرنامج جاءت قبل وقت قصير من طرح ليفين تصعيدًا نوعيًا يتمثل في الدفع بقوات أمريكية إلى أرض المعركة، ما أعطى مواقف ليفين وزنًا سياسيًا أكبر من مجرد رأي تلفزيوني.
لكن ما قدّمه ليفين بوصفه عملية محدودة ودقيقة، تصفه تقارير أخرى بأنه خيار شديد الخطورة. فوفق عرض نُقل عن وول ستريت جورنال في تغطية لاحقة، فإن أي عملية لاستخراج هذا المخزون من داخل إيران ستتطلب قوات نخبة تعمل تحت النيران، وتأمين محيط المواقع، والتعامل مع ألغام وعبوات، ثم نقل مواد مشعة في ظروف حرب مفتوحة، وقد تستغرق العملية أيامًا أو حتى أسبوعًا كاملًا. هذا يعني أن الخطاب الإعلامي الذي يصوّر التدخل البري كأنه “ضربة جراحية” يخفي وراءه احتمال الانزلاق إلى احتكاك مباشر طويل نسبيًا على الأرض الإيرانية.
الأهم من ذلك أن إدارة ترامب نفسها لم تُغلق الباب أمام هذا الاحتمال. تقارير إعلامية متعددة تحدثت عن وجود خطط أمريكية تشمل عمليات برية قد تستمر أسابيع أو أشهر، بينما أشارت تغطيات أخرى إلى أن آلاف الجنود الأمريكيين نُقلوا بالفعل إلى المنطقة خلال الأيام الأخيرة. وفي الوقت ذاته، كانت الرسائل الصادرة من البيت الأبيض متضاربة بين الحديث عن اقتراب نهاية الحرب والتلويح بخيارات تصعيدية أكبر. هذا التناقض يجعل ظهور ليفين، ثم ترويج ترامب له، جزءًا من معركة داخلية على توجيه المسار المقبل للحرب: هل يتم احتواء النزاع، أم يُدفع نحو “الضربة النهائية”؟
سياسيًا، لم تمر هذه الرسائل بهدوء داخل اليمين الأمريكي. فالحرب على إيران فتحت شرخًا واضحًا داخل معسكر “MAGA”، إلى حد أن وكالات وصحفًا وصفت المشهد بأنه “حرب أهلية” داخل التيار الترامبي نفسه، لكن بالمعنى السياسي والإعلامي. وكالة أسوشيتد برس رصدت انقسامًا علنيًا في مؤتمر(التحالف السياسي المحافظ CPAC) بين داعمين للحرب ومحذرين من أنها قد تستنزف القاعدة المحافظة وتناقض شعار “أمريكا أولًا”. وحذّر ستيف بانون، المنظر الإستراتيجي البارز لتيار الماجا، من أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى “نزيف في الدعم”، بينما أظهرت استطلاعات حديثة أن غالبية الأمريكيين ترى أن التحرك العسكري ضد إيران كان مفرطًا.
هذا الانقسام ظهر بصورة أكثر حدة في الإعلام اليميني نفسه. فقد انتقدت شخصيات بارزة مثل ميجان كيلي وآن كولتر ومارجوري تايلور جرين تغطية فوكس نيوز للحرب، واتهمت الشبكة بدفع الجمهوريين نحو ما كانوا قد صوّتوا ضده أساسًا. وذهبت بعض هذه السجالات إلى حد تبادل الإهانات الشخصية بين ليفين ومعارضيه داخل المعسكر نفسه، فيما اضطر ترامب للتدخل دفاعًا عنه واصفًا إياه بـ”العظيم”. المعنى هنا أن ليفين لم يعد مجرد إعلامي مؤيد للرئيس، بل بات رأس حربة لمعسكر يدفع نحو استمرار الحرب وتوسيعها، في مواجهة معسكر يميني آخر يخشى أن تتحول الحرب إلى خيانة للوعود الترامبية القديمة بعدم التورط في حروب جديدة.
ومن هنا تأتي أهمية التمييز بين أمرين: المتاح من المصادر التي أمكن التحقق منها يدعم بوضوح أن ليفين حرّض على توسيع الحرب باتجاه تدخل بري محدود ودقيق داخل إيران، وأن ترامب أيّد سياسيًا وإعلاميًا هذا الخطاب عبر الترويج المباشر للحلقة والدفاع اللاحق عن ليفين. لكن هذه المصادر لا تُثبت، بالصيغة الحرفية، أن ليفين دعا إلى حرب أهلية مسلحة داخل الولايات المتحدة. ما تثبته هو أن خطابه، مع خطاب الحرب عمومًا، ساهم في تأجيج ما تصفه وسائل إعلام أمريكية بـ”حرب أهلية” داخل معسكر MAGA نفسه، أي انقسام داخلي حاد بين جناح تدخلي وجناح انعزالي.
تحليليًا، يكشف هذا المشهد عن ثلاث حقائق أساسية. أولًا، أن القرار الحربي في واشنطن لا يتشكل فقط داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية، بل أيضًا عبر منصات إعلامية مؤثرة قادرة على توفير الغطاء الأيديولوجي والسياسي للتصعيد. ثانيًا، أن ترامب لا يتعامل مع هذه الأصوات باعتبارها تعليقًا خارجيًا، بل يستخدمها أحيانًا كأداة لتجريب الأفكار وتهيئة قاعدته لأي انعطاف جديد. وثالثًا، أن أخطر ما في خطاب ليفين ليس فقط محتواه العسكري، بل طريقته في تسويق التدخل البري بوصفه خيارًا محدودًا وعقلانيًا، بينما تظهر التقارير أن مثل هذا الخيار قد يفتح بابًا لمرحلة أكثر دموية وكلفة، عسكريًا وسياسيًا.
ما جرى لم يكن مجرد حلقة تلفزيونية عابرة. لقد كانت لحظة التقت فيها شاشة فوكس مع منصة ترامب ومعركة النفوذ داخل اليمين الأمريكي. ليفين قدّم خطابًا يدفع نحو توسيع الحرب عبر قوات على الأرض، وترامب منحه شرعية مضاعفة بالترويج والدفاع. وفي المقابل، انفجر خلاف داخل التيار الترامبي نفسه حول معنى “أمريكا أولًا” وحدود الحرب ومَن يملك حق توجيه الرئيس. هكذا، لم تعد قضية إيران ملفًا خارجيًا فقط، بل أصبحت مرآة لانقسام داخلي أمريكي يتعمق كلما اقترب الحديث من إرسال جنود أمريكيين إلى حرب جديدة. (انظر) (انظر)
أريد نفط إيران”: ترامب يربط الحرب بالموارد ويطرح سيناريو السيطرة المباشرة
في تطور لافت في مسار الخطاب الأمريكي حول الحرب مع إيران، صرّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، رغبته في “الاستحواذ على النفط الإيراني”، في تصريح يكشف انتقال التفكير الاستراتيجي من مجرد إدارة الصراع إلى إعادة تشكيل نتائجه الاقتصادية والجيوسياسية.
التصريح جاء في سياق مقابلات وتحليلات إعلامية تناولت الخيارات المطروحة أمام واشنطن مع دخول الحرب شهرها الثاني، حيث أشار ترامب إلى إمكانية السيطرة على منشآت النفط الإيرانية، وتحديدًا جزيرة “خرج”، التي تُعد أحد أهم مراكز تصدير النفط الإيراني.
هذا الطرح لا يمكن فصله عن سياق أوسع من التصعيد، إذ تُظهر المعطيات أن الإدارة الأمريكية تدرس بالفعل خيارات تتراوح بين الاستمرار في العمليات العسكرية المحدودة، أو الانتقال إلى خطوات أكثر جرأة، تشمل السيطرة على أصول استراتيجية داخل إيران، سواء كانت نووية أو نفطية.
في هذا الإطار، تتقاطع فكرة “النفط” مع سيناريو آخر مطروح، يتمثل في السعي للسيطرة على مخزون اليورانيوم الإيراني، سواء عبر الضغط السياسي أو حتى من خلال عمليات عسكرية خاصة. وتشير تقديرات إلى أن هذه المواد موزعة في مواقع محصّنة، ما يجعل أي محاولة لاستخراجها عملية معقدة وخطرة، قد تتطلب تدخلًا بريًا مباشرًا.
ورغم أن بعض الدوائر داخل الإدارة ترى أن مثل هذه العمليات يمكن أن تكون محدودة وسريعة، إلا أن تحذيرات عسكرية متزايدة تشير إلى العكس، حيث إن أي تدخل من هذا النوع قد يؤدي إلى تصعيد واسع وردود إيرانية مباشرة، ما يهدد بإطالة أمد الحرب بدل إنهائها.
في الوقت نفسه، يعكس تصريح ترامب حول النفط تحولًا في طبيعة الخطاب، إذ لم يعد التركيز فقط على “التهديد النووي” أو “الأمن الإقليمي”، بل أصبح يشمل بشكل صريح البعد الاقتصادي للصراع، وتحديدًا السيطرة على الموارد كجزء من النتيجة النهائية للحرب.
هذا التحول يطرح تساؤلات حول ما إذا كانت الحرب تتجه نحو إعادة رسم خريطة النفوذ في المنطقة، ليس فقط عسكريًا، بل أيضًا اقتصاديًا، عبر التحكم بمصادر الطاقة. خاصة أن جزيرة خرج تمثل نقطة حيوية في شبكة تصدير النفط الإيراني، والسيطرة عليها تعني عمليًا التحكم بجزء كبير من العائدات النفطية لطهران.
اقتصاديًا، تأتي هذه التصريحات في وقت يشهد فيه سوق الطاقة العالمي اضطرابًا ملحوظًا، مع ارتفاع أسعار النفط وتأثر الأسواق نتيجة الحرب، وهو ما يزيد من أهمية أي تحرك يتعلق بإمدادات الطاقة أو السيطرة عليها.
في المقابل، يبدو أن ترامب يحاول الموازنة بين خيارين متناقضين: فمن جهة، يعبّر عن ثقته بإمكانية التوصل إلى اتفاق مع إيران، ومن جهة أخرى، يلوّح بخيارات تصعيدية غير مسبوقة، تشمل السيطرة على الموارد الاستراتيجية أو حتى توسيع العمليات العسكرية.
الخلاصة:
تصريحات ترامب حول “الاستحواذ على النفط الإيراني” لا تمثل مجرد موقف عابر، بل تعكس تحولًا في طبيعة التفكير الاستراتيجي الأمريكي، من إدارة الصراع إلى محاولة تحديد نتائجه الاقتصادية والجيوسياسية مسبقًا. وبين خيار الاتفاق وخيار التصعيد، يبدو أن واشنطن تضع على الطاولة سيناريوهات تتجاوز الحرب التقليدية، نحو صراع على الموارد والنفوذ في قلب الشرق الأوسط.
من الضربات المحدودة إلى صراع مفتوح: كيف تُعيد الحرب مع إيران تشكيل الاستراتيجية الأمريكية؟
في لحظة تصعيد متسارع في الشرق الأوسط، تكشف تحليلات لخبراء أن المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران لم تعد مجرد سلسلة من الضربات العسكرية المتبادلة، بل تحوّلت إلى صراع مركّب متعدد الأبعاد، يتداخل فيه العسكري بالاقتصادي، والتكتيكي بالاستراتيجي، ضمن مسار تصعيدي مفتوح على احتمالات واسعة.
يبدأ المشهد من نقطة أساسية: الولايات المتحدة لا تخوض هذه الحرب بهدف ردّ فوري أو محدود، بل ضمن رؤية أوسع تسعى إلى إعادة ضبط التوازنات الإقليمية. فوفق ما يطرحه التحليل، فإن الهدف يتجاوز “الردع التقليدي” ليشمل تقليص النفوذ الإيراني في المنطقة، وإضعاف أدواته العسكرية، خاصة الصواريخ والطائرات المسيّرة، التي أصبحت عنصرًا حاسمًا في معادلة القوة.
غير أن هذه الاستراتيجية تصطدم بمعضلة أساسية: كيف يمكن تحقيق هذه الأهداف دون الانزلاق إلى حرب شاملة؟ هنا يظهر ما يصفه التحليل بـ”التصعيد المحسوب”، حيث تعتمد واشنطن على ضربات محدودة ومدروسة، تسعى من خلالها إلى إلحاق ضرر تدريجي بإيران، مع الحفاظ على هامش يمنع الانفجار الكبير. لكن هذه المقاربة، رغم دقتها الظاهرية، تحمل في داخلها هشاشة واضحة، إذ إن أي خطأ في التقدير أو سوء فهم للردود قد يدفع الصراع إلى مستوى أعلى من عدم السيطرة.
في المقابل، لا تتعامل إيران مع هذه الحرب بمنطق المواجهة المباشرة، بل تعتمد استراتيجية مختلفة تقوم على “المرونة والتدرّج”. فبدل الرد العسكري الواسع، تلجأ إلى أدوات غير مباشرة، أبرزها شبكات الحلفاء في المنطقة، ما يسمح لها بتوزيع الضغط وفتح جبهات متعددة ما يقلل كلفة المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة. هذا الأسلوب يحوّل الصراع من مواجهة سريعة إلى حرب استنزاف طويلة، تتآكل فيها القدرات تدريجيًا دون حسم واضح.
ومع تطور الأحداث، يتضح أن ساحة المعركة لم تعد عسكرية فقط. فالتداعيات الاقتصادية تظهر كعنصر مركزي في هذا الصراع، حيث أدى التصعيد إلى ارتفاع أسعار الطاقة، واضطراب الأسواق العالمية، وزيادة الضغوط على الاقتصادات، بما في ذلك الاقتصاد الأمريكي نفسه. وهنا تتحول الحرب إلى معادلة معقدة: تحقيق الأهداف الأمنية من جهة، وتجنب الانهيار الاقتصادي أو الركود من جهة أخرى.
في هذا السياق، يبرز عامل آخر لا يقل أهمية، وهو خطر توسّع الصراع جغرافيًا. فالتحليل يشير إلى أن استمرار هذا النمط من التصعيد قد يؤدي إلى فتح جبهات إضافية في مناطق مثل الخليج والعراق وسوريا، ما قد يحوّل الحرب من مواجهة محدودة إلى صراع إقليمي واسع متعدد الأطراف، يصعب احتواؤه أو التحكم بمساره.
ومع تداخل هذه العوامل، يصل التحليل إلى خلاصة جوهرية: المشكلة الأساسية في هذه الحرب ليست في بدايتها، بل في غياب نهايتها. فلا الولايات المتحدة قادرة على تحقيق حسم سريع دون كلفة هائلة، ولا إيران مستعدة للتراجع أو القبول بشروط تقوّض موقعها الإقليمي. هذا التوازن الهش يخلق حالة من “اللايقين الاستراتيجي”، حيث تستمر الحرب دون أفق واضح للحل.
في المحصلة، يقدّم التحليل صورة لصراع يتجاوز كونه مواجهة عسكرية، ليصبح اختبارًا حقيقيًا لقدرة النظام الدولي على التعامل مع أزمات معقدة ومتشابكة. وبين الضربات المحدودة والاستراتيجيات غير المباشرة، يبدو أن العالم دخل مرحلة جديدة من الصراعات، عنوانها الأبرز: حروب بلا نهاية واضحة، لكنها عالية التأثير على الجميع.
“أمريكا الكبرى الشمالية”: خريطة استراتيجية جديدة تعيد تعريف النفوذ الأمريكي من جرينلاند إلى بنما
في تطور لافت يعكس تحوّلًا عميقًا في العقيدة الاستراتيجية الأمريكية، كشف وزير الدفاع الأمريكي Pete Hegseth عن تصور جديد أطلق عليه اسم (“Greater North America” أمريكا الشمالية الكبرى)، وهو إطار جيوسياسي يعيد تعريف المجال الأمني للولايات المتحدة ليشمل مساحة أوسع بكثير من حدودها التقليدية.
المضمون: خريطة جديدة تتجاوز الحدود
بحسب التصريحات، تقوم هذه الرؤية على رسم خريطة استراتيجية تمتد:
- من جرينلاند شمالًا،
- إلى قناة بنما جنوبًا،
- مرورًا بكامل دول أمريكا الشمالية والوسطى وأجزاء من أمريكا الجنوبية.
ويؤكد الطرح أن هذه المنطقة بأكملها يجب اعتبارها “المحيط الأمني المباشر” للولايات المتحدة، وليس مجرد دول مستقلة ضمن النظام الدولي.
بل إن المفهوم يذهب أبعد من ذلك، حيث يشمل – وفق الخطاب – كل الدول الواقعة شمال خط الاستواء ضمن هذا الإطار الأمني، باعتبارها جزءًا من “الحيّ الجيوسياسي” الأمريكي.
من “العالم” إلى “النصف الغربي”: تحول في العقيدة
هذا الطرح لا يمكن فصله عن التحولات الأوسع في السياسة الأمريكية خلال إدارة Donald Trump، والتي بدأت بالتركيز على:
- تقليص الانخراط العسكري العالمي،
- تعزيز السيطرة والنفوذ في “النصف الغربي من الكرة الأرضية” .
وقد عكست استراتيجية الدفاع الأمريكية الجديدة بالفعل هذا التوجه، مع تركيز واضح على حماية المجال الجغرافي القريب من الولايات المتحدة بدل الانتشار العالمي الواسع.
تحليل المعهد المصري -إحياء بصيغة جديدة: صدى “مبدأ مونرو”
يرى محللون أن مفهوم “أمريكا الشمالية الكبرى” يمثل نسخة حديثة وموسّعة من مبدأ مونرو التاريخي، الذي كان يقوم على اعتبار القارة الأمريكية مجال نفوذ حصري للولايات المتحدة.
لكن الفارق الجوهري اليوم هو أن الطرح الجديد:
- لا يقتصر على منع تدخل القوى الخارجية،
- يسعى إلى دمج هذه الدول ضمن منظومة أمنية أمريكية مباشرة،
- يمنح واشنطن دور “الضامن الأمني” لكامل المنطقة.
الدوافع: الأمن، الصين، والهجرة
الخطاب الذي قدّمه هيغسيث يرتكز على عدة مبررات رئيسية:
- منع تموضع الخصوم، خاصة الصين وروسيا داخل نصف الكرة الغربي.
- حماية الممرات الاستراتيجية، مثل قناة بنما وسواحل الأطلسي والهادئ.
- ضبط التهديدات غير التقليدية، مثل الهجرة، الكارتلات، والاضطرابات الإقليمية.
وفي هذا السياق، كان هيغسيث قد دعا سابقًا إلى تعزيز الطابع العسكري للتعامل مع التحديات في أمريكا اللاتينية، بما يعكس توجهًا نحو أمننة المنطقة بالكامل.
دلالات خطيرة: توسيع مفهوم “السيادة الأمنية”
الطرح الجديد يثير تساؤلات جوهرية حول مفهوم السيادة، إذ أن اعتبار دول مستقلة جزءًا من “محيط أمني أمريكي” يعني عمليًا:
- تبرير التدخل السياسي أو العسكري عند الحاجة،
- إعادة تعريف العلاقات مع هذه الدول من شراكة إلى تبعية أمنية جزئية،
- تقليص المسافة بين “النفوذ” و”الهيمنة” .
قراءة تحليلية: إعادة رسم العالم من زاوية واحدة
ما يطرحه مفهوم “Greater North America” ليس مجرد خريطة، بل إعادة تعريف لطريقة رؤية العالم:
- بدلاً من نظام دولي متعدد الأقطاب،
- يتم التركيز على “مجالات نفوذ مغلقة” ،
- تقودها قوى كبرى وفق مصالحها الأمنية المباشرة.
وفي هذا السياق، تصبح أمريكا اللاتينية والكاريبي ليست مجرد شركاء، بل خط دفاع أول في استراتيجية الأمن القومي الأمريكي.
يمثل إعلان “أمريكا الشمالية الكبرى” خطوة نحو مرحلة جديدة في السياسة الأمريكية، تقوم على إعادة تموضع جيوسياسي يركز على القرب الجغرافي بدل الانتشار العالمي.
لكن هذا التحول، رغم ما يحمله من منطق استراتيجي، يفتح الباب أمام أسئلة كبرى حول:
- حدود النفوذ الأمريكي؟
- مستقبل سيادة الدول في المنطقة؟
- واحتمالات تصاعد التوتر مع قوى دولية تسعى لاختراق هذا “المجال الأمني” ؟
في النهاية، لا تبدو هذه الخريطة مجرد تصور نظري، بل إشارة إلى عقيدة جديدة قد تعيد تشكيل النظام الدولي من بوابة نصف الكرة الغربي.
إيران
إيران ترفض مقترح ترامب: “غير واقعي” وسط تصاعد التهديدات وتضارب الروايات
في خضم التصعيد العسكري المستمر، رفضت إيران بشكل قاطع المقترح الأمريكي لإنهاء الحرب، واصفة إياه بأنه “غير واقعي”، في رد مباشر على تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي تحدث فيها عن تقدم في المفاوضات وإمكانية التوصل إلى اتفاق قريب.
وفق ما نقلته CNN، أكد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية أن طهران لم تدخل في أي مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة، نافيًا الرواية الأمريكية التي تتحدث عن محادثات جارية، ومشددًا على أن ما تم تداوله لا يعكس الواقع السياسي القائم .
هذا النفي جاء في وقت كانت فيه الإدارة الأمريكية تروج لوجود تقدم في مسار التفاوض، بل وتؤكد أن إيران وافقت على “معظم الشروط”، وهو ما اعتبرته طهران محاولة لتضليل الرأي العام أو ممارسة ضغط سياسي وإعلامي.
مضمون الخلاف: خطة أمريكية بشروط “قصوى”
في جوهر الأزمة، يتمحور الخلاف حول خطة أمريكية تتضمن مجموعة من الشروط الصارمة لإنهاء الحرب، من بينها:
- وقف البرنامج النووي الإيراني،
- الحد من القدرات الصاروخية،
- إنهاء دور إيران الإقليمي عبر حلفائها،
- إعادة فتح الممرات البحرية.
لكن إيران وصفت هذه المطالب بأنها “مفرطة وغير منطقية وغير متوازنة”، معتبرة أنها تفرض استسلامًا كاملاً بدل أن تشكل أساسًا لتسوية سياسية.
تضارب الروايات: تقدم أمريكي مقابل رفض إيراني
التباين في المواقف يكشف عن فجوة عميقة بين الطرفين. فبينما يصر ترامب على أن المفاوضات تسير في اتجاه إيجابي، تؤكد طهران أن:
- لا مفاوضات مباشرة قائمة،
- المقترحات المطروحة غير قابلة للقبول،
- أي اتفاق يجب أن يقوم على شروط “متوازنة” .
هذا التناقض يعكس حالة من الحرب السياسية والإعلامية الموازية، حيث يسعى كل طرف إلى فرض روايته حول مسار الصراع.
تصعيد متزامن مع الحديث عن التفاوض
اللافت أن هذا الجدل حول المفاوضات يأتي بالتوازي مع تصعيد عسكري غير مسبوق. فقد لوّح ترامب بتوسيع العمليات، مهددًا باستهداف منشآت الطاقة والبنية التحتية في إيران إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق قريب .
وفي المقابل، تستمر إيران في تنفيذ هجمات وردود عسكرية في عدة جبهات، ما يعزز الانطباع بأن الحديث عن التفاوض يجري في ظل حرب مفتوحة، وليس في مرحلة تهدئة.
وساطات إقليمية دون اختراق حقيقي
تشير المعطيات إلى أن الاتصالات بين الطرفين تتم بشكل غير مباشر عبر وسطاء إقليميين، مثل باكستان وتركيا ودول أخرى، لكن هذه الجهود لم تحقق حتى الآن اختراقًا حقيقيًا.
بل إن إيران، رغم إقرارها بوجود قنوات غير مباشرة، ترفض الانخراط في مفاوضات رسمية قبل تعديل الشروط الأمريكية، ما يجعل فرص التوصل إلى اتفاق سريع محدودة.
قراءة تحليلية للمعهد المصري: مفاوضات بلا أرضية مشتركة
ما يكشفه هذا المشهد هو أن الطرفين لا يتفاوضان على نفس الأساس:
- الولايات المتحدة تطرح شروطًا شاملة تقارب إستسلام إيران، و“إعادة تشكيل النظام الإيراني” ،
- إيران ترفض أي اتفاق يُنظر إليه كإملاء أو استسلام.
وهذا يعني أن المفاوضات، حتى إن وجدت، تفتقر إلى الحد الأدنى من التوافق الضروري لتحقيق تقدم.
الخلاصة
رفض إيران للمقترح الأمريكي يضع مسار التفاوض في مأزق حقيقي، ويؤكد أن الحرب لم تصل بعد إلى نقطة تسمح بحل سياسي قريب.
وبين خطاب أمريكي يتحدث عن تقدم، وموقف إيراني يرفض الأساس نفسه للمقترح، يبدو أن الصراع يدخل مرحلة أكثر تعقيدًا، حيث تتداخل الضغوط العسكرية مع المعركة السياسية والإعلامية، دون أفق واضح لتسوية سريعة.
تركيا
هل تهتز منظومة الطاقة في تركيا؟ اختبار الغاز الإيراني يكشف تحولات استراتيجية عميقة
في مارس/آذار 2026، لم يكن الحديث عن احتمال انقطاع الغاز الإيراني عن تركيا مجرد خبر تقني في قطاع الطاقة، بل تحوّل إلى لحظة اختبار حقيقية لقدرة أنقرة على إدارة أمنها الطاقي في ظل تصاعد التوترات الإقليمية. فقد أثارت الضربات التي استهدفت منشآت حقل “جنوب بارس” الإيراني حالة من القلق في الأسواق، وسط تقارير تحدثت عن توقف تدفقات الغاز عبر خط تبريز–أنقرة، وهو أحد الشرايين الرئيسية التي تغذي الاقتصاد التركي.
ورغم تضارب الروايات بين من أكد حدوث انقطاع فعلي ومن اعتبره مجرد اضطراب مؤقت، فإن هذه الأزمة كشفت حقيقة أعمق: أن تركيا لم تعد تعتمد على مصدر واحد كما في السابق، بل أعادت خلال السنوات الأخيرة تشكيل “سلة الغاز” الخاصة بها استعدادًا لمثل هذه السيناريوهات.
يمثل الغاز الإيراني نحو 13 إلى 14% من واردات تركيا، وهي نسبة أقل بكثير مقارنة بالعقود الماضية، لكنها لا تزال حيوية، خصوصًا لقطاعات الصناعة ومحطات توليد الكهرباء. وفي حال توقف الإمدادات لفترة قصيرة، فإن التأثير قد يظل محدودًا، لكن أي انقطاع طويل قد ينعكس سريعًا على الإنتاج الصناعي ويؤدي إلى تقليص النشاط الاقتصادي، كما حدث في أزمة عام 2022 عندما اضطرت أنقرة إلى خفض استهلاك الكهرباء وتقنين الإمدادات للمصانع.
غير أن الفارق اليوم يكمن في أن تركيا لم تعد في نفس موقع الهشاشة. فقد وسّعت قدراتها التخزينية بشكل ملحوظ، حيث ارتفعت سعة التخزين إلى نحو 6.3 مليارات متر مكعب، مع امتلاء المخزونات بنسبة تقارب 71%، ما يوفر هامشًا زمنيًا للتعامل مع أي انقطاع مفاجئ.
إلى جانب التخزين، بنت أنقرة ركيزة ثانية تتمثل في الغاز الطبيعي المسال، عبر إنشاء مرافئ عائمة ومحطات تغويز تمنحها قدرة كبيرة على استيراد الغاز من مصادر متعددة. وقد أبرمت بالفعل عقودًا مع دول وشركات عالمية، ما يمنحها مرونة أكبر في التسعير والتوريد مقارنة بالعقود التقليدية المرتبطة بالنفط.
أما الركيزة الثالثة، فهي الإنتاج المحلي من البحر الأسود، الذي بدأ يلعب دورًا متزايدًا في تقليص الاعتماد على الخارج. فحقل “صقاريا” دخل مرحلة الإنتاج وبدأ يغطي جزءًا من الطلب الداخلي، مع خطط لرفع الإنتاج تدريجيًا ليصل إلى مستويات قادرة على تغطية نسبة معتبرة من الاستهلاك الوطني خلال السنوات المقبلة.
ورغم هذه البدائل، لا تزال تركيا مرتبطة بشبكة إمدادات معقدة، حيث يشكل الغاز الروسي العمود الفقري للإمدادات، إلى جانب الغاز الأذربيجاني الذي يصل عبر خط “تاناب”، إضافة إلى كميات محدودة من تركمانستان عبر ترتيبات تبادل إقليمية.
في ضوء هذه المعطيات، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية: إذا كان الانقطاع مؤقتًا، فإن تركيا قادرة على تعويضه عبر المخزون والغاز المسال. أما إذا استمر لأسابيع، فستضطر إلى استنزاف جزء من احتياطاتها مع زيادة الواردات البديلة. لكن في حال امتد لأشهر، فإن الأزمة قد تتحول إلى تحدٍ هيكلي، يدفع أنقرة إلى تشغيل كل أدواتها في وقت واحد، من التخزين إلى الاستيراد المكثف وحتى تسريع الإنتاج المحلي.
لكن ما يجعل هذه الأزمة أكثر أهمية هو توقيتها، إذ تأتي قبل أشهر من انتهاء عقد الغاز طويل الأجل مع إيران، ما يمنح تركيا فرصة نادرة لإعادة التفاوض من موقع أقوى. فامتلاكها بدائل متعددة يمنحها هامشًا لطلب شروط أكثر مرونة، سواء من حيث الكميات أو الأسعار، أو حتى إعادة صياغة العلاقة الطاقوية مع طهران بشكل جديد.
مع ذلك، لا يبدو أن تركيا ستتخلى بالكامل عن الغاز الإيراني، فالجغرافيا لا تزال عاملًا حاسمًا، إذ يوفر هذا الخط إمدادات مباشرة للمناطق الشرقية بتكلفة أقل من الغاز المسال. كما أن ذروة الطلب في الشتاء قد تجعل من الصعب الاستغناء عن أي مصدر دون المخاطرة بنقص حاد.
الخلاصة:
ما كشفته أزمة الغاز الأخيرة ليس مجرد هشاشة أو قوة، بل تحوّل في الاستراتيجية التركية من الاعتماد إلى التنويع. فتركيا اليوم لم تعد رهينة خط واحد أو دولة واحدة، لكنها أيضًا لم تصل بعد إلى الاستقلال الكامل. وبين هذين الحدّين، تتحرك أنقرة لبناء نموذج طاقي أكثر مرونة، قادر على امتصاص الصدمات… لكنه لا يزال يعيش تحت ضغط الجغرافيا والسياسة معًا.
“خرائط المخاطر الاجتماعية”: كيف تحاول تركيا منع الأزمات قبل وقوعها؟
في تحول لافت في طبيعة السياسات الاجتماعية، تتجه تركيا نحو تبني نموذج جديد يقوم على التنبؤ بالمشكلات قبل حدوثها بدل معالجتها بعد وقوعها، عبر مشروع حكومي يحمل اسم “خرائط المخاطر الاجتماعية”، تقوده وزارة الأسرة والخدمات الاجتماعية.
المشروع، كما يعرضه التقرير، لا يقوم على تقديم خدمات تقليدية، بل على بناء منظومة رقمية تحليلية تبدأ من جمع البيانات وتنتهي بالتدخل الميداني المباشر، في محاولة لإعادة تعريف مفهوم الرعاية الاجتماعية من “رد فعل” إلى “وقاية استباقية”.
من البيانات إلى القرار: كيف يعمل النظام؟
يقوم المشروع على فكرة أساسية مفادها أن الأزمات الاجتماعية – مثل العنف الأسري أو الجنوح أو الفقر – يمكن التنبؤ بها عبر تحليل مجموعة واسعة من المؤشرات. ولهذا، تعمل الحكومة التركية على جمع بيانات تفصيلية حول الأسر، تشمل الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والنفسية، ثم تحويلها إلى درجات “مخاطر” قابلة للقياس.
هذه البيانات لا تُعرض بشكل تقليدي، بل تُحوّل إلى خرائط رقمية تفاعلية تُظهر توزيع المخاطر من مستوى الولاية وصولًا إلى الحي، بل وحتى الأسرة الواحدة، ما يسمح بتحديد المناطق والفئات الأكثر عرضة للأزمات بدقة غير مسبوقة.
ويعتمد النظام على تحليل ما يصل إلى 648 مؤشرًا مختلفًا، تشمل بنية الأسرة، ومستوى الدخل، والتعليم، وحالات العنف، والوضع الصحي والنفسي، إضافة إلى مؤشرات خاصة بالأطفال والنساء وذوي الإعاقة.
التدخل المبكر: “دليل الأسرة” و”الأطفال في أمان”
لا يتوقف المشروع عند التحليل، بل ينتقل مباشرة إلى التطبيق عبر آليات تدخل ميداني. من أبرز هذه الأدوات نظام “دليل الأسرة”، الذي يقوم على تخصيص مرشد اجتماعي لكل أسرة، يتابع حالتها بشكل دوري ويشكل حلقة وصل بينها وبين مؤسسات الدولة.
إلى جانب ذلك، أُطلقت منصة “الأطفال في أمان”، التي تركز على رصد الأطفال المعرضين للخطر، مثل التسرب المدرسي أو التعرض للعنف، وتُرسل إشعارات فورية للجهات المختصة عند ظهور مؤشرات مقلقة، ما يتيح التدخل قبل تفاقم المشكلة.
وقد أظهرت التجارب الأولية في بعض الولايات، مثل غازي عنتاب، نتائج ملموسة، حيث ساهم النظام في خفض معدلات الجنوح عبر التدخل المبكر في حياة الأطفال المعرضين للخطر.
تنفيذ تدريجي وتوسّع وطني
بحلول مارس 2026، انتقل المشروع من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ التدريجي، حيث تم إنجاز 11 خريطة مخاطر اجتماعية، ضمن خطة تستهدف التوسع إلى 35 ولاية. كما بدأت المتابعة الرقمية في عدد من المدن الكبرى، بعد مرحلة تجريبية انطلقت منذ عام 2024 في إسطنبول وأنقرة.
هذا التوسع يعكس انتقال المشروع من فكرة نظرية إلى أداة تشغيلية تستخدم فعليًا في توجيه السياسات الاجتماعية واتخاذ القرارات الميدانية.
التحديات: بين الدقة والخصوصية
رغم الطموح الكبير، يواجه المشروع مجموعة من التحديات المعقدة. فاعتماد النظام على عدد كبير من المؤشرات ومصادر البيانات قد يؤدي إلى أخطاء في التقدير، سواء عبر تضخيم مخاطر غير حقيقية، أو إغفال مشكلات قائمة بسبب نقص المعلومات أو تأخر تحديثها.
كما تبرز قضية حساسة تتعلق بـالوصم الاجتماعي، إذ إن تصنيف بعض الأسر ضمن فئات “عالية المخاطر” قد يترك آثارًا اجتماعية سلبية، خاصة إذا لم تُحمَ البيانات بشكل كافٍ.
إضافة إلى ذلك، يمثل تنسيق البيانات بين مؤسسات متعددة – مثل وزارات الصحة والتعليم والداخلية والعدل – تحديًا تقنيًا وإداريًا، يتطلب توحيد المعايير وضبط آليات الوصول إلى المعلومات.
قراءة تحليلية: من دولة راعية إلى دولة “تتنبأ”
ما يعكسه هذا المشروع هو تحول أعمق في فلسفة الدولة الاجتماعية في تركيا، من نموذج يقوم على التدخل بعد وقوع الأزمة، إلى نموذج يسعى إلى التنبؤ بها ومنعها قبل أن تحدث.
هذا التحول يضع الدولة في موقع أكثر فاعلية، لكنه في الوقت نفسه يثير أسئلة حول حدود استخدام البيانات في إدارة المجتمع، ومدى التوازن بين الكفاءة والخصوصية.
الخلاصة
يمثل مشروع “خرائط المخاطر الاجتماعية” محاولة طموحة لإعادة صياغة السياسة الاجتماعية في تركيا، عبر دمج التكنولوجيا بالعمل الميداني، وتحويل البيانات إلى أداة لاتخاذ القرار.
وبين إمكاناته الكبيرة في الوقاية المبكرة، والتحديات المرتبطة بالدقة والخصوصية، يبقى نجاح هذا النموذج مرهونًا بقدرته على تحقيق توازن دقيق بين التحليل الرقمي والعدالة الاجتماعية، وبين التدخل الوقائي واحترام حدود الأفراد داخل المجتمع.
متابعات عربية
هل يتحول مضيق هرمز إلى “قناة سويس جديدة”؟ صراع الإدارة والسيادة في قلب الحرب
في ظل التصعيد العسكري المرتبط بالحرب مع إيران، عاد مضيق هرمز إلى صدارة المشهد الدولي، ليس فقط باعتباره ممرًا حيويًا للطاقة، بل كملف تفاوضي مركزي في أي تسوية محتملة للصراع. وقد كشفت معطيات حديثة عن طرح إقليمي غير مسبوق يسعى إلى إعادة تنظيم إدارة المضيق على غرار نموذج قناة السويس، ما يفتح بابًا واسعًا من التساؤلات حول قابلية هذا السيناريو للتطبيق.
البداية جاءت من اجتماع إقليمي جمع وزراء خارجية تركيا ومصر والسعودية وباكستان في إسلام آباد، حيث طُرحت أفكار تتعلق بإعادة فتح المضيق وتأمين الملاحة، في ظل المخاطر التي تهدد تدفق النفط والتجارة العالمية. ومن بين أبرز هذه الطروحات إنشاء تحالف (كونسورتيوم) لإدارة الممر، إلى جانب إمكانية فرض رسوم عبور أو خدمات، في محاولة لمحاكاة نموذج قناة السويس.
غير أن هذا الطرح، رغم طابعه الطموح، يصطدم منذ البداية بفارق جوهري بين الحالتين. فبينما تُعد قناة السويس ممرًا صناعيًا يقع بالكامل تحت السيادة المصرية، ما يمنح القاهرة الحق القانوني في إدارته وفرض رسوم عليه، فإن مضيق هرمز يُصنّف كممر مائي دولي يخضع لقواعد قانون البحار، التي تضمن حرية العبور ولا تسمح بتحويله إلى مورد سيادي خاضع لرسوم مماثلة.
هذا الاختلاف القانوني لا يلغي تمامًا إمكانية الاستفادة من بعض عناصر النموذج السويسي، لكنه يفرض حدودًا واضحة. فبدل فرض رسوم عبور مباشرة، قد يكون من الممكن اعتماد صيغ “خدمية” مثل رسوم الإرشاد البحري أو التأمين أو المرافقة الأمنية، ضمن إطار لا يتعارض مع القوانين الدولية. كما يمكن تصور إنشاء آلية تشغيل مشتركة لتنظيم حركة الملاحة، تجمع بين الدول المشاطئة للمضيق والدول المستفيدة منه، في صيغة أقرب إلى “إدارة جماعية” منها إلى سيطرة سيادية.
لكن العقدة الحقيقية في هذا الملف لا تكمن في القانون فقط، بل في الجغرافيا السياسية، وتحديدًا في موقع إيران داخل هذه المعادلة. فالمضيق يمثل أحد أهم أدوات النفوذ الإيراني، ليس فقط بحكم الجغرافيا، بل أيضًا كوسيلة ضغط استراتيجية على الأسواق العالمية. ومن هنا، فإن أي محاولة لإعادة تنظيمه أو “تدويله” تُفسَّر في طهران على أنها مساس مباشر بأحد أعمدة قوتها.
ورغم ذلك، لا يستبعد التقرير أن تبدي إيران مرونة نسبية تجاه بعض الترتيبات الفنية، خاصة إذا ارتبطت بجهود وقف الحرب وتخفيف الضغوط الدولية، بشرط ألا تؤدي إلى تقليص دورها أو تجاوز نفوذها في المضيق. بمعنى آخر، قد تقبل طهران بتنظيم الملاحة… لكنها لن تقبل بإعادة تعريف موقعها داخل هذا الممر الحيوي.
في هذا السياق، يبرز خيار آخر أكثر حساسية، وهو “تدويل المضيق”، الذي قد تدفع به قوى كبرى لضمان أمن الطاقة ومنع تكرار الأزمات. غير أن هذا السيناريو يواجه عقبات كبيرة، أبرزها تعارضه مع مبدأ السيادة وتعقيدات التوازنات الإقليمية، ما يجعله أقرب إلى طرح نظري منه إلى خيار عملي في المدى القريب.
بدلًا من ذلك، قد يتجه النقاش نحو صيغة أقل صدامًا، تُعرف بـ”التدويل الوظيفي”، حيث يتم إنشاء آليات دولية لإدارة جوانب محددة مثل الأمن البحري والتأمين والمراقبة، دون المساس بالسيادة المباشرة للدول المشاطئة.
في المحصلة، يكشف هذا الطرح أن مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر مائي، بل تحوّل إلى ساحة اختبار لإعادة تشكيل النظام الإقليمي. وبين محاولات استلهام نموذج قناة السويس، والقيود القانونية، وحسابات النفوذ الإيراني، تبدو كل السيناريوهات مفتوحة، في ظل حرب لا تعيد رسم خرائط الطاقة فقط، بل تعيد تعريف قواعد السيطرة على الممرات الاستراتيجية في العالم.
زيارة الشرع إلى ألمانيا وبريطانيا: تحرك استراتيجي لإعادة التموضع السياسي والاقتصادي
في سياق دولي يتسم بتحولات متسارعة في موازين القوى، جاءت زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى كل من ألمانيا والمملكة المتحدة كخطوة سياسية واقتصادية تتجاوز الطابع البروتوكولي، نحو إعادة بناء العلاقات مع أوروبا على أسس جديدة وأكثر عمقًا.
زيارة تتجاوز البروتوكول نحو الشراكة
بحسب ما ورد في التقرير، فإن هذه الجولة لا تُقرأ كزيارة رسمية تقليدية، بل كتحرك مدروس يعكس إدراكًا لأهمية بناء شراكات استراتيجية مع القوى الأوروبية المؤثرة في النظام الدولي.
وتهدف الزيارة إلى إعادة تفعيل قنوات التعاون مع دولتين تمثلان ركيزتين أساسيتين في الاقتصاد الأوروبي، في محاولة لفتح مرحلة جديدة من العلاقات تقوم على المصالح المتبادلة.
البعد الاقتصادي: من جذب الاستثمار إلى بناء شراكات طويلة الأمد
يحمل التحرك السوري بُعدًا اقتصاديًا واضحًا، حيث يسعى إلى:
- جذب الاستثمارات الأوروبية،
- فتح أسواق جديدة،
- تطوير شراكات إنتاجية طويلة الأمد،
- تعزيز التعاون في قطاعات الطاقة والتكنولوجيا والتنمية.
وتبرز ألمانيا كنموذج صناعي متقدم يمكن الاستفادة من خبراته، بينما تمثل بريطانيا منصة مالية واستثمارية عالمية قادرة على دعم تدفق رؤوس الأموال.
كما تأتي هذه الخطوة في ظل مساعي دمشق لإعادة تنشيط الاقتصاد بعد سنوات الحرب، وتهيئة بيئة أكثر جذبًا للاستثمار.
انعكاسات داخلية: تعزيز الثقة وتحفيز الاقتصاد
لا تقتصر أهمية الزيارة على بعدها الخارجي، إذ يُتوقع أن تنعكس داخليًا عبر:
- تحسين مناخ الاستثمار ،
- نقل التكنولوجيا والمعرفة،
- خلق فرص عمل جديدة،
- رفع مستوى الثقة لدى المستثمرين.
حيث، كما يشير الخبر، إلى أن تعزيز الحضور الدولي للدولة يسهم مباشرة في تحسين صورتها الاقتصادية وتحفيز النشاط الداخلي.
البعد السياسي: إعادة صياغة العلاقات الدولية
سياسيًا، تمثل الزيارة خطوة لإعادة تفعيل العلاقات مع أوروبا بعد سنوات من القطيعة، عبر:
- توسيع الحوار السياسي،
- بناء أرضية مشتركة حول القضايا الإقليمية والدولية،
- تعزيز الحضور السوري في المحافل الدولية.
كما تعكس توجهًا نحو تنويع الشراكات الدولية وتحقيق توازن أكبر في السياسة الخارجية، بدل الاعتماد على محور واحد.
سياق أوروبي متغير وانفتاح تدريجي
تأتي هذه الزيارة ضمن سياق أوسع من الانفتاح الأوروبي على دمشق بعد التغيرات السياسية في سوريا، حيث:
- أعادت ألمانيا فتح سفارتها في دمشق بعد سنوات من الإغلاق،
- استؤنفت العلاقات مع بريطانيا،
- يجري بحث ملفات إعادة الإعمار والطاقة واللاجئين.
كما تشمل المحادثات قضايا أساسية مثل إعادة الإعمار، الاستقرار الاقتصادي، وعودة اللاجئين السوريين، وهي ملفات مركزية في العلاقات بين الجانبين.
مخرجات متوقعة: اتفاقيات وتعاون متعدد المجالات
تشير المعطيات إلى أن الزيارة قد تسفر عن:
- توقيع اتفاقيات تعاون اقتصادية،
- إطلاق مشاريع في البنية التحتية والطاقة،
- تعزيز التنسيق السياسي والدبلوماسي.
وهو ما يمهد لمرحلة جديدة من العلاقات الأكثر استدامة وعمقًا بين سوريا وأوروبا.
قراءة تحليلية للمعهد المصري: إعادة تموضع لا مجرد زيارة
ما تكشفه هذه الزيارة هو أنها ليست مجرد تحرك دبلوماسي، بل جزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى:
- إعادة دمج سوريا في الاقتصاد الدولي
- كسر العزلة السياسية تدريجيًا
- بناء شبكة علاقات متعددة مع القوى الكبرى
وفي ظل التحولات العالمية، تبدو هذه الخطوة محاولة لإعادة تعريف موقع سوريا ضمن النظام الدولي، عبر الانتقال من موقع المتلقي إلى فاعل يسعى لبناء شراكات طويلة الأمد.
وتعكس زيارة الشرع إلى ألمانيا وبريطانيا تحوّلًا في السياسة السورية نحو الانفتاح وإعادة التموضع، في لحظة دولية تتغير فيها قواعد اللعبة.
وبين البعد الاقتصادي والسياسي، تبدو هذه الزيارة بمثابة بداية مسار جديد قد يعيد رسم العلاقات السورية الأوروبية، ويحدد موقع دمشق في المرحلة المقبلة من التحولات الإقليمية والدولية.
مقال إماراتي في وول ستريت جورنال يدعو لحسم الصراع مع إيران وإعادة رسم معادلة الأمن الإقليمي
في خضم التصعيد العسكري المتواصل مع إيران، نشر سفير دولة الإمارات في واشنطن، يوسف العتيبة، مقالًا في صحيفة The Wall Street Journal، طرح فيه رؤية إماراتية واضحة تدعو إلى حسم الصراع مع إيران بدل احتوائه مؤقتًا، محذرًا من أن أي تسوية جزئية لن تعالج جذور الأزمة.
الحرب تؤكد “تهديدًا ممتدًا منذ عقود”
يرى المقال أن الأسابيع الأخيرة من الحرب كشفت ما تعتبره أبوظبي حقيقة استراتيجية ممتدة منذ نحو خمسة عقود، وهي أن النظام الإيراني يمثل تهديدًا للأمن العالمي والاستقرار الاقتصادي، ليس فقط في المنطقة، بل على مستوى النظام الدولي.
ويحذر العتيبة من أن السماح لإيران بمواصلة هذا الدور يعني عمليًا وضع الاقتصاد العالمي رهينة للتصعيد الجيوسياسي، خاصة مع ارتباطه بأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.
رفض الحلول المؤقتة والدعوة إلى “نتيجة حاسمة”
يؤكد الطرح الإماراتي أن وقف إطلاق النار لا يكفي، داعيًا إلى معالجة شاملة لكل عناصر التهديد الإيراني، والتي تشمل:
- البرنامج النووي
- الصواريخ الباليستية
- الطائرات المسيّرة
- الشبكات المسلحة الحليفة (الوكلاء)
- تهديد الملاحة الدولية.
ويعكس هذا الطرح توجهًا نحو تغيير قواعد اللعبة بدل إدارة الصراع، أي الانتقال من سياسة “الاحتواء” إلى سياسة “الحسم”.
الحرب تتجاوز الجغرافيا إلى الاقتصاد العالمي
يشير المقال إلى أن تأثير إيران لا يقتصر على المواجهات المباشرة، بل يمتد إلى البنية التحتية العالمية، حيث تتهمها الإمارات باستهداف:
- المطارات والموانئ
- منشآت الطاقة
- سلاسل الإمداد.
كما يربط المقال بين تحركات إيران واضطراب شحنات الطاقة والأسمدة والتصنيع، ما يضع الصراع في قلب الاقتصاد العالمي، وليس فقط في نطاق الأمن الإقليمي.
الإمارات بين الحياد العملياتي والاستهداف المحتمل
يكشف العتيبة أن الإمارات أبلغت إيران مسبقًا أنها لن تسمح باستخدام أراضيها أو مجالها الجوي لشن هجمات، في محاولة لتفادي الانخراط المباشر.
لكن في المقابل، يقر بأن الإمارات كانت تدرك أنها ستكون هدفًا أوليًا لأي رد إيراني، ليس فقط لقربها الجغرافي، بل لكونها تمثل نموذجًا اقتصاديًا وسياسيًا مختلفًا في المنطقة.
البعد الاقتصادي: تحالف مع واشنطن يتجاوز الأمن
يبرز المقال عنصرًا اقتصاديًا استراتيجيًا، يتمثل في التزام الإمارات باستثمارات ضخمة في الولايات المتحدة تصل إلى 1.4 تريليون دولار، في إشارة إلى أن العلاقة بين البلدين ليست أمنية فقط، بل تحالف اقتصادي عميق.
ويُستخدم هذا البعد لتعزيز فكرة أن استقرار المنطقة يخدم مباشرة الاقتصاد الأمريكي والعالمي، وأن تقوية هذا التحالف تمثل رسالة ردع للقوى المزعزعة للاستقرار.
تقييم الوضع العسكري: تقدم جزئي وحاجة لاستكماله
يرى المقال أن الضربات الأخيرة أدت إلى:
- إضعاف القدرات النووية الإيرانية
- تقليص نفوذ الوكلاء.
لكنها، بحسب الطرح الإماراتي، لم تعالج بعد تهديد الصواريخ والطائرات المسيّرة، ما يستدعي استمرار الجهود العسكرية أو السياسية لتحقيق “نتيجة نهائية”.
كما يطرح استعداد الإمارات للانخراط في مبادرة دولية لضمان بقاء الممرات البحرية مفتوحة، في إشارة مباشرة إلى أهمية مضيق هرمز.
رسالة إلى واشنطن: شراكة لا اعتماد
يحرص المقال على توجيه رسالة سياسية إلى الولايات المتحدة مفادها أن الإمارات لا تسعى لتحميل واشنطن العبء الكامل، بل تؤكد أنها:
- تدافع عن أمنها الداخلي
- تساهم في استقرار المنطقة
- تشارك في حماية الاقتصاد العالمي.
وهي محاولة لإعادة تعريف التحالفات على أساس المساهمة المتبادلة بدل الاعتماد الأحادي.
الخلاصة: نحو معادلة ردع جديدة
يختتم المقال برؤية استراتيجية تقوم على أن المطلوب ليس عزل إيران أو تجاهلها، بل إجبارها على التحول إلى “جار طبيعي” لا يهدد محيطه.
ويرفض الطرح الإماراتي فكرة تأجيل الحلول، معتبرًا أن أي محاولة لاحتواء الأزمة دون حل جذري لن تؤدي إلا إلى تأجيل انفجار أكبر في المستقبل. الإمارات بهذا تقدم بكل صراحة دليلًا قويًا على أنها جزء أصيل من التحالف الأمريكي الإسرائيلي، وليس مجرد حليف كباقي دول الخليج.
تسريبات بريد السفير الإماراتي تكشف شبكة نفوذ في واشنطن وتنسيقًا ضد إيران
أثارت تسريبات البريد الإلكتروني الخاصة بسفير الإمارات في واشنطن، يوسف العتيبة، جدلًا واسعًا داخل الأوساط السياسية والإعلامية الأمريكية، بعدما كشفت – وفق تحقيق نشره The Intercept – عن مستوى غير مسبوق من التنسيق بين الدبلوماسية الإماراتية ومراكز أبحاث أمريكية ذات توجهات مؤيدة لإسرائيل، في سياق العمل على مواجهة إيران وإعادة تشكيل السياسات الإقليمية.
تنسيق “خلف الكواليس” ضد إيران
تُظهر الرسائل المسربة ما وصفه التقرير بـ”تعاون خلفي ملحوظ” بين العتيبة ومؤسسة Foundation for Defense of Democracies، وهي مركز أبحاث معروف بمواقفه المتشددة تجاه إيران.
وبحسب التسريبات، لم يكن هذا التواصل بروتوكوليًا فقط، بل تضمن تنسيقًا مباشرًا حول ملفات إقليمية حساسة، خاصة ما يتعلق بالسياسات الأمريكية تجاه إيران.
كما كشفت الرسائل عن تبادل مستمر للأفكار والمواقف، إضافة إلى تنظيم لقاءات مغلقة لمناقشة قضايا تتعلق بإيران وتركيا وقطر، ما يعكس دورًا نشطًا للإمارات في التأثير على النقاشات داخل مراكز القرار الأمريكية.
شبكة أوسع من مراكز النفوذ في واشنطن
لا يقتصر التعاون على مركز واحد، إذ تشير المعطيات إلى علاقات ممتدة بين الإمارات وعدد من المؤسسات المؤثرة في واشنطن، مثل:
- United Against Nuclear Iran
- Counter Extremism Project
وتُظهر التسريبات أن هذه الشبكة عملت ضمن منظومة ضغط سياسية وفكرية تهدف إلى دفع سياسات أكثر تشددًا تجاه إيران، إلى جانب قضايا أخرى مرتبطة بالصراع الإقليمي.
المال والنفوذ: التأثير على صناعة القرار
تشير تقارير موازية إلى أن هذا النفوذ لم يكن قائمًا فقط على العلاقات السياسية، بل شمل أيضًا تمويلًا مباشرًا لمراكز أبحاث، مقابل إنتاج أوراق ودراسات تدعم توجهات الإمارات داخل واشنطن.
وتبرز هذه النقطة إشكالية متزايدة في السياسة الأمريكية، تتعلق بدور التمويل الخارجي في توجيه النقاشات الاستراتيجية وصياغة السياسات.
البعد الإقليمي: جزء من صراع أوسع
تأتي هذه التسريبات في سياق أزمة خليجية أوسع، حيث تزامنت مع تصاعد التوتر بين الإمارات وقطر، ومع محاولات إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية.
ويرى محللون أن ما كشفته الرسائل يعكس استراتيجية تقوم على أن تكون الإمارات “قوة مؤثرة من خلف الستار” داخل مراكز القرار الغربية، عبر بناء تحالفات مع مؤسسات فكرية وإعلامية.
كما ارتبطت هذه التحركات بمحاولات التأثير على ملفات متعددة، من بينها:
- السياسة الأمريكية تجاه إيران
- الموقف من جماعات الإسلام السياسي
- التوازنات داخل الخليج.
جدل حول مصداقية التسريبات
ورغم الضجة التي أحدثتها هذه الوثائق، فإن بعض الأطراف شككت في حجم “الاختراق” الذي تمثله، معتبرة أن ما ورد فيها لا يتجاوز الممارسات الدبلوماسية التقليدية في بناء العلاقات والتأثير.
في المقابل، يرى منتقدون أن طبيعة التنسيق، خاصة مع مراكز ضغط ذات توجهات محددة، تثير تساؤلات حول حدود التأثير الخارجي في صنع القرار الأمريكي.
“العطش في زمن الحرب”: هل يصبح الماء سلاحًا أخطر من النفط في الخليج؟
في خضم الحرب المتصاعدة مع إيران، لم تعد المخاطر في الخليج تقتصر على النفط أو الممرات البحرية، بل برز تهديد أكثر حساسية: المياه نفسها. فالتطورات الأخيرة كشفت أن شريان الحياة الحقيقي لدول الخليج – تحلية مياه البحر – قد يتحول إلى هدف استراتيجي في أي تصعيد طويل الأمد.
تبدأ القصة من واقع جغرافي قاسٍ؛ إذ تُعد دول الخليج من أكثر مناطق العالم فقرًا بالموارد المائية الطبيعية، حيث تعتمد بشكل شبه كامل على المياه الجوفية المحدودة وبعض الأمطار النادرة، ما جعل تحلية مياه البحر خيارًا حتميًا وليس بديلًا. وبمرور السنوات، تحولت هذه التقنية إلى العمود الفقري للحياة اليومية، حتى أصبحت دول الخليج تنتج نحو 40% من المياه المحلاة عالميًا .
لكن ما كان يُنظر إليه كحل تكنولوجي عبقري، بدأ يُكشف اليوم كـ”نقطة ضعف استراتيجية”. فمع امتداد الحرب إلى السواحل، أظهرت الهجمات الأخيرة أن محطات التحلية – المنتشرة على الشريط الساحلي – يمكن أن تتحول إلى أهداف مباشرة، تمامًا كما هو الحال مع منشآت النفط.
يعتمد نظام المياه في الخليج على شبكة معقدة تبدأ من محطات التحلية، مرورًا بمحطات الكهرباء، وصولًا إلى خطوط الأنابيب والخزانات. وغالبًا ما تكون هذه المحطات “مزدوجة”، أي أنها تنتج الكهرباء والماء معًا، ما يعني أن استهداف منشأة واحدة قد يؤدي إلى انقطاع مزدوج في الطاقة والمياه.
ورغم إدراك هذه الهشاشة، حاولت دول الخليج خلال السنوات الماضية بناء منظومة حماية متعددة المستويات. فقد استثمرت في إنشاء خزانات استراتيجية ضخمة، مثل مشروع قطر الذي يوفر نحو أسبوع من الإمدادات، ومخزون الإمارات الجوفي الذي قد يصل إلى 90 يومًا في بعض المناطق، إضافة إلى مشاريع التخزين في السعودية التي تهدف إلى توزيع المياه بعيدًا عن الساحل وتقليل المخاطر.
كما اتجهت هذه الدول إلى تنويع مصادر الطاقة التي تشغّل محطات التحلية، عبر إدخال الطاقة الشمسية والنووية، وبناء خطوط نقل مزدوجة ومحطات داخلية، في محاولة لتقليل الاعتماد الكامل على المنشآت الساحلية.
لكن رغم هذه الإجراءات، تكشف الحرب الحالية عن فجوات خطيرة. فالإنتاج ما يزال متمركزًا في عدد محدود من المحطات الكبرى، إذ إن 90% من المياه المحلاة في الخليج تنتجها عشرات المحطات فقط، ما يجعل أي استهداف مُركَّز قادرًا على إحداث اضطراب واسع.
كما أن مدة التخزين تبقى نقطة ضعف حاسمة؛ ففي حين تمتلك بعض الدول مخزونًا لأسابيع، لا تتجاوز الاحتياطيات في دول أخرى بضعة أيام فقط. وهذا يعني أن تعطل محطتين أو ثلاث قد يؤدي إلى أزمة حادة خلال فترة قصيرة، قد تصل إلى حد إخلاء مدن كاملة إذا طال الانقطاع.
إلى جانب ذلك، يبرز خطر آخر أقل وضوحًا لكنه شديد التأثير، وهو هشاشة سحب المياه من البحر. فهذه النقاط يمكن تعطيلها بسهولة عبر التلوث أو الهجمات البحرية، كما حدث سابقًا في أزمات بيئية وعسكرية أدت إلى توقف محطات بالكامل لفترات طويلة.
ورغم وجود قواعد قانونية دولية تحظر استهداف منشآت المياه، إلا أن التجارب السابقة في المنطقة تُظهر أن هذه القواعد لا توفر حماية فعلية، حيث شهدت السنوات الماضية ضربات استهدفت البنية التحتية للمياه في أكثر من سياق، ما يجعل هذا الشريان الحيوي مكشوفًا في حال تصاعد الصراع.
في ضوء هذه المعطيات، لم يعد السؤال ما إذا كانت دول الخليج قادرة على إنتاج المياه، بل ما إذا كانت قادرة على حمايتها. فبين الاعتماد شبه الكامل على التحلية، وتمركز الإنتاج في مواقع محددة، وقصر مدة التخزين، تتحول المياه إلى عنصر ضعف استراتيجي قد يفوق النفط في تأثيره المباشر على حياة السكان.
الخلاصة:
تكشف الحرب مع إيران عن حقيقة مقلقة: في الخليج، لا يكمن الخطر الأكبر في فقدان الطاقة، بل في فقدان الماء. ومع استمرار التصعيد، قد يتحول هذا الملف من تحدٍ تقني إلى أزمة إنسانية، حيث يصبح “العطش” أحد أخطر وجوه الحرب الحديثة.
فصيل مسلح يعلن استهداف مواقع إسرائيلية داخل سوريا في تصعيد جديد
أعلن فصيل مسلح يعرّف نفسه باسم “كتائب جند الكرار في بلاد الشام” مسؤوليته عن تنفيذ هجوم استهدف مواقع تابعة للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي السورية، في خطوة تشير إلى اتساع رقعة التصعيد الإقليمي المرتبط بالحرب الدائرة.
بيان تبنٍ رسمي للهجوم
وبحسب بيان نشره الفصيل، فإنه نفّذ ما وصفه بـ”رشقة صاروخية” استهدفت تجمعات للقوات الإسرائيلية في مناطق من جنوب سوريا، مساء يوم 27 مارس/آذار 2026، مؤكدًا أن “الإصابة كانت مباشرة”، دون تقديم تفاصيل مستقلة يمكن التحقق منها حول حجم الخسائر.
خطاب مرتبط بالمحور الإيراني
يحمل البيان لغة سياسية وعسكرية واضحة، إذ أعلن الفصيل دعمه لما وصفه بـ”الشعب الإيراني” و”حرس الثورة الإسلامية”، معتبرًا أن الهجوم يأتي ردًا على الضربات الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران.
ويعكس هذا الخطاب ارتباطًا أيديولوجيًا ضمنيًا بما يُعرف بـ”محور المقاومة”، ما يشير إلى احتمال ظهور تشكيلات جديدة أو واجهات محلية مرتبطة بالتوترات الإقليمية الأوسع.
ظهور فصيل جديد في ساحة معقدة
يُعد اسم “كتائب جند الكرار” حديث الظهور نسبيًا، ولا تتوفر معلومات موثقة بشكل كافٍ حول بنيته التنظيمية أو حجم انتشاره، ما يثير تساؤلات حول:
- ما إذا كان فصيلًا جديدًا فعليًا،
- أو واجهة إعلامية لتشكيل قائم،
- أو جزءًا من إعادة هيكلة مجموعات مسلحة في سوريا.
تصعيد محتمل على الجبهة السورية
يأتي هذا التطور في سياق تصاعد التوتر بين إسرائيل ومحور إيران في عدة جبهات، حيث تشهد الساحة السورية منذ سنوات ضربات متبادلة، لكنها قد تدخل الآن مرحلة أكثر حساسية مع إعلان فصائل جديدة انخراطها المباشر.
كما يثير الهجوم مخاوف من:
- توسيع نطاق الاشتباك داخل الأراضي السورية،
- زيادة وتيرة الضربات المتبادلة،
- احتمال انزلاق الوضع نحو مواجهة متعددة الجبهات.
غياب تأكيدات مستقلة
حتى لحظة إعداد هذا التقرير، لم تصدر تأكيدات رسمية من الجانب الإسرائيلي بشأن وقوع الهجوم أو نتائجه، ما يجعل المعلومات الواردة في البيان ضمن إطار الرواية الأحادية للفصيل.
قراءة أولية: رسائل سياسية أكثر من عسكرية؟
يرى مراقبون أن مثل هذه البيانات قد تحمل أبعادًا تتجاوز العمل العسكري المباشر، لتؤدي دورًا في:
- إرسال رسائل ردع سياسية،
- إظهار توسع دائرة الفصائل المنخرطة في الصراع،
- رفع كلفة المواجهة على إسرائيل.
يعكس إعلان “كتائب جند الكرار” دخول فصيل جديد إلى ساحة المواجهة في سوريا تطورًا لافتًا في ديناميات الصراع، في وقت تتداخل فيه الجبهات الإقليمية وتزداد احتمالات التصعيد.
ومع غياب تأكيدات مستقلة، يبقى هذا الحدث مؤشرًا على اتساع رقعة الفاعلين غير الدوليين في الحرب، وما قد يحمله ذلك من تداعيات على استقرار المنطقة في المرحلة المقبلة.
متابعات إفريقية
ارتدادات النزاع مع إيران تهز اقتصادات إفريقيا بين الخسائر والمكاسب
تشهد القارة الإفريقية موجة من الاضطرابات الاقتصادية المتلاحقة نتيجة تصاعد النزاع مع إيران، في ظل ارتفاع أسعار النفط واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، ما انعكس بشكل مباشر على معدلات التضخم وخطط النمو في العديد من الدول.
وبحسب المعطيات، فإن هذه التطورات دفعت التوقعات الاقتصادية إلى التراجع، حيث يُرجّح أن ينخفض النمو في القارة إلى نحو 3.9% خلال العام الجاري، وسط ضغوط متزايدة على الاقتصادات الهشة.
خسائر متفاوتة في الدول الأكثر هشاشة
في جمهورية الكونغو الديمقراطية، تتصدر قائمة الدول الأكثر تضررًا، إذ يُتوقع أن تتكبد خسائر تصل إلى 3.3% من الناتج المحلي الإجمالي نتيجة ارتفاع أسعار النفط، وهو ما يضغط على الميزانية العامة ويهدد الاستقرار الاقتصادي.
أما مصر، فتواجه ضغوطًا مركبة، خاصة مع احتمال توقف إمدادات الغاز من إسرائيل، إلى جانب التأثيرات غير المباشرة المرتبطة بتراجع التدفقات المالية من دول الخليج. وقد دفعت هذه الظروف الحكومة إلى رفع أسعار المحروقات بنسبة تقارب 15%، مع اتخاذ إجراءات لتقليص الإنفاق العام.
وفي جنوب السودان، تتفاقم الأزمة نتيجة نقص الوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء، ما أجبر السلطات على تطبيق خطط تقشفية صارمة، شملت انقطاعات كهربائية تصل إلى 12 ساعة يوميًا.
كما أعلنت موريشيوس حالة الطوارئ بسبب تراجع شحنات النفط التي تعتمد عليها في توليد الطاقة، مع تحذيرات من أن مخزونها الحالي قد لا يكفي سوى 21 يومًا فقط.
وفي جنوب إفريقيا، أدت المخاوف من توقف الإمدادات إلى ارتفاع حاد في مشتريات الوقود، بالتزامن مع زيادات مقررة في الأسعار، ما تسبب في نقص مخزون الديزل لدى محطات الوقود والمزارعين، مهددًا قطاعات حيوية مثل الزراعة.
رابحون من ارتفاع الأسعار
في المقابل، لا تبدو الصورة قاتمة بالكامل، إذ تستفيد بعض الدول المنتجة للطاقة من هذه الأزمة.
ففي الجزائر، يُتوقع تحقيق مكاسب نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز، مع إمكانية زيادة الإنتاج وتعزيز الصادرات، خصوصًا نحو أوروبا.
كما تشير تقديرات إلى أن أنغولا قد تحقق مكاسب تصل إلى 3.3% من الناتج المحلي الإجمالي، تليها نيجيريا بنحو 2.3%، مدفوعة بارتفاع عوائد الطاقة.
مشهد إفريقي منقسم بين الضغط والفرص
تعكس هذه التطورات واقعًا اقتصاديًا منقسمًا داخل القارة الإفريقية، حيث تتحمل الدول المستوردة للطاقة العبء الأكبر من الصدمة النفطية، بينما تجني الدول المصدّرة مكاسب ظرفية.
لكن في المجمل، يبقى العامل الحاسم هو هشاشة البنية الاقتصادية واعتماد العديد من الدول على واردات الطاقة، ما يجعلها عرضة لأي توترات جيوسياسية خارجية.
ومع استمرار النزاع، تتجه الأنظار إلى قدرة الحكومات الإفريقية على امتصاص هذه الصدمات، وتفادي تحول الأزمة الحالية إلى موجة تضخم طويلة الأمد تهدد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في القارة. (انظر) (انظر)
متابعات دولية
“تنين الطاقة الأخضر”: كيف تستثمر الصين حرب إيران لتعزيز نفوذها العالمي؟
في الوقت الذي تنشغل فيه القوى الكبرى بتداعيات الحرب مع إيران، تتحرك الصين بهدوء وفق استراتيجية طويلة المدى تهدف إلى تحويل الأزمة إلى فرصة، ليس فقط لتأمين احتياجاتها من الطاقة، بل لتعزيز موقعها كقوة اقتصادية عالمية قادرة على إعادة تشكيل قواعد اللعبة.
يبدأ المشهد من نقطة حساسة: الصين هي أكبر مستورد للنفط في العالم، وتعتمد بشكل كبير على الشرق الأوسط لتأمين احتياجاتها من الطاقة. هذا الاعتماد يجعلها نظريًا من أكثر الدول عرضة لتداعيات الحرب، خاصة في ظل التهديدات التي تحيط بمضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة عالميًا. لكن، وعلى عكس التوقعات، تُظهر المعطيات أن بكين لم تدخل الأزمة وهي في موقع ضعف، بل كانت قد استعدت لها مسبقًا عبر بناء احتياطات استراتيجية ضخمة من النفط، تُقدّر بنحو 1.3 مليار برميل، ما يمنحها هامشًا واسعًا للمناورة.
إلى جانب ذلك، نجحت الصين في تنويع مصادر الطاقة، حيث تعتمد جزئيًا على خطوط أنابيب قادمة من روسيا وتركمانستان، ما يقلل من حساسيتها لأي اضطراب في الخليج. وتشير التقديرات إلى أن نسبة محدودة فقط من استهلاكها للطاقة – نحو 6% – معرضة بشكل مباشر لأي اضطراب في مضيق هرمز، وهو ما يعكس قدرة عالية على امتصاص الصدمات مقارنة بغيرها من الاقتصادات الكبرى.
لكن الأهم من ذلك هو أن الصين لا تكتفي بالدفاع، بل تتحرك هجوميًا على المستوى الاقتصادي. فقد استثمرت بكثافة في قطاع الطاقة الكهربائية والمتجددة، حتى أصبحت تمتلك نحو ثلث القدرة العالمية لإنتاج الطاقة النظيفة، بما في ذلك الطاقة الشمسية والبطاريات والمركبات الكهربائية. هذا التحول لا يمنحها فقط استقلالية أكبر عن النفط، بل يضعها في موقع قيادي عالمي في قطاع الطاقة المستقبلية.
وفي ظل الحرب، بدأت هذه الاستثمارات تؤتي ثمارها بسرعة. فقد شهدت شركات الطاقة الخضراء الصينية ارتفاعًا كبيرًا في قيمتها السوقية، مع توجه المستثمرين عالميًا نحو بدائل الطاقة التقليدية، ما يعزز موقع الصين كمورد رئيسي للتقنيات النظيفة في العالم.
في موازاة ذلك، تسعى بكين إلى استغلال الأزمة لتعزيز نفوذها في سلاسل الإمداد العالمية. فمع اضطراب تدفقات الطاقة والمواد الأساسية عبر الشرق الأوسط، يمكن للصين أن تقدم نفسها كمصدر بديل أو “ملاذ أخير”، سواء في مجال الوقود المكرر، أو الأسمدة، أو المواد الصناعية الحيوية. كما أن سيطرتها على استخراج وتكرير العناصر الأرضية النادرة تمنحها ورقة ضغط استراتيجية، خاصة أن الصناعات العسكرية والتكنولوجية الأمريكية تعتمد بشكل كبير على هذه الموارد.
ولا يتوقف الطموح الصيني عند الاقتصاد، بل يمتد إلى النظام المالي العالمي. إذ تشير المعطيات إلى أن الحرب قد تسرّع من التحول بعيدًا عن الدولار في تجارة الطاقة، مع اتجاه بعض الدول، بما فيها إيران، إلى استخدام اليوان الصيني في المعاملات النفطية. هذا التحول، إذا ترسخ، قد يمثل بداية لتآكل هيمنة “البترودولار” وظهور ما يُعرف بـ”البترويوان”، وهو تطور يحمل أبعادًا استراتيجية عميقة.
سياسيًا، تحاول الصين استثمار الحرب لتعزيز صورتها كشريك أكثر استقرارًا مقارنة بالولايات المتحدة، خاصة في نظر الدول النامية. وقد انعكس ذلك في تحركات دبلوماسية واقتصادية مكثفة، من بينها استضافة لقاءات مع كبار التنفيذيين العالميين للتأكيد على استقرار سلاسل التوريد الصينية، في وقت تعاني فيه الأسواق العالمية من اضطرابات متزايدة.
مع ذلك، لا تخلو الصورة من تحديات. فاستمرار الحرب لفترة طويلة قد يؤدي إلى ارتفاع التكاليف وضغوط على الإمدادات، كما أن أي ركود عالمي محتمل قد يضعف الطلب على الصادرات الصينية. إضافة إلى ذلك، تبقى المخاوف قائمة لدى بعض الدول من الاعتماد المفرط على الصين، وهو ما قد يحد من توسع نفوذها.
الخلاصة:
تكشف الحرب مع إيران عن مفارقة لافتة: بينما ينشغل العالم بتداعيات الصراع، تعمل الصين على تحويله إلى فرصة استراتيجية. ومن خلال مزيج من التخطيط المسبق، وتنويع الطاقة، والاستثمار في التكنولوجيا، تسعى بكين إلى ترسيخ موقعها ليس فقط كقوة اقتصادية، بل كفاعل رئيسي في إعادة تشكيل النظام العالمي.
الخليج يتجه إلى أوكرانيا: شراكة دفاعية جديدة تحت ضغط حرب إيران
في ظل تصاعد الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ على دول الخليج مع اشتداد الحرب المرتبطة بإيران، برزت أوكرانيا – التي تخوض حربًا طويلة مع روسيا – كشريك غير متوقع، لكنه يحمل خبرة ميدانية متقدمة في مجال الدفاع الجوي منخفض الكلفة. هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل فرضته طبيعة التهديدات الجديدة التي أظهرت محدودية الأنظمة التقليدية في التعامل مع الهجمات الكثيفة.
بدأت ملامح هذا التقارب تتضح مع جولة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في عدد من العواصم الخليجية خلال مارس 2026، حيث استقبلته دول مثل قطر والسعودية والإمارات في توقيت حساس، تزامن مع وصول تداعيات الحرب إلى عمق الخليج. ولم يقتصر الأمر على اللقاءات السياسية، بل شمل خطوات عملية، أبرزها إرسال أكثر من 220 خبيرًا أوكرانيًا في الدفاع الجوي إلى المنطقة لتدريب القوات المحلية على مواجهة الطائرات المسيّرة.
في هذا السياق، وقّعت قطر اتفاقًا دفاعيًا طويل الأمد مع أوكرانيا يمتد لعشر سنوات، يتضمن تبادل الخبرات وتطوير مشاريع مشتركة في مجال الدفاع، إلى جانب استثمارات في حلول أمنية وتكنولوجية. أما السعودية، فقد أعلنت عن إطار تعاون دفاعي يمهّد لعقود مستقبلية، في حين دخلت الإمارات في مفاوضات متقدمة لتوقيع اتفاق مشابه، مع حديث عن اهتمام بشراء آلاف الطائرات المسيّرة الاعتراضية.
هذا التحول في العلاقات يعكس تغييرًا نوعيًا، إذ كانت العلاقة بين الخليج وأوكرانيا قبل الحرب محدودة في مجالات تجارية تقليدية، مثل الغذاء والنقل البحري، لكنها اليوم تتجه نحو شراكة دفاعية وصناعية أعمق، فرضتها الحاجة الملحة لإيجاد حلول فعالة وسريعة للتهديدات الجوية.
تكمن جاذبية أوكرانيا بالنسبة لدول الخليج في عاملين رئيسيين: الخبرة والتكلفة. فقد طورت كييف خلال حربها مع روسيا منظومات دفاعية تعتمد على طائرات مسيّرة اعتراضية وأنظمة متنقلة، قادرة على التعامل مع الهجمات الكثيفة بنسبة نجاح تتجاوز 50%. هذه الخبرة الميدانية تجعلها مصدرًا عمليًا للحلول، بخلاف الأنظمة الغربية التي تُعد أكثر تعقيدًا وأبطأ في التكيف.
أما من حيث الكلفة، فقد أظهرت الحرب أن استخدام صواريخ باهظة الثمن – مثل “باتريوت” – لاعتراض طائرات مسيّرة رخيصة يمثل معادلة غير مستدامة اقتصاديًا. في المقابل، تقدم أوكرانيا حلولًا منخفضة الكلفة، إذ تتراوح أسعار الطائرات الاعتراضية بين مئات وآلاف الدولارات فقط، ما يمنحها أفضلية كبيرة في “حرب الاستنزاف الجوية”.
إضافة إلى ذلك، تمتلك أوكرانيا قدرة إنتاجية عالية وسريعة، حيث تشير التقديرات إلى إمكانية إنتاج آلاف الطائرات المسيّرة يوميًا، ما يسمح بتلبية الطلب المحلي والتصدير في الوقت نفسه، وهو عامل حاسم في ظل الحاجة الخليجية المتزايدة لتعويض استهلاك الصواريخ الاعتراضية خلال الحرب.
مع ذلك، لا تخلو هذه الشراكة من تحديات. فالصناعات الدفاعية الأوكرانية تخضع لقيود حكومية صارمة على التصدير، لضمان عدم التأثير على احتياجات الجيش الأوكراني. كما تثير مسألة نقل التكنولوجيا مخاوف لدى الولايات المتحدة وأوروبا من احتمال تسرب هذه التقنيات إلى خصوم مثل روسيا أو الصين عبر قنوات غير مباشرة.
إلى جانب ذلك، يحذر خبراء من أن هذه “النافذة الأوكرانية” قد تكون مؤقتة، مع دخول قوى كبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا سباق تطوير أنظمة مشابهة، ما قد يقلل من تفرد أوكرانيا في هذا المجال على المدى الطويل.
ورغم هذه التحديات، يبدو أن دول الخليج لا تسعى إلى استبدال منظوماتها الغربية، بل إلى إضافة طبقة دفاعية جديدة منخفضة الكلفة تكمل الأنظمة التقليدية، ما يعني عمليًا زيادة الإنفاق الدفاعي بدل تقليصه، وبناء منظومة متعددة الطبقات لمواجهة التهديدات الحديثة.
الخلاصة:
ما تكشفه هذه التحركات ليس مجرد صفقات سلاح، بل تحول استراتيجي في التفكير الدفاعي الخليجي، من الاعتماد على أنظمة باهظة ومحدودة المرونة، إلى البحث عن حلول مرنة وسريعة ومنخفضة الكلفة. وفي قلب هذا التحول، تبرز أوكرانيا كلاعب جديد في سوق السلاح العالمي، استطاع أن يحوّل خبرة الحرب إلى فرصة جيوسياسية، ويجد لنفسه مكانًا في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية أمنيًا.
كيف يواجه العالم “صدمة الطاقة”؟ من تسعير النفط إلى تقنين الاستهلاك
مع اتساع تداعيات الحرب المرتبطة بإيران، لم تعد أزمة الطاقة مجرد ارتفاع في الأسعار، بل تحولت إلى اختبار عالمي لقدرة الدول على إدارة الصدمات الاقتصادية والمعيشية، حيث بدأت حكومات في آسيا وأوروبا باتخاذ إجراءات استثنائية لمواجهة اضطراب الإمدادات وارتفاع التكاليف.
تُظهر المعطيات أن نقطة الانفجار الرئيسية جاءت مع تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من النفط العالمي، ما أدى إلى ارتفاع حاد في الأسعار واضطراب الأسواق العالمية بشكل غير مسبوق . ومع هذا الاضطراب، بدأت الدول تتبنى استراتيجيات متباينة، لكنها تشترك في هدف واحد: احتواء الصدمة ومنع انهيار الاقتصاد الداخلي.
في أوروبا وآسيا، كان التحرك الأول يتمثل في التدخل المباشر في الأسعار. فقد انضمت دول مثل بولندا وكوريا الجنوبية والصين إلى مجموعة دول فرضت سقوفًا على أسعار النفط أو اتخذت إجراءات للحد من تقلباته، في محاولة لحماية المستهلكين من موجة تضخم حادة . هذا التوجه يعكس عودة الدولة بقوة إلى سوق الطاقة بعد سنوات من الاعتماد على آليات السوق الحرة.
لكن هذه الإجراءات لم تكن كافية وحدها، ما دفع دولًا أخرى إلى اتخاذ خطوات أكثر صرامة على مستوى الاستهلاك. ففي عدد من الاقتصادات الآسيوية، بدأت الحكومات تطبيق سياسات تقشف طاقي غير مسبوقة، شملت:
- تقنين الوقود،
- تقليص ساعات العمل،
- إغلاق مؤقت لبعض المؤسسات التعليمية،
- فرض العمل عن بُعد لتقليل استهلاك الطاقة.
هذه الإجراءات تعكس تحول الأزمة من اقتصادية إلى أزمة معيشية مباشرة تمس الحياة اليومية للمواطنين .
في الوقت نفسه، اتجهت بعض الدول إلى إعادة توجيه مواردها الداخلية، من خلال تحويل إمدادات الغاز إلى قطاعات حيوية مثل الكهرباء، أو دعم الفئات الأكثر تضررًا عبر برامج دعم حكومية، في محاولة لتجنب اضطرابات اجتماعية محتملة.
أما على المستوى الدولي، فقد بدأت المؤسسات المالية الكبرى، مثل البنك الدولي، في التدخل عبر تقديم دعم مالي عاجل للدول الأكثر تضررًا، بهدف تخفيف أثر ارتفاع أسعار الطاقة والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي . ويعكس هذا التدخل إدراكًا بأن الأزمة لم تعد محلية أو إقليمية، بل أصبحت أزمة عالمية تهدد النمو والاستقرار.
في المقابل، تسعى بعض الدول إلى حلول استراتيجية أطول أمدًا، مثل تسريع التحول نحو الطاقة المتجددة وتقليل الاعتماد على النفط والغاز، خاصة في أوروبا، حيث أعادت الأزمة إحياء النقاش حول أمن الطاقة والاستقلالية . إلا أن هذا التحول يواجه تحديات، أبرزها ارتفاع التكاليف وتعقيد سلاسل الإمداد.
تحليليًا، تكشف هذه الاستجابات عن ثلاث طبقات من إدارة الأزمة:
الأولى فورية، عبر ضبط الأسعار والدعم الحكومي؛
الثانية تشغيلية، عبر تقليل الاستهلاك وإعادة توزيع الموارد؛
والثالثة استراتيجية، عبر إعادة التفكير في نموذج الطاقة بالكامل.
لكن رغم هذه الجهود، تشير التقديرات إلى أن التأثيرات قد تكون أعمق، حيث يحذر صندوق النقد الدولي من أن استمرار الأزمة سيؤدي إلى ارتفاع الأسعار عالميًا وتباطؤ النمو الاقتصادي ، ما يعني أن العالم قد يدخل مرحلة طويلة من التضخم والضغط الاقتصادي.
الخلاصة:
ما تكشفه أزمة الطاقة الحالية هو أن العالم لم يعد يواجه مجرد نقص في الإمدادات، بل اختبارًا شاملًا لقدرة الدول على التكيف مع صدمات جيوسياسية معقدة. وبين سياسات التسعير، وتقنين الاستهلاك، والتحول نحو بدائل جديدة، يبدو أن النظام العالمي للطاقة يدخل مرحلة إعادة تشكيل… قد تستمر آثارها لسنوات قادمة.
سفن من الصين والهند وباكستان تعبر هرمز: “ممر انتقائي” تحت السيطرة الإيرانية
في تطور لافت وسط واحدة من أخطر أزمات الطاقة العالمية، كشفت تقارير عن عبور سفن تجارية من الصين والهند وباكستان عبر مضيق هرمز، رغم استمرار التهديدات العسكرية والتوترات المرتبطة بالحرب مع إيران، في مؤشر على تحوّل الممر البحري إلى ما يشبه نظام عبور انتقائي تديره طهران.
بحسب المعطيات، فإن هذه السفن – التي شملت ناقلات غاز وسفن حاويات – تمكنت من العبور بعد تنسيق مباشر مع السلطات الإيرانية، في وقت لا يزال فيه معظم الملاحة العالمية شبه متوقف. وتشير بيانات الشحن إلى أن عدد السفن التي تعبر يوميًا انخفض بشكل حاد مقارنة بما قبل الحرب، حيث تراجعت الحركة من مئات السفن إلى بضع سفن فقط يوميًا .
بداية المشهد: ممر مغلق… جزئيًا
منذ اندلاع الحرب، فرضت إيران قيودًا صارمة على الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من النفط العالمي، ما أدى إلى شبه شلل في حركة الشحن وارتفاع حاد في أسعار الطاقة .
لكن هذا “الإغلاق” لم يكن مطلقًا، بل تطور إلى نموذج أكثر تعقيدًا، حيث سمحت طهران بمرور سفن من دول تعتبرها “غير معادية” أو منسقة معها، مثل الصين والهند وباكستان، في مقابل منع أو عرقلة سفن أخرى.
تفاصيل العبور: تنسيق مباشر وممرات قريبة من إيران
تشير تقارير ملاحية إلى أن السفن التي نجحت في العبور سلكت مسارات قريبة من السواحل الإيرانية، بدل المسارات الدولية المعتادة، في إشارة إلى أن المرور لم يعد حرًا، بل يتم ضمن إشراف أو موافقة مباشرة من طهران .
كما تم تسجيل عبور ناقلات غاز هندية وسفن صينية، في حين توصلت باكستان إلى اتفاق يسمح بمرور عدد من سفنها بشكل يومي، ضمن ترتيبات خاصة تهدف إلى تخفيف أزمة الطاقة لديها .
“سيطرة فعلية” على المضيق
تعكس هذه التطورات واقعًا جديدًا في المضيق، حيث تشير تحليلات إلى أن إيران لم تعد تكتفي بالتهديد بإغلاقه، بل تمارس سيطرة فعلية على حركة المرور، من خلال:
- تحديد من يُسمح له بالعبور،
- فرض مسارات محددة،
- التنسيق المباشر مع السفن.
وقد وصف بعض الخبراء هذا الوضع بأنه يشبه “نقطة تحصيل رسوم” غير رسمية، حيث تتحكم إيران فعليًا في تدفق التجارة والطاقة عبر الممر .
دور آسيا: براغماتية بدل المواجهة
اللافت أن الدول التي نجحت سفنها في العبور – مثل الصين والهند – لم تتجه إلى المواجهة، بل إلى التفاوض والتنسيق مع إيران، ما يعكس نهجًا براغماتيًا يهدف إلى حماية مصالحها الطاقوية.
فالهند، التي تعتمد بشكل كبير على واردات الغاز من الخليج، اضطرت إلى إعطاء الأولوية لتأمين الإمدادات، حتى لو تطلب ذلك التنسيق مع طهران. أما الصين، فترى في استقرار تدفق الطاقة أولوية استراتيجية، ما يدفعها إلى لعب دور دبلوماسي لتأمين مرور سفنها.
دلالات استراتيجية: مضيق يتحول إلى أداة نفوذ
ما يكشفه هذا التطور هو أن مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر مائي، بل تحوّل إلى:
- أداة ضغط جيوسياسي تستخدمها إيران،
- ورقة تفاوض في الحرب،
- وساحة اختبار للنفوذ الدولي.
كما يعكس تحولًا أوسع في طبيعة الصراع، حيث لم تعد السيطرة على الأرض فقط، بل على تدفقات الطاقة والتجارة العالمية.
عبور سفن من الصين والهند وباكستان عبر مضيق هرمز، رغم التصعيد، يكشف عن نموذج جديد لإدارة الممر: ليس مفتوحًا… وليس مغلقًا بالكامل… بل ممر خاضع للانتقاء والسيطرة السياسية.
وفي ظل هذا الواقع، يبدو أن معركة هرمز لم تعد فقط عسكرية، بل أصبحت معركة على من يملك حق المرور نفسه في أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي.
أكثر من 40 دولة تبحث أزمة مضيق هرمز دون قرارات حاسمة.. اجتماع دولي واسع… بلا نتائج رسمية
في ظل تصاعد التوترات في الخليج، عقدت أكثر من 40 دولة اجتماعًا افتراضيًا استضافته المملكة المتحدة لمناقشة تداعيات أزمة مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم.
ورغم المشاركة الواسعة لمسؤولين من مختلف القارات، لم يُسفر الاجتماع عن قرارات رسمية أو إجراءات فورية، بل اقتصر على تنسيق المواقف وبحث الخيارات المتاحة لمواجهة الأزمة.
توجه نحو تصعيد الضغط على إيران
أكدت وزيرة الخارجية البريطانية، إيفيت كوبر، أن الدول المشاركة تدرس مجموعة من الإجراءات لزيادة الضغط على إيران، مشيرة إلى أن جميع الخيارات الدبلوماسية والاقتصادية “مطروحة على الطاولة” بهدف إعادة فتح المضيق.
وأوضحت أن النقاشات شملت:
- تكثيف الضغط عبر الأمم المتحدة
- تنسيق إجراءات اقتصادية محتملة، بما في ذلك العقوبات
- تعزيز التعاون الدولي لطمأنة الأسواق
كما طُرح احتمال العمل مع المنظمة البحرية الدولية لضمان تحريك السفن العالقة واستئناف حركة الملاحة.
تأثيرات عالمية تتجاوز قطاع الطاقة
وخلال تصريحاتها، شددت كوبر على أن الهجمات التي تستهدف الشحن في المنطقة لا تقتصر آثارها على قطاع الطاقة، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي بأكمله.
وأشارت إلى أن تعطّل الملاحة في المضيق أدى إلى:
- ارتفاع أسعار الوقود عالميًا
- تأثيرات على تكاليف الرهن العقاري في بعض الدول
- اضطراب إمدادات وقود الطائرات
- نقص في الأسمدة الموجهة إلى أفريقيا
- تأثيرات على تدفقات الغاز نحو آسيا
ما يعكس مدى ترابط الاقتصاد العالمي مع أمن هذا الممر البحري الحيوي.
آلاف السفن عالقة… وأزمة إنسانية متصاعدة
في موازاة ذلك، كشفت المنظمة البحرية الدولية أن نحو 2000 سفينة لا تزال عالقة داخل الخليج نتيجة التوترات، ما أدى إلى تعطل حركة التجارة بشكل كبير.
كما تضرر حوالي 20 ألف بحار، إلى جانب عمال الموانئ وأطقم السفن، في مؤشر على أن الأزمة لم تعد اقتصادية فقط، بل بدأت تحمل أبعادًا إنسانية متزايدة.
تحركات مرتقبة… ولكن بعد انتهاء الحرب
رغم غياب قرارات فورية، أكدت بريطانيا أن العمل جارٍ على إعداد خطط طويلة الأمد لضمان أمن الملاحة، بالتوازي مع جهود عسكرية منفصلة تهدف إلى حماية الشحن البحري في حال استمرار التوتر.
لكن حتى الآن، يبقى الحل مرتبطًا بتطورات الصراع نفسه، ما يجعل إعادة فتح مضيق هرمز رهينة المسار السياسي والعسكري للحرب الجارية.
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.



