نحن والعالم

نحن والعالم عدد 8 يناير 2025

يقوم هذا التقرير، الصادر عن المعهد المصري للدراسات، على رصد عدد من أبرز التطورات التي شهدتها الساحة الإقليمية والدولية، والتي يمكن أن يكون لها تأثيرات مهمة على المشهد المصري والعربي والإقليمي، في الفترة من  3 يناير 2026 وحتى 8 يناير 2026. 

تشهد الساحة الدولية تصعيداً غير مسبوق مع اعتقال الولايات المتحدة للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو  وإعلان واشنطن نيتها إدارة مرحلة انتقالية عنوانها النفط والنفوذ لا الديمقراطية.
في كاراكاس، يستمر النظام ببنيته مع تنصيب ديلسي رودريغيز، بينما تُطرح السيادة الفنزويلية على طاولة المقايضة تحت ضغط القوة، وسط تحذيرات من تعرض الولايات المتحدة مستقبلاً لمصير مشابه لما تعرضت له في العراق وأفغانستان.
دولياً، تعود عقيدة مونرو بصيغة أكثر فجاجة، من فنزويلا إلى غرينلاند، في لحظة إعادة رسم مجالات النفوذ وتشكيل النظام العالمي الجديد بشكل أكثر وضوحاً، مع بدايات أفول النظام القانوني الدولي القائمة منذ قرون على أساس اتفاقية وستفاليا.
في المقابل، في المنطقة العربية، تتفجر بؤر  توتر موازية من حلب إلى عدن، مع تهديدات بعدوان شامل على لبنان، فضلاً عن إرهاصات بتوجيه ضربة لإيران، وسط موجة عارمة من الاحتجاجات شملت كافة أنحاء البلاد. يسود أيضاً نفس النمط، حيث تُفرض الوقائع بالقوة وتتعثر المسارات السياسية.

فنزويلا

واشنطن تعلن اعتقال مادورو بعملية عسكرية غير مسبوقة وتلوّح بإدارة مرحلة انتقالية في فنزويلا

في مؤتمر صحفي عقده في البيت الأبيض، أعلن الرئيس دونالد  ترامب تنفيذ عملية عسكرية أمريكية واسعة النطاق في العاصمة الفنزويلية كاراكاس، انتهت بإلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس. وقال ترامب إن العملية نُفذت بتوجيه مباشر منه، وشاركت فيها القوات المسلحة الأمريكية براً وبحراً وجواً، مستخدمة ما وصفه بـ «قوة عسكرية غامرة» ضد موقع عسكري محصن في قلب العاصمة.

ووصف ترامب العملية بأنها واحدة من أكثر العروض استعراضاً للقوة والكفاءة العسكرية في تاريخ الولايات المتحدة، مقارناً إياها بعمليات سابقة استهدفت قادة بارزين مثل قاسم سليماني وأبي بكر البغدادي، ومشيراً إلى أنها نُفذت بدقة عالية ودون خسائر بشرية أو مادية في صفوف الجيش الأمريكي. وأكد أن انقطاع التيار الكهربائي الواسع في كاراكاس كان جزءاً من الخطة، ما ساهم في شل قدرات القوات الفنزويلية خلال ساعات التنفيذ.

وأوضح الرئيس الأمريكي أن مادورو وزوجته يواجهان اتهامات أمام القضاء الأمريكي، لا سيما في المنطقة الجنوبية من نيويورك، تتعلق بإدارة شبكة تهريب مخدرات وُصفت بأنها «إرهابية»، واتهم مادورو بالإشراف المباشر على كارتل «لوس سوليس» المسؤول – بحسب واشنطن – عن إغراق الولايات المتحدة بالمخدرات والتسبب بوفاة مئات الآلاف من الأمريكيين على مدى سنوات.

وفي الشق السياسي، أعلن ترامب أن الولايات المتحدة ستتولى إدارة المرحلة الانتقالية في فنزويلا إلى حين ضمان انتقال «آمن وحكيم» للسلطة، مؤكداً أن بلاده لن تسمح بتكرار ما وصفه بإخفاقات سابقة. كما كشف عن خطط لإشراك شركات النفط الأمريكية الكبرى في إعادة تأهيل قطاع الطاقة الفنزويلي المنهار، عبر استثمارات بمليارات الدولارات لإعادة الإنتاج وتحقيق الاستقرار الاقتصادي.

وختم ترامب بالتأكيد أن واشنطن مستعدة لتنفيذ موجة ثانية أوسع من العمليات العسكرية إذا اقتضت الحاجة، مشدداً على أن الهدف النهائي هو تحقيق “السلام والحرية والعدالة” للشعب الفنزويلي، وضمان أمن الولايات المتحدة واستقرار المنطقة.

تعليق المعهد المصري على مؤتمر ترامب الصحفي:

في مؤتمره الصحفي، قدّم دونالد ترامب تصريحات غير مسبوقة في فجاجتها، إذ أعلن صراحة أن الولايات المتحدة «ستُدير» فنزويلا خلال مرحلة انتقالية غير محددة، وأن شركات النفط الأميركية الكبرى ستدخل البلاد لإعادة تأهيل البنية التحتية النفطية واستثمارها «بالمليارات»، مؤكداً أن واشنطن «في business النفط» وأن العائدات ستُستخدم لتعويض ما اعتبره «أضراراً» لحقت بالمصالح الأميركية. كما ألمح إلى إمكانية وجود «أقدام على الأرض» عند الضرورة، وإلى تعيين ممثلين أميركيين لإدارة شؤون البلاد، مع تبرير ذلك بخطاب أمني عن المخدرات والاستقرار الإقليمي، قبل أن يعود ويجعل النفط محور حديثه، معتبراً أن ما جرى «لن يكلّف» الولايات المتحدة لأن المال «سيخرج من الأرض».

تحليل هذه التصريحات يكشف انتقالاً من منطق التدخل غير المباشر إلى إعلانٍ صريح لنهجٍ استعماري وتوجه امبراطوري كلاسيكي، حيث تُختزل السيادة إلى «مرحلة مؤقتة» تُدار خارجياً، وتُحوَّل الموارد الوطنية إلى أداة تمويل للاحتلال ذاته. فالخطاب لم يترك مجالاً للّبس: المسألة ليست ديمقراطية ولا حقوق إنسان، بل إعادة فرض الهيمنة عبر الاقتصاد والقوة، واستدعاءٍ مُحدَّث لعقيدة مونرو باعتبار أميركا صاحبة «اليد العليا» في الإقليم. كما أن تكرار الحديث عن التعويض والاسترداد يشي بمنطق الغلبة لا القانون الدولي، ويضع أي «انتقال» مشروطاً بولادة قيادة موالية لواشنطن، لا بإرادة الشعب الفنزويلي.

ما قيل في هذا المؤتمر لم يكن مجرد زلة خطابية، بل إقراراً سياسياً يُعيد تعريف التدخل بوصفه إدارة مباشرة و «تأميماً معكوساً» للثروة لصالح الشركات الأميركية، مع استعداد لاستخدام القوة العسكرية لتثبيت الوقائع. إنه إعلان نهاية الأقنعة الليبرالية لصالح لغة إمبراطورية كلاسيكية صريحة، ورسالة إلى العالم بأن الاستقلال في السياسة والموارد سيُواجَه بالضغط والعقاب، وأن «السلام» يُعاد تعريفه كنتاج للقوة لا للقانون. (شاهد)

تنصيب ديلسي رودريغيز رئيسة مؤقتة لفنزويلا ومادورو يمثل أمام القضاء الأمريكي واصفاً نفسه بـ«أسير حرب»

شهدت فنزويلا تطوراً سياسياً لافتاً بعد أدّت ديلسي رودريغيز اليمين الدستورية رئيسة مؤقتة للبلاد، في وقت مثُل فيه الرئيس الفنزويلي المحتجز نيكولاس مادورو أمام محكمة في نيويورك، نافياً التهم الموجهة إليه ومؤكداً أنه «بريء» و«رئيس مختطف وأسير حرب».

وجرى تنصيب رودريغيز خلال جلسة للجمعية الوطنية في كاراكاس، اتسمت بخطاب تصعيدي ضد الولايات المتحدة، حيث وصفت مادورو وزوجته بأنهما «بطلان»، وأدانت ما اعتبرته «عدواناً أمريكياً غير شرعياً». وترافقت الجلسة مع إعادة انتخاب شقيقها خورخي رودريغيز رئيساً للبرلمان، ما جعل السلطتين التنفيذية والتشريعية في قبضة عائلة واحدة، وسط دعم معلن من الجيش ونجل مادورو.

في المقابل، مثُل مادورو وزوجته أمام القضاء الأمريكي بعد يومين من العملية العسكرية التي انتهت باعتقالهما. ويواجه مادورو أربع تهم رئيسية، من بينها التواطؤ في جرائم مرتبطة بالمخدرات وحيازة أسلحة محظورة. وخلال جلسة الاستماع الأولى، قال عبر مترجم إنه لا يزال «الرئيس الشرعي لفنزويلا»، بينما نفت زوجته سيليا فلوريس التهم الموجهة إليها، وسط جدل أثارته كدمات ظهرت على وجهها.

على الصعيد الأمني، أطلقت قوات فنزويلية طلقات تحذيرية على مسيّرات حلّقت قرب القصر الرئاسي في كاراكاس، فيما أكدت السلطات أن الوضع «تحت السيطرة». دولياً، انقسمت المواقف داخل مجلس الأمن بين اتهام واشنطن بانتهاك ميثاق الأمم المتحدة، ودفاع أمريكي عن العملية بوصفها «إنفاذاً للقانون».

وفي واشنطن، قال الرئيس دونالد ترامب إن القرار النهائي في فنزويلا «بيده»، معتبراً أن البلاد تحتاج إلى «إصلاح شامل» قبل أي انتخابات. وبينما تتصاعد الاحتجاجات المؤيدة لمادورو في الداخل، تبقى فنزويلا أمام مرحلة شديدة الاضطراب سياسياً وإنسانياً، في ظل أزمة تطال أكثر من ربع سكانها.

وكانت قد دعت رئيسة فنزويلا بالوكالة ديلسي رودريغيز الولايات المتحدة إلى تبنّي مسار تعاون قائم على التعايش السلمي والاحترام المتبادل، مؤكدة استعداد بلادها للعمل على أجندة مشتركة تعزز التنمية وتلتزم بالقانون الدولي.

وجاء ذلك في رسالة نشرتها وكالة الأنباء الفنزويلية، أوضحت فيها رودريغيز—التي تولّت مهام الرئاسة بقرار من المحكمة العليا على خلفية «الغياب القسري» للرئيس نيكولاس مادورو—أن من أولويات كاراكاس الدفع نحو علاقة دولية متوازنة ومحترمة مع الولايات المتحدة، ومع دول المنطقة عموماً، تقوم على مبدأي المساواة في السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، معتبرة أن هذه القيم تشكّل بوصلة الدبلوماسية الفنزويلية في علاقاتها مع العالم.

وأكدت رودريغيز حق فنزويلا في السلام والتنمية والسيادة، مشددة على أن تحقيق السلام العالمي يبدأ بضمان السلام داخل الدول نفسها. كما دعت واشنطن إلى العمل المشترك ضمن إطار قانوني دولي يركز على التنمية المشتركة ويجنّب المنطقة التوترات.

وفي رسالة مباشرة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، شددت رئيسة فنزويلا بالوكالة على التزام بلادها بخيار السلام والحوار، قائلة إن شعوب فنزويلا والمنطقة «تستحق السلام لا الحرب»، مؤكدة أن هذا الموقف كان ولا يزال نهج الرئيس مادورو، وهو اليوم موقف الفنزويليين كافة، ومعربة عن أملها في أن تصبح فنزويلا قوة موحِّدة تجمع أبناءها على الخير والتنمية.

اعتقال مادورو يفتح باب الأسئلة حول مستقبل فنزويلا و«إمبراطورية النفط» بيد ترامب

لا تزال العملية العسكرية الأمريكية التي انتهت بما تصفه واشنطن بـ«اعتقال» الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو  تهيمن على تغطيات الصحف البريطانية والعالمية، وسط نقاش واسع حول مستقبل السلطة في فنزويلا، ومصير النخب السياسية والأمنية المرتبطة بالنظام السابق، إضافة إلى تداعيات الخطوة على قطاع النفط الذي بات يُنظر إليه بوصفه ورقة نفوذ أمريكية مباشرة.

وفي هذا السياق، نشرت هيئة تحرير The Times مقالاً بعنوان لافت حذّرت فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من أن «استخدام القوة دون هدف سياسي واضح قد يؤدي إلى فشل أمريكي في فنزويلا». وأشارت الصحيفة إلى أن العملية قوبلت باتهامات داخل الولايات المتحدة ومن بعض الحلفاء الأوروبيين بارتكاب انتهاك «صارخ» للقانون الدولي، معتبرة أن اعتقال مادورو وزوجته يتعارض – وفق المعطيات المتوفرة – مع ميثاق الأمم المتحدة.

ورغم ذلك، رأت الصحيفة أن انسحاب واشنطن أو تراجعها في هذه المرحلة قد يكون أكثر خطورة، مؤكدة أن للولايات المتحدة مصلحة استراتيجية في دفع فنزويلا نحو انتقال ديمقراطي حقيقي بعد سنوات من سوء الإدارة والقمع السياسي. واستند المقال إلى انتخابات 2024، التي تقول الصحيفة إن مرشح المعارضة إدموندو غونزاليس فاز فيها بفارق كبير، قبل أن يقدم نظام مادورو – بحسب وصفها – على تزوير النتائج ومصادرة إرادة الناخبين.

وأضافت هيئة التحرير أن أزمة فنزويلا لا تختزل في التلاعب الانتخابي فقط، بل تمتد إلى انهيار اقتصادي عميق في بلد غني بالنفط، نتيجة سياسات اقتصادية فاشلة، ومصادرات، وفساد ممنهج، وقمع عنيف. وذكرت أن مستويات المعيشة تراجعت بنحو 74% منذ تولي مادورو السلطة عام 2013، ما دفع ملايين الفنزويليين إلى الهجرة.

ورغم إقرار الصحيفة بالحاجة الملحة لإعادة فنزويلا إلى مسارها الدستوري، إلا أنها شككت في وجود رؤية سياسية واضحة لدى ترامب، معتبرة أن تصريحاته الأخيرة، لا سيما تقليله من شأن زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو، تعزز المخاوف من أن تكون السيطرة على النفط أولوية تفوق دعم التحول الديمقراطي.

كيف حدث ما جرى في فنزويلا؟ الترتيب الداخلي الصامت وإعادة إنتاج السلطة

تحليل المعهد المصري للدراسات

لا يمكن مقاربة ما جرى في فنزويلا من زاوية التدخل العسكري التقليدي، أو منطق الانقلابات الكلاسيكية، لأن معظم المؤشرات البنيوية والعملياتية تناقض هذا التصنيف.

لقد كان الحدث ومنذ لحظة تنفيذه، وحتى نتائجه المباشرة، أمريكياً بامتياز ؛ حدثاً يتسم بدرجة عالية من الانضباط والخفة والانخفاض غير المعتاد في التكلفة. وهو أمر غير معتاد مع سيناريوهات الغزو القسري التي ينتج معها انهيار داخلي وسقوط لنظام الحكم. 

لذلك فإن استمرار مؤسسات الدولة، والعملية محكمة التنفيذ والنتائج، يقودنا إلى اعتماد الإطار التحليلي البديل عن فرضية الانقلاب، وهو فرضية “الترتيب الداخلي الصامت” تحت ضغط خارجي مباشر. حيث لا يكون الهدف هو إسقاط النظام بوصفه بنية، بل إعادة ضبطه عبر اقتلاع رأسه الأكثر كلفة سياسياً، حيث أن شخصاً كمادورو لا يمكن أن يغير توجهه بعد كل هذه السنوات، بحيث يستطيع تقديم بديل يخدم المصالح الأمريكية. 

هذا ما يفسر شكلاً ومضموناً غياب المقاومة الفعلية أثناء العملية، وعدم تفعيل أدوات الردع السيادي المتاحة، وسرعة الاستسلام؛ كلها عناصر لا يمكن تفسيرها فقط بتفوق القوة المنفذة، بل تشير إلى قرار داخلي بعدم الاشتباك. في مثل هذه الحالات، لا يكون الاتفاق بالضرورة مكتوباً أو شاملاً، بل غالباً ما يكون تفاهماً ضمنياً بين فاعلين داخل الدولة على أن كلفة المواجهة الصفرية أعلى من كلفة التضحية بالقيادة. هنا لا تتحرك المؤسسات دفاعاً عن شخص، بل عن النظام ككل (وهو نموذج يمكن أن يتكرر في أماكن أخرى من العالم)، وهو ما يفسر لماذا بقيت الأجهزة الأمنية والإدارية تعمل، ولم نشهد تفككاً في هرم السلطة أو انزلاقاً إلى فراغ دستوري.

في هذا السياق، يصبح انتقال السلطة إلى ديلسي رودريغيز عنصراً كاشفاً لا تفصيلاً ثانوياً. فاختيار شخصية من داخل الدائرة الصلبة للنظام، ذات خبرة إدارية ودبلوماسية، يعكس قراراً بالحفاظ على استمرارية المشروع السياسي في شكله العام، مع تعديل سلوكه الخارجي وشروط اشتغاله، خاصة وأن في خلفية رودريغز وتاريخها المهني ما يؤههلها للعب هذا الدور، على الأقل خلال مرحلة انتقالية. القيادة الجديدة لا تُقدَّم بوصفها قطيعة مع التشافيزية، بل بوصفها امتداداً اضطرارياً لها في ظرف استثنائي. غير أن هذا الانتقال مطالب اليوم بالتعايش مع ضغوط مباشرة من الولايات المتحدة، وتسليم كاملٍ لها ولأهدافها، وهو ما قرأناه في تصريحات رئيسة البلاد بالوكالة رودريغيز.

 واشنطن لم تخفي، من خلال المؤتمر الصحفي الفج الذي عقده ترامب ومعاونوه، أن أولوياتها في فنزويلا ليست الديمقراطية ولا الانتخابات، ولا حتى القضاء على عصابات المخدرات كما كان يدعي ترامب؛ بل إعادة هيكلة العلاقة الاقتصادية والسيادية، وعلى رأسها ملف الطاقة، والعلاقة مع القوى الكبرى الأخرى في العالم. هذا الأمر يضع القيادة الجديدة أمام معادلة شديدة الحساسية: أي انصياع واضح قد يؤدي إلى فقدان الشرعية داخل القاعدة التشافيستا، وفي المقابل أي تصعيد أو مقاومة أكثر من التصريحات التقليدية التي تقال في مثل هذه المناسبات قد يستجلب ضغوطاً أو تدخلات إضافية تهدد بقاء النظام ذاته.

من هنا، يمكن فهم الخطاب المزدوج الذي بدأ يتشكل داخل فنزويلا. خطاب خارجي يدعو إلى التعاون والحوار واحترام القانون الدولي، وخطاب داخلي يسمح باستمرار التعبئة الرمزية ضد “الإمبريالية”، كما ظهر في المواقف الشعبية وخطابات رموز مرتبطة بالإرث التشافيزي. هذا الازدواج ليس تناقضاً عابراً، بل أداة لإدارة مرحلة انتقالية غير محسومة، يكون فيها الهدف الأساسي كسب الوقت، لا اتخاذ قرار نهائي.

على الجانب الأخر، فالولايات المتحدة لم يكن لديها خيار أخر في ظل ضعف بدائل المعارضة ورفضها شعبياً، والذي سيتصاعد بالتأكيد بعد عملية خطف مادورو.

بناءً على ذلك، يمكن القول إن ما جرى في فنزويلا يمثل نموذجاً لعملية “إعادة إنتاج السلطة تحت الإكراه”، حيث يُعاد تشكيل النظام لا لإصلاحه ديمقراطياً، بل لضمان بقائه، ولو بشكل مؤقت، ضمن توازنات جديدة. الصراع لم يُحسم، بل أُجِّل، وانتقل من سؤال “من يحكم؟” إلى سؤال أكثر تعقيداً: “بأي شروط يمكن للنظام أن يستمر؟”.

فنزويلا والاستراتيجية الأمريكية العالمية: تثبيت المجال الحيوي في نظام دولي متحوّل

تحليل المعهد المصري للدراسات

لا يمكن فصل الحدث الفنزويلي عن السياق الأوسع لإعادة تشكّل النظام الدولي في مرحلة ما بعد العولمة الليبرالية والنظام أحادي القطبية، فالتعامل الأمريكي مع فنزويلا لا يعكس نهجاً أحادي القطبية بالمعنى الكلاسيكي، ولا اندفاعاً نحو مواجهة شاملة مع القوى الكبرى، بل يندرج ضمن استراتيجية أكثر براجماتية تقوم على إعادة ترتيب الأولويات الجيوسياسية، والتركيز على تثبيت المجال الحيوي المباشر في ظل تراجع القدرة على فرض الهيمنة الكونية.

في هذا الإطار، تمثل فنزويلا عقدة استراتيجية ذات دلالات تتجاوز حدودها الوطنية. فهي تقع في قلب نصف الكرة الغربي، وتملك موارد طاقة  ومعادن ضخمة، وتشكل في الوقت نفسه حالياً نقطة نفوذ اقتصادي مهم للصين، ومساحة حضور سياسي لروسيا وإيران. التدخل هنا لا يُقرأ بوصفه رد فعل ظرفي، بل كرسالة واضحة بأن واشنطن تعتبر هذا المجال خطاً أحمر لا تقبل بإدارته عبر توازنات رمادية أو شراكات متعددة الاتجاهات.

في هذا النموذج الجديد، لا تُستخدم القوة لإعادة هندسة العالم بأكمله، بل لإدارة النظام الدولي عبر استهداف أطراف مختارة بعناية، تكون كلفة ابتلاعها منخفضة، ورسالة إخضاعها عالية الدلالة. استهداف الفاعلين الأضعف، وفرض السيطرة عليهم بسرعة ومن دون أقنعة خطابية، يعيد إلى الأذهان منطق الإمبراطورية الكلاسيكية، ولكن بصيغة متطورة ومتكيّفة مع واقع التعددية القطبية الناشئة. الفارق الجوهري هنا أن الولايات المتحدة لم تعد تسعى إلى الهيمنة على العالم بأسره، أو احتلال دول في أي بقعة من الأرض (على غرار فيتنام، العراق، أفغانستان)، بل إلى إعادة ترسيم مجالات النفوذ بشكل فجّ وصريح، مع تركيز خاص على نصف الكرة الغربي بوصفه مجالاً حيوياً لا يقبل التفاوض، حيث يصبح الاحتلال المباشر أو الوصاية العلنية خياراً حقيقياً، لا استثناءً.

الاستثناء للتوجهات الأمريكية المذكورة يتمثل في منطقة الشرق الأوسط، المهمة حيوياً لأمريكا في إدارة توازناتها مع الصين وروسيا. لكن أمريكا في هذه الحالة توكل مهمة السيطرة على هذه المنطقة لحليفتها الأولى “إسرائيل”، والتي يمكن اعتبارها معها “طرفاً واحداً”، لكن دون تورط بتواجد عسكري أمريكي مباشر على الأرض.

في نفس الوقت، فالهيمنة الإمبراطورية أصبحت ذات شكل أكثر فجاجة. ويُعدّ المؤتمر الصحفي لترامب ومعاونيه، والذي أعقب العملية في فنزويلا، لحظة فاصلة في التعبير عن هذه المرحلة، إذ مثّل إعلاناً عملياً عن نهاية الحاجة إلى سرديات التبرير الأخلاقي. لم يعد التدخل يُقدَّم بوصفه مهمة إنسانية أو نشر للديمقراطية أو ضرورة أمنية عالمية، بل كحق سيادي في إدارة الموارد وفرض الشروط. هذا التحول الخطابي ليس تفصيلاً ثانوياً، بل عنصراً بنيوياً في الاستراتيجية الجديدة، لأنه يخاطب في آن واحد الخارج والداخل: الخارج عبر ترهيب الخصوم وإسقاط أوهام “المناطق الرمادية”، والداخل عبر تطبيع فكرة الإمبراطورية بوصفها ممارسة طبيعية ومشروعة.

هذه الرسائل للخارج تشي، بعد نجاح نموذج فنزويلا إن اكتمل، باقتراب استهدافات لدول مثل كولومبيا وكوبا وحتى المكسيك، إلى جرينلاند، وحتى إيران. هذا يعني أن استهداف فنزويلا في حقيقة الأمر  سيشكل الخطوة الأولى لتجاوز النظام الدولي القائم منذ قرون بعد اتفاقية وستفاليا في القرن السابع عشر. أما للداخل، فالسؤال المحوري سيكون عن مدى قبول أنصار ترامب من عدمه من أهل “الماجا” لهذه الفكرة، التي شكلت ارتداداً كاملا عن التوجهات الكاذبة التي روج لها ترامب ودفعتهم لانتخابه؟

الصمت الصيني والروسي إزاء ما جرى لا يمكن تفسيره على أنه تراجع أو هزيمة، بل يعكس منطق إدارة الصراع بين القوى الكبرى في هذه المرحلة. فالصين وروسيا، رغم اعتراضهما الخطابي، لم تبادرا إلى تصعيد فعلي، لأن كلفة المواجهة في ساحة تُعد مجالاً حيوياً أمريكياً تفوق المكاسب المحتملة. هذا السلوك يتسق مع نمط أوسع من “التفاهمات غير المعلنة”، حيث تُترك لكل قوة مساحة نفوذ أساسية مقابل ضبط التصعيد في ساحات أخرى أكثر حساسية.

من هذا المنظور، تبدو فنزويلا أشبه بـ ”أوكرانيا معكوسة”، لا من حيث التفاصيل، بل من حيث المنطق البنيوي: قبول ضمني بإعادة ترتيب السيطرة في مسرح ما، مقابل مرونة أو صمت في مسارح أخرى. قد ينطبق هذا الأمر في وقت لاحق على تايوان أيضاً. هذا لا يعني وجود صفقة مكتوبة أو نظام عالمي مستقر، بل يشير إلى نمط مؤقت من إدارة الفوضى عبر توزيع الأدوار وتقليل الاحتكاك المباشر، مع التركيز على أشكال أخرى من الصراع مثل الرسوم الجمركية والتحكم في توريد المعادن النادرة وتطوير الذكاء الاصطناعي، إلخ. من المهم الإشارة إلى أن الصين قد خسرت كثيرا، من الناحية الاقتصادية على الأقل، بما قامت به أمريكا في فنزويلا، وبالتالي لا مناص من أن نتوقع أن ترد الصين بشكل أو بأخر على هذه الخطوة في إطار نمط الصراع الذي تحدثنا عنه للتو.

دلالة أخرى على هذا التحول تظهر في رد فعل الأسواق. فغياب صدمة نفطية حادة يعكس إدراكاً بأن الحدث لن يؤثر على الإمدادات على المدى القصير، بل على السيادة على القرار الاستراتيجي متوسط وطويل الأمد. الرسالة الأساسية ليست من يضخ النفط اليوم، بل من يحدد شروط الوصول إليه غداً، وفي هذا تكون أمريكا قد حققت انتصاراً استراتيجياً على منظمة الأوبك. لذلك، كان التفاعل الأكبر في أسواق الأصول الآمنة والمعادن، لا في أسعار الخام، ما يؤكد أن الصراع ينتقل تدريجياً من ساحات الإنتاج إلى مفاصل سلاسل الإمداد والموارد الاستراتيجية.

الأهم من ذلك أن ما جرى في فنزويلا يحمل رسالة ردع موجهة إلى دول أخرى داخل المجال الغربي وخارجه: لم تعد المناورة بين المحاور الكبرى ممكنة بلا كلفة. الدول التي تتأخر في التموضع، أو تراهن على غموض طويل الأمد، مع وقوعها في دائرة “الاهتمام” الأمريكي، قد تجد نفسها موضوعاً لتفاهم الآخرين بدل أن تكون طرفاً فيه. بهذا المعنى، يمثل الحدث إعلاناً عملياً عن نهاية مرحلة “العالم السائل” الذي سمح بهوامش حركة واسعة لدول ليست من الصف الأول.

لكن السؤال المهم الذي يبرز في ظل هذه التطورات، يتعلق بحقيقة أن الأمر قد استقر لأمريكا في فنزويلا بالفعل من عدمه، فالتحليلات الرصينة للعديد من الخبراء، وكذلك الكثير من الشواهد، تؤكد أن ما حدث لا يشكل إلا “نهاية البداية”، وأن ما تعرضت له الولايات المتحدة في تجاربها المماثلة في فيتنام وأفغانستان والعراق قابل للتكرار في فنزويلا، مما لن يشكل فقط ضربة للتواجد الأمريكي في فنزويلا، ولكن للتصور العام الذي تحاول أمريكا فرضه للنظام العالمي الجديد.

فنزويلا بعد مادورو: سيطرة بنية الحكم قائمة واحتمالات الوصاية الأميركية تلوح في الأفق

قال الخبير الاقتصادي الفنزويلي البارز فرانسيسكو رودريغيز أن الإطاحة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو لا تعني بالضرورة انهيار النظام الذي أسسه، مؤكداً أن بنية السلطة لا تزال قائمة وتحتفظ بالسيطرة على الجيش والأجهزة الأمنية، مع تولّي نائبته ديلسي رودريغيز مقاليد الحكم مؤقتاً.

وفي مقابلة مطوّلة مع مجلة Foreign Affairs، أوضح رودريغيز أن ما جرى في كاراكاس فجر 3 يناير/كانون الثاني، حين نفذت القوات الأميركية عملية عسكرية خاطفة اعتقلت خلالها مادورو وزوجته ونقلتهما إلى نيويورك، يشبه “قطع رأس القيادة من دون تفكيك الجسد السياسي للنظام”. وأشار إلى أن الولايات المتحدة، بحسب تصريحات الرئيس دونالد ترامب، مستعدة لتكرار الضربات العسكرية و ”إدارة فنزويلا إلى أجل غير مسمى”، في إطار ما تصفه واشنطن بتشديد تطبيق عقيدة مونرو وتأمين نفوذها على موارد النفط الفنزويلية.

تعاون مشروط أم تصعيد مفتوح

ويرى رودريغيز أن الإدارة الأميركية تراهن على التوصل إلى تفاهم مع السلطة القائمة في كاراكاس، حتى وإن كانت من بقايا نظام مادورو، شرط تلبية مطالب واشنطن، وعلى رأسها فتح قطاع النفط أمام الشركات الأميركية.  ولفت إلى أن مادورو نفسه حاول عام 2025 تقديم تنازلات مماثلة، لكن واشنطن رفضت آنذاك التعامل معه بسبب “سمّيته السياسية”، في حين تبدو اليوم أكثر استعداداً للتعاون مع قيادة ما بعد مادورو.

وفي المقابل، حذّر من أن رفض هذه الترتيبات قد يدفع ترامب إلى تصعيد عسكري أوسع قد يصل إلى غزو بري، وهو سيناريو لا يُعد صعباً عسكرياً لكنه محفوف بمخاطر الفوضى، نظراً لاتساع البلاد وانتشار جماعات مسلحة وشبكات إجرامية، ما قد يفضي إلى حرب أهلية أو تمرد طويل الأمد.

موقف الشارع والمعارضة

وعن ردود فعل الداخل، قال رودريغيز إن غالبية الفنزويليين سئموا من مادورو وقد يرحبون بسقوطه، خاصة بعد خسارة البلاد نحو ثلاثة أرباع ناتجها المحلي، وفرار أكثر من ثمانية ملايين مواطن. لكنه شدد على أن اختطاف رئيس دولة بالقوة يشكل سابقة خطيرة تقوّض قواعد العلاقات الدولية.

أما المعارضة، وعلى رأسها ماريا كورينا ماتشادو، فبدت الخاسر الأكبر؛ إذ أشار رودريغيز إلى أن ترامب سحب دعمه عنها وصرّح بأنها تفتقر إلى “الاحترام اللازم لقيادة البلاد”، ما يحدّ من خياراتها السياسية في المرحلة المقبلة، خاصة في ظل غياب جدول زمني واضح للانتخابات.

ديمقراطية مؤجلة ونفوذ أميركي

اقتصادياً، يرى رودريغيز أن رفع العقوبات وضخ استثمارات نفطية أميركية قد يطلق نمواً اقتصادياً سريعاً يسمح لأي حكومة قائمة بالفوز في انتخابات مستقبلية. لكنه حذّر من الخلط بين النمو الاقتصادي والديمقراطية الحقيقية، معتبراً أن السيناريو الأرجح هو قيام نظام تابع للولايات المتحدة، تُدار فيه فنزويلا فعلياً كـ “محميّة نفطية”، مع استمرار ضعف التداول السلمي للسلطة.

وختم بالقول إن الطريق الأقل كلفة يتمثل في اتفاق تقاسم سلطة بين الحكومة الحالية والمعارضة، يضمن حماية الخاسرين في أي انتخابات مقبلة وبناء مؤسسات قادرة على إدارة التنافس السياسي. إلا أنه أبدى تشاؤمه من تحقيق انتقال ديمقراطي مستقر عبر التدخل العسكري، محذراً من أن ربط العملية برمّتها بالنفط سيولّد عداءً واسعاً داخل المجتمع الفنزويلي، وقد يفضي إلى نتيجة معاكسة تماماً لتطلعات الشعب والمعارضة على حد سواء.

ما بعد مادورو: التحديات الحقيقية والمخاطر القادمة أمام السياسة الأميركية في فنزويلا

كتب خوان إس. غونزاليس في مجلة “فورين أفيرز” أن إطاحة الولايات المتحدة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو  تمثل نقطة تحوّل كبرى في تاريخ فنزويلا وفي نهج واشنطن داخل نصف الكرة الغربي، لكنها لا تعني نهاية الصراع بقدر ما تدشن مرحلة أخطر وأكثر تعقيداً، فهي تمثل فقط “نهاية البداية” بحسب عنوان المقال، فمشاهد مادورو في قبضة القوات الأميركية خلقت انطباعاً بالحسم، غير أن الواقع يشير إلى أن واشنطن دخلت الآن في اختبار طويل الأمد لإدارة التداعيات السياسية والاقتصادية والأمنية لما بعد الإطاحة.

ويرى غونزاليس أن إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب نية الولايات المتحدة “إدارة فنزويلا لفترة” لا يعكس ثقة فقط، بل تحمّلاً مباشراً لمسؤولية النتائج. ويقارن الكاتب هذا المشهد بإعلان “المهمة أُنجزت” في العراق عام 2003، محذراً من أن إزالة رأس النظام قد تفتح باباً لانتقال مستدام، لكنها قد تقود أيضاً إلى مستنقع جديد من الفوضى والتورط الطويل.

رهان محفوف بالمخاطر

بحسب التحليل، يتعامل فريق ترامب—خصوصاً وزير الخارجية ماركو روبيو—مع العملية باعتبارها نجاحاً تكتيكياً يبرر نفسه، ويراهن على توظيف القوة الصلبة لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية، وفي مقدمتها السيطرة على قطاع النفط الفنزويلي. هذا النهج، الذي يصفه غونزاليس بأنه ميركانتيلية صريحة، يخلط بين الجيوسياسة والربح، وقد يفضي إلى تجاوز الحكومة الفنزويلية المستقبلية في إدارة عائدات النفط، بما يترك البلاد بلا حيز مالي لإعادة الإعمار.

تشافيزية بلا مادورو

يشدد غونزاليس على أن سقوط مادورو لا يعني انهيار “التشافيزية”، أي الشبكة الهجينة من الأيديولوجيا والزبائنية والقوة القسرية والاقتصاد غير المشروع. فالتحالف الحاكم سيتشظى، لكن التشظي لا يساوي انتقالاً سياسياً. المتغير الحاسم هو موقف القوات المسلحة، حيث يُرجّح سيناريو المساومات والانشقاقات الانتقائية بدلاً من انتقال سلس للسلطة.

دستورياً، تفرض القواعد انتخابات خلال 30 يوماً من شغور المنصب، لكن واقع القوة—والاعتراف الواسع بفوز المعارضة في انتخابات يوليو/تموز 2024—يجعل الشرعية القانونية وحدها غير كافية دون ضمانات وتنفيذ فعلي.

مخاطر التورط الطويل

يحذّر المقال من مفارقة التدخل: الانسحاب السريع قد يترك فنزويلا في فراغ وفوضى، بينما البقاء الطويل قد يجر واشنطن إلى التزام أمني مفتوح. وفي كلا الحالين، قد تجد قوى خارجية—مثل الصين وروسيا وإيران—فرصاً لتعزيز نفوذها، خصوصاً إذا بدا التدخل الأميركي قسرياً بلا أفق اقتصادي تنموي.

ويرى غونزاليس أن “عقيدة دونرو” (إعادة تفسير أحادي لعقيدة مونرو) لم تعد صالحة في عالم يتحدد فيه النفوذ بالاقتصاد والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد، لا بالوجود العسكري وحده.

النفط والسيادة

يؤكد الكاتب أن عائدات النفط هي المحدِّد المركزي لقدرة أي حكومة على الحكم. فإذا جرى تحويل هذه العائدات إلى الخارج، ستغدو السيادة شكلية مهما كانت نتائج الانتخابات. وعلى المدى الأطول، قد تتحول واشنطن إلى لاعب مباشر في توازنات سوق النفط العالمية، بما يشبه الاندماج الوظيفي في منطق “أوبك+” دون عضوية رسمية.

ثلاث مسارات محتملة

يحدّد المقال ثلاثة سيناريوهات لما بعد مادورو:

  1. انتقال مُدار عبر صيغة مؤقتة أو تكنوقراطية تحظى بقبول داخلي، مع إغاثة اقتصادية سريعة وضمانات أمنية—وهو المسار الأفضل لكنه الأصعب.
  2. استمرارية مُجرّمة بواجهة مدنية (قد تقودها نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز)، مع بقاء الشبكات القديمة، بما يبقي عدم الاستقرار.
  3. تصعيد وفوضى تدفع الولايات المتحدة لتدخلات إضافية وتحويل “الاستقرار” إلى التزام مفتوح.

الخلاصة

يخلص غونزاليس إلى أن مستقبل فنزويلا لن يُحسم بإزالة مادورو، بل بالانضباط والاعتدال والخيال الاقتصادي في إدارة ما بعدها. النجاح قد يعيد رسم السياسة الإقليمية ويثبت قيادة أميركية فعّالة، أما الفشل فسيُغذّي الهجرة ويقوّي الخصوم ويعمّق الشكوك في التدخل الأميركي. فنزويلا اليوم اختبار للحكم الرشيد بقدر ما هي اختبار للقوة.

أمريكا

تتجاوز تطورات فنزويلا حدود الإطاحة بمادورو لتكشف انتقال الصراع الدولي من السلاح إلى الاقتصاد، في مواجهة نفوذ أمريكي–صيني مفتوحة.

واشنطن تختبر نموذجاً جديداً: قوة عسكرية خاطفة يعقبها ضبط الموارد، وعلى رأسها النفط، بوصفه أداة سيطرة لا إعادة إعمار.

هدوء الأسواق وصعود الذهب يعكسان إدراكاً بأن المعركة الحقيقية تدور حول سلاسل الإمداد والهيمنة طويلة الأمد لا الصدمة الآنية.

في الداخل الأميركي، يفجّر الاعتقال انقساماً دستورياً حاداً حول حدود القوة، فيما تُستدعى وحدات النخبة كرسالة ردع عالمية.

إنها لحظة إعادة رسم النفوذ: عالم تُدار فيه السياسة بالأسواق والموارد بقدر ما تُدار بالجيوش.

فنزويلا في قلب لعبة كبرى: حرب نفوذ أمريكية–صينية تتحول من السلاح إلى الاقتصاد

يرى محللون أن ما تشهده الأسابيع الأولى من عام 2026 لا يمكن فهمه بوصفه سلسلة أحداث منفصلة، بل كجزء من مواجهة استراتيجية كبرى بين الولايات المتحدة من جهة، والصين وحلفائها ضمن تكتل بريكس من جهة أخرى. ووفق هذا التصور، فإن العملية الأمريكية في فنزويلا، التي انتهت باعتقال الرئيس نيكولاس مادورو ونقله إلى نيويورك، لم تكن مجرد خطوة قضائية أو حملة ضد «ناركو–إرهاب»، بل ضربة محسوبة في صراع نفوذ عالمي.

ويُشار إلى أن فنزويلا تُعد أحد أهم الشركاء التجاريين للصين في أميركا اللاتينية، وأن وفداً صينياً رفيع المستوى كان موجوداً في كاراكاس بالتزامن مع تنفيذ العملية الأمريكية، ما يعزز فرضية أن الرسالة كانت موجهة إلى بكين بالدرجة الأولى. فواشنطن، بحسب هذا التحليل، لم تكتفِ بالعقوبات أو الضغوط الدبلوماسية، بل لجأت إلى تدخل مباشر لإعادة رسم موازين القوة.

اللافت في العملية، وفق مراقبين، هو غياب مقاومة فعلية من الجيش الفنزويلي، ما يفتح باب التساؤلات حول وجود تفاهمات مسبقة أو «تغاضٍ» داخلي سمح بتنفيذ ما يشبه «استخراجاً مسيطراً عليه» أكثر منه اشتباكاً عسكرياً تقليدياً. ويُقرأ ذلك كجزء من إدارة أزمة لا تهدف إلى حرب مفتوحة، بل إلى إعادة ترتيب الأوراق.

وفي هذا السياق، يُطرح البعد الاقتصادي بوصفه جوهر الصراع الحقيقي. فالصين وروسيا، بحسب تقارير غير رسمية، سارعتا إلى نقل كميات ضخمة من الفضة خارج فنزويلا قبل العملية، في وقت شددت فيه بكين قيود تصدير المعادن الاستراتيجية. هذه الخطوات تعكس انتقال المواجهة من السلاح إلى سلاسل الإمداد والموارد، حيث تتحول المعادن والطاقة إلى أدوات ضغط.

في المقابل، يعتمد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استراتيجية تقوم على استخدام السوق الأمريكية كأداة نفوذ، عبر الرسوم الجمركية وربط الوصول إليها بشروط سياسية واقتصادية. وبينما تتقاطع المصالح في فنزويلا، تبدو البلاد ساحة اختبار لنظام دولي جديد، تتراجع فيه العولمة لصالح صراعات إقليمية تُدار بالموارد والاقتصاد قبل الجيوش.

الأسواق تتجاهل صدمة فنزويلا: استقرار النفط وصعود الذهب وسط توترات جيوسياسية

رغم التطورات السياسية والعسكرية المتسارعة في فنزويلا، لم تُظهر أسواق النفط العالمية حتى الآن رد فعل حاداً على الإطاحة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. ووفقاً لتقارير نقلتها شبكة CNBC، فإن الأسواق كانت قد استوعبت مسبقاً سيناريو تصعيد محتمل مع فنزويلا وتأثيره المحدود على الصادرات النفطية، ما أبقى الأسعار ضمن نطاق مستقر نسبياً.

وخلافاً لما هو متوقع عادة في حالات التدخل العسكري، تراجع سعر خام برنت بنحو 1.2% خلال جلسات التداول الأولى، قبل أن يقلّص خسائره ويعاود الارتفاع بنحو 1%، بحسب بيانات Bloomberg. ويُعزى هذا الهدوء إلى عوامل هيكلية في سوق الطاقة، أبرزها محدودية الإنتاج الفعلي لفنزويلا، الذي لا يتجاوز حالياً 500 ألف برميل يومياً، أي ما يقارب 1% فقط من الإنتاج العالمي.

ورغم امتلاك فنزويلا واحداً من أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم، فإن تراجع بنيتها التحتية خلال السنوات الماضية قلّص قدرتها التصديرية، مع توجيه معظم صادراتها إلى الصين. كما تشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى فائض متوقع في الإمدادات العالمية يبلغ نحو 3.8 ملايين برميل يومياً خلال عام 2026، ما يقلل من حساسية السوق تجاه أي اضطراب محدود في الإمدادات الفنزويلية.

على المدى الأطول، يراقب المستثمرون خطة تقودها الولايات المتحدة بقيمة تُقدّر بنحو 100 مليار دولار لإعادة تأهيل قطاع النفط الفنزويلي. وتعتمد هذه الخطة على استثمارات سنوية تقارب 10 مليارات دولار من شركات أمريكية كبرى مثل Exxon Mobil وChevron وConocoPhillips  غير أن محللين يحذرون من أن هذه العملية قد تستغرق سنوات طويلة، كما أن جدواها تبقى مرهونة باستقرار الأوضاع السياسية والأمنية في البلاد، وبحاجة السوق فعلاً إلى إمدادات إضافية.

في المقابل، انعكست التوترات الجيوسياسية بوضوح على أسواق الملاذات الآمنة، إذ قفزت أسعار الذهب إلى مستويات تاريخية متجاوزة 4400 دولار للأونصة، بالتوازي مع ارتفاع الفضة، مع سعي المستثمرين للتحوط من المخاطر. أما أسواق الأسهم، فقد استهلت العام الجديد على مكاسب، مدفوعة بصعود أسهم قطاع الدفاع في آسيا، وسط توقعات ببدء إيجابي لتداولات وول ستريت.

ترامب: فنزويلا ستسلم ما بين 30 و50 مليون برميل نفط للولايات المتحدة وتوجيه عائداته لصالح الشعبين

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أن السلطات الفنزويلية المؤقتة اتفقت على تسليم ما بين 30 و50 مليون برميل من النفط الخاضع للعقوبات للولايات المتحدة الأميركية، ليتم بيعه في الأسواق بسعرها الطبيعي، وأن عائدات هذا النفط ستُدار تحت إشرافه لضمان استخدامها بما يخدم “مصلحة الشعبين الأميركي والفنزويلي”. 

وقال ترامب، في بيان نشره عبر منصة Truth Social، إن النفط سيتم نقله عبر سفن تخزين مباشرة إلى موانئ التفريغ الأميركية، مشيراً إلى تكليف وزير الطاقة الأميركي كريس رايت بتنفيذ الخطة “فوراً”. 

وأكد ترامب أن هذه الخطوة تأتي في إطار العلاقات بين البلدين، وأن الأموال الناتجة عن بيع النفط ستستفيد منها الولايات المتحدة وفنزويلا على حدٍ سواء، مع بقاء إشرافه عليها كرئيس للولايات المتحدة. 

وأوضح البيان أن الاتفاق يُعد جزءاً من جهود أوسع تسعى واشنطن من خلالها إلى تأمين النفط الفنزويلي الذي ظل خاضعاً لعقوبات أميركية منذ سنوات، وتوسيع نفوذها في قطاع الطاقة في البلاد، بينما تمثل هذه الخطوة تصعيداً بارزاً في العلاقات بين واشنطن وكاراكاس على خلفية التطورات الأخيرة. 

وتتزامن تصريحات ترامب مع إعلان البيت الأبيض خططاً لإدارة مبيعات النفط الفنزويلي لفترة غير محددة، في وقت تواصل فيه الولايات المتحدة تأمين السيطرة على النفط الفنزويلي وسط توترات إقليمية ودولية. 

يُذكر أن قرار تسليم النفط جاء في أعقاب عملية عسكرية واسعة شنّتها القوات الأميركية في فنزويلا، شملت ضرب أهداف عسكرية ونقاط دفاع وجسور اتصالات، كما تم خلالها اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، في خطوة أثارت ردود فعل دولية واسعة وأعادت تسليط الضوء على مستقبل ملف النفط الفنزويلي. 

ما هي «قوة دلتا»؟ وحدة النخبة الأمريكية التي شاركت في عملية اعتقال مادورو

سلّطت العملية العسكرية الأمريكية التي نُفذت في العاصمة الفنزويلية كاراكاس الضوء مجدداً على واحدة من أكثر الوحدات العسكرية غموضاً ونخبوية في العالم، وهي «قوة دلتا»، بعد تأكيد مشاركة عناصر منها في العملية التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته.

وخلال مؤتمر صحفي، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن العملية تشبه من حيث الحجم والتعقيد عمليات أمريكية كبرى سابقة، مثل استهداف أبو بكر البغدادي والمنشآت النووية الإيرانية، مؤكداً أن «العالم لم يشهد عملية مماثلة منذ الحرب العالمية الثانية»، وأن القوات الأمريكية استخدمت قوة ساحقة جواً وبراً وبحراً دون تكبد أي خسائر بشرية أو مادية.

وتُعد «قوة دلتا» وحدة عمليات خاصة تابعة للجيش الأمريكي، متخصصة أساساً في مكافحة الإرهاب، وتحرير الرهائن، وتنفيذ المهام عالية الخطورة التي تتطلب دقة فائقة وسرية مطلقة. تأسست الوحدة عام 1977 على يد الكولونيل تشارلي بيكويث، الذي استلهم نموذجها من تجربته مع قوات الخدمة الجوية الخاصة البريطانية (SAS)، لتكون ذراعاً هجومية دقيقة داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية.

تنظيمياً، تخضع «دلتا» لقيادة العمليات الخاصة للجيش الأمريكي، لكنها تُدار عملياً من قبل قيادة العمليات الخاصة المشتركة (JSOC)، المسؤولة عن أخطر المهام في الحرب على الإرهاب. وتشير تقديرات غير رسمية، بينها ما أورده الكاتب العسكري شون نايلور، إلى أن عدد أفراد الوحدة يقارب الألف عنصر، يتم اختيارهم وفق معايير شديدة الصرامة، تشمل الخبرة العسكرية، واللياقة البدنية العالية، والسجل الأمني النظيف.

وعلى مدى عقود، شاركت «قوة دلتا» في عمليات بارزة، من محاولة إنقاذ الرهائن الأمريكيين في طهران عام 1980، مروراً بعمليات أفغانستان والعراق، واعتقال صدام حسين، وصولاً إلى الغارة التي أسفرت عن مقتل زعيم تنظيم الدولة الإسلامية أبو بكر البغدادي. ومع عملية كاراكاس الأخيرة، تعود «دلتا» إلى واجهة المشهد كأداة رئيسية في عرض القوة العسكرية الأمريكية خارج حدودها.

اعتقال مادورو يفجّر انقساماً حاداً في الكونغرس الأميركي بين الجمهوريين والديمقراطيين

أشعلت عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس سجالاً سياسياً وقانونياً واسعاً داخل الكونغرس الأميركي، عكست من خلاله الانقسامات العميقة بين الجمهوريين والديمقراطيين حول حدود صلاحيات الرئيس في استخدام القوة العسكرية خارج البلاد. ففي حين سارع غالبية الجمهوريين إلى الإشادة بالعملية، اعتبرها الديمقراطيون تجاوزاً خطيراً للدستور  وانتهاكاً للقانون الدولي.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أمر بإرسال قوات إلى العاصمة الفنزويلية كاراكاس في وقت مبكر من يوم السبت لإلقاء القبض على مادورو، الذي مثل لاحقاً أمام محكمة فدرالية في نيويورك ودفع ببراءته من تهم تتعلق بالمخدرات. وأكد رئيس مجلس النواب الجمهوري مايك جونسون أن الولايات المتحدة «لا تحتل فنزويلا»، مشدداً على أن ما جرى لا يرقى إلى عملية عسكرية واسعة.

في السياق ذاته، دافع السيناتور الجمهوري مارك واين مولين عن العملية، معتبراً أنها تندرج ضمن حماية المصالح الأميركية ومكافحة شبكات تهريب المخدرات. غير أن هذا الموقف لم يحظَ بإجماع داخل الحزب، إذ حذر السيناتور الجمهوري راند بول من أن «انتزاع زعيم دولة بالقوة» يشكل سابقة خطيرة وغير دستورية، وقد يُعد عملياً إعلان حرب.

على الضفة المقابلة، وصف السيناتور المستقل بيرني ساندرز العملية بأنها «غير قانونية وغير دستورية»، معلناً عزمه طرح مشروع قرار يمنع أي عمل عسكري ضد فنزويلا دون موافقة الكونغرس. كما شدد زعيم الأقلية الديمقراطية حكيم جيفريز على أن مستقبل فنزويلا يقرره شعبها لا الإدارة الأميركية، منتقداً ما اعتبره نزعة لإدارة دولة أجنبية بالقوة.

ومن المنتظر أن يصوت مجلس الشيوخ قريباً على مشروع قرار يقيّد أي تصعيد عسكري إضافي ضد فنزويلا. وبينما يصر الجمهوريون على أن العملية كانت «إنفاذاً للقانون» لا يحتاج إلى تفويض، يرى معارضوها أنها أعادت فتح معركة قديمة حول صلاحيات الحرب، في وقت لا تخفي فيه إدارة ترامب اهتمامها الواضح بثروة فنزويلا النفطية، ما يضفي على الجدل بعداً اقتصادياً لا يقل حساسية عن البعد الدستوري.

وفي تصريحات لافتة، وجّه السيناتور الديمقراطي الأمريكي كريس ميرفي، في أعقاب إحاطة الإدارة الأمريكية للكونجرس بما حدث في فنزويلا، وذلك لأول مرة في السابع من يناير،  انتقادات حادة  للإدارة الأمريكية وتعاملها على الموضوع، بوضع يدها على البترول الفنزويلي، واستخدامه، مع أموال دافعي الضرائب الأمريكيين، لإدارة شئون فنزويلا، التي لم تكن تشكل أي تهديد للولايات المتحدة، وإنفاق الوقت والجهد على ذلك بدلاً من تركيز الإدارة على إدارة شئون الولايات المتحدة نفسها.

وحذّر ميرفي من أن الاستمرار في هذا النهج سيؤدي بالضرورة لنفس التداعيات الكارثية التي حدثت من قبل نتيجة غزو أفغانستان والعراق، مع الأخذ في الاعتبار الفرق بعدم وجود قوات أمريكية على الأرض في فنزويلا حتى الآن، إلا أن المسار المتخذ سيؤدي بالضرورة إلى نفس النتائج.  

ترامب يدرس اتفاق «الارتباط الحر» مع غرينلاند في خطوة تتجاوز الدنمارك

كشفت تقارير صحفية غربية أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعمل على إعداد صفقة كبرى محتملة مع جزيرة غرينلاند، في إطار مساعٍ لإعادة رسم العلاقة السياسية والأمنية بين واشنطن والإقليم الواقع في القطب الشمالي. وبحسب ما أفادت به مجلة The Economist، فإن الإدارة الأمريكية تطوّر مسودة اتفاق قد تُعرض مباشرة على سلطات غرينلاند، دون المرور بالحكومة الدنماركية.

ووفقاً للتقرير، تقوم الفكرة المطروحة على ما يُعرف بـ«اتفاق الارتباط الحر»، وهو نموذج سياسي–قانوني تلتزم فيه الولايات المتحدة بتقديم دعم مالي مباشر وضمانات لتحسين مستويات المعيشة والتنمية الاقتصادية، مقابل أن تتولى واشنطن مسؤولية الدفاع والأمن الخارجي، مع احتفاظ الطرف الآخر بحكم ذاتي كامل في شؤونه الداخلية. ويُعد هذا النموذج مطبقاً بالفعل في علاقات الولايات المتحدة مع دول جزرية في المحيط الهادئ، مثل ميكرونيزيا وجزر مارشال وبالاو.

وترى المجلة أن تحرّك ترامب يستند إلى هدفين استراتيجيين متلازمين. يتمثل الهدف الأول في تعميق الهوة السياسية بين غرينلاند والدنمارك، الدولة التي لا تزال تحتفظ بالسيادة الرسمية على الجزيرة، رغم تمتّعها بحكم ذاتي واسع. أما الهدف الثاني، فيكمن في فتح قناة تفاوض مباشرة بين واشنطن وسلطات غرينلاند، بما يسمح بتجاوز كوبنهاغن وتقليص دورها في أي ترتيبات مستقبلية تخص الجزيرة.

ويأتي هذا التوجه في سياق اهتمام أمريكي متزايد بغرينلاند، التي تكتسب أهمية جيوسياسية متصاعدة بفعل موقعها الاستراتيجي، ومواردها الطبيعية، ودورها المتنامي في التوازنات القطبية والمنافسة الدولية في القطب الشمالي. ويرى مراقبون أن أي اتفاق من هذا النوع قد يثير توترات سياسية حادة داخل الدنمارك، ويطرح أسئلة قانونية وسيادية معقّدة، فضلاً عن كونه سابقة قد تعيد تعريف النفوذ الأمريكي في شمال الأطلسي. (انظر)

سوريا

تشهد مدينة حلب تصعيداً أمنياً خطيراً مع تجدد الاشتباكات في أحياء شمال المدينة، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى ونزوح آلاف المدنيين، وتعطيل الحركة والخدمات الأساسية.
وتزامن التصعيد مع إعلان مناطق عسكرية مغلقة وفرض حظر تجول، في ظل تبادل الاتهامات بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية حول مسؤولية اندلاع المواجهات.
ويأتي هذا التطور في وقت يتعثر فيه تنفيذ اتفاقات سابقة تتعلق بترتيبات الأمن ودمج القوات، وسط فشل جولات تفاوضية متتالية.
سياسياً، يرتبط التصعيد بسياق إقليمي ودولي أوسع تشهده الساحة السورية، مع تحركات دبلوماسية تهدف إلى إعادة ضبط التوازنات الأمنية، في محاولة لتلافي مخاطر أكثر حدة.

حلب على صفيح ساخن: اشتباكات، نزوح واسع، وتعثر المسار السياسي

تشهد مدينة حلب تصعيداً أمنياً خطيراً مع تجدد الاشتباكات بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية في محيط حيّي الشيخ مقصود والأشرفية شمال المدينة، ما دفع السلطات إلى إعلان الحيين منطقة عسكرية مغلقة وفرض حظر تجول كامل، بالتوازي مع عمليات إجلاء واسعة للمدنيين وتعليق الدوام المدرسي والجامعي والرحلات الجوية من وإلى مطار حلب.

تطورات ميدانية متسارعة

منذ ساعات الصباح الأولى ليوم الأربعاء 7 يناير/كانون الثاني، أفاد مراسلون باندلاع اشتباكات بالأسلحة المتوسطة والثقيلة، تركزت على محاور طريق الكاستيلو ودوار الليرمون ودوار شيحان. وأعلنت مصادر رسمية أن الجيش السوري بدأ إجراءات أمنية قالت إنها «ردّ على مصادر نيران» بعد قصف مدفعي وهجمات بطائرات مسيّرة نُسبت إلى «قسد»، شملت استهداف مواقع عسكرية وحواجز أمنية. في المقابل، نفت «قسد» وجود قوات لها داخل مدينة حلب، مؤكدة أنها سلّمت الملف الأمني لقوى الأمن الداخلي، وحذّرت من «تداعيات خطيرة» في حال استمرار العمل العسكري.

خسائر بشرية ونزوح واسع

أعلنت وزارة الصحة السورية سقوط 5  قتلى و30 مصاباً منذ بدء التصعيد، فيما أفادت مديرية صحة حلب بارتفاع عدد الجرحى المدنيين في وقت سابق إلى 24.  وذكر الدفاع المدني السوري أنه جرى إجلاء أكثر من 3 آلاف مدني، معظمهم من الشيخ مقصود والأشرفية، وسط مشاهد نزوح جماعي وضغط كبير على المعابر الإنسانية، لا سيما معبر شارع الزهور. وأكدت السلطات تأمين ممرين آمنين حتى موعد محدد قبل اعتبار الحيين منطقة عسكرية مغلقة. وقد أعلنت السلطات في حلب حظر تجوال جديد اعتباراً من الواحدة والنصف ظهر الخميس 8 يناير.

روايتان متقابلتان

الحكومة السورية حمّلت «قسد» مسؤولية التصعيد، متهمة إياها بقصف الأحياء السكنية ومنع المدنيين من الخروج وتفخيخ طرق داخل الحيين، معتبرة أن كل مواقعها العسكرية «أهداف مشروعة». كما شددت على أن حماية جميع المواطنين، بمن فيهم الأكراد، «مسؤولية وطنية لا تقبل التفويض».
في المقابل، قالت «قسد» إن قوات حكومية شنت هجوماً بالأسلحة الثقيلة والطائرات المسيّرة، وإن قواتها «تخوض مقاومة» لصد التقدم، متهمة دمشق بقصف مناطق ذات كثافة سكانية، ومؤكدة احتفاظها بحق الرد.

ويشكّل حيّا الشيخ مقصود والأشرفية عقدةً أمنية وسياسية مركّبة في شمال حلب، بحكم موقعهما المرتفع والمتداخل مع محاور حيوية مثل طريق الكاستيلو ومنطقة الليرمون الصناعية، وبحكم نسيجهما السكاني المتنوع وكثافتهما التي تُقدَّر بنحو 200 ألف نسمة. فمنذ خروجهما عن سيطرة النظام السابق عام 2012 واستقرار النفوذ لاحقاً بيد قوات سوريا الديمقراطية عبر «الأسايش»، ظل الحيّان محكومين بتفاهمات هشة أكثر من كونهما جزءاً من خطوط تماس تقليدية.

 ورغم اتفاق نيسان الماضي الذي نصّ على خروج التشكيلات العسكرية ودمج قوى الأمن الداخلي وفتح الطرقات، فإن التنفيذ الجزئي أبقى التوتر كامناً، ليعود ويتفجّر مع كل تصعيد، كما حدث في كانون الأول الحالي عند دواري الليرمون وشيحان، مخلّفاً نزوحاً متقطعاً وخسائر اقتصادية جسيمة، ومؤكداً أن الصراع فيهما يتجاوز خلافاً محلياً ليطال ملف دمج القوات وترتيبات الأمن شمال سوريا، فيما يبقى المدنيون الطرف الأكثر تضرراً بين روايتين متقابلتين.

إجراءات خدمية وتعطيل الحركة

على الصعيد الخدمي، أعلنت هيئة الطيران المدني السورية تمديد تعليق الرحلات في مطار حلب الدولي حتى مساء الخميس، وتحويل الرحلات إلى مطار دمشق. كما مُدّد تعليق الدوام في المدارس والجامعات، واستُنفرت حافلات النقل الداخلي لنقل النازحين، وشُكّلت لجنة مركزية لمتابعة أوضاعهم وتأمين الإيواء والدعم.

البعد السياسي: اتفاق معطّل ومفاوضات متعثرة

يأتي التصعيد في ظل تعثر تنفيذ اتفاق 10 مارس/آذار 2025 بين دمشق و«قسد»، الذي ينص على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرقي سوريا ضمن مؤسسات الدولة، وفتح المعابر والمرافق الحيوية، بما فيها حقول النفط والغاز، مع التأكيد على وحدة الأراضي السورية.
وقد فشلت جولة مفاوضات جديدة في دمشق في تحقيق اختراق ملموس، رغم حضور قائد «قسد» العام مظلوم عبدي، حيث اتُفق فقط على عقد جولات لاحقة. وتشير مصادر إلى تباينات حول آليات الدمج والانتشار والقيادة، رغم تبادل مقترحات مكتوبة وردود رسمية في الأسابيع الماضية.

قراءات وتحذيرات

يرى خبراء أمنيون أن حلب تقف أمام «ساعات حاسمة» لتحديد مصير الشيخ مقصود والأشرفية، مع أولوية مُعلنة لتجنيب المدنيين وفرض ضغط سياسي وميداني لدفع المجموعات المسلحة إلى الالتزام بالاتفاقات، مع بقاء خيار الحسم العسكري مطروحاً إذا استمر التعنت. دولياً، دعت المملكة المتحدة إلى التهدئة الفورية وحماية المدنيين.

تحليل المعهد المصري:

تأتي التحركات العسكرية التي ينفذها الجيش السوري ضد قوات سوريا الديمقراطية في سياق إقليمي ودولي أوسع، أعقب اجتماع باريس الذي جمع الحكومة السورية وإسرائيل بإشراف أميركي مباشر. وبحسب المعطيات، جرى خلال اللقاء الاتفاق على إنشاء آلية تعاون استخباراتي فوري على شكل «خط ساخن» يضم ممثلين عن الأطراف الثلاثة، بهدف تنسيق الاتصالات ومنع الاحتكاكات وسوء التقدير ومعالجة أي خلافات طارئة. كما شمل التفاهم إطلاق قنوات موازية لبحث ملفات مدنية، من بينها الطاقة والصحة والزراعة، في وقت تروج فيه الولايات المتحدة لفكرة بيع الغاز الإسرائيلي إلى سوريا.

وفي هذا الإطار، استؤنفت المحادثات بوساطة أميركية بعد جمود استمر أكثر من شهرين، نتيجة فجوات عميقة حالت دون التوصل إلى اتفاق في الجولة السابقة رغم الضغوط الأميركية. وجاء استئناف المسار التفاوضي عقب اللقاء الذي جمع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالرئيس الأميركي دونالد ترامب في منتجع مار-إيه-لاغو، حيث أكد نتنياهو لاحقاً أن مصلحة إسرائيل تكمن في إقامة «حدود سلام» مع سوريا.

وبناءً على ذلك، يُرجَّح، من وجهة نظرنا، أن التحرك ضد «قسد» جاء بعد حصول دمشق على ضوء أخضر إقليمي ودولي لإغلاق هذا الملف، في إطار مقايضة سياسية أوسع جعلت من وحدة سوريا ومركزيتها بنداً أساسياً في النقاشات، وشرطاً تفاوضت عليه الحكومة السورية للانخراط في هذا المسار، الذي تولت واشنطن رعايته ودفعه قدماً.

إلا أنه في الوقت ذاته، فقد نُقلت تصريحات عن وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، في صباح 8 ديسمبر، أي بعد التوصل لتفاهمات باريس، قال فيها إن “الهجمات التي تشنها قوات النظام السوري ضد الأقلية الكردية في مدينة حلب خطيرة وجسيمة”، وأن “القمع المنهجي والدموي” الذي تتعرض له مختلف الأقليات في سوريا يناقض الوعود بسوريا جديدة. وقال “ساعر” إن صمت المجتمع الدولي سيؤدي إلى تصعيد أكبر  في” أعمال العنف التي يرتكبها النظام السوري”.

تؤشر  هذه التصريحات إلى أن “التفاهمات” والتوافقات التي تم الوصول إليها بين الجانبين السوري والإسرائيلي برعاية أمريكية لن تعني بالضرورة وضعاً أمنياً مستقراً، فسيستمر الجانب الإسرائيلي في الضغط على الجانب السوري باستمرار للحصول على تنازلات أكبر، وهو ما يجب أن ينتبه إليه النظام الحاكم في سورية ويأخذه في الاعتبار في أي محادثات تهدف إلى تحقيق منجزات أمنية مع الجانب الإسرائيلي.

نصّ البيان بشأن الترتيبات الأمنية وآلية التنسيق بين إسرائيل وسوريا

أعلنت الولايات المتحدة وإسرائيل وسوريا، في بيان مشترك، التوصل إلى تفاهمات أولية خلال اجتماع ثلاثي عُقد في باريس برعاية أميركية مباشرة، بهدف خفض التصعيد وفتح مسار جديد للتنسيق الأمني والسياسي بين دمشق وتل أبيب.

ووفق البيان الصادر الثلاثاء 6 يناير/كانون الثاني 2026، أكدت الأطراف التزامها بالسعي نحو ترتيبات دائمة للأمن والاستقرار، تقوم على احترام سيادة سوريا ووحدتها واستقرارها، وضمان أمن إسرائيل وازدهار البلدين. واتفق الجانبان السوري والإسرائيلي على إنشاء آلية تنسيق مشتركة، على شكل خلية اتصالات مخصّصة، تتيح التعاون الفوري والمستمر في مجالات تبادل المعلومات الاستخباراتية، وخفض التصعيد العسكري، والانخراط الدبلوماسي، إضافة إلى بحث فرص التعاون التجاري، وذلك تحت إشراف مباشر من الولايات المتحدة.

وأشار البيان إلى أن هذه الآلية ستعمل كمنصة لمعالجة أي خلافات قد تنشأ بشكل سريع، ومنع سوء الفهم أو الاحتكاكات غير المقصودة، في إطار مساعٍ أوسع لتحقيق سلام دائم في الشرق الأوسط. كما رحّبت واشنطن بهذه الخطوات، معتبرة أنها تمثل تطوراً إيجابياً، ومؤكدة التزامها دعم تنفيذ هذه التفاهمات كجزء من جهودها لتعزيز الاستقرار الإقليمي.

وختم البيان بالتأكيد على أن الاجتماع يعكس رغبة الأطراف في فتح صفحة جديدة في العلاقات، والعمل بما يخدم مصالح الأجيال القادمة، انطلاقاً من قناعة بأن التعاون بين الدول ذات السيادة، على أساس الاحترام المتبادل، كفيل بإطلاق فرص السلام والازدهار في المنطقة.

إيران

إيران تحت ضغط غير مسبوق: احتجاجات داخلية وتراجع إقليمي يضعان النظام أمام أخطر اختبار

تشهد إيران موجة احتجاجات متواصلة دخلت أسبوعها الثاني، في تطور يعيد إلى الواجهة أسئلة جوهرية حول تماسك النظام وقدرته على احتواء أزمات متراكمة داخلياً وخارجياً. ورغم أن التظاهرات ليست حدثاً جديداً في المشهد الإيراني، فإن تزامنها مع ضغوط اقتصادية خانقة وتحولات إقليمية حادة يمنحها هذه المرة دلالات أكثر خطورة.

الاحتجاجات التي انطلقت أواخر ديسمبر الماضي بدأت على خلفية تدهور الأوضاع المعيشية، في ظل ارتفاع غير مسبوق في معدلات التضخم وانهيار متواصل في قيمة الريال الإيراني، الذي فقد نحو 80% من قيمته أمام الدولار خلال عام واحد. وتشير الأرقام الرسمية إلى تضخم سنوي يتجاوز 40%، بينما قفزت أسعار المواد الغذائية بأكثر من 70%، مع تسجيل زيادات أكبر في بعض السلع الأساسية.

سرعان ما خرجت الاحتجاجات عن إطارها الاقتصادي، لتتحول إلى حراك أوسع ذي طابع سياسي، مع انضمام شرائح متعددة من المجتمع، بدءاً من تجار بازار طهران، مروراً بالطلاب وأصحاب الأعمال الصغيرة، وصولاً إلى ترديد شعارات مباشرة ضد رأس النظام. وقد أعاد ذلك إلى الأذهان مشاهد احتجاجات عام 2022 التي اندلعت بعد مقتل مهسا أميني، وإن كانت الموجة الحالية لم تبلغ بعد الحجم ذاته من حيث الانتشار.

في المقابل، واجهت السلطات التظاهرات بأسلوب أمني صارم، وسط تقارير حقوقية تتحدث عن سقوط أكثر من 20 قتيلاً منذ بداية الاضطرابات. ويأتي ذلك في ظل قيود مشددة على الإعلام، حيث يُمنع الصحفيون الأجانب من العمل بحرية داخل البلاد، ما يجعل معظم المعلومات الواردة معتمدة على مقاطع وشهادات من وسائل التواصل الاجتماعي، مع ما يرافق ذلك من صعوبات في التحقق.

على المستوى الخارجي، تتقاطع هذه التطورات مع تصعيد غير معتاد في الخطاب الأميركي. فقد وجّه الرئيس الأميركي دونالد ترامب تحذيرات مباشرة لطهران بشأن طريقة تعاملها مع المحتجين، في خطوة اعتبرها مراقبون عاملاً إضافياً قد يشجع اتساع رقعة الاضطرابات. وتزامنت هذه التحذيرات مع عملية أميركية لافتة في فنزويلا انتهت باعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، ما عزز الانطباع لدى دوائر إيرانية بأن هامش المناورة بات أضيق.

لكن التحدي الأكبر للنظام الإيراني لا يقتصر على الداخل. فإقليمياً، تعرضت طهران خلال العامين الماضيين لسلسلة من الانتكاسات الاستراتيجية، أبرزها الحرب مع إسرائيل في صيف 2025، التي أسفرت عن أضرار كبيرة في منشآت عسكرية ونووية إيرانية، إضافة إلى تراجع نفوذها في سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، وتلقي حزب الله ضربات إسرائيلية أضعفت بنيته القيادية.

كما أدت هذه التحولات إلى تقليص شبكة الحلفاء التي اعتمدت عليها إيران طويلاً في الالتفاف على العقوبات وتصدير النفط، خاصة عبر فنزويلا وروسيا، وباستخدام قنوات مالية معقدة يُعتقد أن جزءاً منها مرتبط بأسواق صينية. ويخشى اقتصاديون من أن أي تعطيل إضافي لهذه المسارات سيضاعف الضغوط على الاقتصاد الإيراني، الذي يعاني أصلاً من اختناقات حادة.

في هذا السياق، يجد المرشد الأعلى علي خامنئي نفسه أمام واحدة من أكثر اللحظات حساسية في مسيرته السياسية، بعد أن تآكلت خلال فترة قصيرة نتائج عقود من الاستثمار في النفوذ الإقليمي والبرنامج النووي وآليات تفادي العقوبات. ومع عودة ترامب إلى البيت الأبيض، واستمرار حكومة يمينية متشددة في إسرائيل، تبدو الخيارات الدبلوماسية أمام طهران محدودة، فيما يلوح ثمن باهظ لأي مسار محتمل للخروج من الأزمة.

وعلى الرغم من أن النظام لطالما برر سياساته الخارجية والنووية باعتبارها ضمانة للأمن القومي، فإن تداخل الضغوط الداخلية مع التراجع الخارجي يضع هذه السردية اليوم موضع تساؤل واسع، في وقت يبدو فيه الاستقرار أقل رسوخاً مما كان عليه في أي مرحلة سابقة.

متابعات عربية

اليمن: عدن بين إعادة ضبط الأمن وتصدّع الانتقالي وهروب الزبيدي

شهدت العاصمة اليمنية المؤقتة عدن خلال الساعات الماضية تحولات أمنية وسياسية غير مسبوقة، تمثلت في انسحاب قوات المجلس الانتقالي الجنوبي من مختلف مديريات المدينة، مقابل انتشار واسع لقوات ألوية العمالقة وقوات الأمن والحزام الأمني، في إطار عملية أعادت للدولة السيطرة على المرافق الحيوية، ورافقتها قرارات سياسية حاسمة بحق قيادة الانتقالي، وعلى رأسها عيدروس الزبيدي.

أولاً: المشهد الميداني وإعادة الانتشار

أفادت مصادر رسمية بأن قوات ألوية العمالقة تمكنت، بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية، من تأمين مطار عدن الدولي، إضافة إلى السيطرة على قصر معاشيق ومبنى البنك المركزي والمجمع القضائي، عقب انسحاب قوات الانتقالي من نقاط التفتيش والمواقع السيادية. وأكدت المصادر أن حركة الملاحة الجوية تسير بصورة طبيعية، وأن المطار يعمل دون انقطاع.

وفي موازاة ذلك، فُرض حظر تجول ليلي من التاسعة مساءً حتى السادسة صباحاً بقرار من نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني وقائد ألوية العمالقة عبد الرحمن المحرمي، في خطوة هدفت إلى منع أي انفلات أمني واحتواء تداعيات انسحاب الانتقالي. وأكدت قيادات أمنية أن الوضع في المدينة «مستقر وتحت السيطرة» بفضل التنسيق المشترك.

ثانياً: قرارات سياسية وإجراءات حاسمة

سياسياً، عقد مجلس القيادة الرئاسي اجتماعاً طارئاً انتهى بإسقاط عضوية عيدروس الزبيدي من المجلس وإحالته إلى النائب العام بتهم شملت الخيانة العظمى، وتشكيل عصابة مسلحة، والإضرار بالأمن الوطني، وعرقلة جهود الدولة. كما قرر المجلس إعفاء محافظ عدن أحمد لملس من منصبه وإحالته للتحقيق، وتعيين عبد الرحمن شيخ اليافعي محافظاً جديداً، في إطار إعادة هيكلة السلطة المحلية.

وأكد مسؤولون حكوميون أن هذه القرارات «لن تُحدث فراغاً أمنياً»، بل تهدف إلى إعادة توحيد القرار العسكري والأمني تحت مظلة الدولة، ومنع أي كيانات مسلحة خارج التسلسل القيادي الرسمي.

ثالثاً: لغز اختفاء الزبيدي

على جانب أخر، تضاربت الأنباء بشأن مصير الزبيدي، وسط ترجيحات رسمية بأنه غادر عدن، ربما باتجاه الضالع، أو إلى مكان غير معلوم. وأعلن تحالف دعم الشرعية في اليمن أن الزبيدي فرّ بعد أن كان قد أُبلغ بالحضور إلى الرياض للقاء رئيس المجلس رشاد العليمي وقيادة التحالف لبحث أسباب التصعيد.

وأوضح التحالف أن الزبيدي، وقبيل مغادرة وفد الانتقالي إلى الرياض، قام بتحريك قوات كبيرة من معسكري حديد والصولبان باتجاه الضالع، ووزّع أسلحة وذخائر على عشرات العناصر داخل عدن بهدف إحداث اضطراب أمني، ما دفع التحالف وقوات «درع الوطن» إلى تنفيذ ضربات استباقية محدودة لإفشال المخطط ومنع تمدد الصراع.

إلا أن أخر الأنباء الواردة من المتحدث الإعلامي للتحالف ترجح أن الزبيدي هرب بحراً إلى “جمهورية أرض الصومال” المزعومة، ومنها اتخذ طريقاً جوياً انتهى به إلى “أبو ظبي”.

رابعاً: انقسام داخل الانتقالي ومسار التهدئة

كشفت التطورات عن انقسام واضح داخل صفوف المجلس الانتقالي، إذ شارك المحرمي—وهو قيادي بارز في الانتقالي—في اجتماع مجلس القيادة الرئاسي، وأمر بنشر قواته لحماية عدن، في مقابل مواقف متناقضة لقيادة المجلس التي أكدت في بياناتها أن الزبيدي «يواصل مهامه»، قبل أن تعود وتطالب السعودية بضمان سلامة وفدها الموجود في الرياض.

وفي السياق ذاته، وصل وفد من قيادات الانتقالي إلى الرياض للمشاركة في محادثات تهدئة وحوار جنوبي–جنوبي برعاية المملكة العربية السعودية، وفي غياب عيدروس الزبيدي، وسط تأكيدات رسمية بأن الحل السياسي ودمج القوات ضمن مؤسسات الدولة يبقى الخيار المفضل للحكومة الشرعية.

خامساً: أبعاد إقليمية وتداعيات مقبلة

تزامنت أحداث عدن مع غارات جوية للتحالف على مواقع في الضالع، ما يعكس حساسية الموقع الجغرافي للمحافظة التي تُعد عقدة وصل بين الشمال والجنوب ومعقلاً تقليدياً لقيادة الانتقالي. ويرى مراقبون أن ما جرى يمثل محاولة حاسمة لإعادة ضبط المشهد الجنوبي، وإنهاء حالة الازدواج العسكري، تمهيداً لمرحلة أكثر تماسكاً في مواجهة التحدي الأكبر المتمثل بجماعة الحوثي في صنعاء.

ما شهدته عدن لا يقتصر على إجراء أمني عابر، بل يشكل نقطة تحول في مسار الصراع داخل معسكر «الشرعية». فانسحاب الانتقالي، وانتشار قوات الدولة، والقرارات القضائية بحق الزبيدي، كلها مؤشرات على انتقال السلطة إلى مرحلة فرض مركزية القرار بالقوة الناعمة حيناً وبالحسم حيناً آخر، مع فتح باب الحوار لمن يلتزم بالمسار السياسي، وإغلاقه أمام من يختار التمرد والمواجهة. (انظر) (انظر) (انظر)

عدن بين الاتهام والنفي: تصاعد الجدل حول القيود الأمنية والانتهاكات بحق القادمين

أعادت اتهامات الرئاسة اليمنية للمجلس الانتقالي الجنوبي بتقييد حركة المواطنين القادمين إلى العاصمة المؤقتة عدن فتح ملف الانتهاكات الأمنية في المدينة، في وقت ينفي فيه الانتقالي هذه الاتهامات ويصفها بالمزاعم. وطالبت الرئاسة، في بيان رسمي، بإنهاء فوري وغير مشروط لكل القيود المفروضة على التنقل، معتبرة أن ما يجري يمثل «انتهاكاً جسيماً للدستور» ويقوض السلم الاجتماعي.

وبحسب مصادر في مكتب رئاسة الجمهورية، تلقت السلطات بلاغات موثوقة عن اعتقالات واحتجاز مسافرين، بينهم عائلات ومرضى وطلاب، صدرت بتوجيهات من قوات الحزام الأمني التابعة للمجلس الانتقالي. وأكدت الرئاسة أن هذه الممارسات تشكل خرقاً للقوانين الوطنية والمواثيق الدولية، فيما نقلت وكالة سبأ تأكيدات رسمية بضرورة وقف أي إجراءات أحادية خارج إطار مؤسسات الدولة.

في المقابل، نفت وسائل إعلام محسوبة على المجلس الانتقالي الجنوبي فرض أي قيود ممنهجة، معتبرة أن الإجراءات الأمنية تأتي في سياق الحفاظ على الاستقرار، ومشيرة إلى أن الجنوب شهد نزوح ملايين المواطنين من الشمال بسبب الأوضاع الأمنية هناك. غير أن مصادر محلية وشهادات ميدانية تحدثت عن تشديد نقاط التفتيش على مداخل عدن، وتكثيف عمليات التفتيش الشخصي، خصوصاً في الطرق القادمة من المحافظات الشمالية.

وتدعم هذه الشهادات تقارير حقوقية سابقة، أبرزها تقرير صادر عن منظمة رايتس رادار، وثق أكثر من ألف حالة انتهاك في عدن منذ 2014، شملت اختطافات واحتجازاً وتعذيباً وتقييداً لحرية التنقل في مناطق خاضعة لسيطرة تشكيلات الانتقالي.

ويأتي هذا الجدل في ظل تحولات ميدانية متسارعة، بعد سيطرة قوات درع الوطن التابعة لمجلس القيادة الرئاسي على محافظتي حضرموت والمهرة، ما اعتُبر خسارة استراتيجية للمجلس الانتقالي. ومع هذه التطورات، تبرز عدن بوصفها العقدة الأكثر حساسية، إذ يرى مراقبون أن مستقبل المدينة سيتحدد إما بتسوية سياسية شاملة، أو بخيار أمني مشابه لما جرى في المحافظات الشرقية، وسط آمال شعبية بإنهاء حالة الفلتان وبسط سلطة الدولة والقانون.

“شبكة تجسس” مزعومة في اليمن: كيف تُستخدم التهم الأمنية لتعبئة الداخل وابتزاز الإقليم؟

يكشف  تحقيق جديد نشر على موقع المشاهد، عن نمطٍ متكرر تتبعه جماعة الحوثي يقوم على إعلان “شبكات تجسس” مزعومة، متبوعاً بحملات تعبئة رقمية منسقة عبر منصة “إكس”، تتضمن خطاباً تحريضياً ودعوات للإعدام وتهديدات إقليمية، خصوصاً تجاه السعودية. ويُظهر الرصد أن هذه الحملات تُدار عبر حسابات إعلامية رسمية وناشطين موالين، مع مشاركة حسابات إقليمية من لبنان والعراق، وإعادة تدوير وسوم وسرديات قديمة لتعظيم الانتشار.

ويخلص التحقيق إلى أن الاتهامات تُستخدم داخلياً لتبرير الاعتقالات والإخفاء القسري بحق موظفين أمميين وعاملين إنسانيين، وخارجياً لإرسال رسائل ضغط سياسية وأمنية، في سياق حالة طوارئ غير معلنة تعيشها الجماعة بعد خسائر إقليمية وأمنية. كما يحذر خبراء قانونيون من الأضرار الجسيمة لهذه الحملات على قرينة البراءة والمحاكمة العادلة، خاصة مع بث اعترافات قسرية ونشر “أدلة” إعلامياً قبل القضاء.

وتكشف قضية ما سمّته جماعة الحوثي بـ«شبكة تجسس» عن نمط متكرر في إدارة الصراع الداخلي والخارجي، يقوم على توظيف التهم الأمنية كأداة سياسية وإعلامية، تتجاوز بعدها القضائي لتتحول إلى حملة تعبئة شاملة. فمنذ إعلان وزارة الداخلية التابعة للجماعة، في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، عن تفكيك شبكة مرتبطة –بحسب روايتها– بالولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية، ترافقت القضية مع موجة اعتقالات واسعة طالت موظفين أمميين وعاملين في منظمات إنسانية، ثم حملة رقمية منسقة على منصة «إكس».

الحملة لم تكتفِ بالترويج للرواية الرسمية، بل استخدمت وسوماً تحريضية ودعوات صريحة للإعدام، إلى جانب تهديدات مباشرة للسعودية، مع تغييب شبه كامل للولايات المتحدة وإسرائيل من الخطاب لاحقاً. ويُظهر الرصد الرقمي أن حسابات رسمية مثل قناة «المسيرة» ووكالة «سبأ» لعبت دوراً مركزياً في ضخ المحتوى، بدعم من شبكات حسابات محلية وإقليمية، لا سيما من لبنان والعراق، مع إعادة تدوير وسوم استُخدمت في قضايا مشابهة خلال الأعوام السابقة.

هذا النمط يعكس استراتيجية ممنهجة للجماعة تقوم على ثلاث وظائف رئيسية: أولاً، تهيئة الرأي العام الداخلي لتقبّل أحكام قاسية، بما فيها الإعدام، عبر تقويض قرينة البراءة والإدانة المسبقة. ثانياً، تبرير حملات القمع والإخفاء القسري بحق فئات مدنية وإنسانية، عبر ربطها بخطاب «الأمن القومي» و«الاختراق الاستخباراتي». ثالثاً، توجيه رسائل سياسية وأمنية إقليمية، خصوصاً للسعودية، في لحظة حساسة تشهد تراجعاً في التصعيد العسكري المباشر.

قانونياً، يحذّر حقوقيون من أن بث الاعترافات قسراً ونشر ما يُسمى بالأدلة قبل المحاكمة يشكّل انتهاكاً جسيماً لمعايير المحاكمة العادلة، وقد يرقى إلى الإعدام خارج إطار العدالة. أما سياسياً، فإن القضية تعكس حالة قلق أمني متصاعد داخل الجماعة، ومحاولة لإعادة ضبط الداخل عبر الخوف والتعبئة، في سياق إقليمي متغير. وبذلك، لا تبدو «شبكة التجسس» سوى حلقة جديدة في سلسلة توظيف التضليل الإعلامي كأداة حكم وسيطرة.

ساعر من «أرض الصومال»: اتفقنا على تبادل فتح السفارات قريباً

أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر التوصل إلى اتفاق مع ما يُعرف بـأرض الصومال يقضي بالتعيين المتبادل للسفراء وفتح السفارات في المستقبل القريب، وذلك خلال زيارة رسمية أجراها إلى مدينة هرجيسا.

وقال ساعر، في تصريح نشره عبر منصة «إكس»، إن زيارته تمثل «أول زيارة دبلوماسية رسمية» يقوم بها وزير خارجية إسرائيلي إلى الإقليم، واصفاً إياها بأنها «رسالة واضحة على عزم إسرائيل تعزيز العلاقات مع أرض الصومال بشكل نشط». وأضاف أنه أجرى «مناقشات جوهرية» مع رئيس الإقليم وكبار أعضاء حكومته تناولت مختلف جوانب العلاقات الثنائية.

وأكد ساعر أن الطرفين توصلا إلى «اعتراف متبادل وإقامة علاقات دبلوماسية كاملة»، مشدداً على أن هذه الخطوة «لا تستهدف أي طرف آخر»، وأن هدفها يتمثل في «تعزيز المصالح المتبادلة». كما أعلن أن رئيس أرض الصومال قبل دعوة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وسيقوم بزيارة رسمية إلى إسرائيل خلال الفترة المقبلة.

وخلال مؤتمر صحفي عقد في هرجيسا، كشف ساعر أن اتفاقاً «تاريخياً» وُقّع في ديسمبر/كانون الأول الماضي بين الجانبين، يتضمن الاعتراف المتبادل وإقامة علاقات دبلوماسية كاملة، لافتاً إلى أن الاتفاق الحالي يمهد عملياً لافتتاح السفارات وتبادل السفراء.

من جهتها، أعلنت وزارة الخارجية الإسرائيلية في بيان رسمي أن الزيارة جرت بدعوة من رئيس أرض الصومال عبد الرحمن محمد عبد الله، وأنها نُفذت في البداية بشكل غير معلن لأسباب أمنية. وأضاف البيان أن ساعر عقد لقاءات مع عدد من كبار المسؤولين، بينهم وزير الخارجية عبد الرحمن ظاهر آدم ووزير شؤون الرئاسة خضر حسين عبدي ورئيس الأركان العميد نمقان يوسف عثمان، وذلك في القصر الرئاسي بهرجيسا.

في المقابل، طالبت الصومال إسرائيل بالوقف الفوري لأي أنشطة من شأنها المساس بسيادتها ووحدتها وأمنها. كما أدان الأمين العام لـجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط زيارة ساعر، مجدداً الرفض القاطع لأي تحرك يمس سيادة جمهورية الصومال الفيدرالية ووحدة أراضيها.

الأمم المتحدة تحذر من تصعيد كردفان والدعم السريع يحتجز مئات النساء في دارفور

أعربت الأمم المتحدة عن قلق بالغ إزاء تقارير أفادت بتعرض مدينة الدلنج في ولاية جنوب كردفان لهجمات بطائرات مسيّرة خلال الفترة ما بين الأول والثالث من يناير/كانون الثاني الجاري، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف المدنيين.

وقال مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في السودان، عبر منصة “إكس”، إن هذا التصعيد العسكري يفاقم الأوضاع الإنسانية المتدهورة أصلاً للسكان المحاصرين داخل المدينة، داعياً جميع الأطراف إلى الالتزام بحماية المدنيين وضمان سلامتهم في جميع الأوقات.

وكانت منظمات محلية قد حذرت من كارثة صحية وإنسانية وشيكة في الدلنج، في ظل استمرار حصار المدينة وقصفها من قبل قوات الدعم السريع وحليفتها الحركة الشعبية، بالتزامن مع نقص حاد في الخدمات الأساسية.

وتشهد مدينتا الدلنج وكادوقلي، منذ الأشهر الأولى للحرب، حصاراً خانقاً وهجمات متكررة، في ظل اشتباكات عنيفة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في ولايات كردفان الثلاث، ما أدى إلى نزوح عشرات الآلاف من السكان.

مئات النساء رهن الاحتجاز بدارفور
في سياق متصل، أفادت وكالة الأنباء الألمانية، نقلاً عن وسائل إعلام سودانية، بأن قوات الدعم السريع تحتجز نحو 600 امرأة، بعضهن برفقة أطفالهن، في سجن “كوريا” بمدينة نيالا بولاية جنوب دارفور، في ظروف إنسانية وُصفت بالغة السوء، نتيجة طول فترة الاحتجاز وشح المياه والغذاء.

وبحسب المصادر، تواجه المعتقلات اتهامات بالتعاون مع الجيش السوداني وتقديم إحداثيات للطيران، في حين جرى توقيف أخريات بسبب رفضهن الانضمام إلى قوات الدعم السريع، أو على خلفية قضايا مدنية وجنائية.

ويأتي ذلك في ظل استمرار الحرب الدامية في السودان منذ أبريل/نيسان 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع، والتي خلّفت آلاف القتلى وملايين النازحين، وسط تحذيرات دولية متزايدة من تفاقم الأزمة الإنسانية واتساع رقعة العنف في مختلف أنحاء البلاد.

متابعات إفريقية

الاستراتيجية الإفريقية في ظل تحولات النظام الدولي: قراءة في تقرير “الاتجاهات العالمية 2025”

يقدّم تقرير “الاتجاهات العالمية 2025: عالم متحوّل” الصادر عن مجلس الاستخبارات الوطني الأميركي قراءة استشرافية عميقة لمستقبل النظام الدولي، ويمنح القارة الإفريقية موقعاً مركزياً بوصفها إحدى أكثر المناطق تأثراً بالتحولات البنيوية القادمة. فإفريقيا، رغم امتلاكها موارد طبيعية ضخمة وكتلة بشرية شابة، ما تزال تواجه مزيجاً معقداً من التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية، في مقدمتها هشاشة مؤسسات الدولة، واتساع رقعة الفقر، وتسارع النمو السكاني، وتداعيات التغير المناخي.

يشير التقرير إلى أن التحول الديموغرافي العالمي سيجعل من إفريقيا جنوب الصحراء إحدى بؤر النمو السكاني الأساسية، في وقت تعاني فيه الدول المتقدمة من الشيخوخة وتقلص القوى العاملة. هذا “الانفجار الشبابي” يمنح القارة فرصة تاريخية لتحقيق نمو اقتصادي إذا ما اقترن بإصلاحات تعليمية وتشغيلية حقيقية، لكنه في المقابل يحمل مخاطر عدم الاستقرار إذا استمرت البطالة وضعف الحوكمة.

وعلى الصعيد الجيوسياسي، يضع التقرير إفريقيا في قلب التنافس الدولي المتصاعد، خاصة مع تنامي حضور الصين والهند وقوى آسيوية أخرى الساعية إلى الموارد والأسواق الإفريقية. غير أن اتساع الانخراط الدولي لا يعني بالضرورة تحسناً في أوضاع السكان، إذ يحذّر التقرير من أن السياسات الزبائنية وضعف الإصلاحات قد يؤديان إلى تعميق الفجوات الاجتماعية وتغذية النزاعات الأهلية والجريمة المنظمة.

أما الدور الأميركي في إفريقيا، فيتأرجح –وفق التقرير– بين الانحسار وإعادة التموضع. فالولايات المتحدة ما تزال تحظى بصورة إيجابية نسبياً لدى الرأي العام الإفريقي، مرتبطة بالمساعدات التنموية والإنسانية، إلا أن الإفراط في المقاربة الأمنية قد يقوّض هذه القوة الناعمة ويفتح المجال أمام منافسين دوليين.

ويخلص التقرير إلى أن مستقبل إفريقيا لن يُحسم فقط بتوازنات القوى الكبرى، بل بقدرة القارة نفسها على تحويل الضغوط إلى فرص عبر تعزيز التكامل الإقليمي، وبناء رأس مال بشري مؤهل، وصياغة رؤية مستقلة تُمكّنها من أن تكون فاعلاً حقيقياً في نظام دولي متعدد الأقطاب، لا مجرد ساحة للتنافس عليه.

صوفيا خوجاباشي

صحفية وباحثة في العلاقات الدولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى