fbpx
دراساتسياسة

10 سنوات بعد ثورة يناير: (4) رؤى تقييمية

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

تعددت التقييمات والتحليلات التي تناولت المسار الثوري في مصر بعد 25 يناير 2011، وحتى الذكرى العاشرة للثورة، ويمكن الوقوف على أهم ما انتهت إليه هذه التقييمات من نتائج وخلاصات، على مستويين، الأول يتناول مؤشرات الإخفاق، والثاني، مقترحات التصويب، وذلك على النحو التالي:

أولاً: مؤشرات الإخفاق

يرى John Foran أن الثورات يمكم أن تتعرض للانتكاس، حينما تظل القوى الثورية أو قوى التغيير السياسي خاضعة لتأثير التبعية الاقتصادية الخارجية، وحينما تشهد حالة سيولة من التعددية السياسية وتنوع المؤسسات الديمقراطية، ويحتدم النزاع الداخلي بين القوى الثورية على المكاسب والمغانم الذاتية والضيقة على حساب المصالح الوطنية والقضايا الجامعة، وحين تعجز الثقافة السياسية الثورية عن إدماج التحالفات الثورية في السلطة ويشتد الخلاف الداخلي في الرأي وتخترق القوى المعارضة للحكم الثوري – سواء الداخلية أو الخارجية- أطراف التحالف الثوري، وحين يغيب أو يتراجع الدعم والتأييد الخارجي (الدولي والإقليمي) للتغيير الثوري[1].

وفي تحليل أعده Janakan Muthukumar حول موضع مصر الآن بعد عشر سنوات من ثورتها في إطار مراحل هنتنجتون عن التحول الديمقراطي (ظهور الإصلاحيين، واكتساب السلطات، وفشل الإصلاح الليبرالي، والشرعية المشوهة، وتعاون المعارضة) أنه وفقاً لهنتنجتون، تأتي الموجة الثالثة من التحول الديمقراطي مع صعود جماعات المعارضة والشعب ضد قوة السلطة المحلية، خاصةً حين يحكم البلاد نظام عسكري، أو نظام الحزب الواحد، أو نظام ديكتاتوري استبدادي[2]، وبتطبيق مراحل التحول على مصر، انتهى Muthukumar، إلى أن[3]:

المرحلة الأولى: ظهور الإصلاحيين:

يطالب الإصلاحيون بالتغيير من نظام استبدادي طاغية إلى حكومة ديمقراطية شفافة، وتُشجع هذه المرحلة الشعب على المطالبة بحقوقه من خلال الاحتجاجات، وهو ما قد يؤدي إلى ثورة شاملة ضد الحكومة القائمة. وتطبيقاً على النموذج المصري، فقد اشتعلت الثورة في مصر في 25 يناير/ كانون الثاني عام 2011، وتطورت للإطاحة بالحكومة، وعلقت الحكومة الاستبدادية المتهمة بفرض قانون الطوارئ، الذي يمنح الشرطة المزيد من السلطات، الحقوق الدستورية، مثل تجاهل طلب المثول أمام المحكمة. وقوضت مثل هذه التصرفات حق التعبير عن الرأي السياسي وسيادة القانون، وأدت وحشية الشرطة إلى توقف جميع آليات الحماية المدنية، وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. ومنعت الفردية والاستقلالية والرقابة الاجتماعية باسم سيادة الدولة المطلقة.

المرحلة الثانية: حين يتولى الإصلاحيون السلطة:

يقول هنتنجتون إن هذا يمكن أن يحدث في ثلاثة أشكال: الأول، حين يموت الديكتاتور الاستبدادي، ويتولى خليفته الحكم في ظل وجود ما يشير إلى إمكانية إقامة نظام ديمقراطي، والثاني، انتقال السلطة من الحاكم الديكتاتوري في مرحلة انتقالية، يؤكد فيها الزعيم الاستبدادي انتقال السلطة تجنباً لثورة المعارضة الإصلاحية، مثل تنازل بورتيو عن السلطة إلى دي لا مدريد في المكسيك، والثالث، انتقال السلطة الناجم عن ضغط الإصلاحيين الذي يؤدي في النهاية إلى استقالة الزعيم الاستبدادي.

وفي الحالة المصرية، وصلت حكومة مبارك عن طريق الشكل الثالث من أشكال اكتساب السلطة. ورغم أن مبارك، في المرحلة الأخيرة من الثورة، نقل سلطته إلى المجلس العسكري، وأَمر باتباع تعليماته، إلا أنه أُرغم على التنحي بعد 18 يوماً، بسبب تواصل احتجاجات الشعب المصري. وبعد تنازله عن السلطة، أصبح المجلس الأعلى للقوات المسلحة هو من يحكم مصر، وكان دوره المجلس مبهماً، فعلى الرغم من قبول الشعب المصري للدستور الذي جرت صياغته في مارس/آذار عام 2011، ساد شعور مُبرَّر بالخوف بين الجمهور من دور المجلس الأعلى، ومدى تأثيره على الانتخابات الديمقراطية. فضلاً عن ذلك، أدى الغموض حول دور الجيش، خاصة بعد الانتخابات، إلى المزيد من التحديات في عملية التحول الديمقراطي في مصر، لذلك لم تحقق المرحلة الانتقالية التي تحكم فيها الجيش المرحلة الثانية من التحول الديمقراطي، وهي “تولي الإصلاحيين السلطة”[4].

المرحلة الثالثة: فشل الإصلاح الليبرالي:

وهذا يعني أن الحكومة القائمة في السلطة ستجري إصلاحات بسيطة ومؤقتة وسطحية باتجاه التحرر، استجابة لمطالب الجهات الفاعلة الدولية والمحلية المعارضة للركود الاقتصادي أو التفرُّد السياسي.

وفي حالة مصر، طوَّر مبارك عملية الإصلاح الليبرالي عبر إجراء إصلاحات اقتصادية وسياسية. ففي الاقتصاد، رفع إنشاء سوق نقد أجنبي القيود الرسمية وغير الرسمية عن الوصول إلى العملات الأجنبية. وشجع القطاع الخاص على الانخراط في الاقتصاد وخفض مستوى الرسوم الجمركية، إلا أن المؤشرات الرقمية تؤكد أن هذه الإصلاحات كانت سطحية ولم تستفد منها إلا الطبقة العليا.

ولم تؤدِ الإصلاحات السياسية أيضاً إلى أي تغيير نوعي في الحكم أو النظام السياسي. إذ صدر التعديل الأول للمادة 76 من الدستور، لتمكين مرشحين آخرين من المشاركة في الانتخابات الرئاسية، ورغم أن التعديل يسمح قانوناً للمرشحين الآخرين بالمشاركة في الانتخابات، إلا أنه على أرض الواقع، وبسبب السلطة الاستبدادية، لم يتمتع أي من المرشحين بحرية منافسة مبارك.

وقد وعد مبارك في حملة ترشحه عام 2005، بتقييد سلطات الرئيس، وانتقال السلطة إلى البرلمان، وإصلاح القضاء واستقلاله، ونظرت بعض التيارات السياسية لإمكانية تنفيذ هذا الوعد، لكن فعلياً استمر مبارك في احتفاظه بسلطاته[5]. بل وسجن المرشح الذي نافسه في الانتخابات أيمن نور.

والنتيجة النهائية أنه لم تحقق أي من الإصلاحات التي أجراها مبارك الديمقراطية الحقيقية في مصر. إلا أنها شجّعت المعارضة على المطالبة بإصلاحات سياسية أكبر، أدت في النهاية إلى “ثورة” المصريين. حيث عملت المعارضة على تقويض شرعية النظام الاستبدادي عبر توحيد معارضتهم والعمل معاً ضد الديكتاتورية، مع العمل على بناء التعاون بين الزعماء السياسيين والجماعات الاجتماعية والجماعات المدنية التي تريد حكومة ديمقراطية.

وكان التظاهر هو المرحلة الأولى التي نفّذها الإصلاحيون لتقويض شرعية مبارك، وطلب المتظاهرون الدعم من المنظمات الدولية، وكذلك الدول الغربية، التي منها الدول الأعضاء في حلف الناتو، ثم انضم الإصلاحيون إلى الجيش المصري لقلب نظام مبارك، ولم تترك هذه المبادرة في النهاية لمبارك أي خيار، وأجبرته على الاستقالة بعد 18 يوماً من الاحتجاج.

وقفز الجيش فوق الثورة، وكان هدفه بناء مصر قوية من خلال الجيش القوي، وليس نقل السلطة إلى حكومة مدنية. وأدت هذه الرؤية إلى وضع غير متوازن في عملية التحول الديمقراطي[6].

وفي فبراير 2020 نشرت مجلة بلومبيرج الأمريكية تحليلاً بعنوان: “المصريون ليسوا أفضل حالاً عما كانوا عليه قبل الربيع العربي”[7]، من بين ما جاء فيه، حول تقييم مسار الثورة المصرية: “كان من بين الهتافات الأكثر شعبية آنذاك سواءً في ميدان التحرير بالقاهرة أو في أماكن التظاهر الأخرى تلك التي طالبت بــ “العيش والحرية والعدالة الاجتماعية”، إلا أنه وبعد مرور عقد من الزمان، فإن هذه المطالب لا تزال بعيدة المنال كما كانت دائماً، بعد أن نعم المصريون لبعض الوقت بقدر أكبر من الحرية في أعقاب سقوط حكم حسني مبارك مباشرة، حيث ازدهرت حرية التعبير، وتم تشكيل أحزاب سياسية جديدة ذات توجهات أيديولوجية متنوعة، وبدأت وسائل الإعلام الخاصة والمملوكة للدولة في نشر أخبار وتقارير تنتقد الحكومة بشكل مباشر. وأصبح المصريون يتابعون وضعاً غير مألوف بالنسبة لهم من أسلوب جديد في طريقة التعامل معهم، حيث كان الصحفيون والناشطون يظهرون على شاشات التلفاز وينتقدون المسؤولين والسياسيين بكل جرأة وصراحة.

لكن العيش والعدالة الاجتماعية ظلّا بعيدي المنال، أولاً في ظل الإدارة العسكرية التي استلمت الحكم من مبارك، فقد ورث الحكام الجدد في مصر مشاكل هيكلية ابتُلي بها الاقتصاد على مدى عقود. وشملت هذه المشاكل البنية التحتية السيئة، والمؤسسات العامة غير الفعالة، وقائمة شديدة الكُلفة من صنوف الدعم (المقدم للطبقات الفقيرة) بالإضافة إلى سلسلة من اللوائح المتراكمة على مدى عقود من الزمان”.

وأضافت: لقد “وضع الانقلاب في عام 2013 نهاية مفاجئة لحرية التعبير الذي كانت تتمتع بها البلاد، وتعرض المعارضون لاستيلاء الجنرال عبد الفتاح السيسي على السلطة لإطلاق النار في الشوارع أو السجن بشكل جماعي، وتعرضت وسائل الإعلام بشكل فوري لبطش النظام الجديد الذي أعادها إلى زمن الذل والعبودية القديمة من جديد. ولكن السيسي الذي كان قد وعد بتوفير العيش والعدالة الاجتماعية طلب من المصريين أن يتحملوا بعض المصاعب أثناء إجراء بعض الإصلاحات الاقتصادية”.

و”بينما يكافح المصريون بشكل محموم من أجل تغطية احتياجاتهم من السلع الأساسية، يدافع السيسي علناً عن قيامه بتشييد قصور رئاسية فخمة ويعلن تصميمه على مواصلة القيام بذلك. ومع تراكم الديون بوتيرة مقلقة، تواصل الحكومة الدخول في مشروعات ضخمة غير ذات جدوى مثل العاصمة الإدارية الجديدة التي تبلغ تكلفتها 58 مليار دولار ومن المقرر أن تحتوي على أطول برج في أفريقيا”.

و”على الرغم من ندرة استطلاعات الرأي الموثوقة، إلا أن هناك الكثير من الدلائل التي تدل على انتشار حالة من عدم الرضا الشديد في مصر”، و”على الرغم من سجن عشرات الآلاف من السياسيين والناشطين المعارضين في مصر منذ عام 2013، فإن التهديد (لنظام السيسي) لا يزال قائماً والخوف من الانتفاضة عليه لا يزال موجوداً – لا سيما وأن المصريين الذين اضطروا إلى التضحية بالحرية من أجل الأمن الاقتصادي، لازال معظمهم لم يحصلوا على أي منهما حتى الآن”[8].

وفي تقييم للمسار الثوري المصري، خلص عبد الفتاح ماضي، في كتابه “عثرات في الميدان.. كيف أخفقت ثورة يناير في مصر؟”[9]، إلى أن ثورة 25 يناير جزء من نضال شعبي ممتد يهدف إلى تحقيق الاستقلال التام وإنجاز دستور عصري، يقيم دولة القانون ويحمي الحريات ويحقق العدالة، وهو هدف لم يتحقق حتى الآن، إذ انتقلت مصر من نظام حكم الفرد والأجهزة الاستخباراتية في زمن جمال عبدالناصر، إلى نظام يقنن الفساد ويعمق الفوارق الاجتماعية والاقتصادية، ويدمر الحياة السياسية، في عهدي محمد أنور السادات ومحمد حسني مبارك. أنظمة كانت دائما تقيد الحريات وتعيق كل المحاولات الجادة لترسيخ الديمقراطية بذرائع مختلفة، وقادت البلاد إلى وضع وصفت فيه بأنها “دولة الطوائف الوظيفية”، حيث تستأثر النخبة الحاكمة بها باعتبارها ملكية خاصة، ولا مكان فيها للمراقبة أو المحاسبة، بينما يتم تحميل الشعب الذي سلبت حريته وحقوقه المدنية والسياسية مسؤولية تردي أوضاعه. 

ويضيف ماضي: “إن الثورة شهدت مساراً سياسياً مرتبكاً” في المرحلة الانتقالية التي تلت سقوط نظام مبارك. مسار تأكد فيه أن الأطراف السياسية التي تصدرت المشهد السياسي لم تكن تدرك طبيعة عملية التغيير الثوري ومتطلبات إدارته من جهة، ولم تنجح في مواجهة ما زرعته الدولة العميقة وخصوم الثورة من انقسامات بين قوى الثورة من جهة أخرى. وأفضت مواقف هذه الأطراف واختياراتها إلى التعامل مع الثورة كأنها ثورة انتخابية

أي حصر الديمقراطية ومطالب التغيير في الانتخابات واختيار الحكام بدلا من الاهتمام بأركان الديمقراطية، وبمتطلبات معالجة القضايا الشائكة الأخرى، فتكون النتيجة قيام الانتخابات بتعقيد المشهد السياسي وزرع الانقسام.. وهنا تكون النخب القديمة هي المستفيد الأكبر؛ إذ تستطيع العودة إلى صدارة المشهد بما تمتلك من علاقات ونفوذ، لتنتهي المرحلة بانهيار المسار الديمقراطي الوليد وانقلاب الجيش عليه وتهيئة البلاد لتحكم قوى الثورة المضادة”.

وفي تقييمه للدور الذي قامت به قوى المعارضة المصرية، خلص “الخطيب” إلى وجود عدة أخطاء وقعت فيها هذه القوى، من بينها[10]:

1ـ ترك الميدان بعد تنحي مبارك مباشرة، دون أن يكون هناك اتفاق على الخطوات المستقبلية، ودون الشعور بقيمة الميدان وفاعليته كأداة ضغط حقيقية في تحقيق أهداف الانتفاضة.

2ـ عدم صياغة مشروع يشعر الجميع بالمساهمة فيه، ويحاول أن يقدم رؤية لما بعد مبارك، وغياب مشروع سياسي أدى إلى تمركز القوى السياسية حول الأيديولوجيا كبديل للمشروع السياسي، فانصرف الجميع عن القضايا الأساسية كالديمقراطية والحرية، وأسس رؤيته على أساس الأيديولوجيا، فأصبحت الأيديولوجيا هي المشروع السياسي لكل فصيل.

3ـ عدم وجود خطاب سياسي يقوم على الإقناع للجماهير، وغياب المشروع أدى إلى غياب البنية التي يتشكل منها الخطاب. كما أن التحول إلى رد الفعل وليس الفاعل في الساحة السياسية جعل الخطاب في أساسه يقوم على اللحظة الآنية التي يظهر فيها الحدث. فكل خطاب يخرج من المعارضة ما هو إلا رد فعل للقمع المتنامي الذي يمارسه النظام. 

4ـ عدم قدرة المعارضة على تطوير ذاتها وأسلوب عملها والانتقال من الفعل الاحتجاجي كأساس وحيد لشكل المعارضة، أو حتى محاولة كسر حالة الجمود التي أصابتها.

5ـ التحالف مع الدولة العميقة من أجل إزاحة الآخر، أي الخصم السياسي، فقد لعبت جبهة الإنقاذ ذلك الدور ببراعة، وكانت لا تمتلك أي مشروع سياسي سوى الإطاحة بالإخوان المسلمين، ولعل مكونات الجبهة كانت أحد الأسباب في ذلك، وقد كان هذا استدعاء للجيش مرة أخرى ليقوم بالانقلاب على التجربة الديمقراطية الوليدة. 

6ـ الموافقة على فض اعتصام رابعة دون الوقوف ضد ذلك، أو إبداء مقاومة ولو ضعيفة، ففض الاعتصام على الهواء أمام مرأى ومسمع من الجميع، كان المقدمة لكل قتل سيمارسه النظام في المستقبل ضد من يخرج عن النظام أو يحاول أن يكون في المعسكر المقابل، وستستمر تداعيات الفض لأمد بعيد داخل المجتمع والدولة معا، فقد أصبح العنف المختزل داخل المجتمع متراكما بصورة أكبر، مما ترك تداعياته على بنية المجتمع ومكوناته الأساسية.

7ـ عدم القدرة على الاعتراف بالخطأ، وعدم الدعوة إلى المصالحة الوطنية كمبدأ يشمل الجميع بغض النظر عن موقفهم السياسي والأيديولوجي، مبدأ المساواة بين الجميع والحرية والعدالة للجميع وليس على أساس الانتماء الأيديولوجي والسياسي. فقد ساهمت المعارضة في هزيمة نفسها وتعميق الانقسام السياسي بينها وبين مكوناتها المختلفة، وهو ما أصبح جزءا من رؤيتها وتحركاتها، وهو ما يعني عدم قدرتها على تجاوز أزمتها الداخلية[11].

وحول فعالية الحركات الاجتماعية ودرجة امتلاكها لرأس المال السياسي، في مصر خلال السنوات العشر محل الدراسة، يرى “فؤاد”[12]، إن موروث 25 يناير قد فتح الباب على مصراعيه أمام الشرائح الاجتماعية المصرية البسيطة لتخرج من دائرة الكمون والتحفز باتجاه الفاعلية والمشاركة الإيجابية في مطالب التغيير، وبخاصة بعدما اطمأن المصري، إلى أن الدولة “العتيقة” التي كانت تحكم النهر وتعنى بتوزيع عوائده لم تعد هي نفسها تلك الدولة بعد آلاف السنين، وأن الاقتصاد قد تغير بصورة كبيرة، وأن الأوضاع الاجتماعية بالتبعية قد تغيرت تغيرا دون المتوسط، حيث تغيرت طرق الحياة وأنماطها بعيدا، بينما لم يتغير الوضع السياسي ونظام الحكم والأوضاع الدستورية إلا في المظهر فقط.

ونموذج يناير يعكس نتيجة مركزية، وهي أنه إن كان الفقراء غير قادرين على صوغ برنامج تغيير، فإنهم قادرون على الاختيار، وهي تركيبة مثلت تحديا نسبيا لما طرحه “جيمس ديفيز” الذي أكد أن الفقراء لا يثورون، وإذا ثاروا عندما تترقى أوضاعهم وصولا إلى حالة من “الحرمان النسبي”.

ومن هنا يمكن القول إن تقييم بناء وعي الجماهير أهم من قياس حيوية ذلك الوعي بانقياده إلى حالة حراك؛ مجهولة الرؤية، وخاصة وأن بناء الرؤية المشتركة قضية مركزية لدى فلاسفة الاجتماع السياسي، حيث التأكيد على أهمية إيجاد مصالح مشتركة بين تكوينات الحركة الاجتماعية من ناحية، والفرصة المناسبة لتفعيل الحراك نحو حماية هذه المصالح من ناحية ثانية.

ويميز “إدوارد لوبيز” بين نمطين من رأس المال السياسي، أولهما رأس مال الثقة السياسية، ويتعلق بنظرة المجتمع للسياسي وماضيه ونواياه وقدرته على تحقيق وإدارة الموارد لتحقيق هدفه، والثاني رأس المال التعبوي، ويتعلق بخبرة السياسي في المجال العام وقدرته على قراءة توجهات المواطنين وتوفير البدائل التي ترتضيه وتعمل على استمالته وتعبئته.

ومن هنا يمكن القول إن نوعين من افتقاد الثقة تسببا في محدودية إن لم يكن عزوف الجماهير عن المشاركة في دعوات حراك 2016، 2019، 2020، الأول غياب الثقة في المنظومتين القائمة والبديلة، والثاني غياب الثقة في كفاءة الاختيارات السياسية للنخبتين القائمة والبديلة.

وأنه مع عدم تبلور حركة اجتماعية فاعلة وحاضنة للتغيير الثوري، في مصر رغم مرور عشر سنوات على ثورة يناير 2011، فقد انحصر التفكير في مسارات التغيير السياسي بين بديلين، أولهما، استشعار المؤسسة العسكرية أن السيسي وإدارته أصبح يشكل عبئاً عليها، وعلى صورتها الذهنية لدى قطاع كبير من المواطنين، وعلى شرعيتها، التي اكتسبتها بفعل الإنجاز أو بنصوص دستورية متعاقبة، وثانيهما، توفر مدخل شعبي للتحريك/ التغيير السياسي، وهو مدخل مشروط بتوفر رأس مال سياسي، ودرجة من الثقة في البديل السياسي تضمن ألا يسقط الشعب ضحية انهيار اقتصادي، وغياب المؤسسية القادرة على فرض السيطرة على الأوضاع الاجتماعية، بما يمنع الانجرار لمستنقع الفوضى.

ثانياً: نحو تصويب المسار

تتعدد الاتجاهات الفكرية والتحليلية التي تناولت المتغيرات الحاكمة للتغييرات السياسية، وفي القلب منها التغييرات الثورية، وفي إطار هذه الاتجاهات يمكن التمييز بين:

الاتجاه الأول: أولوية المتغيرات الاقتصادية ـ الاجتماعية: 

ويرى أنصار هذا الاتجاه أن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية داخل كل بلد وعلى مستوى المنطقة تعد ضرورية وكافية لحدوث حالة التفجر وبداية موجة التغيير، ويتحدث هذا الاتجاه عن المعادلة التي يمكن أن تقود عبرها هذه الأزمات إلى حدوث حالة “الانفجار الشعبي”.

وأن جوهر الرؤية والمعادلة أن الحرمان الاقتصادي والاجتماعي من ناحية، والظلم الاجتماعي الذي يعبَّر عنه بالتفاوت الشديد في توزيع هذه الدخول، من ناحية ثانية، ووجود وعي فردي بالأمرين السابقين، ثم ينتقل هذا الوعي لكي يكون وعياً وشعوراً جماعيّاً بالظلم والقهر عبر وسائط وأدوات انتقال هذا الوعي من أدوات الاتصال المختلفة من ناحية ثالثة، وفي إطار ظرفية سياسية واجتماعية مناسبة من ناحية رابعة، يمكن أن يؤدي إلى حالة من حالات الانفجار وموجة من موجات التغيير الثوري المتعددة.

وتكون المعادلة على النحو التالي: الحرمان الاقتصادي + عدم العدالة التوزيعية + وسائط الاتصال + الوعي الجمعي + الظرفية السياسية المناسبة = التغيير الثوري[13].

الاتجاه الثاني: الأزمات السياسية: 

ويركز على الأزمات السياسية أيّاً كانت طبيعتها ومصادرها، وأشكالها، وتجلياتها المختلفة، مثل: (أزمة القيادة، وأزمة الخلافة السياسية، وأزمة الشرعية…إلخ)، والأزمات المؤسسية (أزمة غياب التوازن بين السلطات، وأزمة العلاقات المدنية-العسكرية، وأزمة الانقسامات داخل النخب الحاكمة….إلخ)، والتي مع تفاقمها يمكن أن تدفع باتجاه التغيير السياسي بأنماطه المختلفة.

الاتجاه الثالث: المتغيرات الإقليمية والدولية: 

يركز على أدوار النظامين، الإقليمي والدولي، في تفسير نجاح حدوث موجات التغيير أو إخفاقها، ويرى أن الأزمات السابقة الداخلية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية…إلخ، داخل كل دولة ضرورية ولكنها أيضاً ليست كافية لتفسير حدوث ونجاح موجة التغيير أو إخفاقها. وأن الأزمات النابعة من الإطارين الإقليمي العربي والدولي في لحظة تفجر عملية التغيير، يُفترض أن تكون مساعدة، أو على الأقل محايدة وألا تلعب دوراً معوقاً أو يؤدي إلى الإفشال.

وفي إطار هذه الاتجاهات يمكن القول إن تفجر الأزمات الاقتصادية والاجتماعية قد يؤدي إلى موجة ثانية من التغيير ولكنها ليست كافية بحد ذاتها لفعل ذلك؛ إذ إنها لابد أن تجد ترجمتها في واقع أزمات سياسية ومؤسسية بالأساس، وأن تتفاعل هذه الأزمات المركبة التي تشهدها كل دولة مع ما يحدث على المستوى الإقليمي والدولي[14].

وفي إطار هذه المتغيرات، والتي هي بالفعل حاكمة في مسار الثورة المصرية منذ يناير 2011 وحتى يناير 2021، تعددت السيناريوهات والبدائل المستقبلية المطروحة للثورة المصرية، ومن ذلك:

المسار الأول: استمرار الوضع على ما هو عليه:

وهو خليط من المقاومة المدنية (مسيرات، إضرابات، وقفات احتجاجية وفي أفضل الأحوال اعتصامات، مع اللجوء للإعلام والقضاء حين تتاح الفرصة). وما تفعله المعارضة عبر تكتلاتها في الخارج، والذي يتراوح بين النشاط الدبلوماسي والسياسي والإعلامي والحقوقي والقضائي الدولي.

وهذا مسار “ضغط” بالأساس وليس مسار “تغيير”؛ فالمقاومة المدنية سقفها إيجاد مقعد على طاولة التفاوض وليس قلب الطاولة، ومنطق “التغيير” من خلالها يأتي عبر تحييد المؤسسات المسلحة ومنع تعاطفها أو التقاء مصالحها مع كل مطالب أو بعض مطالب المقاومين.

ويستند أنصار هذا السيناريو إلى عدة محددات أساسية[15]:

1ـ التوجه السائد على المستوى الدولي داعماً للتسلطية والشعبوية السائدة في المنطقة العربية حاليّاً بعد نجاح الثورات المضادة، ومعادياً للتغيير وساعياً لبقاء الأوضاع القائمة في حالة من الجمود والاستمرارية.

2ـ قوة التحالف الإقليمي الذي قاد الثورات المضادة الأوضاع القائمة حاليّاً، وقدرته على استيعاب تأثير هذه الأزمات عليه، لمبررات مفهومة ويحقق في ذلك قدراً معيناً ومعقولاً من النجاح.

3ـ وجود “ذاكرة تاريخية” شكَّلها فشل الثورات العربية ونجاح الثورات المضادة ما زالت مؤثِّرة في الواقع المجتمعي بما يدعم بقاء الأوضاع كما هي خوفاً من أية صورة من صور التغيير رغم كل الأزمات الحادة وتحسباً لتكلفة التغيير وآثاره. وبالتالي، فإن هذه المجتمعات ستحتاج فترة من الزمن لكي تتعافى من آثار صدمة فشل الموجة الأولى من التغيير ولكي تعاود الكَرَّة في محاولة تغييرية جديدة.

4ـ أن القوى المجتمعية والشبابية التي قادت موجة التغيير الثورية الأولى والتي قد تم ضربها بعنف تحتاج لفترة من الزمن للتعافي ولتقوم بدورها مجدداً، أو لكي تتقدم قوى مجتمعية وشبابية جديدة لكي تقود موجة التغيير القادمة.

وفي إطار هذا السيناريو، يمكن تصور مستوى من التغيير المحكوم يتمثل في أن تقوم الثورات المضادة بتجديد نفسها، فيحدث استبدال وجوه وقيادات حاكمة من داخل نخب هذه الثورات المضادة، أي عبر تغيير في الوجوه والواجهات، وحدوث ما يطلق عليه: انقلابات (القصر الداخلية) مع بقاء نفس المعادلات القائمة.

المسار الثاني: المصالحة والتسوية:

وهنا تصطدم العدالة بالتهدئة، فالانتهاكات التي ارتكبها النظام العسكري خلال 10 سنوات منذ ثورة يناير 2011، يمكن أن تمرّ دون محاسبة جادة في حالة المصالحة، وفي العديد من الحالات المشابهة تمت التضحية بالعدالة من أجل السلم الاجتماعي[16]. ورغم أن هناك حالات تاريخية انتهت بمحاسبة عادلة وسريعة، فإن ذلك كان مرتبطاً باختلال موازين القوى لصالح قوى التغيير، أما في الحالة المصرية، فإن موازين القوى مختلة لصالح النظام العسكري، مع غياب الإرادة الجادة لدى قياداته للمصالحة والتسوية، حتى لو قبلت المعارضة بذلك.

المسار الثالث: المعارضة من داخل النظام وبقواعده وشروطه:

وهذا المسار ليس آلية تغيير ولا آلية ضغط فعالة بسبب طبيعة نظام ما بعد انقلاب 2013، والذي لا يسمح لأي تيار من داخله أن يتحفظ فقط وليس يعارض سياساته أو قراراته.

المسار الرابع: الإصلاح من أعلى:

ويكون عبر حزمة إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية تتبناها قيادات في النظام، إلا أن هذا المسار غير وارد مرحلياً في مصر؛ لأن رأس النظام لا يتوقف عن ذكر “إنجازاته غير المسبوقة” ومشارعيه القومية العملاقة، وسياساته الرشيدة، ولا يرى أن هناك أي خلل في هذه المنظومة، إلا إذا ارتبط الأمر بقيادات أخرى موازية أو منافسة لرأس النظام.

المسار الخامس: الانهيار الذاتي للنظام:

ويقوم هذا السيناريو على أن استمرار فشل سياسات النظام على كل المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، وتصاعد مستويات القمع والقهر، والفشل في إدارة الكثير من ملفات السياسية الخارجية التي تهدد الأمن القومي مثل، تيران وصنافير، وغاز شرق المتوسط، وملف مياه نهر النيل وأزمة سد النهضة، لن يكون في صالح استتباب الأوضع للنظام الانقلابي واستمراره[17].

تدور الفرضية الأساسية في هذا السيناريو على أن استمرار الأزمات الاقتصادية والاجتماعية على مدى زمني طويل سيقود إلى المزيد من تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وبدورها تقود إلى حالة فوضى اجتماعية واحتراب داخلي قد لا يتوجه بالضرورة إلى السلطات الحاكمة ولكن ضد قطاعات مجتمعية أخرى، ثورات جياع مثلاً، أو حالات تفتت أو انقسامات داخلية، في الوقت الذي تعجز فيه النخب الحاكمة عن ضبط الأوضاع أو حل الإشكاليات المجتمعية المختلفة. وإذا ما ترافق ذلك مع أشكال من الفوضى الإقليمية والدولية فإنه يمكن أن تؤول الأوضاع إلى معادلة المجتمعات الفاشلة والدول الفاشلة في نفس الوقت بكل تداعيات هذا السيناريو على كل المستويات.

المسار السادس: موجة تغيير ثورية جديدة:

تدور الفرضية الأساسية في هذا السيناريو على أن استمرارية الأزمات الاقتصادية والاجتماعية لفترة طويلة ستؤدي إلى حدوث موجة تغييرية جديدة؛ ومن بين المحددات الأساسية لعمل هذا السيناريو:

1ـ وصول حالة التأزم الاقتصادي والاجتماعي إلى وضعية الانفجار الواسع، على أن يترافق ذلك مع تغييرات في النظام الإقليمي والنظام الدولي، بما لا يعوق أو يجهض، أو يسهِّل حدوث حالة التغيير.

2ـ توافر مجموعة من الظروف والدلائل على أن النخب الحاكمة (العسكرية/الأمنية) المهيمنة تشهد في داخلها أنواعاً من التناقضات أو تضارب المصالح وتصارعها، وبوادر ضعف أو انشقاق، وبالتالي ثمة فرص حقيقية متاحة للتغيير يمكن رصدها واقتناصها والتعامل معها.

3ـ توافر أداة استثنائية جديدة، لا يوجد سابق خبرة للأجهزة في التعامل الأمني أو السلطوي معها، مثلما حدث في الموجة الأولى من الثورات العربية من استخدام أدوات الإعلام الجديد، وأن يحدث ذلك في لحظة تاريخية تمثل نقلة في العمل التغييري.

4ـ وجود نخبة تحمل مشروع التغيير تستطيع أن تقود الجماهير وأن تفهم وتلتقط المتغيرات السابقة وتتعامل معها وقت حدوثها، ودليل وجود النخبة وفعالية قدرتها على الاتصال المسبق والاتفاق على أرضية مشتركة مستقبلية للعمل التغييري [18].

وتحديد البدائل، والاختيار فيما بينها، يواجه بصعوبات حقيقية، علمية وعملية في عملية التنبؤ والاستشراف المستقبلي بموجة التغيير القادمة، لأن هذه البدائل وتلك المسارات لا تتعلق فقط بالإجابة على سؤال التوقيت الزمني، أي: متى يبدأ السيناريو؟ بل بما يتعلق ببحث مدى توفر المحددات الأساسية لعمل السيناريو نجاحاً أو فشلاً، مع التأكيد في هذا السياق على أن التغيير عملية تراكمية، ولحظة الثورة هي حدث استثنائي لا يمكن التنبؤ بوقت حدوثه بشكل دقيق وإن كانت عملية استقراء مقدماته وإرهاصاته تظل ممكنة في ضوء السيناريوهات المختلفة، ويكون تحديد شروط ومحددات عمل السيناريوهات المستقبلية هو جوهر عملية البناء[19].

وفي هذا السياق يمكن القول إنّ أي موجة قادمة للتغيير السياسي في مصر، تتطلب توفير عدد من الشروط الموضوعية، من بينها:

1ـ السلم الأهلي وإدارة العلاقات المدنية العسكرية

لم يحدث أن نجح انتقال ديمقراطي في ظل صراعات أهلية أو حروب، فوجود دولة موحدة تنعم بالسلم الأهلي كان دوماً شرطاً ضرورياً لحالات الانتقال الناجحة، ولا ديمقراطية بدون دولة موحدة تحكمها المؤسسات المدنية الديمقراطية المنتخبة، مع الحفاظ في ذات الوقت على وحدة الجيوش وقوتها ورفع مهنيتها وتقوية نظم تسليحها وتدريبها، ومع وضع ضمانات لعدم انقلابها على أي سلطة مدنية منتخبة أيضا.

2ـ الهدف المشترك

أهمية الاتفاق على هدف مشترك جامع هو الدولة الديمقراطية بأركانها المتعارف عليها (وأهمها: حكم القانون، والفصل بين السلطات، والتداول السلمي على السلطة عبر آلية الانتخابات الديمقراطية التي تعكس الإرادة الشعبية وتفرز مؤسسات تمثيلية، وحكم الأغلبية مع ضمان حقوق الأقليات، والمواطنة الكاملة والشاملة، والحريات والحقوق المدنية والسياسية التي تضمن التعددية، وتمكين الفرد والمجتمع من المشاركة في العمل العام على كافة المستويات) [20].

3ـ العمل المشترك

وذلك من خلال السعي الجاد نحو بناء تنظيمات وقوى قادرة، وتكتلات وطنية قوية ببرامجها وكوادرها، فإجماع القوى المجتمعية والسياسية الرئيسة على الحكم المدني الديمقراطي قادرٌ على تعديل ميزان القوة لمصلحة أنصار التغيير الديمقراطي السلمي، فالقوة لا يُوقفها إلا القوة، إلا أن وحدة الهدف تحتاج إلى عمل مشترك، أي ائتلاف القوى الديمقراطية أو تكتلها وراء ذلك الهدف المشترك.

ولا يعني التوافق حول المشترك الديمقراطي القضاء على التباينات بين الأطراف في البرامج، فوحدة الهدف لا تتناقض خصوصية القناعات، انطلاقا من أن بناء النظام الديمقراطي المنشود سيمكن كل طرف من طرح برامجه في إطار تسوده قيم الحرية والتعددية والحوار[21].

4ـ معالجة إشكالية الخارج المعادي للديمقراطية

وهذه إشكالية لها ملامح مختلفة تحتاج مساحات للتفكير، وبلورة الأفكار والرؤى بشأنها، فهذه المعالجة غير ممكنة إلا بوجود دولة موحدة ووحدة الهدف والمشترك الديمقراطي والعمل المشترك من أجل إنجاز الانتقال الديمقراطي، ومن هنا لا يجب أن تكتسب أي كتلة أو تحالف ديمقراطي عداء الخارج، بينما هي تناضل ضد المستبدين في الداخل. وهذا أمر لابد أن يتم بشكل استراتيجي واستنادا إلى رؤية مدروسة[22].

خاتمة الدراسة:

انطلقت الدراسة، منهجياً من منظور وظيفي، وموضوعياً من منظور الإجابة على سؤال رئيس: إلى أي مدى نجحت ثورة 25 يناير 2011 في تحقيق الأهداف التي سعت إليها بعد مرور عشر سنوات على انطلاقها؟ وما هي أهم التحولات السياسية التي شهدتها مصر بين يناير 2011 ويناير 2021، وما تداعيات هذه التحولات على مسار ثورة يناير؟

وانتهى الباحث في ختام الدراسة إلى النتائج التالية:

أولاً: أنه من الناحية المفاهيمية، وفي إطار ما أثارته الثورة المصرية من جدالات حول مفاهيم الثورة والانقلاب والتحول السياسي والتغيير السياسي انتهى الباحث إلى:

1ـ أن ما حدث في الخامس والعشرين من يناير 2011 كان ثورة شعبية متكاملة الأركان، استناداً لتوفر كل الضوابط الشكلية والمنهاجية لمفهوم الثورات باعتبارها هبّة فجائية غير مخططة تشارك فيها كل أطياف الشعب، وتعبر عن إرادة جمعية للمواطنين، سعياً نحو تحقيق أهدافهم المشتركة، وهي شكل من أشكال التغير السياسي، ترتب عليها لاحقاً عدة تغييرات وتحولات سياسية، ارتبطت بنظام الحكم، وبنيته التشريعية والمؤسسية والتنفيذية.

2ـ أن ما حدث في 3 يوليو 2013، هو انقلاب عسكري متكامل الأركان، حيق تدخل القوات المسلحة بما لديها من قوة عسكرية وأمنية رادعة للإطاحة بأول رئيس مدني منتخب لمصر بعد ثورة يناير، الرئيس الراحل الدكتور محمد مرسي، واعتقاله حتى وفاته في محبسه، وإسقاط العمل بدستور 2012، وحل كيانات ومؤسسات سياسية ومدنية، واعتقال عشرات الآلاف من المعارضين السياسيين منذ 2013 وحتى الآن (يناير 2021)، وتأميم العملية السياسية بالكامل، وأن ما حدث في 30 يونيو 2013، من مظاهرات شعبية كان مجرد غطاء مصنوع لتمرير الانقلاب العسكري ومنحه شرعية زائفة، ما زال يعاني من خلل فيها رغم مرور سبع سنوات على الانقلاب.

ثانياً: أن المؤسسة العسكرية المصرية التي أدارات مصر بعد ثورة يناير، على مرحلتين بشكل مباشر (الأولى فترة حكم المجلس العسكري بقيادة المشير حسين طنطاوي، بين فبراير 2011 ويونيو 2012ـ والثانية بعد الانقلاب العسكري الذي قاده وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي منذ يوليو 2013 وحتى الآن (يناير 2021) وبشكل غير مباشر (خلال العام الأول من حكم الرئيس محمد مرسي، حيث هيمنت على مؤسسات الدولة وحالت بينها وبين الرئيس مرسي، ووجهت العمليات السياسية والاقتصادية والإعلامية بما يؤدي إلى إفشال حكمه، وتأجيج الغضب الشعبي ضده، وذلك بين يونيو 2012 ويونيو 2013).

وخلال السنوات العشر الماضية تعددت السياسات والممارسات التي تبنتها المؤسسة العسكرية الحاكمة في مصر، في إدارتها للتحولات السياسية فيها ومن ذلك:

1ـ ترسيخ السلطوية والاستبداد عبر ترسانة من القوانين والتشريعات والمؤسسات التي يتم بها الهيمنة على مختلق مقدرات الدولة، وتأميم كل قطاعاته السياسية والاقتصادية والإعلامية والثقافية والدينية، واستخدامها كأدوات وظيفية تحت الإشراف المباشر للمؤسسة العسكرية.

2ـ الانتهاك الممنهج للحقوق والحريات سواء عبر عمليات القتل المباشر، في الميادين والساحات ضد المتظاهرين السلميين، أو القتل خارج إطار القانون في مواجهتها للمعارضين السياسيين، تحت دعاوى واهية، لا تستقيم مع الاتفاقيات والمعاهدات القانونية والحقوقية، الوطنية والدولية، أو عبر عمليات الاعتقال والإخفاء القسري، والمطاردات والملاحقات الأمنية التي لم تتوقف ضد المعارضين وأسرهم منذ الانقلاب وحتى الآن (يناير 2021).

3ـ فرض هيمنة متكاملة الأركان على كل القطاعات الاقتصادية للدولة، ونقل ملكيتها للمؤسسة العسكرية، التي أصبحت أكبر مالك وأكبر مستثمر وأكبر شريك تجاري في مصر منذ انقلاب 2013، مع إغراق مصر في ديون داخلية وخارجية (وصلت رسمياً في نوفمبر 2020 إلى 124 مليار دولار)، واستنزاف جزء كبير من مقدرات الدولة في مشروعات وهمية بهدف تحقيق شرعية إنجاز زائفة للنظام العسكري الحاكم (مثل تفريعة قناة السويس الجديدة، والعاصمة الإدارية الجديدة، والمقرات الحكومية الجديدة في مناطق خارج القاهرة).

4ـ تبني سياسات الإفقار المتعمد للمواطنين، والتوسع في قوانين وتشريعات الجباية، ورفع الدعم عن المواطنين في السلع الأساسية، مما ترتب عليه ارتفاع نسبة الفقر إلى نحو 60% وفق المؤشرات الدولية حول الحد الأدنى للفقر.

ثالثاً: أنه في مواجهة سياسات القمع والقهر والانتهاك والتأميم والهيمنة التي قام عليها النظام العسكري الحاكم، لم يتوقف الحراك السياسي والاجتماعي للقوى الثورية، وإن كان بدرجات مختلفة ومستويات مختلفة وأدوات مختلفة خلال مرحلة ما بعد انقلاب 2013، كانت بدايته مع الاعتصامات الواسعة في عدد من الميادين الكبرى، والتي تم فضها بالقوة من جانب النظام العسكري في رابعة والنهضة ورمسيس وغيرها، ثم الدعوات السنوية للتظاهر في ذكرى يناير من كل عام، وكذلك في فترات مختلفة ومناسبات مختلفة (كما في يوم الأرض أبريل 2016 احتجاجاً على التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير المصريتين للسعودية، أو في نوفمبر 2016، بما عرف باسم ثورة الغلابة، أو دعوات سبتمبر 2019 وسبتمبر 2020، على خلفية اتهامات بالفساد ومواجهة استبداد رأس النظام عبد الفتاح السيسي).

كما اتخذ الحراك أشكالاً أخرى، عبر الحركات الطلابية والنقابات المهنية، والمنظمات الحقوقية، والوقفات الاحتجاجية، ومبادرات التسوية، والمواجهة الإعلامية عبر قنوات فضائية ومنصات إلكترونية وشبكات تواصل اجتماعي أصبحت تشكل أحد أدوات كشف انتهاكات النظام، ونشر الحقائق حول ممارساته، في ظل هيمنته الكاملة على الإعلام الداخلي، الحكومي والخاص، ورغم إقراره للعديد من القوانين والتشريعات لملاحقة القنوات والمنصات والشبكات الإعلامية المعارضة له.

رابعاً: أنه أمام إفراط النظام في سياسات القمع والقهر والاستبداد والهيمنة على حساب الكثير من الحقوق والحريات، تراجعت قدرات الحراك السياسي والاجتماعي، لكن هذه السياسات لم تقض على الحراك كما كان يتوقع النظام العسكري، ولن تقض عليه على المستقبل المنظور، ليس فقط استناداً إلى قدرات ذاتية تمتلكها القوى الثورية، ولكن أيضاً استناداً إلى أن النظام ورغم مرور 7 سنوات على انقلابه لم ينجح في تحقيق الاستقرار السياسي والأمني، أو في مواجهة الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية التي تشكل سياساته السبب الرئيس في نشوئها واستمرارها، والتي يمكن أن تكون هي السبب الأكبر لانهياره من داخله.

خامساً: إن ضعف الحراك السياسي والاجتماعي، من منظور قدرته على تحقيق وإدارة تغيير سياسي حقيقي في مواجهة النظام العسكري، يرتبط بدرجة أساسية بالعديد من أوجه الضعف والقصور الذاتي التي تعاني منها القوى السياسية الثورية والمعارضة سواء على مستوى بناء البديل الوطني الجاهز لقيادة الثورة وإدارة الحراك من ناحية، أو بناء المشروع السياسي والفكري المتكامل للثورة من ناحية ثانية، أو بناء القيادة السياسية الموثوقة والمتوافق عليها من ناحية ثالثة، أو الإدارة الفعلية للحراك السياسي والاجتماعي والحقوقي وللعلاقات الدولية من ناحية رابعة. وهي أمور تحتاج إلى استكمال حقيقي وجاد، إذا كانت هناك إرادة حقيقية لاستكمال مسار ثورة يناير.


الهامش

[1] John Foran, Taking Power: On the Origins of Third World Revolutions (UK, Cambridge University Press, 2005) pp:247-255.

[2] Huntington, Samuel P., The Third Wave. Democratization in the Late Twentieth Century, (Oklahoma, 1991).

[3] Janakan Muthukumar, Arab Spring and Third Wave of Democratization: The case of Egypt, Modern Diplomacy, December 6, 2019, link: https://bit.ly/2JleRoU

[4] Ahmed Abd Rabou, Egypt after Elections: Towards the Second Republic? COMMENTARIES | Insight Turkey Summer 2012 / Volume 14, Number 3, link

[5] Jeremy M. Sharp, Egypt: 2005 Presidential and Parliamentary Elections, Middle East Policy Analyst Foreign Affairs, Defense, and Trade Division, January 15, 2006. Link: https://bit.ly/2JhLuEj

[6] Janakan Muthukumar, Arab Spring and Third Wave of Democratization: The case of Egypt, Modern Diplomacy, December 6, 2019, link: https://bit.ly/2JleRoU

[7] Timothy Kaldas Egyptians Are No Better Off Than Before the Arab Spring, Bloomberg, 25-2-2020, visiting 29-11-2020, link: https://bloom.bg/37g6K5v

[8] Timothy Kaldas, Ibid.

[9] د. عبدالفتاح ماضي، عثرات في الميدان.. كيف أخفقت ثورة يناير في مصر؟، الطبعة الأولى، (الدوحة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020)

[10] تقادم الخطيب، الخطايا السبع للمعارضة المصرية منذ ثورة يناير، موقع قنطرة، 29 يناير 2019، تاريخ الزيارة 24/11/2020، الرابط: https://bit.ly/3pW2fFW

[11] تقادم الخطيب، المصدر السابق.

[12] وسام فؤاد، الغلابة ـ بين الحركة الاجتماعية ورأس المال السياسي، المعهد المصري للدراسات، تاريخ النشر 21/11/2016، تاريخ التصفح 30/11/2020، الرابط

[13] د. خالد عبد الوهاب البنداري الباجوري، العدالة الاجتماعية والتنمية في ظل الثورات المصرية، (القاهرة، جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، كلية الإدارة والاقتصاد، 2016)

[14] د. حامد عبد الماجد قويسي، “دور الأزمات الاجتماعية والاقتصادية في موجة التغيير القادمة بالمنطقة العربية”، منتدى الجزيرة الثاني عشر، حول “الخليج، العرب والعالم في سياق التطورات الجارية”، مركز الجزيرة للدراسات، الدوحة، 28 و29 أبريل/نيسان 2018.

[15] وحدة الدراسات والأبحاث، التيار اليميني في الغرب: الصعود والتأثير، مركز الفكر الاستراتيجي للدراسات، يونيو 2017، نسخة إلكترونية.

[16] من أبرزها الحالة التشيلية. فالجنرال أغوستو بينوشيه قاد انقلابه الدموي في تشيلي عام ١٩٧٣، وخسر الاستفتاء الشهير على بقائه في ١٩٨٨، وسلم السلطة سلميا بتسوية غير عادلة في ١٩٩٠، ولم يُقبض عليه إلا ١٩٩٨، وكذلك حالة الدكتاتور التركي السابق كنعان إيفرين الذي قاد انقلابه في ١٩٨٠ ولم يحاكم إلا في ٢٠١٢.

[17] عمر عاشور، سقوط مبارك ومسارات الثورة المصرية، موقع الجزيرة نت، تاريخ النشر 13/2/2017، تاريخ الزيارة 25/11/2020 الرابط

[18] د. حامد عبد الماجد قويسي، “دور الأزمات الاجتماعية والاقتصادية في موجة التغيير القادمة بالمنطقة العربية”، منتدى الجزيرة الثاني عشر، حول “الخليج، العرب والعالم في سياق التطورات الجارية”، مركز الجزيرة للدراسات، الدوحة، 28 و29 أبريل/نيسان 2018.

[19] Geerling, Liliane, Scenario Planning , HZ University of applied sciences , Vlissingen, Netherlands, September ,24 , 2013

[20] د. عبد الفتاح ماضي، عثرات في الميدان.. كيف أخفقت ثورة يناير في مصر؟، الطبعة الأولى، (الدوحة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020)

[21] د. عبد الفتاح ماضي، تحوّلات الثورة المصرية في خمس سنوات، مجلة سياسات عربية، الدوحة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، العدد 18، يناير 2016، ص 39 ـ 40.

[22] د. عبدالفتاح ماضي، ملاحظات حول مسارات الانتقال إلى الديمقراطية في الدول العربية، مركز المسار للدراسات الإنسانية، 29 يونيو 2020، الرابط: https://bit.ly/3lYOST1

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close