المرصد العسكري مارس 2026

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
افتتاحية العدد
شهد شهر مارس من عام 2026 عدداً من التفاعلات المهمة على المستويين المصري والإقليمي. على الصعيد الإقليمي ، في هذا العدد قراءات عسكرية متعددة لمجريات الحرب الامريكية الإسرائيلية على إيران والتداعيات المحتملة.
ونتناول التقرير على النحو التالي:
أولاً: المسار المصري في الحرب الجارية: ما المطلوب
في ظل التصعيد الإقليمي المتسارع، يتعيّن على مصر ألّا تكون طرفاً في أي تحالف عسكري موجّه ضد دولة في المنطقة، كما يجب على الجيش المصري ألّا ينخرط عسكرياً في هذه الحرب، مهما بلغت وتيرتها، وأن يرفض بشكل قاطع أي طلبات للقيام بدور عسكري، إن طُلب ذلك ،بغضّ النظر عمّا قد يُقدَّم لمصر من مصالح مباشرة مقابل مشاركتها في العمليات الحربية، فإن كلفة الانخراط تظل أعلى من أي مكاسب محتملة. فالدخول في هذا المعترك لا يحمل لمصر سوى مخاطر استراتيجية جسيمة، على رأسها تهديد الأمن القومي واستنزاف الموارد في وقت تواجه فيه الدولة تحديات داخلية متراكمة بالإضافة إلى الخسائر البشرية. ومن ثم، ينبغي أن يظل الجيش المصري بمنأى عن هذا الصراع، سواء من خلال مشاركة برية أو عبر وحدات الدفاع الجوي.
وفي هذا السياق، تبرز محاولات متوقعة لدفع مصر إلى مربع العداء المباشر مع إيران، خاصة مع اتساع نطاق الصراع وطول أمده. ويمكن فهم هذه المحاولات ضمن سياق أوسع يستهدف إعادة تشكيل بيئة الصراع الإقليمي على نحو يؤدي إلى استنزاف أطرافه الرئيسية ليصب ذلك في مصلحة إسرائيل في النهاية. وهو ما يستدعي قدراً عالياً من اليقظة الاستراتيجية؛ إذ إن إدراك هذه المعادلة والتعامل معها بحذر يمثلان ضرورة ملحة للحفاظ على توازن مصر وتجنب انزلاقها إلى صراع مفتوح لا يخدم أولوياتها الحيوية، مع الاكتفاء بدور دبلوماسي يساهم في احتواء التصعيد ويُبقي على هامش الحركة الاستراتيجية.
ثانياً: قراءات عسكرية للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وقراءة للأوضاع في جبهة لبنان وجبهة اليمن
1-مستويات الحروب:
مستويات الحروب الثلاث: الهجوم الاستراتيجي – الدفاع الاستراتيجي – التوازن الاستراتيجي
من منظور عسكري، يمكن تقسيم الحروب إلى ثلاثة مستويات رئيسية:
1. الهجوم الاستراتيجي: هو مستوى المبادرة، حيث يسعى الطرف المباغت الذي بدأ العمليات إلى تحقيق التفوق والسيطرة على سير الحرب، مستهدفاً نقاط قوة العدو الأساسية لضمان سيادة الميدان، وتحقيق مكسب استراتيجي بشكل سريع يحسم به الحرب سريعاً.
2. الدفاع الاستراتيجي: هو مستوى الطرف المعتدى عليه، الذي يحاول امتصاص الضربة الأولى وتجاوز الصدمة والدخول في الحرب وإفشال الحسم السريع للعدو. بعض الجيوش تنجح في ذلك، بينما قد تخسر أخرى إذا أضعفت الضربة الاستراتيجية قوتها التسليحية الهجومية في الأفرع المختلفة ، وأحدثت تشويش واضطراب كبير في غرف القيادة والسيطرة، فتخسر الحرب منذ أول طلقة مباغتة.
3. التوازن الاستراتيجي: مرحلة التعادل التي ينجح فيها الطرف المعتدى عليه بعد امتصاص الضربة الأولى، ليبدأ هجوماً مضاداً يحقق توازناً مؤقتاً في الميدان، ويؤشر على قدرة الطرف على الصمود والاستمرار في الصراع. وكلما كانت الضربة الأولى أشدّ، واستطاع الطرف المعتدى عليه امتصاصها وتجاوزها والوصول سريعاً إلى حالة من التوازن، ازدادت المؤشرات الدالة على قوته وصلابته.
تطبيق على الحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران:
حاولت الولايات المتحدة وإسرائيل تحقيق حسم مبكر من أول طلقة في الحرب، إلا أن إيران امتصّت الضربة الأولى وردت سريعاً في نطاقات جغرافية متعددة وبشكل مستمر. استمرار الطرفين في الميدان وتبادل الضربات دون انهيار أحدهما يشير عسكرياً إلى دخول مرحلة توازن استراتيجي، مما يعكس قدرة إيران على لملمة أوراقها بسرعة وإعادة تنظيم قدراتها، وهو مؤشر على صلابتها وقدرتها على الاستمرار في الصراع.
أيُّ هدفٍ عسكري يُعلَن تحقيقه في الحرب يكون له مؤشرٌ مباشر يمكن من خلاله قياس مدى تحقق هذا الهدف. واستمرار إغلاق مضيق هرمز حتى الآن، في ظل حديث دونالد ترامب عن القضاء على البحرية الإيرانية، يُعدّ مؤشراً واضحاً على أن البحرية الإيرانية ما زالت حاضرة في الميدان، وتمتلك من القدرات ما يمكّنها من الإبقاء على المضيق مغلقاً حتى هذه اللحظة. وهو ما يدل في النهاية على أن تصريحات ترامب بشأن القضاء على البحرية الإيرانية، وغيرها من التصريحات المتعلقة بمجريات الحرب، تفتقر إلى الدقة ولا تعكس الواقع الميداني بشكل كامل وصحيح.
حسب تبني الحرس الثوري وإشارات القيادة المركزية الأمريكية التي قالت بأنها نيران “يعتقد أنها إيرانية”، أصاب الدفاع الجوي الإيراني الطائرة الشبحية من الجيل الخامس F-35 الأمريكية أثناء مهمة فوق إيران. هذا ليس خبراً عادياً، بل تحول جوهري في ساحة المعركة الجوية، ويكشف زيف ادعاءات وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث بأن الدفاعات الجوية الإيرانية قد “مُسحت تماماً”.
إن استنجاد وتحذير ترامب لحلف الناتو للمشاركة في فتح مضيق هرمز يعكس حجم المأزق العملياتي الذي تواجهه الولايات المتحدة بعد قرار إيران إغلاق المضيق. كما يشير إلى أن غرفة العمليات الأمريكية قد تفاجأت بقدرة طهران على تنفيذ خطة محكمة لتعطيل الملاحة في أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم.
كما يكشف هذا الاستنجاد أن حديث ترامب السابق عن القضاء على القدرات البحرية الإيرانية لم يعكس الواقع الميداني بدقة؛ إذ ما تزال البحرية الإيرانية تمتلك من الإمكانات ما يمكّنها من إغلاق مضيق هرمز بالنيران.
إن قدرة إيران على خوض حرب استنزاف طويلة تُكبِّد فيها الولايات المتحدة وإسرائيل خسائر مستمرة، إلى جانب قدرتها على استمرار إغلاق مضيق هرمز لأطول فترة ممكنة، بما يرفع كلفة الحرب على الاقتصاد العالمي ويضغط على سوق الطاقة بصورة أكبر، تمثل أبرز الأوراق الاستراتيجية التي قد تدفع في النهاية نحو وقف الحرب.
من منظور عسكري، هناك ثلاثة عوامل رئيسية إذا نجحت إيران في الحفاظ عليها خلال مسار الحرب، فقد تدفع الولايات المتحدة وإسرائيل إلى وقف العمليات العسكرية قبل تحقيق أهدافهما الاستراتيجية:
1-ارتفاع الخسائر البشرية الأمريكية في المنطقة بشكل تصاعدي، بما يخلق ضغطاً سياسياً وداخلياً داخل الولايات المتحدة يصعّب استمرار العمليات العسكرية لفترة طويلة.
2-استمرار ضرب الأراضي المحتلة بصواريخ استراتيجية دقيقة تُحدث إصابات مباشرة، بما يُبقي الجبهة الداخلية الإسرائيلية تحت ضغط أمني ونفسي مستمر.
3-الحفاظ على القدرة العملياتية لإغلاق مضيق هرمز بالنيران، بما يؤدي إلى رفع كلفة الحرب على الاقتصاد العالمي ويخلق ضغوطاً دولية متزايدة لوقف التصعيد.
في إشارة حول مستقبل حلف الناتو، فتصريحات ترامب المتكررة التي تنتقد حلف الناتو، وردود رئيس الوزراء البريطاني يوم الأربعاء 01 أبريل 2026، التي أكد فيها أن الحرب الجارية حاليًا ليست حرب بريطانيا، تشير إلى أن مستقبل الناتو واستمراره بالشكل التقليدي أصبح على المحك، وقد يعاد تشكيله عبر خروج بعض الدول أو إبقاء الحلف في حالة جمود مع تفعيل محدود. فالدول الكبرى بدأت تعيد تقييم مشاركة قواتها والتزاماتها في صراعات بعيدة عن مصالحها المباشرة. كما يُظهر هذا الموقف أن الحرب على إيران تحمل تداعيات كبرى على التحالفات العسكرية الغربية واستقرار الحلف نفسه. صمود إيران ورفع الكلفة الاقتصادية على سوق الطاقة العالمي عبر إغلاق مضيق هرمز بأساليب وخطط عسكرية ناجزة وفعالة ومتواصلة لأكثر من شهر، دفع بعض الدول إلى الحرص على عدم تحول الحرب إلى صراع طويل الأمد، حرصًا على مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية.
2-قراءة عسكرية لطبيعة العمليات وبين الفعل ورد الفعل: من الضربة الأولى إلى حرب الاستنزاف: هل أخطأت واشنطن التقدير؟
الحروب الكبرى لا تُقاس بنتائج يومية، بل تُقيَّم بنتائجها بناءً على مدى تحقيق الأهداف الاستراتيجية التي وُضعت قبل خوضها.
الولايات المتحدة الأمريكية، من حيث التسليح، تمتلك قدرات حربية تُعد الأولى عالمياً، ولا أحد ينكر ذلك، كما أن إسرائيل تمتلك قدرات عسكرية متقدمة، وعندما يلتقي الاثنان في معركة واحدة، فإننا نكون أمام قوة كبرى بالفعل.
وجّه الأمريكي والإسرائيلي ضربات شديدة في الضربة الأولى، وعلى مدار طيلة الشهر الأول من الحرب، وقد استطاعت تلك الضربات استهداف قادة من الصف الأول للنظام الإيراني، وعلى رأسهم المرشد علي خامنئي، إضافة إلى قادة بارزين من الصف الأول السياسي والعسكري، بهدف اسقاط النظام الإيراني كلياً أو تغيير سلوكه.
كما استهدفت الضربات الأمريكية والإسرائيلية بعضَ البنية العسكرية الإيرانية، خاصة ما يتعلق بالمشروع الصاروخي الباليستي لتحييد قدرات إيران الصاروخية والقضاء على المشروع الصاروخي الإيراني، إضافة إلى استهداف جزء من البحرية الإيرانية، بهدف إضعافها وفك سيطرتها على مضيق هرمز، “الذي رفع كلفة الحرب على اقتصاد الطاقة العالمي”.
وجدير بالذكر أن إيران تمتلك قوتين بحريتين: الأولى تابعة للجيش الإيراني، وتعتمد على التسليح التقليدي للقوات البحرية من سفن وغواصات وحاملات، والثانية تابعة للحرس الثوري، وتعتمد على نمط الحروب اللا متماثلة، من زوارق سريعة وألغام ومسيرات وصواريخ سطح–سطح وصواريخ سطح–بحر، تطلق من البر بمديات تصل إلى 1000 كم، وهي المسؤولة عن العمليات في مضيق هرمز.
بشكل موضوعي، وبقراءة العمليات العسكرية على الأرض، هل تحققت الأهداف الأمريكية؟
أجيب هنا بموضوعية، وفق قراءة عسكرية لما يجري في الميدان:
الهدف الأول الذي حاولت أمريكا تحقيقه سريعاً هو تغيير شكل النظام عبر اغتيالات مؤثرة داخل بنية النظام الإيراني، تستهدف الشخصيات ذات الوزن، بما يؤدي إلى شلّ القرار الإيراني، ومن ثم تغيير سلوك النظام أو إسقاطه كلياً. إلا أن هذا الهدف وبعد أكثر من شهر على بدء الحرب لم يتحقق؛ فبالرغم من الاغتيالات المؤثرة، لا يزال القرار الإيراني متماسكاً ومسيطراً داخلياً، دون ظهور انشقاقات تُذكر داخل بنية النظام.
الهدف الثاني يتمثل في القضاء على القدرات العسكرية الإيرانية. ووفق قراءة الواقع الميداني، لم يتحقق هذا الهدف أيضاً؛ فبالرغم من كثافة الضربات الأمريكية والإسرائيلية على مواقع عسكرية داخل إيران، إلا أن كثافة الصواريخ الإيرانية التي ركزت في بداية الحرب على الكم، ثم انتقلت إلى التركيز على الكيف عبر صواريخ أكثر تطوراً ( صواريخ انشطارية) والتي باتت تتجاوز طبقات الدفاع الجوي التي تحمي سماء الأراضي المحتلة بشكل أكبر، تشير إلى أن القدرات الصاروخية الإيرانية لم تتأثر بالشكل الذي يحاول الطرف الأمريكي والإسرائيلي إظهاره، بل ما زالت حاضرة ومؤثرة بقوة في ساحة المعركة وتضرب في أكثر من اتجاه في مسارح عمليات مختلفة.
أما فيما يخص البحرية التابعة للحرس الثوري، والتي تعتمد على الحروب اللامتماثلة، فهي حتى الآن، ما زالت قادرة على إغلاق مضيق هرمز بالنيران، ما يشير إلى أن ما يُقال عن القضاء على القدرات البحرية الإيرانية لا يعكس الواقع الميداني، وربما تتركز الخسائر في البحرية التابعة للجيش الإيراني، ذات الطابع التقليدي، والتي يختلف نطاق عملها عن نطاق عمليات الحرس الثوري في مضيق هرمز.
إيران، وفق هذه القراءة، قامت خلال الشهر الأول من الحرب بعمل عسكري لا تُقدم عليه كثير من الجيوش؛ إذ تلقت ضربة أولى شديدة، لكنها استطاعت امتصاصها دون انهيار في منظومة القيادة والسيطرة، ثم ردّت في أكثر من مسرح عمليات. وهذا يُعد إنجازاً عسكرياً مهماً، لأن الجيوش التي تتلقى الضربة الأولى نادراً ما تتمكن من تجاوز أثر المفاجأة والمباغتة، إلا أن إيران تمكنت من امتصاص الضربة والدخول سريعاً في أجواء الحرب.
وخلال الشهر الأول استطاعت إيران الوصول بالصراع إلى مرحلة توازن استراتيجي، يقوم على تبادل النيران دون حسم واضح لأي طرف.
وبتعريف المعركة الجارية، فإن صمود إيران، وإفشالها لمخططات إسقاط النظام، والحفاظ على جزء معتبر من قوتها وبنيتها العسكرية، خاصة في الجانب الصاروخي الباليستي، إضافة برنامجها النووي يُعد هو الانتصار.
أما على الجانب الأمريكي والإسرائيلي، فإن تحقيق الانتصار يرتبط بتغيير النظام الإيراني، سلوكياً أو كلياً، والقضاء على المشروعين النووي والباليستي، وهو ما لا تشير إليه المعطيات الميدانية حتى الآن، بل تشير إلى صمود إيراني واضح.
ومع ذلك، تظل الحرب من وجهة نظري في بدايتها وإذا استمرت إلى فترات أطول ولم يتوقف الأمريكي، قد تتغير معطياتها في مراحل لاحقة. لكن المؤشرات الحالية توحي بأن إيران دخلت الحرب بعقيدة تقوم على الاستنزاف طويل الأمد، في حين يبدو أن التقديرات الأمريكية والإسرائيلية التي راهنت على حسم سريع لم تتحقق، ما قد يدفعهما إلى إعادة التكيف مع سيناريو حرب طويلة.
بقراءة الهدف الأساسي الذي أصبح متصدراً لقائمة الأهداف الأمريكية بعد شهر كامل من اندلاع الحرب على إيران، فقد تحولت الأهداف الأمريكية إلى السعي نحو هدف واحد: فتح مضيق هرمز، الذي أغلَقته إيران بالنيران وهو واقع فرضته طهران ورفع من خلاله كلفة الحرب على الاقتصاد العالمي. هذا الواقع، إلى جانب الضربات الإيرانية المستمرة ورفع تكلفة الحرب على أمريكا وإسرائيل يمثلان جهد عسكري فعال.
إغلاق مضيق هرمز بالنيران واستمرار القصف الفعال المؤثر على إسرائيل وعلى المصالح والقواعد الأمريكية في المنطقة ،يمثلان عوامل استراتيجية تحافظ عليها إيران حتى الآن في الأسبوع الرابع للحرب. ومع مرور الوقت، قد يُجبر هذا الواقع ترامب، نتيجة زيادة الضغوط عليه من أطراف عدة، على التراجع أو إعادة النظر في مسار الحرب.
3-حول دقة الصواريخ الإيرانية:
تُشكّل الصواريخ الباليستية متعددة الرؤوس الانشطارية، المزودة برؤوس عنقودية متشظية، والتي باتت تستخدمها القوات الإيرانية بشكل مكثف، تحوّلاً نوعياً في معادلة الهجوم الاستراتيجي الذي يقوده الحرس الثوري. إذ تنقل الاشتباك من منطق “الهدف الواحد مقابل معترض واحد” إلى بيئة عملياتية معقّدة قائمة على تعدد التهديدات في آنٍ واحد.
هذا النمط من التسليح يفرض ضغطاً هائلاً على منظومات الدفاع الجوي، ويستنزف بشكل كبير الطبقات الدفاعية المتعددة للجيش الإسرائيلي، وكذلك المنظومات الأمريكية التي تحمي سماء الأراضي المحتلة. ولا يقتصر هذا الضغط على عدد الأهداف فحسب، بل يمتد إلى توقيت ظهورها ومساراتها المتباينة، فضلاً عن استخدام وسائل خداعية تُربك المشهد الراداري.
ومن خلال قراءة نمط العمليات والواقع الميداني، يبدو أن الضربات الإيرانية استهدفت بعض مواقع الرادارات الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة، ما قد أثّر على كفاءة الرصد المبكر. وترتب على ذلك تقليص زمن الاستجابة، بحيث تصل بعض الصواريخ الإيرانية للأراضي المحتلة في إطار زمني قصير منذ إطلاق إنذارات الخطر تصل أحياناً لدقيقتان، الأمر الذي أنعكس في زيادة الإصابة المباشرة وارتفاع الخسائر داخل إسرائيل.
في هذا السياق، تصبح عملية الاعتراض أكثر كلفة وتعقيداً، حيث تُستنزف الصواريخ الاعتراضية في مواجهة سيل من الأهداف الحقيقية والمضلِّلة، ما يرفع احتمالات اختراق بعض الرؤوس الحربية لطبقات الدفاع. وعليه، فإن فعالية هذه الصواريخ لا تكمن في استحالة اعتراضها، بل في قدرتها على إرباك منظومة القرار الدفاعي، وفرض معادلة استنزاف تراكمي قد تُفضي، مع التكرار والتكثيف، إلى تحقيق اختراقات مؤثرة في العمق الحيوي للخصم.
أما فيما يتعلق بحجم الترسانة الصاروخية الإيرانية، فإنه يظل عاملاً غير محسوم؛ إذ لا تتوافر تقديرات دقيقة، وما يُطرح في التحليلات العسكرية أو التقارير الإعلامية لا يتجاوز كونه تخمينات، والعدد الحقيقي للصواريخ الإيرانية يبقى فقط معلوم لغرفة القيادة والسيطرة الإيرانية، بالإضافة أن التصنيع الحربي الإيراني قد يكون مستمر، ففي أثناء الحروب تعمل الجيوش على توجيه كافة الجهود لزيادة التصنيع العسكري.
من المؤكد أن هناك خسائر قد طالت بعض منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية، إلا أن قراءة نمط التشغيل تشير إلى أن إيران لا تعتمد بشكل أساسي على منصات إطلاق ثابتة، بل يرتكز جزء كبير من قدراتها على منصات متحركة، بما يمنحها مرونة عالية في إدارة العمليات العسكرية واستمراريتها رغم الاستهدافات.
وبقراءتي لنمط التصعيد التدريجي الذي تتبعه إيران، يتضح أنها بدأت باستخدام صواريخ من أجيال أقدم إلى جانب الطائرات المسيّرة، قبل أن تنتقل تدريجياً إلى توظيف صواريخ باليستية أكثر تطوراً، مثل “فتاح” و“خرمشهر-4” وغيرها من المنظومات الحديثة التي تحمل رؤوساً تفجيرية انشطارية متعددة. ويشير هذا التدرج إلى نهج عملياتي محسوب يهدف إلى إرهاق واستنزاف المنظومات الدفاعية المعادية أولاً، تمهيداً لإدخال قدرات أكثر تطوراً في مراحل لاحقة من الصراع، بما يحقق تأثيراً تدميرياً أكبر ويزيد من حجم الخسائر داخل العمق المستهدف.
تعتمد الفلسفة العسكرية الإيرانية، منذ بداية الصراع، على تبنّي نموذج حرب الاستنزاف طويلة الأمد، باعتباره الخيار الأنسب في مواجهة خصوم يتفوقون تقنياً. وقد راكمت إيران خبرة مهمة في هذا المجال خلال حربها مع العراق التي امتدت لنحو تسع سنوات، غير أن الفارق الجوهري اليوم يتمثل في أن إيران الحالية تخوض هذا النمط من الحرب بقدرات عسكرية وتكنولوجية أكثر تطوراً، ما يمنحها مرونة أكبر في إدارة التصعيد واستدامة المواجهة.
حالة التعتيم الإعلامي التي يفرضها الداخل الإسرائيلي على المقاطع والصور التي توثق تأثير الضربات الصاروخية الإيرانية داخل الأراضي المحتلة توحي بوجود معطيات ميدانية لا ترغب المؤسسة العسكرية في إبرازها للرأي العام. فمن زاوية تحليلية، قد يشير هذا التعتيم إلى احتمالين متلازمين:
الأول: أن الصواريخ الإيرانية تحقق إصابات مباشرة وتترك أثراً ملموساً على الجبهة الداخلية، بما يخلق حالة ضغط نفسي وأمني على المجتمع الإسرائيلي، لذلك تعمل المؤسسة الأمنية والاستخبارية داخل إسرائيل على إخفاء هذه الآثار قدر ما تستطيع، لتخفيف تداعياتها على القرار السياسي؛
والثاني: أن مستوى الدقة في بعض الضربات يدفع الجيش الإسرائيلي إلى تقليص تدفق المعلومات البصرية، ليس فقط لضبط المزاج الداخلي، بل أيضاً لتقليل ما قد يصل إلى الجانب الإيراني من مؤشرات تقييم الضربة ونتائجها. وفي حال صحّت هذه القراءة، فإن ذلك يعكس أن المنظومة الصاروخية الإيرانية تعمل بقدرة نيرانية عملياتية قادرة على الرصد والتحديد والوصول إلى نقاط الاستهداف بدرجات متفاوتة من الدقة، مع قدرة على اختبار فاعلية الطبقات الدفاعية الإسرائيلية والأمريكية التي تحمي الأراضي المحتلة، بما في ذلك منظومات مثل القبة الحديدية ومنظومة ثاد وغيرها. وفي المحصلة، فإن تداخل ضغط الجبهات وتزايد التحدي أمام منظومة الدفاع الجوي يضع إسرائيل أمام معادلة استنزاف مركبة، تتجاوز حدود الضربة العسكرية المباشرة لتلامس البنية النفسية والاقتصادية لكل مستويات الداخل الإسرائيلي.
تشير ملاحظة توقيت إطلاق صافرات الإنذار في الداخل الإسرائيلي إلى تغيّر لافت في زمن الإنذار المبكر؛ إذ أصبحت صافرات الإنذار تُطلق في بعض الأحيان قبل وصول الصواريخ الإيرانية بنحو دقيقتين فقط، بعدما كانت تُطلق قبل ذلك بمدة أطول. وقد يعكس هذا التطور احتمالين رئيسيين: الأول أن الصواريخ الإيرانية التي تُستخدم في المرحلة الحالية تمتلك قدرات تشويش أعلى وتقنيات أكثر تطوراً، ما يجعل رصدها في مراحل مبكرة أكثر صعوبة. أما الاحتمال الثاني فيتمثل في أن منظومات الرادار الإسرائيلية والأمريكية في المنطقة ومنظومات الدفاع والرادارات التي تحمي سماء الأراضي المحتلة الأمريكية والإسرائيلية، قد تعرضت لقدر من الخلل أو الاستنزاف، سواء نتيجة الاستهداف المباشر أو نتيجة الضغط العملياتي الكثيف، وهو ما يقلل من قدرتها على اكتشاف الصواريخ في مراحلها الأولى، خاصةً أن إيران أصبحت تستخدم صواريخ من أجيال أكثر تطوراً مزوّدة بتقنيات مناورة وتشويش متقدمة.
ما بثّه الحرس الثوري من مقاطع للإطلاق الأخير (الموجة 82) يكشف اعتماد إيران على منصات إطلاق متنقلة، بما يصعّب استهدافها أو استنزافها، ويُسهّل في الوقت ذاته عملية إعادة الانتشار والترميم أو الاستبدال. وهو ما يفسّر استمرار القدرات الإيرانية في الحضور والتأثير حتى الأسبوع الرابع، ويشير إلى أن منظوماتها الصاروخية لم تتأثر بالصورة التي يروجها الجانب الأمريكي والجانب الإسرائيلي.
كما أن استمرارية إطلاق الصواريخ الإيرانية بالاعتماد على تكتيك الكيف، من خلال استخدام صواريخ أكثر تطوراً بتوقيتات متزامنة وبشكل يومي، إلى جانب ارتفاع معدلات اختراق المنظومات الدفاعية التي تحمي سماء الأراضي المحتلة وارتفاع معدلات الاستهدافات المباشرة داخل الأراضي المحتلة، يعكس بوضوح بقاء القدرات الإيرانية من حيث عدد الصواريخ (كماً وكيفاً) ومنصات الإطلاق الفاعلة في الميدان. ويكشف الواقع العملياتي عن فجوة بين الأداء الفعلي للقوات الإيرانية الذي يثبت حضوره بقوة وفاعلية وما يُروَّج له أمريكياً وإسرائيلياً بشأن تراجع هذه القدرات.
وتُعدّ مرونة منصات الإطلاق عنصراً حاسماً في استدامة القدرة النارية، وهو ما يظهر من خلال قراءة الواقع الحربي للعمليات الإيرانية. ويُعدّ اعتماد إيران على منصات الإطلاق المتنقلة الخيار والوسيلة الأنسب عسكرياً في ظل التفوق الجوي للخصم، إذ يُسهّل ذلك عليه استهداف الأهداف والمنصات الثابتة. ويعكس هذا النهج عقليةً عسكريةً استراتيجية لدى إيران، تقوم على توظيف الوسائل التي تتناسب في مواجهة قدرات أعدائها.
في المقابل، تبقى التقديرات المتعلقة بمخزون إيران من الصواريخ (والتي تتكرر في وسائل الإعلام وعلى ألسنة بعض المحللين العسكريين) ضمن نطاق التخمينات غير الدقيقة، نظراً لاحتكار هذه المعلومات داخل دوائر القيادة والسيطرة الإيرانية.
في المقابل، يُرجّح استمرار، بل وتصاعد، وتيرة التصنيع العسكري خلال هذه المرحلة داخل إيران، وهو نمط تقليدي في الحروب الممتدة، حيث تعمل الجيوش على تعويض الاستهلاك وتعزيز الإمداد لدعم العمليات.
إيران من خلال قراءة الواقع العملياتي يبدو أنها هيّأت نفسها بخطط ناجزة لخوض معركة استنزاف طويلة المدى، تعتمد على الضغط الصاروخي المتواصل على مختلف الجبهات، مع تركيز خاص على العمق الإسرائيلي لخلق حالة ضغط قصوى على المجتمع الصهيوني.
تقدير موقف عملياتي: أنماط الإطلاق الصاروخي وتطور إدارة المعركة
تشير المؤشرات العملياتية خلال الفترة الأخيرة إلى أن نمط إدارة الضربات الصاروخية للحرس الثوري بدأ يأخذ شكلين، وليس نمطًا واحدًا في الإطلاق.
الشكل الأول: يتمثل أحيانًا في الرشقات وفق تكتيك الضرب المكثف، حيث تُنفذ رشقات كثيفة ومتزامنة على عدة محاور، تليها رشقات أخرى في وقت قريب، وتستمر على هذا النمط لفترات، مستهدفة إرباك منظومات الدفاع الجوي وإجبارها على العمل بأقصى طاقتها. ويهدف هذا النمط عملياتيًا إلى استنزاف مخزون الاعتراضات وخلق ضغط متواصل على مراكز القيادة والسيطرة، خاصة مع تعدد الاتجاهات وتزامن التهديدات.
الشكل الثاني: وأحيانًا أخرى، يتبع الحرس الثوري تكتيك الضرب المتدرج، حيث يتم تقليل كثافة الإطلاق، مع توزيع الضربات على مدى زمني أطول. ويعكس هذا التحول إدراكًا عملياتيًا بضرورة إدارة الموارد الصاروخية بكفاءة، مع الحفاظ على وتيرة ضغط مستمرة على الخصم. في هذه المرحلة، تُنفذ الضربات وفق إيقاع محسوب يهدف إلى استنزاف الدفاعات تدريجيًا، وإجبارها على البقاء في حالة تشغيل دائم، ما يؤثر على كفاءتها ويزيد من احتمالات الاختراق.
في المرحلة الحالية، يبرز بشكل واضح اعتماد الحرس الثوري على الغموض الصاروخي كإطار حاكم للعمليات، حيث لم يعد هناك نمط ثابت يمكن توقعه. تتغير توقيتات الإطلاق، وتتباين كثافة الضربات، وتُستخدم مسارات ووسائط مختلفة، ما يعقد عملية التنبؤ لدى الخصم ويضعف من كفاءة الاستجابة الدفاعية. هذا الغموض العملياتي يفرض على الطرف المقابل توزيع قدراته على نطاق واسع، ويحد من قدرته على تركيز جهده الدفاعي في اتجاه محدد.
بشكل عام، يعكس هذا التسلسل (مكثف – متدرج “بطىء”- غامض) إدارة عملياتية مرنة ومتطورة للمعركة الصاروخية، تقوم على تحقيق صدمة أولية، ثم الانتقال إلى الاستنزاف المنهجي، وصولًا إلى فرض حالة من عدم اليقين المستمر. وتمثل هذه المقاربة أحد الأساليب المعتمدة لدى الحرس الثوري في إدارة الصراع، بهدف تشتيت الجهد الدفاعي لكل من الجانب الإسرائيلي والأمريكي، وتقويض قدرتهما على التكيف مع نمط عملياتي ثابت، وإرباك تقديرات الخصوم بشأن القوة الصاروخية الإيرانية وقدرتها على خوض حرب استنزاف متفاوتة المدة.
اختراق الصواريخ الإيرانية للمنظومات الدفاعية الإسرائيلية وتحقيق أصابات مباشرة بمعدلات مرتفعة يشير إلى أن قدرات إيران الصاروخية بدأت تستخدم إمكانيات أعلى، وأن منظومات الدفاع الجوي في الأراضي المحتلة باتت غير قادرة على التعامل مع بعض هذه الصواريخ، أو أن منظومات دفاع الكيان تعرضت لاستنزاف كبير.
4-استهداف طائرة F-35 فوق إيران حدثٌ له دلالات عسكرية واستراتيجية عميقة:
أولاً: من الناحية العسكرية البحتة
طائرة F-35 صُممت أساساً لاختراق أنظمة الدفاع الجوي المتقدمة عبر تقليل البصمة الرادارية، والعمل ضمن شبكة حرب إلكترونية متكاملة. لذلك، فإن عملية استهدافها وإصابتها إصابة مباشرة لا يعني فقط إصابة هدف جوي، بل يشير إلى واحد من ثلاث احتمالات:
إما حدوث اختراق تقني في منظومة التخفي من قبل الدفاعات الجوية الإيرانية، أو نجاح الدفاعات الإيرانية في بناء شبكة كشف متعددة الطبقات (رادارات تردد منخفض + تتبع سلبي + دمج بيانات)، أو وقوع الطائرة في كمين تكتيكي من قبل الدفاعات الجوية الإيرانية.
ثانياً: دلالات على تطور الدفاع الجوي الإيراني
يشير ذلك إلى أن إيران لم تعد تعتمد فقط على أنظمة تقليدية، بل طورت مفهوم الدفاع الجوي الشبكي القادر على التعامل مع أهداف شبحية، سواء عبر أنظمة محلية مثل “باور 373”. وهناك إشارات إلى أن عملية الاستهداف تمت بمنظومات دفاعية محلية الصنع، أو عبر تكتيكات دمج الاستشعار، أو من خلال استجلاب منظومات دفاعية صينية وروسية متطورة، وهو ما يرفع كلفة أي هجوم جوي واسع ضدها بشكل كبير.
كما أن تطوير منظومة محلية إيرانية قادرة على التعامل مع الطائرات الشبحية “إن كان الاستهداف قد تم بالفعل بمنظومات محلية” يشير إلى أن إيران أصبحت في مرحلة متقدمة من التصنيع الحربي، ليس فقط في مجال الصواريخ الباليستية والفرط صوتية، بل أيضاً في فروع الدفاعات الجوية، بما يحمل دلالات استراتيجية على التطور العسكري الإيراني.
ثالثاً: التأثير على ميزان الردع
نجاح إصابة منصة متقدمة كهذه “حتى لو مرة واحدة “يخلق تأثيراً نفسياً واستراتيجياً أكبر من تأثيره التكتيكي؛ لأنه يضرب فكرة “التفوق الجوي المطلق” ويكشف عن امتلاك إيران لأدوات ردع استراتيجية قد تحول جوهرياً ساحة المعركة الجوية، ويكشف زيف ادعاءات وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث بأن الدفاعات الجوية الإيرانية قد “مُسحت تماماً” وقد يدفع ذلك الاستهداف الطرف الأمريكي إلى إعادة حساباته، سواء عبر تغيير أنماط التشغيل أو الاعتماد بشكل أكبر على الصواريخ بعيدة المدى بدلاً من الاختراق المباشر.
إن استهداف طائرة F-35 في ساحة معركة بإصابة مباشرة يعني رصد الطائرة بواسطة أجهزة كشف، ثم إطلاق مقذوف نحوها وإصابتها، مع عدم قدرة الطائرة على المناورة لتفادي الضربة. وهذا يوجه ضربة كبيرة لمشروع طائرات F-35، التي تسوقها الولايات المتحدة على أنها طائرة لا تُقهر، وتمتلك قدرات تخفٍ ومناورة عالية، وقادرة على الإفلات من الرصد الراداري.
5-سيناريو الغزو البري لإيران: حدود الرهان على المعارضة المسلحة وموازين القوة على الأرض:
بقراءة واقع الحركات المسلحة الإيرانية المعارضة يتضح أنها تمتلك قدرات محدودة وإمكانات عسكرية ضعيفة نسبياً، كما أن أعداد عناصرها ليست كبيرة. وتشمل هذه الحركات جماعات مثل مجاهدي خلق، والحركات الكردية الإيرانية، والحركات البلوشية في بلوشستان، إضافة إلى حركات الأهواز.
ومن واقع قراءة القدرات البرية لكل من الحرس الثوري وقوات الباسيج والجيش الإيراني، فإنه لا يمكن لتلك الحركات المسلحة أن تدخل معها في مواجهات متوازنة. فبنية النظام الإيراني الأمنية والعسكرية تتسم بتعدد مستوياتها وتشابكها. إذ يُقدَّر عدد عناصر الحرس الثوري، القوة الضاربة للنظام، بنحو 300 ألف عنصر، مدعومين بقوات احتياط تختلف التقديرات بشأن أعدادها، إضافة إلى ما يقارب مليون عنصر ضمن قوات التعبئة الشعبية (الباسيج)، بخلاف عناصر الجيش الإيراني النظامي التي تُقدَّر بنحو 350 ألف عنصر.
هذه الكتلة البشرية الكبيرة تمنح النظام الإيراني قدرة تعبئة واسعة في حال اندلاع مواجهات برية مع تلك المجموعات المسلحة المعارضة، وهو ما يجعل أي صدام مباشر بينها وبين قوات النظام غير متكافئ عسكرياً.
وعليه، فإذا اعتمدت الولايات المتحدة على هذه المجموعات المسلحة من زاوية عسكرية بحتة، فإن ميزان المواجهة سيظل راجحاً لصالح قوات النظام الإيراني. لكن من خلال قراءة بعض التحركات الأمريكية والتصريحات التي تكشف جزئياً ما يدور في الغرف المغلقة، قد يكون هناك تصور لدى واشنطن بإشراك وحدات من الجيش الأمريكي في أي تحرك بري محتمل، خاصة إذا تطورت العمليات العسكرية في مرحلة لاحقة.
وفي هذا السياق، أثار الجيش الأمريكي تكهنات واسعة بعد الإلغاء المفاجئ لتدريبات كبيرة كانت مقررة لقوة الرد السريع التابعة للفرقة 82 المحمولة جواً. ووفق ما نقلته صحيفة واشنطن بوست عن مسؤولين عسكريين، فإن الجيش ألغى في الأيام الأخيرة تدريبات واسعة لعناصر قيادة وحدة مظليين من النخبة، الأمر الذي أثار تساؤلات داخل البنتاغون حول احتمال إرسال جنود متخصصين في القتال البري ومهام عملياتية متنوعة إلى الشرق الأوسط مع اتساع نطاق الصراع مع إيران.
وتضم الفرقة 82 المحمولة جواً فريقاً قتالياً يتراوح قوامه بين 4000 و5000 جندي، وهم قوات جاهزة للانتشار خلال 18 ساعة فقط من صدور الأوامر، للقيام بمهام متعددة مثل السيطرة على المطارات والبنى التحتية الحيوية، وتعزيز حماية السفارات الأمريكية، وتنفيذ عمليات الإجلاء الطارئة، وهو ما يشير إلى أن هذه القوة تُستخدم عادة في المراحل الأولى من أي عمليات تدخل سريع أو تمهيد لوجود عسكري أوسع على الأرض.
كما أن القصف الجوي المكثف الذي يستهدف المناطق الحدودية لمقرات الحرس الثوري والمقرات الأمنية يُقرأ ضمن مرحلة تمهيد جوي تسبق أي تحرك بري محتمل، وهي من الاستراتيجيات المعروفة في الحروب التقليدية، حيث يُستخدم القصف الجوي لإضعاف الدفاعات وتهيئة مسرح العمليات على الأرض قبل تقدم القوات البرية.
ومع ذلك، يجب التأكيد على أن ما سبق يظل قراءة في المخطط الأمريكي–الإسرائيلي المحتمل، وليس بالضرورة أن ينجح في تحقيق أهدافه. فقد تمتلك القوات الإيرانية بدورها خططاً دفاعية وهجومية مضادة قادرة على إفساد هذه السيناريوهات، خاصة أن الهدف الأساسي من مثل هذه التحركات “إن حدثت” ستكون الإطاحة بالنظام الإيراني بشكل كامل عن طريق المواجهات المباشرة، وهو هدف كبير ومعقد ويتطلب ظروفاً عسكرية وسياسية استثنائية لتحقيقه.
في النهاية، يجب التذكير بأن الحروب البرية كانت دائماً الأكثر كلفة في تاريخ التدخلات العسكرية الأمريكية. فمن أفغانستان إلى العراق تكبد الجيش الأمريكي خسائر بشرية كبيرة خلال المواجهات البرية، كما واجه تحديات معقدة في إدارة الأراضي بعد السيطرة عليها. لذلك فإن أي سيناريو لغزو بري لإيران لن يكون قراراً عسكرياً بسيطاً، بل خطوة محفوفة بمخاطر استراتيجية كبيرة، خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار حجم الدولة الإيرانية، وطبيعة بنيتها العسكرية، وقدرتها على تعبئة موارد بشرية وعسكرية واسعة.
ولهذا فإن ما يُطرح من سيناريوهات حول غزو بري لإيران يظل خياراً عالي الكلفة، وقد يدفع واشنطن وتل أبيب إلى إعادة حساباتهما أكثر من مرة قبل الانتقال إلى مثل هذا المسار، خصوصاً إذا كان البديل هو الانزلاق إلى حرب طويلة الأمد قد تتجاوز كلفتها ما شهدته الولايات المتحدة في تجاربها العسكرية السابقة في المنطقة.
قراءة في التحركات الأمريكية: مؤشرات انتقال الحرب إلى المواجهة البرية:
بمتابعتي لمجريات الحرب، يتضح أنه بعد تعثر الحسم السريع الذي كانت تسعى إليه كلٌّ من الولايات المتحدة وإسرائيل، فإن مسار العمليات يتجه تدريجياً نحو التصعيد البري، وهو أمر بات وشيكاً. وأن تصريحات ترامب بالأمس ليست إلا تمهيداً للعمل البري. وبقراءة ردود الأفعال الإيرانية على تصريحات ترامب المتناقضة، يتضح أن الجانب الإيراني بات متيقناً، متعلماً من دروس حرب الـ12 يوماً والحرب الجارية الآن. فبينما تتعالى التصريحات الأمريكية عن قرب اتفاق وشيك، تتعرض إيران للضرب وهي جالسة على طاولة مفاوضات يطلب فيها الأمريكي الاستسلام الإيراني. وتشير التحركات العسكرية الأمريكية، لا سيما الحشد المكثف لقوات مشاة البحرية (المارينز)، إلى اقتراب مرحلة المواجهات البرية، وفق قراءة دلالات هذا الحشد وانتشاره. كما تؤكد القاعدة العسكرية عبر التاريخ أن العمليات الجوية وحدها لا تحسم الحروب؛ فالحسم النهائي يظل مرهوناً بالسيطرة على الأرض.
الهدف الاستراتيجي الأمريكي الحالي المُلح، الذي يضغط على صانع القرار، هو فك قبضة إيران عن مضيق هرمز، الذي استطاعت إيران إغلاقه بالنيران ورفعت كلفة الحرب على الاقتصاد العالمي بشكل سريع. ومن ثم، تحوّلت أهداف الولايات المتحدة مرحلياً من السعي إلى تغيير النظام الإيراني كلياً أو سلوكياً، إلى أهداف أكثر واقعية تتعلق بتقليص هذا التأثير المباشر.
وفي السياق ذاته، لا تزال القدرة الصاروخية الإيرانية حاضرة بقوة في الميدان بما يعكس فشل تحقيق هدف تحييد القدرات الصاروخية الإيرانية التي تسعى له الولايات المتحدة وكذلك إسرائيل، ولا يعكس الواقع العملياتي أي مؤشرات على تراجعها؛ إذ ما زالت إيران تمطر الأراضي المحتلة بصواريخ أكثر دقة، وتحقق معدلات إصابة أعلى. كما أن معدل اختراق الصواريخ الإيرانية للدفاعات الجوية الإسرائيلية والأمريكية التي تحمي سماء الأراضي المحتلة في مسار تصاعدي، فضلاً عن تسجيل إصابات في نطاقات أخرى استهدفت مواقع أمريكية في منطقة الخليج.
طبيعة التحركات العسكرية
وصول سفينة الهجوم البرمائية “يو إس إس تريپولي” وسفينة الإنزال “يو إس إس نيو أورلينز” إلى المنطقة، وعلى متنهما نحو 2500 من مشاة البحرية الأمريكية، في ما يُعد أول تعزيز بري مباشر من هذا النوع في مسرح العمليات.
بالتوازي، اتجهت إلى منطقة قيادة القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) مجموعة القتال البرمائية (ARG) بقيادة السفينة “بوكسر”، والتي تضم قدرات قتالية متقدمة، تشمل مقاتلات الشبح F-35B، ومروحيات هجومية من طراز “سوبر كوبرا”، وطائرات النقل/الإقلاع العمودي MV-22. كما ترافقها سفن الدعم “بورتلاند” و “كوماستوك”، وعلى متنها نحو 4500 من البحارة ومشاة البحرية.
إضافة إلى ذلك، يدرس الجيش الأمريكي خيار نشر الفرقة 82المحمولة جواً، وهي قوة نخبوية قادرة على نشر ما يقارب 3000 جندي خلال 18 ساعة في أي مسرح عمليات حول العالم، ما يعكس استعداداً لسيناريو تدخل بري سريع ومرن. وقال مسؤول أمريكي للجزيرة أنه من المتوقع نشر3 كتائب من الفرقة82 قوامها نحو 3 آلاف جندي.
ووفق ما نقلته وكالة رويترز سترسل الولايات المتحدة آلافا إضافية من جنودها إلى الشرق الأوسط
التقديرات تشير إلى عمليات خاصة تنفذها قوات المارينز الأمريكية والقوات المحمولة جواً أمرً قد بات قريباً، مصحوبة بغطاء ناري كثيف على المواقع الدفاعية الإيرانية في مناطق العمليات المستهدفة. بحسب التسريبات الواردة من المسؤولين الأمريكيين فإن البنتاغون يستعد لشنّ عملية برية على الجزر الإيرانية والسواحل المطلّة على مضيق هرمز.
العمليات البرية المرتقبة
وفق قراءتي لنمط التفكير العسكري الأمريكي، فإن العمليات البرية المحتملة قد تبدأ بعمليات إنزال على الجزر الإيرانية المنتشرة في مضيق هرمز، بالتوازي مع إنزالات محدودة ومتفرقة على الساحل الإيراني المطل على المضيق.
الهدف من هذه العمليات يتمثل في تقويض قدرة البحرية التابعة للحرس الثوري على التحكم بالمضيق، والتي تستخدمه كورقة ضغط استراتيجية عبر تهديد الملاحة ورفع كلفة الحرب على سوق الطاقة العالمي. وبالتالي، فإن أي تحرك بري سيكون موجّهاً بالأساس نحو تأمين الممرات البحرية وفرض السيطرة العملياتية على المضيق.
البيئة العملياتية وتحديات الهجوم البري
الساحل الإيراني المقابل لمضيق هرمز يتميز بطبيعة جغرافية معقدة؛ حيث تنتشر المرتفعات والتضاريس الوعرة والتجاويف الطبيعية، وهي عوامل تمنح المدافع أفضلية تكتيكية واضحة.
في هذا النوع من البيئات، يُجبر المهاجم على الانكشاف أثناء التقدم أمام نيران الخصم، في حين يمتلك المدافع ميزة التخفي والتموضع داخل تضاريس يعرفها جيداً. وعليه، فإن أي محاولة للسيطرة على هذه المناطق لن تكون مجرد عملية بحرية محدودة، بل قد تتحول إلى مواجهة برية مكلفة ومعقدة.
الأسلوب الإيراني في مواجهة الإنزال
تعتمد إيران، وخاصة القوات البحرية التابعة الحرس الثوري المنوطة بالمهام القتالية على مضيق هرمز، على تكتيكات الحرب غير المتماثلة، مستفيدة من مزيج من القدرات تشمل:
-الطائرات المسيّرة.
-صواريخ سطح-سطح وصواريخ سطح-بحر مضادة للسفن تطلق من البر بمديات تصل إلى نحو 1000 كم.
-الزوارق السريعة الانقضاضية.
-الألغام البحرية
إلى جانب ذلك، يمتلك الحرس الثوري قوة بشرية كبيرة تُقدّر بنحو 300 ألف مقاتل، مدعومة باحتياطيات واسعة، ما يمنح إيران قدرة على خوض حرب استنزاف طويلة في بيئة معقدة.
تقديري لواقع المواجهة الوشيك
رغم أن التفوق الجوي يمنح الولايات المتحدة ميزة أولية، فإن الانخراط في عمليات برية داخل هذه البيئة قد يُعيد تشكيل ميزان القوى على المستوى التكتيكي. فالحروب البرية في مثل هذه الجغرافيا تميل إلى إطالة أمد الصراع واستنزاف القوة المتقدمة. في هذه المرحلة سيعني انتقال الحرب من تفوق جوي نسبي إلى ميدان تكتيكي قد تميل فيه الأفضلية لإيران بشكل أكبر.
ومن هذا المنظور، قد يتحول الصراع –إلى نمط أقرب إلى حروب الاستنزاف طويلة الأمد، حيث تتآكل أفضلية القوة العظمى تدريجياً أمام خصم يجيد القتال في بيئته، ويمتلك خبرة في إدارة الصراع غير التقليدي، وسيتكبد فيه الطرف المهاجم خسائر كبرى في عناصره التي ستكون أهداف مكشوفه للطرف المدافع.
رغم الفوارق الكبيرة بين السياقات التاريخية، فإن أي انخراط بري واسع في بيئة معقدة ومعادية قد يفتح الباب أمام نمط صراع أقرب إلى حروب الاستنزاف طويلة الأمد. ففي تجارب سابقة، أبرزها حرب أمريكا في فيتنام، لم يكن التفوق الجوي والتكنولوجي كافياً لتحقيق حسم سريع، بل أدى التورط البري إلى استنزاف تدريجي للقوة المتفوقة.
وعلى هذا الأساس، فإن الانخراط في عمليات برية داخل السواحل الإيرانية، بما تحمله من تعقيد جغرافي وتكتيكات غير متماثلة، قد يخلق مساراً تصاعدياً تُسحب إليه الولايات المتحدة تدريجياً، من عمليات محدودة إلى انخراط أوسع، في ميدان لا يضمن حسماً سريعاً، ويُعيد تعريف ميزان الكلفة مقابل العائد.
6-استهداف القيادات والتحول من نموذج القائد الفرد إلى مجموعات العمل:
إيران تواجه ثغرة كبرى لم تتمكن حتى الآن من سدّها، قد تكون ذات طبيعة تكنولوجية أو بشرية عميقة، تتمثل في وجود اختراقات داخل دوائر مختلفة في منظومة العمل العسكري. ومن خلال هذه الثغرات، تتكرر عمليات استهداف القيادات بشكل دوري ومستمر خلال الحرب، ما يشير إلى خلل في منظومة التأمين أو في آليات الحماية المضادة للاختراق.
ولا شك أن الولايات المتحدة وإسرائيل تمتلكان قدرات متقدمة في العمل الاستخباري، سواء من حيث التكنولوجيا أو شبكات العملاء أو توظيف الذكاء الاصطناعي، إلا أن كل ذلك يفترض أن يقابله جهد أمني مضاد قادر على تقليل كفاءته. غير أن المعطيات الحالية توحي بأن إيران لا تزال تعاني من ثغرة جوهرية ومعضلة لم تنجح في احتوائها أو الحدّ من آثارها، بما يضمن الحفاظ على قياداتها العسكرية من الاستهداف المتكرر.
في السياق العملياتي، تفرض طبيعة الحروب الحديثة ضرورة أن تتمركز قيادات العمل العسكري في بيئات آمنة، وأن تُدار تحركاتها وفق حسابات دقيقة، مع تجنّب اجتماع أكثر من قائد في موقع واحد لتقليل احتمالات الاستهداف. كما لا يُفترض أن تتواجد القيادات داخل مقرات الأفرع الرئيسية أو الفرعية، نظراً لكون هذه المواقع معروفة لعدد واسع من عناصر المنظومة العسكرية على مختلف المستويات، سواء العليا أو الوسطى أو الدنيا.
البديل العملياتي الأكثر أماناً يتمثل في اعتماد مواقع سرية معزولة تُدار من خلالها العمليات وتُصدر منها التعليمات، بما يحدّ من فرص الرصد والاستهداف.
إن تكرار استهداف القيادات قد يكون، من خلال قراءتي، دفع إيران إلى إعادة هيكلة نمط القيادة والسيطرة، عبر التحول من نموذج القائد الفرد إلى نموذج المجموعات القيادية. ويقوم هذا التصور على أن يُدار كل فرع عسكري (جوي-بحري-بري-دفاع جوي) من خلال قائد مُعيّن، يُكلف بتعيين رسمي من القائد الأعلى، إلى جانب مجموعة عمل متكاملة تكون على اطلاع كامل بالخطط والتوجيهات، وتشارك في إدارة الواقع العملياتي بشكل جماعي. وتعمل هذه المجموعة ككتلة واحدة، بحيث تضمن استمرارية الأداء العملياتي حتى في حال استهداف القائد الرئيسي، دون حدوث ارتباك أو خلل في تنفيذ الخطط المعتمدة.
ويُعد عنصر السرية في تشكيل هذه المجموعات أمراً حاسماً، إذ يجب ألا تكون هويات أعضائها معروفة على نطاق واسع بخلاف القائد المكلف بقرار رسمي معلن، بل تُحصر في أضيق دائرة ممكنة داخل منظومة القيادة والسيطرة وتحت إشراف القيادة العليا. كما ينبغي ألا يجتمعوا في مكان واحد، بل يكونوا في أماكن متفرقة ويديرون العمليات بتنسيق من خلال وسائل اتصال آمنة وعلى درجة عالية من الأمان، قد يقتصر التواصل فيها على وسطاء بشر، دون الاعتماد على أي منظومة اتصال شبكية.
هذا النمط من الإدارة يُعزز مرونة المنظومة العسكرية ويقلل من تأثير الضربات الموجهة ضد القيادات، بما يضمن استمرارية العمليات وفق خطط محكمة، دون انقطاع أو اضطراب. ويُفسر ذلك استمرار العمل العسكري الإيراني بالرغم من الضربات التي تستهدف القادة المعلن عن أسمائهم باستمرار، مما يشير إلى وجود قادة متعددين يغطون الثغرة مباشرة ويكملون مسيرة العمليات التي كانوا في الأصل مشاركين في إدارتها.
7-التفاوض تحت النار: ماذا يريد ترامب من هذه المرحلة؟
أولاً: استكشاف الموقف الإيراني قبل الغزو البري (الاحتمال المرجح):
يسير دونالد ترامب وفق الاستراتيجية المعتادة التي اتُّبعت مع إيران في حرب الـ12 يوماً والحرب الجارية الآن؛ إذ يسعى إلى فرض تفاوض بالقوة تُجبر فيه إيران على الاستسلام، مع الاستمرار في تهيئة مسرح العمليات العسكري لتوجيه ضربات إضافية إذا تمسكت إيران بمواقفها ورفضت التراجع.
يريد ترامب في هذه المرحلة الجلوس إلى طاولة التفاوض لقياس الموقف الإيراني بعد تعرضها لضربات على مدار الأسابيع الأربعة الماضية، ظناً منه أن إيران قد تُبدي مرونة أو تغيّر موقفها. غير أن هذا التقدير يتجاهل حقيقة أساسية، وهي أن أي تراجع كان سيظهر أولاً في ميدان القتال، بينما تشير المعطيات الميدانية إلى أن إيران ما زالت مستمرة، ولم تُبدِ مؤشرات على رفع الراية البيضاء، وأن قدراتها لا تزال حاضرة ومؤثرة.
في المقابل، تبدو الولايات المتحدة وكأنها تشتري الوقت عبر الحديث عن مسار دبلوماسي، إلى حين اكتمال وصول قوات الغزو البري وتشكّل مسرح العمليات لبدء التحركات على الشريط الساحلي الإيراني ومضيق هرمز . وفي هذا السياق، يسعى ترامب إلى إثبات أنه استنفد المسار السياسي، من خلال الإشارة إلى أنه حاول التفاوض مجدداً، لكن إيران ما زالت متمسكة بمشروعها النووي والباليستي.
وبذلك، يُهيّئ الأرضية أمام الداخل الأمريكي والأوروبي لتبرير الانتقال إلى المرحلة البرية، باعتبار أن الخيارات السياسية لم تُجدِ نفعاً، وأن استمرار العمليات العسكرية أصبح خياراً تفرضه المعطيات.
وفي تقديري، فإن إيران قد استوعبت دروس التجارب السابقة، ولن تنخرط في مسار دبلوماسي يُبنى على التهديد مجدداً، سعياً لقطع الطريق على ترامب ومنعه من امتلاك مبررات إضافية. كما أن الواقع العملياتي، الذي في حالة توازن استراتيجي، لا يدفع إيران إلى الدخول في مثل هذه المفاوضات التي تُفضي في جوهرها إلى الاستسلام. وما سبق هو الاحتمال المرجح من واقع قراءتي.
ثانياً: توقف الحرب برغبة أمريكية حقيقية (احتمال أقل ترجيحاً):
في احتمالٍ آخر أقلّ ترجيحاً من وجهة نظري، قد يكون دونالد ترامب بناءً على تقديرات عسكرية أمريكية، وتحت ضغط الداخل الأمريكي وتحت الضغط الأوربي يسعى إلى إنهاء الحرب، بعدما استشعر أن كلفة الحسم أصبحت مرتفعة، وأن إيران قادرة على خوض حرب استنزاف لفترة طويلة، وأن الاقتصاد العالمي سيتعرض لأزمة اقتصادية كبرى في سوق الطاقة.
وفي هذا السياق، قد يتجه إلى وقف العمليات، مع محاولة تسويق صورة “انتصار” سياسي، عبر الادعاء بتحقيق أهداف استراتيجية كما يزعم ترامب دائماً، مثل القضاء على البحرية الإيرانية، وتقليص القدرات الصاروخية وتضرر المشروع النووي الإيراني بصورة كبيرة، واستهداف بعض قيادات الصف الأول. وقد يترافق ذلك مع طرح بنود تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، تشمل آليات رقابة ومتابعة مرحلية من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، على نحوٍ مشابه لما كان يجري سابقاً.
غير أن هذه النتيجة، حتى لو تم تسويقها إعلامياً كإنجاز، لا تعني تحييد إيران كقوة مؤثرة؛ إذ ستظل فاعلاً إقليمياً رئيسياً، محافظةً على جزء معتبر من قدراتها الصاروخية، فضلاً عن استمرار الغموض المحيط بجوانب من برنامجها النووي ومدى حقيقة تضرره في ظل العمليات العسكرية، مع بقاء النظام الإيراني. بل وقد يمنحها هذا المسار فرصة لإعادة تثبيت موقعها في المعادلة الإقليمية بشكل أوسع، بما يجعل هذا “المخرج” أقرب إلى انتصار لإيران لها على المستوى الاستراتيجي.
هذا الطرح سيقابل برفض إسرائيلي قاطع من وجهة نظري، إلا إذا نجحت الولايات المتحدة في إقناع الجانب الإسرائيلي بأن استنزاف إيران يجب أن يتم على مراحل، وليس عبر حسم سريع، وذلك بناءً على ما كشفته الحرب الدائرة الان والقدرات الإيرانية التي استطاعت بها الصمود وخوض العمليات في أكثر من مسرح ورفعت بها كلفة الحرب على الجميع وبشكل سريع.
7-حزب الله والمبادأة العملياتية: قراءة في دلالات القرار والقدرة بعد الضربات الإسرائيلية:
اتخذ حزب الله قراراً صعباً بالدخول المباشر على خط المواجهة في ظرفٍ إقليمي يشهد حرباً شاملة وتصعيداً متسارعاً في أكثر من ساحة. غير أن تحركه الاستباقي أظهر من وجهة نظري أنه ما زال يمتلك قراره وقدرته على المبادأة، وأن بنيته العسكرية لم تُشلّ كما حاولت إسرائيل تصويره خلال الفترة الماضية. فالمبادرة بالتحرك العملياتي بعمل استباقي في هذا التوقيت تعكس أن الحزب، رغم ما تعرض له من ضربات قاسية، ما زال قادراً على اتخاذ القرار والتحرك في الميدان، حتى وإن لم تكن قدراته كما كانت في السابق.
وخلال الأشهر الماضية، كان رئيس الوزراء الإسرائيلي (مجرم الحرب) بنيامين نتنياهو يروّج باستمرار لفكرة أن إسرائيل نجحت في إنهاء القدرات العسكرية للحزب وشلّ بنيته القيادية. إلا أن المبادأة التي أظهرها الحزب ميدانياً تشير إلى أن الضربات التي تعرض لها عبر ثلاث مراحل رئيسية ، بدءاً من مرحلة إسناد جبهة غزة في أكتوبر 2023، ثم مرحلة الحرب الشاملة بعد عملية البيجر وما تبعها من استهدافات لقادة الحزب في سبتمبر 2024، وصولاً إلى الضربات التي استمرت حتى بعد إعلان وقف إطلاق النار (من طرف واحد نوفمبر 2024) لم تنجح في القضاء على قدراته أو تعطيل منظومة القيادة والسيطرة لديه بشكل كامل.
وبذلك، فإن قدرة الحزب على المبادأة العملياتية والقيام بعمل استباقي واتخاذ قرار بدء الحرب في هذا التوقيت تُعد مؤشراً على أن الأهداف التي أعلنها نتنياهو بشأن تحييد الحزب أو شل قراره العسكري لم تتحقق بالصورة التي سعت إليها إسرائيل.
ومع ذلك، يجب التذكير بأن حزب الله في نهاية المطاف هو حركة عسكرية–سياسية وليس دولة، وهو ما يجعل معادلة المواجهة مختلفة جذرياً عندما يتعلق الأمر بصراع مباشر بين الدول، حيث تتغير الحسابات العسكرية والاستراتيجية بشكل أوسع وأكثر تعقيداً.
حزب الله يقدم جهداً عسكرياً فاجأ الجميع، ودخوله المعركة بشكلٍ استباقي هجومي وليس كردّ فعل، وهذه المبادأة تحمل دلالة استراتيجية، إذ نسفت الرواية التي روّج لها نتنياهو حول القضاء على قدرات الحزب وإنهاء فاعليته العسكرية، وتثبت أن استخبارات العدو تقديراتها حول مدى قوة حزب الله خاطئة.
حزب الله، بقراءةٍ عملياتية في صدّ التوغلات البرية ومحاولات الاستكشاف بالنار التي يقوم بها عناصر جيش الاحتلال في النسق الأول للجنوب اللبناني، يقدم جهداً متقدماً ويوقف التقدمات ويحقق إصابات مباشرة، مستخدماً التسليح المناسب لذلك، والإصابات المتكررة في الأفراد والدبابات التابعة لجيش الاحتلال تكشف هذا.
القدرات الجوية لحزب الله “بالصواريخ والمسيرات” والضربات التي وصلت اليوم لأكثر من 90 رشقة صاروخية بخلاف المسيرات توضّح أن التسليح الجوي الذي بحوزة حزب الله حاضر وبقوة، ويشير إلى أن الحزب أعاد ترميم منظومته الصاروخية والمسيرة بالرغم مما تعرض له من ضربات طيلة السنتين الماضيتين.
القيادات الميدانية لحزب الله وغرفة القيادة والسيطرة للحزب التي تدير العمليات، تشير—وفق الواقع الميداني—إلى تماسكها، وأنه بالرغم من الضربات التي لحقت بحزب الله في الفترة الماضية، من استهداف لحسن نصر الله وهاشم صفي الدين وبعض القادة الميدانيين العسكريين للحزب، لم يحدث فراغ، وأن الحزب دعم صفوفه على مستوى القيادات بقدر ومستوى القادة الراحلين.
تزامن الرشقات والضربات في نفس التوقيتات بين الحرس الثوري وحزب الله يشير إلى أن هناك غرفة عمليات متقدمة مشتركة بين الحرس الثوري وحزب الله، على تنسيق مستمر، قادرة على تنفيذ مهام في نفس الأزمنة.
من رؤيتي، ما شجّع إسرائيل على الدخول في الحرب وإقناع الأمريكي بتصدّر تلك الحرب كان من أسبابه التقديرات الإسرائيلية بأن جبهة شمال الأراضي المحتلة باتت في وضع أكثر استقراراً مما مضى، وهو ما لم يتحقق، ونسف تلك القناعة حزب الله بدخوله الاستباقي في الحرب بقدرات وإمكانات كبرى أربكت الداخل الإسرائيلي بشكل كبير.
8-ماذا يعني دخول الحوثي على خط المواجهة:
ما يُدرّس في كليات الحرب أن استراتيجية المعارك الكبرى تُبنى على المرحلية، وعدم استخدام كافة الأوراق الاستراتيجية دفعة واحدة، خاصة إذا كان الخصم يمتلك قدرات عسكرية قد يتفوق فيها في بعض الأفرع. ويكون التدرّج في العمليات قائماً على مراحل، ومرتبطاً بسلوك العدو في الميدان؛ فكل خطوة تصعيدية يتخذها العدو، يقابلها إدخال ورقة استراتيجية ، بهدف مفاجأته وإعادة ضبط ميزان الردع. والغاية من ذلك هي ترسيخ معادلة واضحة: كل تصعيد يقابله تصعيد مضاد، بما يُقنع العدو بعدم جدوى التصعيد، ويدفعه إلى إعادة حساباته في مسار المعركة.
دخول الحوثي على خط النار يأتي ، في إطار توظيف إيران وحلفائها لأوراقهم على مراحل، ضمن إدارة تصعيد متدرّج ومدروس. فمع تصاعد وتيرة استهداف البنى التحتية في إيران، اتجه مسار العمليات نحو فتح جبهات جديدة لزيادة الضغط على الخصم وتوسيع نطاق التأثير.
ويبدو أن مضيق باب المندب بات ورقة قابلة للتفعيل ضمن هذا السياق، بهدف رفع كلفة الحرب على الاقتصاد العالمي، ونقل الصراع من نطاقه الإقليمي إلى مستوى أكثر تأثيراً على حركة التجارة والطاقة الدولية، بتفعيل خطة “كماشة المضائق -هرمز-باب المندب”، ، تأثير الحوثي في الحرب سيكون أكثر فاعلية في باب المندب.
كما تشير المعطيات إلى أن إيران وحلفاءها يعملون ضمن تنسيق عملياتي متقدم، وذلك يشير إلى وجود غرفة عمليات مشتركة بين إيران والحوثي وحزب الله وكذلك الفصائل العراقية تدير إيقاع التصعيد وتوقيتات فتح الجبهات، بما يحقق أعلى قدر من التأثير المتزامن على مسار العمليات.
تواجه إيران آلة عسكرية ضخمة؛ فالولايات المتحدة الأمريكية تمتلك ترسانة تسليحية تُعدّ الأولى عالمياً، إلى جانب الإمكانات المتطورة للعدو الصهيوني، خاصة في المجال الجوي. وعند اجتماع القدرتين الأمريكية والإسرائيلية في معركة واحدة، تتشكل قدرة كبيرة في مواجهة الطرف الآخر.
في ظل هذا الواقع، لا تمتلك إيران في مثل هذه المعركة سوى توظيف أوراقها بشكل مرحلي، والتنسيق مع حلفائها، واستخدام قدراتها العسكرية بأسلوب تكتيكي محسوب، مع توجيه إمكاناتها المناسبة لخوض حرب استنزاف طويلة المدى، وهو ما تفعله إيران بالفعل.
ويُعدّ سلاح الجغرافيا أحد أهم الأدوات التي استخدمتها إيران بشكل فوري وبقدرات جاهزة، لرفع كلفة الحرب عالمياً، وهو ما تجلّى في إغلاق مضيق هرمز، باعتباره الورقة الاستراتيجية الأبرز لديها. فالموقع الجغرافي لإيران يمنحها قدرة مباشرة على التأثير في أحد أهم شرايين الطاقة العالمية، وهذا ما حوّل الصراع من نطاقه العسكري الضيق إلى نطاق اقتصادي دولي واسع. هذه الورقة لا تستهدف فقط الخصم المباشر، بل تضغط على المجتمع الدولي ككل، من خلال تهديد إمدادات الطاقة ورفع تكاليف النقل والتأمين، وهو ما يخلق بيئة ضغط متعددة المستويات قد تُسهم في تقييد خيارات التصعيد لدى الأطراف الأخرى.
وفي هذا السياق، عملت إيران على التنسيق مع حلفائها لتشتيت جهود الخصم عبر فتح أكثر من جبهة؛ حيث إن إدخال حزب الله مباشرة على خط النار كان تكتيكاً عملياتياً صحيحاً منذ بداية الحرب، أسهم في تشتيت العدو الصهيوني على عدة محاور، وأجبره على توزيع قواته وقدراته الدفاعية بين أكثر من اتجاه. هذا التمدد الجغرافي في مسرح العمليات يُضعف من قدرة الخصم على تركيز جهده القتالي، ويزيد من احتمالات الخطأ في التقدير، كما يرفع من كلفة الدفاع مقارنة بكلفة الهجوم الموزع.
أما الحليف الحوثي، فقد تأخر دخلوه على خط النار ومن خلال قراءتي يبدو أن ذلك كان يتم بتنسيق مع إيران؛ إذ يمتلك الحوثيون، إلى جانب قدراتهم الصاروخية والمسيّرة (التي يحيط بها قدر من الغموض بسبب الضربات التي لحقت به الفترة الماضية) ورقة استراتيجية بالغة الأهمية تتمثل في الجغرافيا. فدخولهم المعركة يعني خلق حالة اضطراب في مضيق باب المندب، بما يؤدي إلى تشكيل كماشة استراتيجية لإغلاق المضائق من هرمز إلى باب المندب، وهو ما سيضغط على الاقتصاد العالمي في مجالي الطاقة والتجارة بشكل غير مسبوق، ويرفع تكلفة الحرب على جميع الأطراف، بما قد يدفع أطراف مختلفة للتدخل بطرق مختلفة لضبط إيقاع الصراع.
وبناءً على ذلك، دخل الحوثي على خط المواجهة كانتقال إلى مرحلة تصعيد نوعي، بعد استهداف منشآت الطاقة الإيرانية، وذلك في إطار تثبيت المعادلة العسكرية الإيرانية التي طُرحت منذ بداية الحرب: ردّ المثل بالمثل، والتصعيد يُقابله تصعيد أكبر، بالتنسيق مع حلفائها . إدخال مضيق باب المندب في دائرة الصراع وإحداث حالة اضطراب فيه لرفع كلفة الحرب عالميا إلى مستوي أكبر، سيكون من خلال قراءتي وفق خططٍ موضوعة بتنسيقٍ مسبق وغرفة عمليات مشتركة بين إيران وأنصار الله، مع جاهزيةٍ للتنفيذ في التوقيت المناسب، وهو ما تعزّزه وتُشير إليه التصريحات الإيرانية.
إيران، وما تقدمه اليوم من أداء عسكري هجومي متقدم بجانب حلفائها، هو نتاج إعداد عسكري متقدم عملت عليه منذ خروجها من حربها مع العراق التي دامت ثماني سنوات، وتعلّمت من دروسها خلالها. ففي تلك الحرب، طلبت إيران صواريخ من ليبيا في عهد القذافي لعدم امتلاكها منظومة صاروخية، بل ولم يكن لديها حينها خبراء قادرون على إطلاق الصواريخ، فأرسل لها القذافي خبراء للإطلاق. أما اليوم، فقد أصبحت قوتها الاستراتيجية الضاربة متمثلة في منظوماتها الصاروخية والمسيّرات، وهي نتاج جهد دؤوب عملت عليه لسنوات طويلة.
ومن دروسها أيضاً من حرب العراق، التي استمرت ثماني سنوات، أنها عملت على بناء حلفاء لها في المنطقة ليكونوا خطاً متقدماً وجبهة أمامية في مواجهة أعدائها. وقد كان تعريفها للعدو واضحاً، وهما أمريكا وإسرائيل، ولذلك سعت إلى إعداد محور داعم لها في مراحل الحرب، وهو ما يمثل أيضاً درساً استراتيجياً استوعبته من تجربتها السابقة، حيث عانت حينها من قلة الحلفاء، على عكس العراق الذي كان مدعوماً من أطراف دولية وإقليمية متعددة.
ولم يقتصر دعم إيران على جماعات شيعية فقط كما يروّج أصحاب السردية الطائفية، بل دعمت حركات أخرى سنية مثل حماس وبعض الحركات الأفغانية، ما يدحض فكرة أنها تدعم فقط الحركات ذات المرجعية الشيعية. إيران عملت وصنعت جهداً ممتداً، بينما لم تقم الأطراف والدول المعارضة لها في المنطقة ببناء مسارات مشابهة بنفس المستوى. بل تحوّلت بعض دول المنطقة إلى أدوات ضمن أجندة إسرائيل والولايات المتحدة، في سياق خطط تستهدف فرض الهيمنة على الإقليم.
واليوم، أصبحت لدى إيران مراكز دعم وإسناد في مناطق متعددة، فضلاً عن امتلاكها واحدة من أقوى القدرات الضاربة في مجال المنظومات الصاروخية الجوية.
لا تُلام إيران على ما تقوم به وفق رؤيتها للدفاع عن مصالحها ومواجهة أعدائها، بل يُلام من لا يُعِدّ عُدّته في مواجهة خصومه.
9-مراكز الثقل والمواقع الحيوية داخل الأراضي المحتلة:
بين الحين والآخر، تصدر تقارير في إعلام العدو الصهيوني ومقالات لمحللين عسكريين صهاينة تلمّح إلى أنه في حال اندلاع مواجهة مع مصر، فإن السد العالي في جنوب مصر سيكون أحد الأهداف التي يسعى العدو لضربها.
أي دولة لديها ما يُسمى بالمواقع الحيوية/الحرجة (Critical Infrastructure) التي تُعتبر أهدافاً إستراتيجية في حال الصراع.
في الحالة “الإسرائيلية”، أهم النقاط الحيوية التي تعتبر بنك أهداف استراتيجي، يمكن تقسيمها إلى:
1. المياه والطاقة
محطة ديمونة النووية (مفاعل ناحال سوريك ومركز ديمونة/شمعون بيرس): يعدّ من أهم الأهداف الاستراتيجية، حيث يُعتقد أنه مركز البرنامج النووي الإسرائيلي.
مشروع المياه القُطري (National Water Carrier): خط رئيسي لنقل المياه من بحيرة طبريا إلى النقب. أي تهديد له يمثل خطورة وجودية.
محطات تحلية المياه الكبرى (مثل عسقلان وحيفا): إسرائيل تعتمد بشكل واسع على التحلية لتأمين مياه الشرب.
شبكة الغاز الطبيعي خاصة منصات الغاز في البحر المتوسط (تمار، ليفياثان، كاريش).
محطات توليد الكهرباء محطتي الخضيرة وعسقلان، إذ تُعدّان العمود الفقري لشبكة الكهرباء الإسرائيلية، ويُضاف إليهما الاعتماد الكبير على حقول الغاز البحرية كمصدر رئيسي للطاقة.
2. العقد الاقتصادية
ميناء حيفا وأشدود وإيلات: مراكز التجارة الرئيسية لإسرائيل. أي تعطيل لهما يشل الاقتصاد.
مطار بن غوريون الدولي (تل أبيب): الشريان الجوي الرئيسي، تعطيله يعني شلل حركة الطيران والدبلوماسية.
شبكات الاتصالات تشكّل بنية تحتية حيوية (مدنية وعسكرية) تعتمد على مراكز تبادل الإنترنت ومراكز البيانات ومراكز التكنولوجيا ، ومحطات إنزال الكابلات البحرية، وأبراج الخلوي، وأنظمة إدارة الشبكة؛ وتعطّل أي من هذه الفئات يسبب انقطاعات واسعة وُتسبب شلل للعدو.
3. البنية العسكرية والأمنية
مراكز القيادة والسيطرة للجيش (مثل مقر الكرياه في تل أبيب): أشبه بوزارة الدفاع والبنتاغون في آن واحد وتضم عددا من المنشآت العسكرية والحكومية البارزة.
القواعد الجوية الرئيسية (حتسور، حاتسريم، رامون، تل نوف): أعمدة القوة الجوية الإسرائيلية.
4. المدن ذات الطابع السياسي/الرمزي
القدس (المؤسسات الحكومية والكنيست والمحكمة العليا): مركز الثقل السياسي والديني.
تل أبيب: العاصمة الاقتصادية والتجارية، وتضم غالبية مقار الشركات والبنوك.
الخلاصة:
إذا شبّهنا “السد العالي” كأصل حيوي مصري يرمز للطاقة والمياه معاً، فالنظير في إسرائيل يمكن اعتباره مفاعل ديمونة النووي من حيث رمزيته وخطورته، ومشروع المياه القُطري + محطات التحلية من حيث حيوية تأمين الموارد، إلى جانب منصات الغاز البحرية التي باتت شرياناً اقتصادياً حاسماً للعدو.
إذا كان “السد العالي” في مصر يمثل نقطة طاقة مركزية، فإن محطتي الخضيرة وعسقلان هما نظيرتاها في الكيان الصهيوني، إذ تُعدّان العمود الفقري لشبكة الكهرباء الإسرائيلية، ويُضاف إليهما الاعتماد الكبير على حقول الغاز البحرية كمصدر رئيسي للطاقة.
والمعيار في ذلك هو القدرة على الوصول إليه باستخدام قوة نارية وأسلحة مناسبة قادرة على ضرب مكمن قوة العدو.
10-المضائق البحرية في معادلات القوة: حين تتحول الجغرافيا إلى سلاح استراتيجي
في علم الاستراتيجية، لا تُقاس قوة الدول فقط بما تمتلكه من جيوش أو أسلحة متطورة، بل بما تملكه من مفاتيح الجغرافيا التي تمنحها القدرة على التأثير في حركة التجارة والطاقة والاتصال بين القارات. وفي مقدمة هذه المفاتيح تأتي المضائق البحرية، التي تمثل شرايين حيوية للاقتصاد العالمي وممرات لا غنى عنها للتجارة الدولية.
التاريخ العسكري والاستراتيجي يثبت أن السيطرة على المضائق ليست مجرد مسألة سيادة جغرافية، بل هي ورقة قوة استراتيجية يمكن توظيفها في أوقات الأزمات والحروب. فالدولة التي تتحكم في ممر مائي حيوي تمتلك القدرة على التأثير في خصومها وفرض معادلات ردع تتجاوز حدود قوتها العسكرية التقليدية.
المضيق في المفهوم الاستراتيجي لا يُنظر إليه فقط بوصفه ممراً للسفن، بل باعتباره نقطة تحكم في حركة الاقتصاد العالمي. ولذلك فإن القوى الكبرى لطالما سعت إلى تأمين المضائق أو وضعها تحت نفوذها، لأنها تدرك أن من يملك مفاتيح هذه الممرات يملك قدرة كبيرة على التأثير في توازنات القوة.
وما يجري في الحرب الدائرة اليوم يقدم مثالاً واضحاً على هذه الحقيقة. فإحدى أهم أوراق القوة التي تملكها طهران في هذه المواجهة ترتبط بقدرتها على التأثير في الملاحة عبر مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية في العالم لنقل الطاقة. هذه الورقة الجيوسياسية تمنحها قدرة على رفع كلفة الحرب على خصومها، ليس فقط عسكرياً بل اقتصادياً أيضاً، عبر التأثير المباشر في أسواق النفط والتجارة العالمية.
إن امتلاك مثل هذه الورقة الاستراتيجية يمنح الدول قدرة إضافية على الدفاع عن أمنها القومي، لأنه يتيح لها أدوات ضغط تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة. فالمضيق هنا يتحول من مجرد ممر جغرافي إلى أداة ردع يمكن استخدامها عند الضرورة لفرض توازن في مواجهة قوى أكبر.
ولهذا السبب تحديداً، تُعد المضائق البحرية من أكثر المواقع حساسية في الجغرافيا السياسية، وتحرص الدول عادة على الحفاظ عليها بوصفها جزءاً لا يتجزأ من منظومة أمنها القومي. فالتفريط في مثل هذه المواقع لا يعني فقط خسارة قطعة من الأرض أو البحر، بل خسارة أداة استراتيجية قد تصبح حاسمة في لحظات الأزمات الكبرى.
ومن يتأمل تطورات المنطقة خلال السنوات القليلة الماضية يلاحظ أن هناك، في وقت قريب نسبياً، أحداثاً شهدت تفريطاً في السيطرة على أحد المضائق المهمة في هذه المنطقة الحساسة من العالم وهنا أتحدث عن ما تم من تنازل عن جزيرتي تيران وصنافير المصريتان (ومضيق تيران الفاصل بين الجزيرتان) وفي الأدبيات الاستراتيجية فذلك يُعد موقعاً جيوسياسياً حساساً أكثر من كونه مجرد جزيرتين. مثل هذه القرارات تكشف الفارق بين الدول التي تدرك قيمة الجغرافيا وتسخرها لحماية أمنها القومي، وبين نظم دول أخرى تتعامل مع هذه المواقع الاستراتيجية بخفة سياسية، فتفقد بذلك ورقة قوة كان يمكن أن تكون ذات يوم عنصراً مهماً في معادلات الردع وحماية المصالح الوطنية.
فالجغرافيا في عالم الصراعات ليست مجرد خرائط، بل مصادر قوة. والدول التي تحسن قراءة جغرافيتها وتحافظ على مفاتيحها الاستراتيجية، تمتلك دائماً قدرة أكبر على الدفاع عن نفسها في أوقات الأزمات. أما التفريط في هذه المفاتيح، فغالباً ما لا تظهر كلفته الحقيقية إلا عندما تشتد العواصف.
11-القواعد الأمريكية في الخليج ومعادلات الأمن الإقليمي: بين حماية المصالح الأمريكية وتآكل منظومة الأمن العربي
تشير قراءة التطورات العسكرية والسياسية الجارية في المنطقة، في ظل الحرب الحالية على إيران، إلى ضرورة إعادة النظر في طبيعة الدور العسكري الأمريكي في دول الخليج، وحدود المعادلة التي رُوِّج لها لعقود طويلة بشأن أن الوجود العسكري الأمريكي يشكّل مظلة حماية لأمن دول منطقة الخليج.
فالقواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في منطقة الخليج من قراءتي لم تُنشأ أساساً لحماية دول منطقة الخليج بقدر ما وُجدت لحماية المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة وضمان أمن الكيان الصهيوني. وما يجري اليوم يكشف بوضوح أن المعادلة التي قُدمت سابقاً والقائمة على أن الولايات المتحدة تدافع عن دول الخليج، ليست بالضرورة معادلة دقيقة؛ إذ يبدو أن الواقع يسير في اتجاه مغاير، حيث تجد دول الخليج نفسها عملياً في موقع الدفاع عن نفسها وعن مقرات الوجود العسكري الأمريكي في منطقة دول الخليج.
فالولايات المتحدة تنتشر عسكرياً وفق منطق استراتيجي يقوم على تأمين مصالحها الحيوية، وفي مقدمتها السيطرة على مصادر الطاقة والممرات البحرية الاستراتيجية، بما يضمن استمرار نفوذها في النظام الدولي. ومن هذا المنظور، تبدو منطقة الخليج بالنسبة لواشنطن سوقاً كبيراً للسلاح (سلاح مقابل مال) ومجالاً حيوياً لحماية مصالحها الاقتصادية والجيوسياسية، أكثر من كونها التزاماً فعلياً بالدفاع عن أمن دولها.
إن التطورات الجارية اليوم ينبغي أن تدفع دول الخليج إلى مراجعة حساباتها الاستراتيجية وإعادة تقييم مدى جدوى الاعتماد على المظلة الأمنية والعسكرية الأمريكية التي أدخلت الخليج في حرب ليست حربها ولم تقدم الدور الدفاعي المطلوب لدول الخليج على عكس ما يقدمه الأمريكي من أدوار دفاعية لحماية الكيان الصهيوني. فالولايات المتحدة في نهاية المطاف تتحرك وفق حسابات مصالحها الخاصة، وفي مقدمتها حماية الكيان الصهيوني والحفاظ على نفوذها الاستراتيجي في المنطقة، وليس بالضرورة الدفاع عن أمن الدول الأخرى.
ولهذا تبرز الحاجة إلى التفكير في بناء منظومة أمن إقليمي عربية مستقلة، قادرة على حماية مصالح المنطقة دون الارتهان للقوى الخارجية. فوجود القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج، خصوصاً عندما تُستخدم لإدارة عمليات عسكرية ضد دول أخرى في المنطقة كما يحدث في إيران، يجعل دول الخليج نفسها ضمن نطاق الاستهداف، بحكم استضافة هذه القواعد ومقار القيادة العسكرية.
كما أن وجود مقار القيادة المركزية الامريكية التي تدير عمليات الشرق الأوسط من داخل دول الخليج يجعل هذه الدول جزءاً من مسرح العمليات، وهو ما يدخلها في ساحة الحرب حتى لو لم تكن جزء مباشر فيها، وذلك يضاعف المخاطر الأمنية عليها في حال نشوب صراع في المنطقة كما يحدث الان.
وفي هذا السياق، يمكن القول إن الولايات المتحدة تنتشر في المنطقة بوصفها قوة قادرة على التدخل المباشر متى رأت أن مسار دولة ما يسير على خلاف استراتيجيتها. فهي تتحرك، في كثير من الأحيان، كقوة ضابطة لإيقاع التوازنات الإقليمية بما يخدم مصالحها ونفوذها. ومن ثم فإن المسألة لا تتعلق بإيران وحدها، بل يمكن أن تتكرر في سياقات أخرى مع دول مختلفة إذا تعارضت سياساتها مع الرؤية الاستراتيجية الأمريكية.
وفي ظل هذه المعادلة، فإن كل صراع من هذا النوع سيجعل دول الخليج ضمن نطاق الاستهداف غير المباشر، بسبب استضافتها للقواعد العسكرية الأمريكية التي تُدار منها العمليات العسكرية في المنطقة. وبذلك يتحول الوجود العسكري الأمريكي من عنصر يُفترض أنه يوفر الحماية إلى عامل يضاعف من المخاطر الأمنية على دول الخليج نفسها.
القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج، بدل أن تكون ضمانة للأمن، هي عاملاً يزيد من هشاشة البيئة الأمنية في منطقة الخليج، ويجعل دول الخليج في قلب معادلات الصراع التي لا تكون في كثير من الأحيان طرفاً مباشراً فيها.
إن ما يجري اليوم يطرح سؤالاً استراتيجياً بالغ الأهمية يجب ان يتوقف عنده صناع القرار في الخليج: هل يوفر الوجود العسكري الأمريكي بالفعل مظلة أمنية حقيقية لدول الخليج، أم أنه يعمّق ارتباط أمن منطقة الخليج بحسابات القوى الكبرى التي تسير وفق مصالحها، ويجعلها أكثر عرضة لتداعيات الصراعات الدولية والإقليمية؟
الإجابة عن هذا السؤال تظل مسألة جوهرية في أي نقاش جاد حول مستقبل الأمن الإقليمي في الخليج، خاصة في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها ميزان القوى في الشرق الأوسط.
في المحصلة، فإن القراءة الاستراتيجية لما يجري حالياً في المنطقة، وما يترتب عليه من تداعيات على دول الخليج بسبب الوجود العسكري الأمريكي على أراضيها، ينبغي أن يدفع هذه الدول إلى مراجعة سياساتها الأمنية والعسكرية بقدر أكبر من الجدية. فالتطورات الراهنة تشير إلى أن هذا الوجود يتحول، في لحظات التصعيد، إلى مصدر تهديد مباشر لأمن دول الخليج بدلاً من أن يكون عامل حماية لها. غير أن الوصول إلى مثل هذه المراجعات يظل مرهوناً بوضوح الرؤية لدى صانع القرار، وبمدى قدرة دول الخليج على تبني قرار أمني واستراتيجي مستقل.
إذا كانت بعض دول الخليج منسجمة مع المشروع الأمريكي-الإسرائيلي، فهل يدفع ذلك دولاً خليجية أخرى إلى البحث عن قرار أمني أكثر استقلالاً؟ أم أن تباين المواقف سيبقي أمن الخليج مرتهناً بحسابات القوى الخارجية
12-دروس الحروب الحديثة: منظومات الإنذار المبكر والملاجئ المحصنة ضرورة لأمن الدول:
لم تعد الحروب في عصرنا الحديث تشبه الحروب التقليدية التي كانت تُدار أساساً بين الجيوش على خطوط الجبهات البعيدة عن المدن. فالتطور التكنولوجي الكبير في وسائل القتال، وانتشار الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة، إضافة إلى تصاعد أنماط الحروب الهجينة التي تجمع بين الأدوات العسكرية والتكنولوجية والاستخباراتية والذكاء الاصطناعي، جعل مسرح العمليات يمتد ليشمل عمق الدول ومراكزها الحيوية، بل وحتى مناطقها المدنية.
أحد أبرز ملامح الحروب الحديثة هو استهداف مراكز القيادة والسيطرة والبنية التحتية الحيوية للطرف الخصم. وفي كثير من الأحيان تكون هذه المراكز داخل نطاقات حضرية أو قريبة من مناطق مأهولة بالسكان، الأمر الذي يجعل المدنيين جزءاً مباشراً من دائرة الخطر. كما أن الاعتماد المتزايد على الضربات الجوية باستخدام الصواريخ بعيدة المدى والطائرات المسيّرة أدى إلى تقليص زمن الإنذار بين لحظة إطلاق السلاح ووصوله إلى الهدف، وهو ما يفرض تحديات كبيرة على أنظمة الحماية المدنية.
في ظل هذا الواقع، أصبحت منظومات الإنذار المبكر إحدى الركائز الأساسية للأمن الوطني. فهذه المنظومات لا تقتصر على القدرات العسكرية فقط، بل تمتد لتشمل البنية المدنية أيضاً. وتشمل هذه الأنظمة تطبيقات متطورة على الهواتف المحمولة تنبه المواطنين عند وجود تهديدات وشيكة، إضافة إلى شبكات إنذار صوتية واسعة النطاق يمكنها إيصال التحذير إلى السكان خلال ثوانٍ قليلة في حال استشعار خطر قادم، بما يتيح للمواطنين التوجه سريعاً إلى أماكن آمنة أو إلى الملاجئ المحصنة، والبقاء فيها حتى زوال الخطر، تجنباً للتعرض لإصابة مباشرة نتيجة سقوط صاروخ أو طائرة مسيّرة، أو بسبب الشظايا المتناثرة الناتجة عن اعتراض أنظمة الدفاع الجوي للتهديدات.
كما أن التجارب المعاصرة أظهرت أن إنشاء ملاجئ محصنة لحماية المدنيين لم يعد خياراً ثانوياً، بل ضرورة حيوية في ظل طبيعة الحروب الحالية. فالدول التي تمتلك بنية متطورة من الملاجئ وأنظمة الحماية المدنية تكون أكثر قدرة على تقليل الخسائر البشرية والحفاظ على استقرار الجبهة الداخلية خلال فترات الصراع.
الحرب الدائرة حالياً في المنطقة كشفت بوضوح حجم هذا التحدي؛ إذ سارعت بعض الدول إلى تطوير أو إنشاء تطبيقات للإنذار المبكر بعد اندلاع العمليات العسكرية. غير أن هذا التحرك، رغم أهميته، جاء في كثير من الأحيان كرد فعل متأخر على واقع فرضته الحرب، وهو ما يعكس الحاجة إلى استراتيجية استباقية في هذا المجال.
إن الدرس الأهم الذي تفرضه الحروب الحديثة هو أن أمن الدول لم يعد يقتصر على قوة جيوشها فقط، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بقدرتها على حماية مجتمعاتها المدنية من آثار الصراع. ولذلك بات من الضروري، خاصة في منطقة الشرق الأوسط التي تشهد توترات متكررة، أن تعمل الدول على بناء منظومات إنذار مبكر متكاملة، وتدريب المواطنين على الاستجابة لها، إلى جانب إنشاء ملاجئ محصنة قادرة على تأمين المدنيين في أوقات الطوارئ.
في النهاية، فإن الدول التي تستوعب دروس الحروب مبكراً وتعمل على تطوير بنيتها الدفاعية المدنية ستكون أكثر قدرة على امتصاص صدمات الصراع وتقليل خسائره، بينما ستجد الدول التي تتأخر في ذلك نفسها أمام تحديات أكبر عندما تفرض الحروب واقعها القاسي.
13-حول المبدأ العسكري في المعارك العنيفة:
هناك في تعاليم المدارس العسكرية الحديثة مبدأ معناه حين تشترك في معركة عنيفة وحين يصبح موقفك سيئاً فلابد أن تدرك أن موقف عدوك سيء بنفس الدرجة فإذا لم تستسلم أولاً فإن العدو سوف يستسلم وإذا صمدت في اللحظة الحرجة انقصم ظهر العدو”.
هذا المبدأ العسكري الهام ذكره وأكد عليه الفريق سعد الدين الشاذلي رحمه الله في كتابه عقيدتنا الدينية طريقنا إلى النصر والذي وزع على الضباط والجنود قبل حرب 6 أكتوبر 1973.
يشير هذا المبدأ في الفكر العسكري الحديث إلى حقيقة نفسية وعملياتية أساسية في إدارة المعارك، وهي أن الأطراف المتحاربة غالباً ما تتعرض لضغوط متقاربة في اللحظات الحاسمة من القتال، حتى وإن بدا ظاهرياً أن أحد الأطراف في وضع أسوأ. فالمعركة العنيفة تفرض على الجانبين استنزافاً في الموارد والقدرات المعنوية واللوجستية، ما يجعل نقطة الانكسار قريبة لدى الطرفين في الوقت نفسه. لذلك تؤكد المدارس العسكرية أن الإدراك الصحيح للحظة الحرجة والصمود خلالها قد يكون عامل الحسم الحقيقي في نتيجة الصراع.
وفي هذا السياق، يصبح العامل المعنوي والإرادة القتالية جزءاً لا يقل أهمية عن القوة المادية. فالجيش الذي ينجح في الحفاظ على تماسكه وعدم الانهيار في اللحظة التي يظن فيها أن الموقف أصبح ميؤوساً منه، قد يكتشف أن خصمه يمر بالحالة نفسها من الضغط والارتباك. وعند هذه النقطة تحديداً، يمكن للصمود لبضع ساعات أو أيام أو أسابيع إضافية أن يقلب ميزان المعركة، لأن الطرف الذي ينهار أولاً يفتح الباب لانهيار متسلسل في منظومته القتالية.
لهذا السبب تعدّ كثير من العقائد العسكرية أن الصمود في اللحظة الحرجة يمثل اختباراً حقيقياً للقيادة والجنود على حد سواء. فالقيادة القادرة على إدارة المعركة في ظروف الضغط الشديد، ومنع الانهيار النفسي داخل قواتها، تستطيع في أحيان كثيرة تحويل وضع دفاعي صعب إلى فرصة لكسر إرادة العدو وإجباره على التراجع أو الاستسلام. وفي المحصلة، يعبّر هذا المبدأ عن قاعدة استراتيجية عميقة: في الحروب لا ينتصر دائماً الأقوى مادياً، بل الطرف الذي يصمد أطول في لحظة الاختبار.
ثالثاً: اللواء أحمد وصفي: هدف الحرب على إيران السيطرة على المضائق وتسليم المنطقة لـ”إسرائيل”
اعتبر قائد الجيش الثاني الميداني المصري الأسبق، اللواء أحمد وصفي، أن الحرب الأمريكية على إيران تحمل أهدافا استراتيجية تتجاوز البعد العسكري المباشر، مشيرا إلى أن جوهرها يتمثل في “السيطرة على المضايق والممرات الملاحية في المنطقة وجعلها تحت سيطرة إسرائيل”، بما في ذلك مضيقا تيران وصنافير وقناة السويس.
وقال وصفي، الذي تولّى سابقا قيادة الجيش الثاني الميداني المسؤول عن منطقة شمال سيناء، إن “الحرب العالمية الثالثة بدأت بالفعل منذ ثلاث أو أربع سنوات”، مؤكدا أنها “ليست بالضرورة حربا تقليدية بين قوى عظمى كما حدث في الحربين العالميتين الأولى والثانية”.
وأوضح في حوار مع صفحة محلية مصرية٬ أن هذه الحرب بدأت بأدوات اقتصادية وسياسية وثقافية، “وفقا لمركز ثقل كل دولة”، قبل أن تصل إلى المرحلة العسكرية لاستكمال “الشكل العام للصراع”، مضيفا أن “أي حرب عالمية ينتج عنها عالم جديد”.
ورأى اللواء وصفي أن الهدف النهائي يتمثل في “تقسيم التوتر” بما يسمح للاحتلال الإسرائيلي بالسيطرة على منطقة الشرق الأوسط وكيلا عن الولايات المتحدة، فيما تبقى واشنطن مهيمنة على الأمريكتين وجزء من القطب الشمالي، مع توزيع مناطق نفوذ أخرى على قوى دولية مختلفة.
وأضاف أن “ثروات الخليج في هذه الحالة ستذهب إلى من يديرها”، معتبرا أن الولايات المتحدة تخطط لتسليم قيادة المنطقة إلى إسرائيل بعد السيطرة على جميع المضائق البحرية المتحكمة في تدفقات الطاقة والغذاء.
ورجح وصفي أن تستمر العمليات العسكرية ضد إيران طوال شهر مارس الجاري بشكل تصاعدي، مشددا على أن جميع الأطراف ستتكبد “خسائر فادحة”، وأن الهدف النهائي هو الشرق الأوسط بأكمله، بما في ذلك “القضاء على وجود بعض الحكام وتعديل حدود عدة دول”.
وأعرب اللواء وصفي عن أمله في أن تتحد مصر وتركيا والسعودية وباكستان ضمن حلف واحد، مؤكدا أنه “لا وقت للانقسامات”، واعتبر أن الاشتباكات الجارية بين باكستان وأفغانستان تمثل واحدة من “خطط الإشغالات” الرامية إلى منع أي تحالفات إقليمية محتملة.
وأضاف: “السعودية الآن في قلب دائرة النار كما هو وضع مصر، وتركيا كذلك في بؤرة صراعات مختلفة”.
وفي ما يتعلق بالخسائر العسكرية، قال وصفي إن الأرقام المعلنة أثناء الحروب غالبا ما تكون جزءا من “الحرب الإعلامية والنفسية”، مشيرا إلى أن الحقيقة الكاملة لا تظهر عادة إلا بعد انتهاء الصراع.
وأوضح أن بعض المؤشرات تفيد بأن الولايات المتحدة تكبدت خسائر مؤلمة خلال العمليات الأخيرة، بما في ذلك تضرر قواعد عسكرية وسقوط قتلى في صفوف قواتها، رغم أن الخطاب الرسمي لا يعترف بذلك بوضوح.
وفي تحليله للمشهد الإقليمي، رأى وصفي أن ما تواجهه دول مثل مصر وتركيا والسعودية وباكستان من أزمات وضغوط متزامنة قد يكون جزءا من استراتيجية استنزاف تهدف إلى منع تشكل تحالف إقليمي قوي.
وبحسب تقديره، فإن قيام مثل هذا التحالف من شأنه أن يغيّر ميزان القوى في الشرق الأوسط ويمنح دول المنطقة قدرة أكبر على إدارة شؤونها بعيدا عن الهيمنة الخارجية.
وتطرق وصفي إلى أهمية الدور التركي في المعادلة الجيوسياسية، مشيرا إلى أن مكانة أنقرة ترتبط بسيطرتها على مضيقي البوسفور والدردنيل، وهما من أبرز الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم.
ولفت إلى أن القيادة التركية تدرك حساسية هذا الموقع، وهو ما يفسر – وفق رؤيته – تعيين شخصيات ذات خلفيات استخباراتية ودبلوماسية قوية في مواقع صنع القرار، في ظل تصاعد التنافس الدولي على النفوذ في المنطقة.
وختم وصفي تحليله بالتأكيد على أن العالم يتجه نحو مرحلة تعددية قطبية، ولم تعد الولايات المتحدة القوة الوحيدة المهيمنة كما كان الحال بعد نهاية الحرب الباردة، مشيرا إلى أن التحولات الجارية قد تدفع العديد من القوى الدولية إلى إعادة توزيع أدوارها ونفوذها.
ودعا في ختام تصريحاته إلى تعزيز التماسك الداخلي في الدول العربية والإقليمية، مؤكدا أن المرحلة المقبلة تتطلب قدرا كبيرا من الوحدة والاستقرار لمواجهة التحديات المتصاعدة.
رابعاً: تساؤلات حول مصرع رئيس أركان حرس حدود المنطقة الجنوبية العسكرية
شهدت محافظة المنوفية خلال شهر مارس 2026، مراسم جنازة الشهيد العميد أحمد سمير نور الدين رئيس أركان حرس حدود المنطقة الجنوبية العسكرية، الذي استشهد أثناء تأدية واجبه الوطني في حماية حدود مصر الجنوبية. الجنازة أُقيمت بمسقط رأسه في قرية شنشور التابعة لمركز أشمون، وسط حضور شعبي ورسمي كبير، مع مزيج من الحزن والفخر بتضحياته.
شارك في جنازة الشهيد العميد أحمد سمير نور الدين عدد من القيادات التنفيذية والأمنية بالمحافظة، أبرزهم اللواء عمرو الغريب محافظ المنوفية، مساعد مدير أمن المنوفية لقطاع السادات، طارق أبو حطب رئيس الوحدة المحلية لمركز ومدينة أشمون، ومأمور مركز أشمون، إلى جانب لفيف من القيادات الشعبية وأهالي القرية.
بحسب تقارير صحفية زعمت أن مشاركة مصر في السودان تتزايد بجانب الجيش السوداني، عبر توسيع دعمها العسكري والفني للقوات المسلحة السودانية بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان، خاصة بعد التطورات الأخيرة في مناطق دارفور.
وأفاد تقرير صادر عن “الاستخبارات الأفريقية” بأن القاهرة كثفت دعمها للجيش السوداني منذ سقوط مدينة الفاشر في أكتوبر 2025، في خطوة تهدف لمساعدة القوات السودانية على إعادة تنظيم عملياتها في غرب السودان.
كشف التقرير أن العميد أحمد سمير عبد الوهاب نور الدين، الذي جرت جنازته العسكرية في 10 مارس 2026، استشهد خلال عملية متعلقة بتأمين الحدود الجنوبية لمصر.
وأوضحت مصادر متعددة، من بينها مسؤولون أمنيون مصريون واتصالات دبلوماسية وشخصيات مقربة من قوات الدعم السريع السودانية، أن الضابط قُتل داخل الأراضي السودانية خلال هجوم بطائرة مسيرة في مدينة كوستي جنوب الخرطوم.
وأشار التقرير إلى أن اللواء و3 جنود مصريين كانوا يؤدون مهام استشارية فنية متعلقة بعمليات الطائرات المسيرة مع القوات المسلحة السودانية حين استهدف الموقع بالقصف.
تحتضن كوستي بنية تحتية عسكرية حيوية تستخدمها القوات السودانية لدعم العمليات اللوجستية وإدارة النشاط العسكري في وسط وغرب السودان.
ونشرت تقارير تفيد بأن مصر أرسلت مستشارين وضباطاً لمساعدة الجيش السوداني في إنشاء مركز قيادة وتحكم مشترك في مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، والتي تُعد منطقة استراتيجية لمنع قوات الدعم السريع من التوسع نحو كردفان.
تشير التقارير إلى أن التطورات الجيوسياسية الإقليمية، وخصوصاً التوترات المرتبطة بالصراع الإيراني–الخليجي، قد تتيح فرصة للقوات السودانية لشن هجوم حاسم ضد مواقع قوات الدعم السريع في غرب السودان.
وأعلن الجيش السوداني مؤخراً استعادة السيطرة على مدينة برا، ثاني أكبر مدن شمال كردفان، في 5 مارس 2026. ويخطط القادة العسكريون للتقدم نحو النهود والخوي في غرب كردفان، إضافة إلى محاولة استعادة الفاشر التي سقطت بيد قوات الدعم السريع في أكتوبر 2025 بعد حصار دام 18 شهراً. وأكد التقرير أن نجاح هذه العمليات يعتمد بشكل كبير على الدعم الاستخباراتي واللوجستي من الحلفاء الإقليميين، بما في ذلك مصر والسعودية وتركيا.
في سباق متصل تداولت مصادر إعلامية ومنصات على وسائل التواصل الاجتماعي خلال شهر مارس 2026 مقاطع مصورة تظهر ما قالت إنه وصول مدرعات تكتيكية خفيفة من طراز “Calidus MCAV-20” إلى إثيوبيا أرسلتها الإمارات إلى قوات الدعم السريع في السودان.
تعقيب:
أثار استشهاد العميد أحمد سمير تساؤلات عديدة حول ملابسات الحادث، ومكان وقوعه، وما الذي يقف وراءه، في ظل غياب رواية تفصيلية واضحة تفسّر طبيعة ما جرى. وقد فتح هذا الغموض الباب أمام تساؤلات أوسع تتعلق بطبيعة التهديدات التي تواجهها الحدود الجنوبية، ومدى تعقيد المشهد الأمني في تلك المنطقة.
ومع ذلك، يظل الغموض هو السمة الأبرز في طريقة تعامل النظام المصري مع مثل هذه الأحداث، حيث يقتصر الخطاب الرسمي غالباً على الإطار العام المرتبط بـ”أداء الواجب”، دون الخوض في التفاصيل العملياتية أو تقديم رواية شاملة للرأي العام. هذا النمط من التعاطي يعكس توجهاً تقليدياً يقوم على تقليل تداول المعلومات المرتبطة بالملفات الأمنية الحساسة، لكنه في المقابل يترك مساحة واسعة للتكهنات والتفسيرات غير المؤكدة، ويغذي حالة من عدم اليقين حول حقيقة ما يجري في مسارح العمليات.
بشكل عام، فإن لمصر كامل الحق في حماية أمنها القومي من ناحية الجنوب. كما أن إفشال مخطط حميدتي، المدعوم إماراتياً، الذي يهدف إلى تقسيم السودان، يُعد حقاً أصيلاً لمصر وجيشها، الذي يجب أن يتخذ كافة الخطوات اللازمة لإفشال مشاريع تقسيم السودان.
خامساً: أسباب لقاءات السيسي ووزير الدفاع ورئيس الأركان المكثفة مع الضباط والجنود
- شارك السيسي، في حفل الإفطار الذي نظمته الأكاديمية العسكرية المصرية، وذلك بحضور الفريق أشرف سالم زاهر القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع والفريق أحمد خليفة رئيس أركان حرب القوات المسلحة، وعدد من الوزراء وقادة الأفرع الرئيسية، وقادة القوات المسلحة ، وطلبة الأكاديمية العسكرية والكليات العسكرية.
أكد السيسي أن الموضوع الرئيسي المستهدف من وراء برامج الأكاديمية هو بناء الإنسان، مشدداً على أهمية ذلك، وضرورة تحويل هذا الاهتمام إلى إجراء عملي حقيقي، وذكر السيسي أن الدولة قامت ببذل جهود كبيرة في التعليم الأساسي والجامعي، وهو أمر تستمر الدولة في القيام به، حيث تمت إضافة جامعات خاصة، وأهلية، مشيراً سيادته، في هذا الصدد، إلى أنه ارتأى إضافة تجربة أخرى موازية؛ وهي البرامج التعليمية بالأكاديمية العسكرية المصرية، حيث تمت الاستعانة بمتخصصين في علم الاجتماع، وعلم النفس لإعداد خارطة طريق لأنسب أساليب إعداد الإنسان.
وأشار السفير محمد الشناوي، المتحدث الرسمي، إلى أن السيسي أعرب عن سعادته بما يصله من انطباع إيجابي عن البرامج التي تقدمها الأكاديمية العسكرية، مشيراً إلى أنه سبق أن عبر أهالي الطلبة عن رغبتهم في إتاحة فرصة لأبنائهم للدراسة في كلية الطب العسكري، وتم بالفعل قبول دفعة جديدة هذا العام، وأكد السيسي أن عملية بناء الإنسان يجب أن تتم على أسس سليمة، لكي يكون الإنسان متوازناً وقادراً على الفهم والتعلم، مشدداً على أن تواجد الطلبة في الأكاديمية من خلفيات مختلفة يحظى باحترام كامل، ويؤدي إلى بناء نسيج قوي بين أبناء مختلف المؤسسات، كما أكد أنه لا وجود للمحاباة أو التمييز في اختيار الدارسين بالأكاديمية، وأن المعيار هو الكفاءة والمستوى الحقيقي، وأشار السيسي إلى أن البرامج التعليمية بالأكاديمية تهدف للبناء على الدروس المستفادة من الواقع الذي مرت به مصر منذ عام ٢٠١١، مؤكداً سيادته أن الهدف هو الالتقاء بين العاملين من الجهات المختلفة، وتأهيل الكوادر بصورة لائقة للوصول إلى هدف بناء الإنسان المصري، حيث إن مصر تحتاج إلى أجيال لديها رؤية ووعي وفهم تعمل على حفظ مقدرات شعبها للأجيال الحالية والمقبلة.
وأشار السيسي كذلك إلى أنه يتم تأهيل وتجهيز المعلمين بهدف ضخهم في المدارس، مشددا سيادته على أهمية عملية التأهيل حال إتمامها بشكل سليم، مشيراً إلى أن المعايير في الأكاديمية تستند إلى أسس قوية وجيدة واحترام كافة الدارسين، وأن الهدف هو بناء دولة حديثة يتم إنشاؤها بهدوء.
تعقيب:
يمثل تحوّل الأكاديمية العسكرية في مصر إلى بوابة رئيسية للتجنيد الإداري في مؤسسات الدولة مؤشراً على إعادة تشكيل عميقة في بنية الجهاز الإداري، حيث يصبح معيار الولاء مقدماً على معيار الكفاءة. هذا النمط من “الفلترة” لا يقتصر تأثيره على اختيار الأفراد فحسب، بل يمتد ليعيد صياغة طبيعة القرار الإداري نفسه، بحيث يميل إلى الانضباط الهرمي على حساب المرونة والكفاءة المهنية، وهو ما قد ينعكس سلباً على جودة الأداء المؤسسي وقدرته على التعامل مع التحديات المعقدة.
وفي سياق أوسع، فإن التوسع العسكري في المجالات العامة يمثل تحولاً استراتيجياً يتجاوز الأدوار التقليدية للمؤسسة العسكرية، التي يُفترض أن تتركز وظيفتها في حماية الأمن القومي والإعداد القتالي. دخول المؤسسة العسكرية ومؤسساتها التعليمية إلى المجال المدني بهذا الشكل قد يؤدي إلى تآكل الحدود الفاصلة بين المجالين العسكري والمدني، بما يُضعف من كفاءة كل منهما على حدة؛ إذ تتأثر المؤسسات المدنية بطبيعة الانضباط العسكري التي قد لا تتناسب مع متطلبات العمل الإداري الحديث، بينما تنشغل المؤسسة العسكرية بمهام خارج نطاق اختصاصها الأساسي.
هذا التداخل يحمل في طياته مخاطر بعيدة المدى، أبرزها إعادة توجيه موارد الدولة البشرية والتنظيمية نحو نمط إداري قائم على المركزية والانضباط الصارم، بدلاً من الابتكار والكفاءة التخصصية. كما قد يؤدي إلى تقليص مساحات التعددية داخل مؤسسات الدولة، بما يحدّ من قدرتها على إنتاج بدائل أو حلول مرنة. وفي المحصلة، فإن استمرار هذا المسار قد ينعكس سلباً على الدور الرئيسي للمؤسسة العسكرية نفسها، من خلال إبعادها تدريجياً عن مهامها الأساسية، وإدخالها في معادلات إدارة مدنية قد تستنزف جزءاً من تركيزها وقدراتها الاستراتيجية.
- شهد السيسي، فعاليات الندوة التثقيفية الـ٤٣، التي تنظمها القوات المسلحة، في إطار احتفالات مصر بيوم الشهيد والمحارب القديم، بمركز المنارة للمؤتمرات الدولية.
حضر فعاليات الندوة والفريق أشرف سالم زاهر القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع والإنتاج الحربي، والفريق أحمد خليفة رئيس أركان حرب القوات المسلحة، بالإضافة إلى عدد من قيادات القوات المسلحة.
- حضر السيسي، حفل الإفطار السنوي الذي أقامته القوات المسلحة تزامناً مع الاحتفال بذكرى انتصارات العاشر من رمضان؛ وذلك بحضور الفريق أشرف سالم زاهر القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع ، والفريق أحمد فتحي خليفة رئيس أركان حرب القوات المسلحة، وقادة الأفرع الرئيسية وقادة القوات المسلحة والشرطة المدنية ، وقدامى قادة القوات المسلحة، وعدد من طلبة الأكاديمية العسكرية المصرية. وقال السيسي خلال حفل الإفطار أنه لا قلق على مصر في ظل حالة الحرب الدائرة في المنطقة.
- التقى الفريق أشرف سالم زاهر، القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع، عدداً من قادة الوحدات والوحدات الفرعية بالجيشين الثاني والثالث الميدانيين، بمقر الأمانة العامة لوزارة الدفاع، وذلك بحضور الفريق أحمد خليفة، رئيس أركان حرب القوات المسلحة، وعدد من قادة القوات المسلحة. استعرض سالم زاهر عدداً من الموضوعات الجارية على الصعيدين الدولي والإقليمي المرتبطة بالأمن القومي المصري.
وأدار وزير الدفاع حواراً مع المقاتلين استمع فيه إلى آرائهم واستفساراتهم حول الأحداث التي تشهدها المنطقة، وطالبهم بالحفاظ على الروح المعنوية العالية والارتقاء بالمستوى المهاري والبدني للفرد المقاتل، مشيداً بالجهود التي يبذلها رجال القوات المسلحة بنطاق الجيشين الثاني والثالث الميدانيين على مدار الساعة لحماية الوطن وصون مقدراته.
- استمع الفريق أشرف سالم زاهر القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع لعرض تقديمي تضمن أوجه التطوير والتحديث التي شهدتها المنطقة المركزية العسكرية وذلك بحضور الفريق أحمد خليفة رئيس أركان حرب القوات المسلحة وقادة الأفرع الرئيسية .
تلى ذلك تفقد القائد العام للقوات المسلحة لنماذج من منظومة التطوير والجاهزية القتالية للدفاع الجوي والخدمات الطبية عكست الاستعداد القتالي للمنطقة المركزية العسكرية .
كما شارك عدداً من مقاتلي المنطقة المركزية العسكرية وقوات حرس الحدود والمظلات والصاعقة تناول وجبة الإفطار، ونقل الفريق أشرف سالم زاهر تحيات وتقدير السيسي للمقاتلين، مؤكداً على أهمية الاهتمام بالتدريب المستمر والحفاظ على الروح المعنوية العالية ليظل رجال القوات المسلحة في أعلى درجات الجاهزية القتالية للحفاظ على أمن الوطن وصون مقدساته.
ونوّه بحرص القيادة العامة للقوات المسلحة على توفير كافة الإمكانيات للاهتمام بالفرد المقاتل باعتباره الركيزة الأساسية لقواتنا المسلحة، كما أوصى رجال القوات المسلحة بمواصلة البحث والاطلاع للارتقاء بمستوى الوعى ليكونوا على دراية تامة بكل ما يدور حولهم من أحداث في ظل ما تموج به المنطقة من متغيرات حادة ومتسارعة ومدى ارتباط ذلك بالأمن القومي المصري.
وأعرب عن تقديره لما يبذله رجال القوات المسلحة من جهود للحفاظ على أعلى درجات اليقظة والجاهزية من أجل حماية حدود الوطن وسلامة أراضيه.
- وزير الدفاع يلتقى مقاتلي «البحرية والمنطقة الشمالية العسكرية» ويشاركهم الإفطار: استمراراً للقاءات الدورية التي قام بها القيادة العامة للقوات المسلحة لكافة التشكيلات والوحدات، استمع الفريق أشرف سالم زاهر القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع والإنتاج الحربى لعرض تقديمي تضمن أوجه التطوير والتحديث التي شهدتها المنطقة الشمالية العسكرية فضلاً عن دورها في دعم المجتمع المدني وذلك بحضور الفريق أحمد خليفة رئيس أركان حرب القوات المسلحة وقادة الأفرع الرئيسية وعدد من قادة القوات المسلحة .
وألقى الفريق محمود فوزي – قائد القوات البحرية كلمة أكد خلالها أن رجال القوات البحرية يجددون العهد على مواصلة العطاء للوصول إلى أعلى مستويات الجاهزية القتالية لإعلاء كلمة الوطن مهما كلفهم ذلك من تضحيات.
- التقى الفريق أشرف سالم زاهر القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع بمقاتلي قوات الدفاع الجوي وذلك بحضور الفريق أحمد فتحي خليفة رئيس أركان حرب القوات المسلحة وقادة الأفرع الرئيسية وعدد من قادة القوات المسلحة .
وألقى الفريق ياسر الطودي قائد قوات الدفاع الجوي كلمة أشار خلالها إلى حرص القيادة العامة للقوات المسلحة على امتلاك قوات الدفاع الجوي لأحدث النظم القتالية من الأسلحة والمعدات لتأمين سماء مصر على كافة الاتجاهات الإستراتيجية.
- التقى الفريق أشرف سالم زاهر، القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع ، بقيادات وضباط وصف وجنود هيئة الاستخبارات العسكرية، وعدد من عناصر الهيئة المكلفين بمهام خارج أرض الوطن عن طريق تقنية الفيديو كونفرانس، وشاركهم تناول وجبة الإفطار.
وخلال اللقاء ألقى اللواء أركان حرب شريف محمد فكري، رئيس هيئة الاستخبارات العسكرية، كلمة أعرب فيها عن خالص تقديره وامتنانه للقيادة العامة للقوات المسلحة على دعمها المستمر للهيئة، الأمر الذي يعزز من قدراتها على تنفيذ مهامها بكفاءة واقتدار.
كما تفقد وزير الدفاع، سير منظومة العمل داخل هيئة الاستخبارات العسكرية، بما يضمن الحفاظ على أعلى مستويات الجاهزية والكفاءة القتالية.
واستمع لتقدير الموقف على المستويين الإقليمي والدولي، كما تم عرض أبرز المستجدات، وعلى رأسها الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، وناقش عدد من القادة والضباط في أسلوب تنفيذ مهامهم المختلفة.
- التقى الفريق أشرف سالم زاهر وزير الدفاع المصري بعدد من مقاتلي القوات الجوية، وعدد من مقاتلي كافة القواعد الجوية على مستوى الجمهورية عبر تقنية الفيديو كونفرانس، بحضور الفريق أحمد فتحي خليفة رئيس أركان حرب القوات المسلحة وقادة الأفرع الرئيسية وعدد من قادة القوات المسلحة، استمراراً للقاءات الدورية التي تقوم بها القيادة العامة للقوات المسلحة لكافة التشكيلات والوحدات لمناقشة تداعيات التطورات الإقليمية.
- التقى الفريق أشرف سالم زاهر القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع عدداً من ضباط وضباط الصف من مقاتلي الأفرع الرئيسية للقوات المسلحة بمقر الأمانة العامة لوزارة الدفاع.
وذلك بحضور الفريق أحمد فتحي خليفة رئيس أركان حرب القوات المسلحة وقادة الأفرع الرئيسية وعدد من قادة القوات المسلحة.
استعرض زاهر خلال اللقاء عدداً من الموضوعات الجارية على الصعيدين الدولي والإقليمي المرتبطة بالأمن القومي المصري.
وأكد الفريق أشرف سالم زاهر أن الحفاظ على الكفاءة القتالية والاستعداد الدائم هو الضمان الحقيقي لتحقيق الأمن والاستقرار في ظل ما تموج به المنطقة من أحداث ومتغيرات ، مطالبهم بضرورة الحفاظ على الأسلحة والمعدات والارتقاء بالمستوى المهارى والبدني للفرد المقاتل لتظل القوات المسلحة في أعلى درجات الاستعداد لتنفيذ أي مهمة تسند إليها تحت مختلف الظروف ، كما شاركهم تناول وجبة الإفطار .
تعقيب:
بشكل عام، وخصوصاً في شهر رمضان الكريم، تقوم القيادات بزيارات للجيوش والمناطق والأفرع كإجراء بروتوكولي لتناول وجبة الإفطار مع الضباط والجند.
لكن في شهر مارس 2026، ومع بدء الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران، شهد هذا الشهر ارتفاعاً ملحوظاً في اللقاءات والزيارات التي قام بها السيسي، ووزير الدفاع أشرف سالم، ورئيس الأركان أحمد فتجي خليفة. ويهدف هذا التكثيف إلى توضيح رؤية القادة للضباط والجند حول طبيعة الحرب الجارية والدور المصري خلال هذه المرحلة.
سادساً: القرارات العسكرية
- صدق السيسي على إجراء تعديلات جديدة على قانون الخدمة العسكرية، ستغلظ بشكل كبير غرامات التخلف عن التجنيد. ودخلت هذه التعديلات حيز التنفيذ . بموجب التعديلات، يواجه كل من يتخلف عن التجنيد حتى تجاوز سن الثلاثين عقوبة الحبس وغرامة تتراوح بين 20 ألف جنيه و100 ألف جنيه، أو إحدى هاتين العقوبتين. في حين يواجه من يتخلف عن الاستدعاء للخدمة في الاحتياط عقوبة الحبس وغرامة تتراوح بين 10 آلاف و20 ألف جنيه، أو إحدى العقوبتين. وتوسع التعديلات أيضا من حالات الإعفاء لتشمل أكبر الأشخاص المستحقين للتجنيد سنا من إخوة أو أبناء الشهداء، والمفقودين، والمصابين بعجز يمنعه من الكسب نهائيا بسبب العمليات الحربية أو الإرهابية أو أثناء الخدمة.
أصدر السيسي، القرار رقم 152 لسنة 2026، بضم الكلية العسكرية التكنولوجية إلى الأكاديمية العسكرية المصرية، وتعد إحدى الكليات
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.




